تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
الحديث على آيات الباب ، حديث «لا يستر عبد عبدًا..»
تاريخ النشر: ٠٧ / رجب / ١٤٢٧
التحميل: 2009
مرات الإستماع: 2657

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا...}

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب ستر عورات المسلمين، والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة صدّر المصنف -رحمه الله- هذا الباب بقول الله -تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النــور:19] هذه الآية هي من جملة الآيات التي نزلت في شأن عائشة -رضي الله تعالى عنها- في إبطال قول أهل الإفك ووعيد من وقع في ذلك، ومعلوم أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، فالآية قد تنزل على سبب معين، ولكن الحكم يكون عامًّا لكل من وقع في مثل ذلك، فالله يتوعد الذين يحبون أن تشيع يعني: تنتشر، والفاحشة: هي كل ذنب قد تناهى في القبح، فالذنب العظيم يقال له: فاحشة، ولهذا يقال للشيء الكثير: فاحش، يقال: هذا مال فاحش، ودم فاحش، وإن كانت الفاحشة تطلق في عرف الاستعمال غالباً على الذنب المعروف الذي هو الزنا، وما في معناه، فهو من جملة الفواحش، ولكن الفاحشة لا تختص به.

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، فعلق الحكم هنا بالمحبة، يحبون أن تشيع الفاحشة، فدل ذلك على أنه بمجرد هذه المحبة يُتوعد صاحب ذلك بهذه العقوبة، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بمعنى: أنه يتمنى أن تنتشر الفواحش في المجتمع الإسلامي، ويدخل في هؤلاء كل أولئك الذين في قلوبهم مرض، يحبون ويتمنون وجود الاختلاط في المجتمع، ونزع الحجاب، وظهور المرأة بين يدي الرجال يعبثون بعفتها، تعمل في كل مجال من المجالات، مما يصلح لمثلها، وما لا يصلح لمثلها، فحتى لو لم يعمل شيئاً فإن مجرد هذه المحبة والإرادة في قلبه تجعله من جملة من توعده الله بهذه الآية، ويدخل فيه سائر أنواع العاملين في إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ومن هؤلاء أولئك الذين يبرزون المرأة في وسائل إعلامية في قنوات فضائية، تظهر المرأة مبدية لمفاتنها وزينتها وجسدها، تغري الناس وتفتنهم فيحصل بسبب ذلك فساد عريض، ويدخل في هذا أيضاً أولئك الذين ينشرون صور المرأة على أغلفة المجلات، ويدخل فيه أيضا أولئك الذين ينشرونها في الصحف، ويدخل في ذلك أيضا أولئك الذين يكتبون كتابات ملْؤُها السم، يريدون فيها إفساد المرأة المسلمة، ويدعون ويطالبون بخروجها وعملها في كل مجال، ويخدعونها زوراً وبهتاناً ويقولون: إنها قد وصلت إلى أرقى المستويات وحصّلت مختلف التخصصات، وأنها صارت تزاحم الرجل بمنكبها بشهاداتها التي قد حصلت عليها، ويقولون: إن المجتمع لا يمكن أن يطير إلا بجناحين، وإن المجتمع لا يمكن أن يتقدم، وأن يتطور إلا إذا خرجت المرأة، وشاركت الرجل في كل مجال حتى في التمثيل وفي كل لون من ألوان الفساد والإفساد، وهؤلاء يخدعون هذه المرأة المسكينة، ويخدعون المجتمع بدليل أنك ترى سائر المجتمعات التي قد خرجت فيها المرأة -تعمل وتخالط الرجال، وتلبس البنطال، وتلبس القصير، وتبدي المفاتن وكأنها رجل، مترجلة تخرج في كل ميدان وفي كل مجال- لا زالوا في مصاف العالم الثالث، والمرأة عندهم قد خرجت منذ مائة سنة ومائتي سنة.

وهذا العالم المحيط بنا مما يسمى بالعالم الثالث، هل بقيت المرأة عندهم محجبة حتى صاروا بهذه المثابة من التخلف؟، أخرجوا المرأة وأفسدها الاستعمار منذ أن وطِئ تلك البلاد قبل نحو مائتي سنة، فماذا حصّلوا؟، هل صاروا من الدول الصناعية العظمى؟

فهؤلاء يخدعون المرأة، بل الإحصاءات التي تخرج من هيئة الأمم المتحدة، ومن منظمات دولية تقول: إن المرأة التي تخرج للعمل تكلف الاقتصاد الوطني للبلد بنسبة نحو أربعين بالمائة، أربعون بالمائة إرهاق على الاقتصاد، فالمرأة مكانها في بيتها، والله يقول: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33]، وإذا كانت المرأة فقيرة أو أرملة أو مسكينة فإنها تعطى من بيت المال ما يكفيها، وما يصلح لمثلها، دون أن تضطر لأن تخرج، ويذهب ماء وجهها، مع أننا لا نمنع من خروج المرأة لتعمل في مجال مع النساء فقط، لا تختلط بالرجال.

فالمقصود أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا كل هؤلاء يدخلون فيه، ويدخل فيه أيضاً من جملة هؤلاء أولئك الذين يرمون أعراض الناس، ويقذفونها بالفواحش، وهذه قضية من أجلها نزلت هذه الآية، فهم من أولى الداخلين في هذا العموم، ولذلك ينبغي للإنسان أن يمسك لسانه، وأن يكف عن أعراض المسلمين، ويدخل فيه أيضاً من يتحدثون في المجالس للحديث، دون أن يكون لحديثهم مقصود شرعاً، يتحدثون: وقع في المكان الفلاني، يذكرون تفاصيل، فواحش وقصصًا وأشياء، وفي الفندق الفلاني، وفي الشقق الفلانية، وفي الشاطئ الفلاني، لماذا هذا الحديث؟ هذا الحديث يهوِّن وقع المعصية والفاحشة على نفوس السامعين، وما يبقى للقلب تلك الشفافية التي ينقبض فيها حينما يسمع مثل هذه القضايا، فيألف ذلك ويهون عليه سماع مثل هذه الأمور، بل إن من أهل العلم من قال: إن الحكمة في نسخ قوله -تبارك   وتعالى: "والشيخ والشيخة" يعني: المحصن، "إذا زنيا فارجموها ألبته نكالاً من الله"، هذه نسخ لفظها، وبقي الحكم وهو أن الزاني المحصن يرجم، قالوا:  لعل الحكمة في نسخ اللفظ أن ذلك أمر ثقيل على الأسماع، كيف يزني المحصن؟ كيف يقع منه الزنا؟.

فالمقصود أن الإنسان إذا جلس في مجلس لا يجوز له أن يرسل لسانه، وأن يتحدث بتفاصيل ووقائع ولو كان ذلك تحت ثوب الغيرة على الأعراض، ومحارم الناس، فإن هذا لا يبرر أن يتكلم الإنسان عند من يصلح ومن لا يصلح، يرسل الحديث إرسالاً من غير أن يكون لهذا الحديث نتيجة، فقط للتفكه، والتحدث، يجلس الناس ليلة كاملة، كل واحد يأتي بحادثة وواقعة يندى لها الجبين بتفاصيل، وأقبح من هذا إذا ذُكرت على المنبر ولو كان المقصود في ذلك صحيحاً، فهذا حديث لا طائل تحته، وإنما يُذكر لمن يرجى عنده التغيير، والإصلاح، والإنكار، ومعالجة هذه المشكلة.

فالله يقول: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ العذاب الأليم  في الدنيا: الحد -حيث يجلد ثمانين جلدة  من قذف عرض أحد من المسلمين، وسقوط العدالة، ورد الشهادة؛ لأن الله حكم بذلك على الذين يرمون المحصنات، وأما في الآخرة فإن الله توعدهم بالنار، والعذاب، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائماً هذه المعاني، وأن يخاف أن يكون ممن يُشيع الفاحشة في المجتمع سواء كان يبيع مجلات عليها صور فاتنات، أو يبيع سيديهات أفلام، أو كان مخرجاً أو ممثلاً، أو مغنياً يتكلم بالفحش، ويغني على الأشياء التي تخضع القلوب الضعيفة للفواحش ومقارفة ما لا يليق.

لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا

ثم ذكر:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة[1]، رواه مسلم.

هذا الحديث عام، لا يستر عبدٌ عبدًا يعني: حتى لو كان هذا العبد الذي سُتر من العصاة، بل قال بعض أهل العلم: حتى لو كان من الكفار، فما المصلحة من إفشاء ذلك إلا إذا كان المقام يتطلب هذا، أما الفضح لمجرد الفضح  فهذا ليس بمطلوب ولا مقصود.

ويوم القيامة تحصل فيه الفضائح، وقد ذكر النبي ﷺ أن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به[2]، وذكرنا من قبل أيضاً في الغلول أن الناس منهم من يأتي وهو يحمل بقرة، ومنهم من يأتي وهو يحمل بعيراً، ومنهم من يحمل شاة، هذه بقرة لها خوار، وهذه شاة تَيْعَر، فيفتضح أمام الناس أن هذا الإنسان قد غلها أو سرقها، فإن الله يستر العبد إذا ستر على أخيه المسلم، والجزاء من جنس العمل، ولا يفرح بزلات المسلمين ولا بأخطائهم، ولا بسقطاتهم، وعيوبهم، وانحرافاتهم، وإنما الشأن أن تستر إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، وأن تعالج بالطريقة بالتي هي أحسن.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1.  أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بشارة من ستر الله تعالى عيبه في الدنيا بأن يستر عليه في الآخرة، (4/ 2002)، برقم: (2590).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت، فقُضي بقيمة الجارية الميتة، ثم وجدها صاحبها فهي له، ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمنا، (9/ 25)، برقم: (6966)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، (3/ 1361)، برقم: (1737).

مواد ذات صلة