الإثنين 02 / شوّال / 1441 - 25 / مايو 2020
‏(6) قلب بين الصدأ والبصيرة وأثارهما
تاريخ النشر: ٠٩ / ذو القعدة / ١٤٣٤
التحميل: 7638
مرات الإستماع: 8232

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالذكر وتعقل مضامينه ومعانيه أمر به تصلح القلوب إننا بحاجة لإصلاح هذه القلوب إننا بحاجة لجلاء القلب وتصفيته وإزالة الأكدار التي تجتمع عليه، وهذا الجلاء كما قال أبو الدرداء : " إن لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله "[1].

كل شيء له جلاء، الحديد له جلاء، والنحاس له جلاء، والفضة لها جلاء، والقلب له جلاء، فجلاؤه بذكر الله، الذكر الذي يكون في القلب، ويكون أيضًا باللسان.

هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، كما تصدأ المعادن القابلة لذلك كالنحاس، والفضة، وغيرهما، فهذا الذكر يجلوه فيجعله كالمرآة، وإذا تُرك فإنه يعود إليه هذا الكدر، والصدأ إذا كانت المرآة تصدأ ويعلوها ويعتريها ما يعتريه من الأكدار فتتشوش الرؤية ولا تكون واضحة، فهكذا هذا القلب يصدأ، يصدأ ويعتل بأمرين: بالغفلة، والذنب كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-[2]، وجلاؤه من الذنب بالاستغفار والتوبة، أن يكثر الإنسان من الاستغفار الذي يتضمن توبة حقيقية، وليس الاستغفار الذي يكون جاريًا على اللسان بمجرده من غير قصد التوبة، والرجوع والأوبة من الذنب.

وأما هذه الغفلة فإنه يجلو قلبه منها بذكر ربه وفاطره، وخالقه ، من كانت الغفلة غالبة عليه وهو كرار الذنوب، ينظر إلى ما لا يحل، ويتعاطى ما لا يحل، ويأكل ما لا يحل، ويتفوه بما لا يحل، ويمشي إلى ما لا يحل، فما حال ذاك القلب الذي صار صاحبه بهذه المثابة؟

قليل الذكر، كثير الذنوب، فاجتمع عليه أسباب الغفلة، اجتمعت الغفلة من أطرافها، فهذا القلب يكون صدأ فيحتاج إلى جهد مضاعف من كثرة ذكر وتوبة واستغفار، هذا الصدأ الذي يقع على القلوب هو بحسب غفلتها وبحسب مقارفتها من الشهوات والمعاصي، المشكلة أن هذه الصدأ كذاك الذي يعتري المرآة فلا تنطبع الصور على حقيقتها كما هي! فالقلب أشد حساسية وتأثرًا من المرآة، فإذا وجد فيه هذه الصدأ لم يعد القلب يرى الأمور على ما هي به، فيزين له الباطل، يزين له المنكر، لن تعد صور المعلومات على ما هي عليه فتنطبع بقلبه على حقيقتها، وذلك ما يعرف بضعف البصيرة أو انطماسها، البصيرة التي هي بصر القلب.

إذا وجدت هذه الغفلة معناها هذه مرآة مشوشة لا يرى فيها الأشياء بصورة واضحة، زجاج السيارة مرآة السيارة إذا كانت مليئة بالغبار مليئة بالصدأ من جوانبها وفي وسطها كيف يستطيع أن يرى الأشياء فيها؟ يراها مشوشة.

فالقلب يتأثر ويصدأ، ومن ثم فإنه قد يرى الباطل حقًّا، ويرى الحق باطلاً، ويرى المنكر معروفًا، ويرى المعروف منكرًا، تجادل بعض الناس وتحاول أن تقنعهم بدلائل الكتاب والسنة؛ لتبين لهم الحق، ولكن بلا جدوى؛ لأنه لم يعد يرى تلك الأشياء على صورتها الحقيقية، فهو يرى المنكر أنه معروف، وأنه حق، فإذا كان العبد بهذه المثابة وازداد ذلك على قلبه وأغفله وأهمله هنا يحصل الران، يتكدس، تكون الطبقة غليظة كثيفة كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14].

وإذا حصل مثل هذا الران يكون القلب مطموسًا مغموسًا بالباطل والهوى فلا يفيق من غفلته، ولا يرجع عن ضلالته، ولا يرعوي من ذنب ومعصية ومقارفة محرمة، وإنما يسترسل في ذلك إلى الممات إلا من رحم الله -تبارك وتعالى-، فقد يبلغ من العمر عتيًا، قد يصيبه من الأمراض الخطيرة، ويقول له الأطباء: أيامك باتت معدودة، ومع ذلك على نفس الباطل، لا توبة، لا رجوع، لا بيان للحق، لا تكفير عن تلك الذنوب والسيئات والجرائر، أبدًا، إصرار إلى الممات هذا تفسير لحالات نراها ونشاهدها من البقاء على الفساد والشر والضلال إلى آخر رمق، هذا إذا وصل القلب إلى هذا المستوى الران، حجب كثيفة على هذا القلب فلا يصل إليه موعظة، لا يقبل النصيحة، لا يتأثر ولو سيقت له الدلائل، وجاءته أنواع النذر الحسية والمعنوية فإنه لا يمكن أن يقبل، أو يرجع، أو يتوب، أو يتأثر فهذا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث المشهور: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا[3].

هذه الأشياء التي تعرض علينا، هنا مشهد وهناك مشهد، وهنا صفقة وهناك معصية أخرى تتصل بأكلة أو غير ذلك، فإذن كل ذنب منها هو في القلب نكتة سوداء، تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين أسود مربادًا، كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، مقلوب الكوز إذا كان مقلوبًا لا يمكن أن يستقر فيه الماء، إلا ما أشرب من هواه، وأبيض كالصفاة لا تضره فتنة ما قامت السماوات والأرض، السلامة من الفتن، السلامة من الفتن بجميع أنواعها ما الطريق؟

بعض الناس يتساهل في مثل هذه القضايا يقول الكلام على هذه الموضوعات، الكلام على قضايا تتعلق بالأذكار، الكلام على قضايا تتعلق بأعمال القلوب، الكلام على قضايا بل لربما يأتي من يقول الكلام على المنكرات الأخرى في إنكار المنكر ونحو ذلك هذه قضايا ينبغي أن لا يتشاغل بها الإنسان، يتشاغل بماذا؟

هو بزعمه الإصلاح العام القضايا العامة كيف يكون الإصلاح العام وهو مضيع لقلبه؟

كيف يكون الإصلاح العام وهو مفتون تتابع عليه هذه الفتن، وهذا القلب يتشرب، الذي قد أظلم قلبه، الذي لا يعرف ربه الذي لا يذكر ربه الذي لم يستنر قلبه بذكر الله -تبارك وتعالى- كيف يستطيع أن ينير للآخرين الطريق؟

كيف يستطيع أن يوجه؟ كيف يكون هاديًا وقلبه لم يهتد الاهتداء الصحيح المطلوب؟

ليست القضية عبارات وكلمات مزخرفة يركبها الإنسان من عند نفسه وينشرها هنا وهناك، كعبر وسائل الإعلام الجديد، ثم هو يستخف بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ من هذه القضايا وأشباهها؛ بزعمه أنه يشتغل بأمور أعلى وأعظم وأهم، يبدأ الإصلاح بإصلاح هذه النفس، وإصلاح هذا القلب، والأعمى لا يمكن أن يدل الناس، ولا يمكن أن يبصرهم، ولكن قد علم كل أناس مشربهم.

فهذا الهوى هذه الغفلة هذه المعاصي كل ذلك يطمس القلب، ولهذا قال الله : وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] مضيع مفرط الحافظ ابن القيم -رحمه الله- يعلق على هذه الآية يقول: "الرجل إذا أرد أن يقتدي برجل انظر، -إذا أردت أن تقتدي بأحد من الناس- يقول: "فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟ هذا أول أمارة وعلامة، هل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ يقول: "فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطًا"[4]، هذا لا يستحق أن يقتدى به، هو غافل، فهذا مضيع للأمر الذي كان عليه أن يلتزمه وأن يقوم به فضيعه، فكيف يرجى من اتباعه فلاح ورشد وهدى؟

وهكذا يقول الحافظ ابن القيم: "ينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك وإلا فليبعد عنه"[5]، وجد قلبه عامرًا بذكر الله ووجد لسانه لاهجًا بذكره، إنسان حي القلب، كثير الذكر، صلته بربه قوية، فهذا الذي يستنير قلبه، مثل هذا يقول الحافظ ابن القيم فليستمسك بغرزه، يستمسك بغرزه فهذا يكون على الطريق يكون على هدى، وسبيل مستقيم.

هذا الذكر يورثنا حياة هذا القلب، يزيل صدأه وهو كالماء للزرع، وشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك"[6]، فكيف يكون حال السمك إذا فارق القلب؟

يتلبط ثم ما يلبث أن يبرد ويفارق الحياة، وهكذا القلب فهذا الذكر قوت للقلوب والأرواح فإذا حيل بينه وبين الذكر أو تركه أو أغفله وأهمله صار بمنزلة الجسم إذا حبس عنه القوت، ما الذي يحصل له؟

هزال، شحوب، ذبول، ثم بعد ذلك الموت المحقق؛ فالذكر للقلب أعظم من الغذاء للبدن، ابن القيم يقول: "حضرت شيخ الإسلام مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله -تعالى- إلى قرب من انتصاف النهار"، يعني إلى قريب من الظهر هذه جلسة ذكر يقول: "ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي"[7].

هذا شيخ الإسلام الذي هو شيخ الإسلام إمام الدنيا في زمانه، ولا زال العلماء ممن هم على الطريق الصحيح في الاعتقاد ولزوم السنة ينهلون من علمه إلى اليوم، كما قال بعض تلامذته لما حبس وأوذي كان يوصي تلامذته -هذا العالم- بنشر كتبه، وعلمه، يقول: وسيأتي رجال وهم في أصلاب آبائهم الآن ينتفعون من هذه الكتب، يوصيهم بكتب شيخ الإسلام، فكان يجلس إلى نصف النهار، يذكر الله ويقول: لو لم أفعل لسقطت قواي.

إذن ماذا نقول: نحن معاشر المساكين الضعفاء المفرطين كم الوقت الذي نقضيه في الذكر؟ كم الوقت لربما الأكثر منا هو الذي يجلس نصف ساعة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، وهذا يفسر بكل بساطة ما نعانيه من ضعف حال المصائب، فلا نتمالك، من ضعف أمام الشهوات فنقدم على مقارفتها، ونعصي الله صباح مساء، هذا الذي يفسر لنا هذه الوحشة التي نجدها في صدورنا في قلوبنا، هذا الذي يفسر لنا تلك المخاوف مجهولة المصدر أحيانًا التي توجد في النفوس.

شيخ الإسلام يقول: "لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة للذكر إلى ذكر آخر"[8]، إذن كيف الذي كل وقته إجمام في الليل كل يوم دورية، كل يوم مطاعم، وفي الأوقات الأخرى هنا وهناك فهو بين نوم وترويح وجاءت هذه الأجهزة التي أكملت على الباقي من الأوقات.

وهذه الوسائل فمتى يكون هذا الذكر؟ تجد الإنسان قد جف لسانه ولا يكاد يذكر ربه -تبارك وتعالى- ثم يقول: أعاني؛ طبيعي ستعاني، يا إخوان هذا الأكل والشرب والمتع واللذات والجماع والنزه وما إلى ذلك كل هذا، هذا إجمام تنعيم للجسد دم ولحم وعظم وعصب، أما الروح هذه لا يمكن أن يكون لها راحة ولذة وسرور وعافية إلا بأن تتصل بربها وخالقها صلة قوية على قدر هذه الصلة لا يضره شيء بإذن الله ، لا يضره شيء ما قامت السماوات والأرض بإذن الله، وتتبدد عنه تلك المخاوف، تتبدل عنه تلك الأوهام.

القلب فيه فقر ذاتي، فيه خلة كما يقول شيخ الإسلام، وكما يقول ابن القيم -رحمه الله-[9] لا تسد إلا بهذا الذكر الذي يكون منشأه وأصله في القلب، ثم هو بعد ذلك يجري على اللسان فهذا الذي يفني الفاقة ويسد الخلة فيكون صاحبه غنيًّا بلا مال، عزيزًا بلا عشيرة، مهيبًا بلا سلطان، أما ذاك الغافل فهو على الضد فقير مع كثرة الجدة، ذليل مع السلطان، حقير مع كثرة العشيرة، وهكذا أيضًا أمور أخرى تتصل بالقلب لكن الوقت لا يسع لذكرها في هذا المجلس، والليلة القادمة -إن شاء الله تعالى- لأهمية هذا الجزئية سأتحدث عن معاقبات لهذا الحديث -إن شاء الله تعالى-.

وأسأل الله أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يهدينا إلى أحسن الأقوال والأعمال، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص والنية، وأن يعيننا على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، ربنا اغفر لنا، ولوالدينا، ولإخواننا المؤمنين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وسلم.

  1. شعب الإيمان (2/ 63)، رقم: (520).
  2. الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:40).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وأنه يأرز بين المسجدين، برقم (144).
  4. الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:41).
  5. الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:41).
  6. الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:42).
  7. الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:42).
  8. انظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:42).
  9. انظر: العبودية (ص:97)، ومجموع الفتاوى (10/ 194)، ومدارج السالكين (1/ 439).

مواد ذات صلة