تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
حديث "أي العمل أحب إلى الله تعالى؟"
تاريخ النشر: ٢٠ / صفر / ١٤٢٨
التحميل: 2541
مرات الإستماع: 44555

أي العمل أحب إلى الله تعالى

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب بر الوالدين وصلة الأرحام أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، وقال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله[1]. متفق عليه.

ابن مسعود سأل النبي ﷺ عن أي العمل أحب إلى الله، وفي بعض الروايات: أي العمل أفضل؟ وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن -كما كان أصحاب النبي ﷺ حريصًا غاية الحرص على معرفة أفضل الأعمال من أجل أن يعملها، وذلك أن شرائع الإسلام كثيرة جداً والعمر قصير، وقد يستنزف الإنسان عمره في أعمال مفضولة، ويترك الأعمال الفاضلة، فلا تكون تجارته رابحة كما ينبغي، قد ينقضي عمر الإنسان -مثلاً- وهو يميط الأذى عن الطريق، يفعل الفرائض ولكنه بحث عن عمل صالح زائد فيميط الأذى عن الطريق، وينقضي نهاره بهذا العمل، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، ولكن هل هذا هو أفضل العمل بحيث يقصده الإنسان ويتطلبه ويصرف فيه الساعات والأيام؟

الجواب: لا، هناك ما هو أفضل من ذلك، طلب العلم الشرعي أفضل من إماطة الأذى عن الطريق، السعي في حاجة المسلم أفضل من إماطة الأذى عن الطريق، قد يمضي الإنسان وقتاً طويلاً في الاعتكاف وهذا من أفضل الأعمال، إلا أن النبي ﷺ أخبر أنه حينما يذهب في حاجة مسلم أحب إليه من أن يعتكف في مسجده شهراً، حاجة لربما ما تستغرق خمس أو عشر دقائق أحب إليه من أن يعتكف شهراً في مسجده ، فهذا يدل على أن الإنسان يحتاج إلى فقه، وهذا هداية من الله -تبارك وتعالى- للإنسان.

ونحن ذكرنا في بعض المناسبات في الكلام على قوله تعالى: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ [الفاتحة:6] أن من أنواع الهدايات الداخلة تحت هذا الدعاء أن يُهدى الإنسان لأفضل الأعمال فيعملها، فالأعمال كثيرة، ما هو الأفضل الآن أعمل هذا أو أعمل هذا؟ وقد تزدحم على الإنسان الأعمال الصالحة، فيحتاج إلى أن يقدم ما هو أكمل وأحب إلى الله -تبارك وتعالى، فابن مسعود يفهم هذا المعنى، ولذلك سأل النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، أو عن أفضل الأعمال، فقال: الصلاة على وقتها، وجاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: في أول وقتها، وهذا فيما لا يكون الأفضل فيه التأخير، وذلك فيما يطلب فيه الإبراد كالظهر في شدة الحر، بحيث لا يُفوِّت الجماعة، وكذلك أيضاً في صلاة العشاء إذا اتفقوا على أن يؤخروها كما فعل النبي ﷺ مرة وأخبر أنه وقتها لولا أن يشق على أمته، فالشاهد أن الصلاة في أول الوقت هي أفضل العمل، ولذلك نحن نحتاج إلى شيء من البصر، والفقه فيما نأتي من الأعمال وما نذر.

قد يذهب ذهن الإنسان إلى أشياء بعيدة، يحاول أن يتقرب إلى الله مع التفريط الكثير في هذه الأمور التي ذكرها النبي ﷺ، الصلاة لوقتها أفضل الأعمال، فهذا شيء يفرط فيه كثير من الناس، فكثير منهم يأتي من عمله وينام فلا يصلي العصر إلا بعد اصفرار الشمس، يكون قد خرج وقت الاختيار، كثير من الناس لا يصلي صلاة الفجر إلا إذا طلعت الشمس، مع أن هذا قد لا تصح معه الصلاة أصلاً، وكثير من أهل العلم يقولون: لا يقضيها، بل قال بعضهم: إن خرج وقتها من غير عذر فإنه يكفر بذلك، فالشاهد أن هذا العمل الذي نتساهل فيه كثيراً هو أفضل الأعمال، أو أحب الأعمال إلى الله -تبارك وتعالى.

قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، وكثير من الناس لا يظن أنه مقصر في هذا المعنى أيضاً، يظن أنه بار، ولربما خرج ودخل وأبوه يمنعه، أو أمه تمنعه من هذا الدخول وهذا الخروج، وهو لا يبالي، وإذا طلبوا منه حاجة أو شيئاً زجرهما أو تأفف، فهذا كله من العقوق، والعقوق الواقع فيه كثير من الخلق صوره لا تحصى، فبر الوالدين من أجل الأعمال وأفضل الأعمال، أفضل من أن يجلس الإنسان يقوم ليلة كاملة أن يقوم على حاجة لوالدٍ أو والدةٍ، أفضل من أن يقرأ ختمة من القرآن أن يقوم على أمر والد يحتاجه أو والدة تحتاجه، قد يظن الإنسان أنه حينما ينشغل بمعروف كالتطوع في الحج، أو التطوع في العمرة أو نحو هذا أنه في طاعة لله وأبوه في حاجته وينهاه عن هذا الخروج، ومع ذلك لا يبالي.

أقول: هذه صور تقع كثيراً، بر الوالدين أفضل من صيام التطوع، ومن قيام الليل، ومن حج التطوع، ومن العمرة التي يتطوع الإنسان فيها، حق الوالدين بعد حق الله كما مضى في الآيات التي ذكرناها بالأمس، وهذا معنى لو فتش الإنسان ونظر في حاله ونفسه وطريقة تعامله مع والديه لعرف شدة التقصير مع أن هذا من أفضل الأعمال، ولربما ظن أن هذه تضحيات منه، وأن هذا يفعله على إغماض؛ لأن قيامه على والده أو والدته شغله عن عبادة أخرى كان يريد أن يعملها، وما علم أن هذا العمل الذي يقوم به عبادة من أفضل العبادات، فهنا قال: بر الوالدين.

قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، فصار بر الوالدين أفضل من الجهاد، بل قال بعض السلف كعطاء: إن القيام على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله، فيحتاج الإنسان إلى كثير من النظر في كثير من المعاني التي يظن أنها قد تحققت فيه وأنه قد درسها دراسة لا يحتاج معها إلى إعادة، والعبرة بواقعنا العملي، وما نحن فيه من التقصير والتشمير في طاعة الله ، والقيام بحقوق الخلق.

والنبي ﷺ يُسأل في بعض الأحاديث عن أفضل الأعمال فلربما ذكر شيئاً آخر، فهذا يمكن أن يحمل على أنه بحسب حال السائل، فيوجه هذا إلى ما ينفعه وما هو أنفع في حقه، وهذا ما هو أنفع في حقه، وهكذا حينما يُطلب منه الوصية ﷺ، يوصي هذا يقول له: لا تغضب[2]؛ لأنه لربما كان من طبعه الغضب، وهكذا، ولربما يكون ذلك بحسب الوقت فيكون النبي ﷺ قال هذا في وقت تكون فيه هذه الأمور مقدمة على غيرها، ويقول في وقت آخر أموراً أخرى.

والمعروف من النظر في مجموع الأحاديث أنه لا يقال: إن العمل الفلاني أفضل من كل وجه، وإنما ذلك يختلف، هذا الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره أن ذلك يختلف، فإذا أذن المؤذن فأفضل العمل هو الصلاة، وإذا جاء وقت الحج فأفضل العمل هو الحج، وإذا دعا داعي الجهاد فأفضل العمل هو الجهاد، وهكذا في كل حال بحسبها، كما أنه يختلف أيضاً باختلاف الناس، فقد يكون هذا العمل بالنسبة لهذا أفضل من غيره؛ لأنه لا يستطيع أن يقوم بالعمل الآخر على وجهه، وإنما يستطيع أن يقوم بهذا، فالرجل قد يكون فيه قوة وشجاعة وصبر وإقدام ونصرة للمسلمين فيكون الجهاد في حقه أفضل، وآخر فيه ذكاء ونبوغ وفهم وما أشبه ذلك فالعلم في حقه أفضل، وهكذا في أعمال كثيرة، ولذلك أيضاً لا يقال: إن سكنى مكة أفضل من غيرها، أو سكنى المدينة أو بيت المقدس أفضل من غيرهما، وإنما يختلف أيضاً باختلاف الناس، فحيثما يجد الإنسان قلبه ويستطيع أن يعبد ربه وهو مستريح فهذا هو الأفضل في حقه، ولو كان في غير هذه البقاع الثلاث التي هي من أفضل البقاع، فهذا من الفقه الذي يحتاج إليه المسلم، والمقصود هو تحقيق العبودية لله -تبارك وتعالى، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8]، (8/ 2)، برقم: (5970)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، (1/ 89)، برقم: (85).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، (8/ 28)، برقم: (6116)، عن أبي هريرة .

مواد ذات صلة