تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 18 / صفر / 1441 - 17 / أكتوبر 2019
حديث "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع.."
تاريخ النشر: ٠٤ / رجب / ١٤٢٧
التحميل: 2828
مرات الإستماع: 32318

أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا هو الحديث الأخير في باب تعظيم حرمات المسلمين وهو حديث أبي عمارة، ويقال في كنيته: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل، وقد سبق الكلام عليه في باب التوكل.

 قال أبو عمارة البراء بن عازب -صحابي ابن صحابي: "أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج"[1].

هناك في الحديث الذي قبله وهو حديث أبي هريرة قال: حق المسلم على المسلم خمس..[2] فعبر بالحق، وهنا قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع" فلفظة الحق هناك تشعر بالوجوب، وكذلك لفظ الأمر لأن الأصل أنه للوجوب إلا لصارف يصرفه من الوجوب إلى معنى آخر كالندب مثلًا.

 ولذلك رد الحافظ ابن حجر -رحمه الله- على من قال: إن المقصود بالحق في قول النبي ﷺ: حق المسلم على المسلم الحرمة؛ لأن هذا خلاف الظاهر.

النبي ﷺ أمر بهذه الخمس أو الست أو السبع، لأسباب:

أولاً: أن ذلك يناسب المقام الذي ذكرها فيه بالنسبة للمخاطبين الذين خاطبهم.

ثانياً: أن تلك كانت هي الحقوق التي شرعت حينها مثلًا، وهذا فيه بُعد.

ثالثاً: أن النبي ﷺ ذكرها لشدة الحاجة إليها، وكثرة وقوع ذلك في الناس، بخلاف الأشياء النادرة.

وقوله: "أمرنا بعيادة المريض" وعيادة المريض هنا عامة، لم يحدد نوع المرض، كل ما عرض لصحة الإنسان فإنه يكون من المرض سواء كان خفيفًا أو كان شديدًا، ولكن ذلك يتأكد معه الحق في العيادة إذا كان المرض يقعده، وكلما كان المرض أشد كلما كان طلب العيادة أولى وآكد، وهذا إذا كانت مصلحة المريض تقتضي هذا، لكن أحيانًا قد لا تقتضيه إما لأنه يتضرر من جهة الجزع يعني إذا عاده أصحابه تذكر العافية ونظر إلى حاله وما أقعده فجزع خاصة الأمراض التي لا يرجِّى الإنسان برأها، فمثل هذا لا تثار أحزانه.

وكذلك إذا كان المرض يضره من جهة العدوى مثلًا -وهي بإذن الله كأن يكون هذا الإنسان قد نقصت مناعته مثلًا أو غير ذلك من الأمور فقد تكون الزيارة ليست في مصلحته كما هو معلوم، والجمهور على أن عيادة المريض سنة، وليست بواجبة، وهذا الحديث فيه أمر من النبي ﷺ، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا.

وقوله: "واتباع الجنائز" ذكرنا أن المراد من مكانها الذي صُلي عليها به إلى أن تدفن، هذا هو الاتباع، وقد رغب الشارع في البقاء والمكث بعد الدفن أيضًا، والدعاء للميت وسؤال الثبات بقدر ما تُنحر جزور ويوزع لحمها.

وهذا يحتاج من الجزار الماهر على الأقل نحو عشرين دقيقة في أقل الأحوال.

 وقوله: "وتشميت العاطس" اختلف العلماء في معنى التشميت:

 فبعضهم يقول: هو من السمت يعني: الدعاء له بحسن السمت والهدي الحسن.

 وبعضهم يقول: هو من الشمائت يعني: الدعائم والقوائم، وهذا دعاء له بالتثبيت.

 وبعضهم يقول: هو دعاء له بأن ينجيه الله وأن يخلصه وأن يقيه الشتم.

 وخلاصة القول: هو أن نقول لمن عطس وحمد الله : يرحمك الله.

 هذا هو التشميت أيًّا كان السبب الذي من أجله قيل ذلك فهذا لا يؤثر كثيرًا، والنبيﷺ قال: إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب[3] وهو إن لم يكن بسبب اعتلال مزاج البدن بالمرض فإنه يدل على اكتمال الصحة والنشاط، لأن التثاؤب يدل على عكسه من الخمول والكسل.

يقول أهل العلم: يضطرب كل جزء في جسد الإنسان إذا عطس، ويحصل به تخلصه من ألوان الأمراض من الأبخرة التي يمكن أن تؤثر على الدماغ، فتخرج، فيحمد الله على تخلصه من ذلك.

فتشميت العاطس هو عكس ما كان عليه بعض أهل الشؤم في الجاهلية ومن شابههم؛ لأنهم كانوا يكرهون العطاس ويتشاءمون به جدًا، بل لربما همّ بعض الملوك بقتل من عطس عنده بصوت مرتفع، ونحن نعلم أنه من الأدب أن الإنسان إذا عطس أن يغض صوته بذلك كما أمر النبي ﷺ.

وقوله: "وإبرار القسم" يعني إذا حلف وقال: والله لتفعلن، أو والله لا تذهب، والله لتأكلن من هذا الطعام، أو أقسم عليك أن تبقى هذه الليلة أو نحو ذلك أن تبر هذا الإنسان.

وأهل العلم يقولون: إن هذا على الندب من أجل أن تعطيه حقه وألا تستخف بقسمه، وهو يدل على احترام مشاعر هذا الإنسان إذا أجبته، وهو أيضاً أراد إكرامك.

وأما الذي لا يلتفت للناس فهذا يدل على أنه يزدريهم غالبًا لاسيما هؤلاء الذين لا ينضبطون بأيمانهم، يحلف أحدهم بالحرام والطلاق وهذا لا يجوز.

يحلف عليه بالطلاق ليتعشى عنده الليلة وذاك يذهب ويتركه، فيبدأ يستفتي ويبحث عن أحد يرد على التليفون، فإن وجد من رد عليه التليفون قال: أنا حلفت بالطلاق ماذا أصنع؟، ما الذي حمله أن يحلف الطلاق؟ إن كان ولابدّ فقل: عليّ الزواج أن تتعشى عندنا الليلة.

وقوله: "ونصر المظلوم" كما ورد في حديث أنس : انصر أخاك ظالما أو مظلوما[4] وعرفنا المراد بنصر الظالم ونصر المظلوم، وهو واجب بلا شك، "وإجابة الداعي"، وقلنا: إن إجابة وليمة العرس واجبة وما عداها مستحبة على قول الجمهور إلا أن يكون هناك منكر في هذه الدعوة فإنها لا تجاب.

وإجابة دعوة المسلم تدل على مشاركته في مناسبته ومراعاة مشاعره، وتدل على تواضع هذا الإنسان غالبًا، فإن أهل الكبر غالبًا لا يجيبون الناس ولا يحضرون معهم في مناسباتهم، بخلاف الذي يأتي ويحضر ويجلس معهم في مناسباتهم ويشاركهم في أفراحهم.

وقوله: "وإفشاء السلام" بمعنى إشاعة السلام في المجتمع على من عرفت ومن لم تعرف.

وقد صح عن النبي ﷺ قوله في ذكر أشراط الساعة الصغرى: إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين، وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرف[5].

وهذا أمر غير جيد؛ فالإكثار من السلام على الناس لاسيما الضعفاء يؤثر فيهم غاية التأثير، كما أنه يؤثر في عامة الناس، الإنسان إذا مر بأحد وهو مشغول البال لم يره، عينه تبصر -مفتوحة- ولكن قلبه مشغول فهو لا يراه ولم يسلم عليه فإنه قد يقع في نفسه الشيء الكثير، وذاك غافل لا يدري، وهذا يحصل كثيرًا ويظن أنه يتكبر عليه.

فقضية السلام يتساهل فيها كثير من الناس إلا أنها في غاية الأهمية، وانظر إلى حال إنسان يمر عليك يذهب ويجيء ولا يسلم، وقد يكون ظاهره الصلاح فأنت تنقبض منه، وانظر إلى حال إنسان كلما دخل صافح الناس وسلم عليهم، فالناس يحبونه ويطمئنون إليه ويرتاحون له ويتطلعون لدخوله ومجيئه إليهم وغشيانه مجالسهم، وهذا شيء ذكره النبي ﷺ: أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟، أفشوا السلام بينكم[6] فهذه المأمورات السبع.

ثم ذكر المنهيات قال: ونهانا عن خواتيم الذهب هذا جمع خاتوم لغة في الخاتم، فهذا بالنسبة للرجل لا يجوز أن يتحلى بالذهب لا في الخاتم ولا في الساعة ولا في غيرهما، وأما بالنسبة للنساء فإنه يحل لهن، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم[7] وأما الفضة فإن النبي ﷺ قال في حق الرجال: فالعبوا بها[8] فيجوز للرجل أن يتختم بالفضة، وأن يلبس ساعة من فضة، وما إلى ذلك.

وهكذا الجواهر النفيسة دون ما كان أصله الذهب، يعني الذهب إذا عولج وصار يقال له: الذهب الأبيض فإن ذلك لا يخرجه عن حكم الذهب، وفي الجواهر النفيسة ما هو أغلى من الذهب، وكذلك المعادن النفيسة منها ما هو أغلى من الذهب، فيجوز للرجل أن يلبسها، وأما النساء فيلبسن الذهب والفضة بلا خلاف.

وأما في الاستعمال في غير الزينة فلا يجوز للمرأة ولا للرجل أن يأكلا في صحاف الذهب أو الفضة، ولا أن يشربا في آنيتهما، لقول النبي ﷺ: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها[9]، وقد ألحق به جمع كثير من أهل العلم المموّه بهما، يعني: المطلي، وهكذا ما يُتخذ -وإن لم يستعمل- فيوضع مثلًا في رف في دولاب للزينة.  

وأما إذا كانت مجرد لون كما يعرف أهل الفيزياء -هي نسبة أقل من الملي تعطي هذا اللون فقط- مثل اللون الذي في مقابض الأبواب ونحوها، فهذه قد تطلى من أجل ألا يتغير اللون ولو عرضت على النار لا يستخلص منها شيء، فمثل هذه لا تحرم.

قال: "وعن المياثر الحمر" المياثر الحمر: جمع ميثرة، وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى في داخله القطن مثلًا أو غير القطن، ويجعل على السرج على الفرس، يكون ألين وأنعم وأرق، وحتى لو كانت ليست بحمراء فإنه لا يجوز للرجل أن يجلس على الحرير، ولا أن يلبس الحرير، فالمياثر الحمر كانت من زي العجم، ونحن منهيون عن التشبه بالأعاجم.

قال: "وعن القَسِّيَّة" اختلف العلماء في معناها:

فبعضهم يقول: هي ثياب تنسج من الحرير والكتان -مختلط، فإذا كان الأغلب عليها الحرير فإنها تحرم. وبعضهم يقول: هي نسبة إلى بلدة في مصر كان يصنع بها ذلك.

وبعضهم يقول: أصلها القَزِّيّ من القزّ وهو حرير رديء.

فلبس الحرير عمومًا أو الجلوس عليه لا يجوز سواء جعله سجادة، أو جعله على السرج، أو جعله على السيارة مثلًا على مقعدها أو نحو ذلك.

قال: "وعن لبس الحرير والإستبرق" الحرير معروف، والإستبرق هو الحرير الغليظ.

قال "والديباج" وهو الحرير، من عطف الخاص على العام، وأما السندس فهو الحرير الناعم الرقيق.

 وفي رواية "وإنشاد الضالة" في السبع الأُوَل التي أمر بها النبي ﷺ، بمعنى أحد من الناس ضاع عليه شيء، فيفزع الناس معه ويذهبون قائلين: من رأى سيارة فلان؟، من رأى مفاتيح فلان؟. 

وأما إنشاد الضالة في المسجد فلا شك أنه لا يجوز تعريف الضالة في المسجد كما قال النبي ﷺ: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا[10].

وهكذا لو كان يسأل عن ضالة لغيره، حتى لو لم تكن لنفسه فكذلك أيضًا المساجد ما بنيت لهذا، لا يقل لهم: من رأى منكم ساعة فلان؟.

وكذلك هؤلاء –هداهم الله- الذين يقومون ويخطبون بعد الصلوات لاسيما الجمعة، فهذا يأخذ ميمنة المسجد، وهذا يأخذ ميسرة المسجد ويبدأ بالخطبة قائلا: إن مقادير الله تقدر على كل إنسان، وقد قدر الله عليّ بحادث سيارة إلى آخره، ويقطعون على الناس الأذكار، فهؤلاء يجب منعهم من ذلك، وهو من إنكار المنكر، لكنهم لا يُزجرون؛ لأن الله قال: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ [الضحى:10] بدون نهر، بل يقال له: بارك الله فيك، اجلس عند باب المسجد، وهكذا من غير زجر يُمنعون من ذلك.

  1. أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام ونحوه، (7/ 25)، برقم: (5175)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العَلَم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع، (3/ 1635)، برقم: (2066).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، (2/ 71)، برقم: (1240)، ومسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، (4/ 1704)، برقم: (2162) بلفظ: خمس تجب للمسلم على أخيه.
  3. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، (8/ 49)، برقم: (6223).
  4. أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب: أعن أخاك ظالما أو مظلوما، (3/ 128)، برقم: (2443).
  5. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (1/ 649)، برقم: (1326)، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته (2/ 1025)، برقم: (5896).
  6. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها، (1/ 74)، برقم: (54).
  7. أخرجه ابن ماجه في سننه، (4/ 595)، برقم: (3595)، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته (1/ 451)، برقم: (1025).
  8. أخرجه أبو داود في سننه، (6/ 289)، برقم: (4236)، وأحمد في مسنده، (32/ 491)، برقم: (19718)،
  9. أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض، (7/ 77)، برقم: (5426)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العَلَم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع، (3/ 1638)، برقم: (2067).
  10. أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد، (1/ 397)، برقم: (568).

مواد ذات صلة