تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 03 / ربيع الآخر / 1440 - 11 / ديسمبر 2018
شرح حديث أَبي هريرةَ رضي اللَّه عنه "المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لاَ يخُونُه وَلاَ يكْذِبُهُ وَلاَ يخْذُلُهُ" 2
تاريخ النشر: ٢٠ / جمادى الآخرة / ١٤٢٧
التحميل: 1854
مرات الإستماع: 12758

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

في باب تعظيم حرمات المسلمين كنا نتحدث في حديث أبي هريرة  قال، قال رسول الله ﷺ: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه، وماله، ودمه، التقوى ها هنا ...[1].

وقوله: التقوى هاهنا يعني: في القلب، والتقوى حقيقتها معروفة، وهي أن يجعل الإنسان بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى، وألا يجدك حيث نهاك، وألا تُفقد حيث أمرك، والتقوى إنما تنشأ من القلب، وذلك أن عمل القلب أصل لعمل الجوارح، وكل أعمال الجوارح إنما هي متفرعة من عمل القلب، ولذلك قال النبي ﷺ: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب[2].

فهذا القلب هو ملِك الجوارح وهي رعيته، وتصلح  بصلاحه وتستقيم باستقامته، فقد تكون الجوارح مشتغلة بما ظاهره أنه من الأعمال الصالحة، ولكن الإنسان بمنأى عن ذلك كله إذا كان قلبه خالياً من تقوى الله ، وإرادة ما عنده، والإخلاص لوجهه، ولهذا قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله: "والتحقيق أن كل عمل في الظاهر من مؤمن لابد أن يصحبه عمل القلب، بخلاف العكس، فلا يُتصور عمل البدن منفردًا إلا من المنافق الذي يصلي رياء وكان عمله باطلًا حابطًا"[3]، ويقول -رحمه الله- أيضاً: "فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل القلب والجوارح، وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب؛ والأصل فيه التصديق والعمل تابع له"[4]، وذلك أن الإنسان تسلم جوارحه لربه ومليكه وخالقه ، فيذعن، فلا تمشي الرجل إلى شيء حرمه الله -تبارك وتعالى، ولا تبطش اليد بشيء حرمه الله، ولا تسمع الأذن شيئاً حرمه الله، ولا تمتد العين إلى شيء لا يحبه الله ويسخطه، هذا معنى التقوى هاهنا، وليس المراد أن الإنسان يزعم أن قلبه قد اتقى وإن كانت جوارحه تشتغل بالمعصية، فهذا فهم غير صحيح، لأنه لو كان متقياً حقيقة لصلحت جوارحه، وصلحت أعماله، فصلاتنا، وصيامنا وحجنا، وصدقتنا، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وكفنا عن جميع أنواع المحرمات، والمشتبهات والمكروهات هو من التقوى، والناس في هذا مراتب يتفاوتون فيها غاية التفاوت، ويحصل بسبب ذلك تفاوتهم في سيرهم على الصراط، وكذلك  تفاوتهم في المنازل في الآخرة، بهذه التقوى، لا بالأشكال ولا بالأموال، ولا بقُوى الأبدان.

وقوله: بحسب امرئ من الشر..، يعني: يكفيه من الشر أن يحقر أخاه المسلم، لأنه لا فرق بينك وبينه من حيث معنى الإنسانية، فالله يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، ويقول أيضاً: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء70]، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ [البقرة: 34]، وقال تعالى حكاية عن قول إبليس: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62]، فالله -عز وجل- كرم ابن آدم، وأعطاه من ألوان الكمالات التي نعرفها، وما يخفى علينا من ذلك أكثر، ثم يأتي إنسان ويُعرض عن هذا كله، ويحتقر هذا الإنسان؛ لأن جنسيته كذا، أو لأنه من القبيلة الفلانية، أو من البلد الفلاني، فهذا من عمل الشيطان، ولذلك تعجب حين ترى أمماً من الأعاجم لا فرق بينهم إطلاقاً في الشرف، وأعمالهم ومروءاتهم متقاربة، ومع ذلك تجد أن بعضهم يحتقر الطائفة الأخرى أو القوم الآخرين من جيرانهم غاية الاحتقار، ويغضبون جداً إذا نُسبوا إليهم، إذا أخطأ أحد ونسبهم إليهم وقال لهم: أنتم من كذا، يغضبون غاية الغضب، وهذا يحصل كثيراً في المسلمين وغيرهم، ولا يوجد مبرر لهذا الغضب قطعاً، حيث لا مكارم يتمايزون بها، ولا فضائل يتفاضلون فيها.

 فالتفاضل إنما هو بالتقوى، كما قال النبي ﷺ: لا فضل لعربي على عجمي، ولالعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى[5]، فإذا استوى العربي والأعجمي بالتقوى فيكون للعربي مزية وهو أنه من هذه الأمة المكرمة الشريفة، التي قد جعلها الله حاملة للرسالة، وجعل لغتها هي لغة القرآن، وجعل النبي الخاتم الذي هو أفضل الأنبياء من هؤلاء، قال النبي ﷺ: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل[6]، فهؤلاء لا شك أن الله اختارهم وكرمهم، فإذا كان الإنسان متقياً وهو من الأعاجم والآخر من العرب وهو غير متقٍّ فإن الأعجمي أفضل منه، قال تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]،  فهذا عم النبي ﷺ وهو قرشي نسباً ولكنه لم ينفعه نسبه حيث لم يؤمن، والنبي ﷺ يقول: سلمان منا أهل البيت[7].

فالكبر آفة وصفة ذميمة في الإنسان ونقص فيه، وإنما كمال الإنسان بالتواضع، لأن الكبر صفة لا تصلح للمخلوق إطلاقاً، وإنما تصلح للخالق، فإذا لبسها يكون قد أزرى بنفسه وحط من قدره، ولهذا قال النبي ﷺ: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر[8]، تجد بعض الناس يحتقر أخاه المسلم، وقد يُحقر الرجل على شيء من مظاهر الدنيا، ولربما يأنف الناس من مصافحته أو السلام عليه، أو الجلوس بجانبه، وقد يكون أتقى لله منه، قال النبيﷺ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره[9]، وقد يكون ذا أطمار، مدفوعًا بالأبواب، أشعث أغبر إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يذكر، ومع ذلك هو عند الله بمنزلة عالية.

 فهذه القضايا لا يلتفت فيها إلى مظاهر الدنيا وبهرجها، وما يتنافس فيه المتنافسون، وإنما ينظر فيها بالميزان الصحيح وهو التقوى.

هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه (3/ 128)، برقم: (2442).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، (1/ 20) برقم: (52)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، (3/ 1219) برقم: (1599).
  3. المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 100).
  4. مجموع الفتاوى (7/ 263).
  5. أخرجه البيهقي، في شعب الإيمان (7/ 132)، برقم: (4774)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم: (2700).
  6. أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي -صلى الله عليه وسلم، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، (4/ 1782) برقم: (2276).
  7. المعجم الكبير للطبراني (6/ 212)، برقم: (6040)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، برقم: (3704)، وقال: ضعيف جداً.
  8. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، (1/ 93) ، برقم: (91).
  9. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {والجروح قصاص}، (6/ 52)، برقم: (4611)، ومسلم، كتاب الأيمان، باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها، (3/ 1302)، برقم: (1675).

مواد ذات صلة