تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
مقدمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تاريخ النشر: ٢٠ / صفر / ١٤٢٧
التحميل: 2000
مرات الإستماع: 2457

مقدمة باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب جديد في هذا الكتاب المبارك وهو باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف يعني الأمر بكل ما عُرف من طاعة الله ، فكل خير تألفه النفوس، ويرتضيه أصحاب الفطر المستقيمة والعقول السليمة فهو من جملة المعروف، ولهذا فإن الله يحيل بعض الأمور إلى العرف والمعروف، قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، ولم يحدد فيه حدًّا معيناً، وإنما يكون ذلك في كل زمان ومكان بحسبه، ويشمل كل ما عرف من الخير بجميع أنواعه العملية والقلبية، ويدخل في المعروف أيضاً ما يحفظ للناس مروءتهم، ويبقيهم على سَنن قويم، وهدى مستقيم في معاشهم وتعاملاتهم، وإن لم يكن ذلك قد ورد الأمر فيه بخصوصه من قبل الشارع، لكن الشريعة جاءت بكل خير، وبكل ما فيه صلاح ونفع للناس، فقد نأمر الإنسان أحياناً وننصحه بأمور تحفظ له كرامته ومروءته، وإن لم يكن ذلك من قبيل المأمور به شرعاً بخصوصه، فإنك قد تقول لإنسان: هذا الشيء لا يناسبك، وهو ليس محرمًا.

كذلك أيضاً المنكر فهو: اسم لكل ما أنكره الشارع من الأمور المحرمة، والأمور المكروهة، ويدخل في ذلك ما يتعلق بترك المعروف من طاعة الله من الواجبات، بل يُنصح الإنسان ويُذكر حتى في ترك المستحبات، فهذا من النهي عن المنكر، ويدخل فيه ما خالف الأعراف الصحيحة والذوق السليم، فقد يُنهى الإنسان عن بعض الاشياء وهي ليست محرمة ولا مكروهة شرعاً بخصوصها ولكنها غير لائقة وتهبط بمستوى الإنسان لذلك نُهي عنها، ومن تكامل الشريعة أن الله أحل فيها الطيبات وحرم الخبائث، والخبائث هي: كل ما استخبثته الفطر السليمة والنفوس السوية، ولذلك فإن بعض الأشياء لم يرد فيها دليل بخصوصه، مثل: أكل الحشرات ليس عندنا دليل يدل بخصوصه على تحريم أكلها، لكن عندنا قول الله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ [الأعراف:157] فننهاهم عن هذا بهذا الاعتبار، فكل ما جاءت به الشريعة من الأوامر فهو خير ومعروف وطيب، وكل ما نهت عنه فهو شر وخبيث ومرذول.

تفاوت درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وحينما يقال: الأمر بالمعروف فهو أعم من الأمر الذي يقتضى الإلزام؛ لأن الأمر بالمعروف يجب معه الامتثال، كأن نقول لشخص: صلِّ الفريضة، وقد يكون الأمر بمستحب من المستحبات، كما نقول لإنسان: صم الإثنين والخميس، أو صلِّ الوتر، فهذا الأمر للاستحباب، وقد يكون الأمر بالشيء باعتبار ما تدعو إليه الفطر السليمة، وتستحسنه العقول السوية مما يحفظ للإنسان كرامته، فيؤمر به، وكذلك النهي عن المنكر إذا كان النهى عن شيء محرم، أوعن شيء مكروه فالأمر يتفاوت أيضًا، فالنهي تارة يكون للإلزام كما يكون في النهي عن المحرمات، وتارة للندب كما إذا نهينا عن شيء من المكروهات؛ ولهذا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجملة من أعظم واجبات الدين، ولكن في العمل المعين بخصوصه يتفاوت، فإن كان المأمور به واجباً فالأمر به واجب، وذلك إذا وُجد الشرط وانتفى المانع، وكان الإنسان قادراً على ذلك ولا يترتب عليه مفسدة أكبر، وإلا فقد يأمر الإنسان بالمعروف، ويترتب عليه مفاسد كبيرة، ويكون الإنسان بهذا العمل مفسداً لا مصلحاً، وكذلك حينما نأمر بالمستحب يكون الأمر للاستحباب، فمثلاً إذا ترك بعض الناس شيئًا من المستحبات هل يجب أمرهم؟ الجواب: لا، ولكن يستحب، إنسان فعل محرماً هل يجب نهيه؟ الجواب: نعم في هذه الحالة يكون واجباً، مع وجود الشروط وانتفاء الموانع، فعلوا مكروهاً لا يجب نهيهم، لكن يستحب ويستحسن، وتارة يحرم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك أن يأمر الإنسان بالمنكر وينهى عن المعروف جهلاً منه، كما يفعل بعض الناس، فيأمر بأشياء من المنكر، وينهى عن أشياء من المعروف، ويظن أنه على الجادة، وهو مخطئ، كذلك أيضا لو أن الإنسان أمر بمعروف أو نهى عن منكر حقيقة، ولكن هذا الأمر يترتب عليه مفسدة كبيرة، فيكون حينها الأمر حرامًا؛ولهذا قال الله وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:108] سبُّ آلهة المشركين أمر مباح.

ولكن عندما يؤدي إلى سب الله يكون حرامًا، وكذلك قد تأمر إنسانًا بمعروف، أو تنهاه عن منكر فيؤدي ذلك إلى مفسدة أكبر، كسب الدين، أو سب الله ، أو يؤدي إلى كبيرة من الكبائر فيحرم الأمر حينها لما يترتب على ذلك، فأمر المآلات وما تصير إليه الأمور أمر يجب مراعاته شرعاً، ولذلك يقول النبي ﷺ: لعن الله من لعن والديه[1]، وهذا يفسره قوله ﷺ: من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه[2]، النتيجة متوقعة هو لن يسكت، فيكون بهذا متسبباً في لعن والديه، فلحقته اللعنة.

وصايا للدعاة

ولذلك يجب على الإنسان أن ينظر فيما يأتي وما يذر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون مريداً لوجه الله بذلك، ولا يريد تحقيق الذات كما يقال، أو قهر الناس، أو السيطرة أو فرض نوع من الوصاية عليهم، أو نحو ذلك، لا يريد إلا ما عند الله ؛ لأن الله تعبدنا بهذا، وهذه قضية نحن أحوج ما نكون إليها، والكلمات الصادقة تصل إلى القلوب، والناس يميزون ويعرفون المخلص من غير المخلص، فليست القضية مجرد وظيفة يؤديها الإنسان، أو تبعة يلقيها من كاهله، بل هذا فرض فرضه الله ورتب على تركه اللعن، قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [المائدة:78]، ثم فسره بما بعده، فقال تعالى: كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة:79]، لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة:63]، أي: هلا نهوهم عن هذه الأمور.

والعقوبات الخاصة والعامة إنما تقع بسبب ترك الأمر، وهو باب واسع، والناس بحاجة إلى تذكر هذا الموضوع دائماً، وليست القضية منوطة بفلان أو فلان، بل هذا واجب شرعي كما قال النبي ﷺ: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده[1]،  أي: كل من رأى وهو مستطيع، لكن بشرط العلم، ولا يعني ذلك أن يصير الآمر عالمًا نحريرًا حتى يأمر، بل هناك أمور معروفة لا تحتاج، فأنت تعرف وجوب الصلاة، ورأيتَ إنسانًا لا يصلي ذكِّره وانصح له، بالكلام الطيب، بالحكمة، نستطيع أن نؤدي ما نريد بقالب مقبول تقبله النفوس وتُقبل عليه، أما الضرب والكلام العنيف الذي يجرح فكما قال الإمام أحمد: "ما أغضبتَ أحداً فقَبل منك"، تسب إنسانًا وتشتمه من أجل أن يقبل، لن يقبل منك.

والداعية إلى الله ينبغي أن يبحث عن أقرب الطرق، وأنسب الوسائل، وبطريقة محببة إلى النفوس، والتأمل في دعوة الأنبياء كيف يأمرون وينهون، فهذا الخليل إبراهيم يتلطف في دعوته لأبيه، فيقول ويكرر قوله: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ [غافر:32] فنحن بحاجة إلى مثل هذا، لكن أحياناً الإنسان يأتي من باب الغيرة والغضب لله ، ولا يبالي بأحد، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويقول كلامًا ثقيلاً، وهو يريد الخير، ولكنه أخطأ الطريق الصحيح، فهذه أمور يحتاج الإنسان أن يعرضها على نفسه، وأن يفكر فيها جيداً، وسبل إصلاح الناس، وما يحتاجون فيه إلى البدائل، وما يعتور ذلك ويمنع قبولهم من وجود الأسوة السيئة، والقدوة الفاسقة، يأمرهم بأشياء وهو لا يفعلها، فيكون بذلك فتنة لهم، ويكون مستوجبًا للوعيد الذي أخبر به النبي ﷺ: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه[2]، ووجود الممارسات الخاطئة في الخارج هي دعوة صامتة لفعلها، ونحن حينما نفعل أشياء غير جيدة فنحن ندعو لها في الواقع، ولو كنا لا نتكلم أو نتفوه بها.

فنحتاج أولاً أن نفعل الخير، ونترك الشر وليس معنى ذلك أنه لا يأمر ولا ينهى إلا من تحقق فيه الكمال، فالكمال متعذر، وإنما سددوا وقاربوا، والتقصير في جانب لا يعفينا من الجانب الآخر، ففرائض الدين متعددة صلاة، وصيام، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، فإذا تُرك شيء من طاعة الله فليس معنى ذلك أن يُترك الشيء الآخر، بعض الناس يقول: أنا غير ممتثل إذاً أنا لا آمر ولا أنهى، نقول له: تركتَ واجبًا آخر وصار التقصير أعظم، والله حينما قال لبني إسرائيل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، عابهم الله على هذا الفعل القبيح، يأمرون بشيء ولا يفعلونه، لكن أقبح منهم من لم يأمر ولا ينهى، هذه قضية مهمة، وأقبح منه  -نسأل الله العافية- من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، داعية للشر، ويثبط عن الخير، ويخذِّل الناس عن فعله، وهذه أسوأ مرتبة.

نسأل الله أن يهدي قلوبنا، وأن يصلح أعمالنا، وأن يهدينا جميعاً إلى طاعته ومرضاته وما يقرب إليه، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين، وأن يصلح أحوال المسلمين شباباً وشيباً رجالاً ونساء، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم, كتاب الإيمان, باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (1/ 69)، رقم: (49).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله (4/ 2290)، رقم (2989).

مواد ذات صلة