تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
حديث "إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل.."
تاريخ النشر: ١١ / جمادى الآخرة / ١٤٢٧
التحميل: 1719
مرات الإستماع: 3194

إنْ كان رسول الله ﷺ ليَدَعُ العمل وهو يحبه

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن الأحاديث التي أوردها المصنف -رحمه الله- في باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم:
حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "إنْ كان رسول الله ﷺ ليَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس، فيُفرض عليهم"[1]، متفق عليه.

والشاهد في هذا الحديث الذي أورده من أجله المصنف -رحمه الله- ظاهر، وهو أن النبي ﷺ لربما أحب شيئاً من الأعمال فتركه شفقة ورحمة وكراهية أن يفرض على الناس، وذلك كقيام الليل جماعة، احتجر رسول الله ﷺ حجيرة مُخَصَّفةً أو حصيرًا، فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها، فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته، ثم جاءوا ليلة فحضروا، وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحَصَبُوا الباب، فخرج إليهم مغضبًا، فقال لهم رسول الله ﷺ: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة[2]، وهذا بطبيعة الحال في زمن التشريع، وبعد موته ﷺ فإن ذلك قد أُمن  من أن يفرض على الناس؛ لأن التشريع قد اكتمل، ولهذا جمعهم عمر على إمام واحد، وقال: نعمت البدعة هذه، وأصل هذا العمل عمله رسول الله ﷺ، وتركه لعذر، ثم بعد ذلك أعاده عمر .

لكن ينبغي أن يفرق في هذا المقام بين أمرين، بين هذا الحديث وما يدل على شفقة النبي ﷺ بأمته، وبين ما ورد من النصوص العامة والخاصة التي تحث على العمل الصالح، فالحث على العمل الصالح أمر لا شك أنه مقرر وواقع كثيراً في الشريعة في نصوص الكتاب والسنة، وقد جاء الثناء على السابقين بالخيرات، وحث الناس على المسارعة في طاعة الله -تبارك وتعالى، كما في قوله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133-134]، إلى غير ذلك من النصوص وهي كثيرة جداً في الباب، فهذا أمر مقرر.

ويلحظ معه قول الله -تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التغابن: 14]، فهذه العداوة التي وصفها الله -تبارك وتعالى- وحذر منها ليست العداوة التي بمعنى البغض والكراهية، وإنما هي عداوةٌ الجالبُ لها المحبة والشفقة، وذلك أن الرجل لربما يريد الهجرة مع رسول الله ﷺ فيتعلق ولده بثوبه، وتأخذ امرأته بيده ويقولون: إلى من تدعنا وتتركنا؟ فيرق لهم، فيترك الهجرة، فإذا أراد الحج لربما تعلقوا به، وإذا أراد أن يصوم قالوا من باب الإرفاق والمحبة والشفقة: الصيام يشق عليك، وإذا أراد أن يعتمر قالوا: قد اعتمرت، لا نطيق فراقك، أو يقولون له إذا كان في أول العمر: أنت شباب وأمامك فرصة ومجال واسع، وإذا كان الإنسان قد رق عظمه وتقدم به السن قالوا له: أنت ضعيف، ولا تطيق ذلك وهذا يشق عليك، فيقعدونه عن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، فيكون الواحد منهم دافعه المحبة والشفقة، ولكنه قد فعل بصاحبه فعل عدوه المبغض، ماذا يريد عدوه منه؟ لا شك أنه يريد أن يقعده عن الخير والقربات، فهذا لون وشفقة النبي ﷺ لون آخر، فينبغي أن نفرق بين هذا وهذا.

  1. أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، (2/ 50)، برقم: (1128)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثماني ركعات، وأوسطها أربع ركعات أو ست، والحث على المحافظة عليها، (1/ 497) برقم: (718).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله، (8/ 28)، برقم: (6113) ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها،  باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، (1/ 539).

مواد ذات صلة