تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 16 / ربيع الآخر / 1441 - 13 / ديسمبر 2019
بعض ما ورد عن السلف في الإحسان إلى الجار
تاريخ النشر: ١٨ / صفر / ١٤٢٨
التحميل: 1567
مرات الإستماع: 4586

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:   

ففي باب حق الجار والوصية به مما ورد من تطبيقات هذا المعنى عند السلف الصالح ، ومن سار على طريقتهم ما نقله الحافظ الذهبي -رحمه الله- عن أسماء بن خارجة أنه قسم مالاً فنسي جاراً له، فاستحى أن يعطيه وقد بدّى غيره، فدخل عليه وصبّ عليه المال صبًّا[1].

وهذا جار لأبي حمزة السكري أراد أن يبيع داره فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وبألفين لجوار أبي حمزة؛ لمنزلة هذا الرجل، وإحسانه إلى جيرانه، حسبَ جيرته بمثل قيمة الدار، فوجه إليه أبو حمزة بعدما سمع ذلك وبلغه، وجه له بأربعة آلاف، وقال: لا تبع دارك[2].

ومما جاء في هذا المعنى أن جاراً ليعلى بن عبيد سئل عنه يعلى، وهذا الرجل اسمه الوليد بن القاسم الهمداني، فقال يعلى بن عبيد عن هذا الرجل: نعم الرجل هو جارنا منذ خمسين سنة ما رأينا إلا خيراً.

ما رأى منه شيئاً يعاب عليه خمسين سنة[3].

وقال أبو داود السجستاني -رحمه الله: إني لأغبط جيران سعيد بن عامر[4]، يعني: لما يصلهم منه من ألوان الخير والبر والمعروف وحسن الجوار.

وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان قدر استطاعته مع جيرانه، يجاهد نفسه ويروضها، والنبي ﷺ يقول: إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم[5].

فهكذا الإحسان إلى الناس، الإحسان إلى الجيران، يمكن للإنسان أن يدرك أولاً أنه مقصر، فإذا فتح عليه في هذا المعنى ووفق وعرف ما يحصل له من التقصير في حق الجيران فإنه بعد ذلك يبدأ يتفكر فيما يمكن أن يصنعه لجيرانه من دعوتهم إلى الله، من نصحهم، من الإحسان إليهم بشيء يسير من طعام وهدية، إن كانوا فقراء يتصدق عليهم، وما أشبه ذلك، شيئاً فشيئاً، ثم بعد هذا يصل إلى مثل هؤلاء من أصحاب الكمالات.

والإنسان قد يسمع هذه الأحاديث والآثار ولكنه قد لا يتأثر بها كثيراً؛ لغلبة الغفلة، ولأن الكثيرين يظنون أن هذا المعنى قد تكرر عليهم كثيراً، فهو من الموضوعات التي لربما يعتقدون أنها مبتذلة من كثرة ما تُطرق إليها، لكن ليست العبرة في هذا، ولكن العبرة ماذا حققنا نحن من هذه المعاني؟ قد نسمع الموضوع ألف مرة ولكن كأننا لم نسمعه مرة واحدة، مثل الحديث عن الغيبة مثلاً، تجد الكثير من الناس يرى أن هذا الموضوع كرر كثيرًا، ولكن لو نظر الإنسان وفتش في حاله هل يمر عليه أسبوع واحد لم يغتب فيه أحدًا؟

إذاً الموضوع يحتاج إلى إعادة، ومعالجة، ومجاهدة للنفس، وهكذا فيما يتعلق بحق الجيران، ولذلك لو أن أحداً جاور رجلاً يحقق هذه المعاني لصار هذا الموضوع أو الأحاديث المتعلقة أو الخطب المتصلة بموضوع الجار من أشد الموضوعات التي تنجذب إليها نفسه.

وهذا شيء قد جربته بنفسي، فقد جاورت رجلاً سنين، ولما رأيت من حسن جواره أموراً كثيرة، بعد ذلك صار مثل هذا الموضوع من أكثر الموضوعات التي تثير انتباهي، إذا تحدث متحدث عن قضية الجار، ومباشرة أتذكر ذلك الجار.

فأقول: نحن في كثير من الأحيان لا نشعر بعيوبنا ولا نشعر بتقصيرنا، ويظن الإنسان أنه قد بلغ الغاية في كل شيء، وهذا خطأ، والإنسان الذي يظن هذا الظن لا يمكن أن يصلح من نفسه شيئاً، ويسمع صباح مساء، ويخرج من باب المسجد كما دخل، لا يتغير شيء، والله المستعان.

نسأل الله أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. سير أعلام النبلاء (3/ 536).
  2. المصدر السابق (7/ 387).
  3. المصدر السابق (9/ 439).
  4. المصدر السابق (9/ 386).
  5. أخرجه الطبراني في الكبير، (19/ 395)، رقم: (929)، والقرطبي في جامع بيان العلم وفضله (1/ 545)، رقم: (903)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، رقم: (2328).

مواد ذات صلة