تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 14 / صفر / 1441 - 13 / أكتوبر 2019
حديث «من أحب أن يبسط له في رزقه..»
تاريخ النشر: ٠٧ / ربيع الأوّل / ١٤٢٨
التحميل: 2008
مرات الإستماع: 19249

من أحب أن يُبسط له في رزقه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب بر الوالدين وصلة الرحم أورد المصنف -رحمه الله- حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه[1]. متفق عليه.

هذا الحديث تضمن قضيتين عليهما عامة مطالب الناس في هذه -أو من هذه- الحياة الدنيا، الناس ماذا يطلبون؟ وعلى أي شيء يخافون عادة؟ يخافون على آجالهم، يخافون من الموت، ويخافون على أرزاقهم، القلق الذي يساورهم دائماً من نقص تجارتهم ومالهم وما يحصل لهم من الغبن أو الخسارة أو نحو ذلك، هذا الذي تدور عليه مطالب عامة الخلق من هذه الحياة، ولهذا جاء التطمين عن النبي ﷺ: لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها[2].

فهذه القضية لا تحتاج إلى قلق إطلاقاً، فيطمئن الناس إلى أن هذه الأمور قدرها الله -تبارك وتعالى، هذا الحديث تضمن وعداً بالزيادة في هذين الأمرين بعمل تدعو إليه الفطر الصحيحة والعقول المستقيمة، ويدعو إليه الكتاب والسنة.

يقول: من أحب أن يبسط له في رزقه، يعني: البسط بمعنى التوسعة، يبسط له في رزقه أي: يوسع له في الرزق، الناس الذي يعانون من ضائقة مالية كيف يعالجون هذا؟ بصلة الرحم، الاتصال والسلام والزيارة، وصلة الأقارب بالمال إن كانوا محتاجين، والكلام الطيب، والمشاعر الطيبة تجاه هؤلاء القرابات.

وبعض أهل العلم فسره على غير ظاهره، قال: المراد البركة، مع أن ظاهر الحديث هو أنه يُبسط أي: يوسع، ما قال: يبارك له في رزقه، وإنما يبسط له في رزقه، ويمكن أن تكون البركة مضمنة في هذا؛ لأن البسط بلا بركة لا فائدة فيه، فالعبرة ليست بكثرة ما يدخل على الإنسان من المال، وإنما العبرة بما يحصل فيه من البركة، ولذلك ذكرنا سابقاً أن من الناس من يكون له دخل كثير، ولكنه غير مبارك فيه فيذهب ولا يدري أين ذهب، ولا ينتفع به انتفاعاً يذكر، وآخر له دخل قليل يوفر منه ويأكل ويتصدق، وتجد أن هذا يعمر داراً، ويصل رحماً، ويحصل له أنواع المنافع، والآخر ليس عنده شيء، يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، ينسأ في الأثر، الإنساء بمعنى التأخير، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37] وهو تأخير الأشهر الحرم، يجعلون شهر محرم في صفر، وهكذا، ويقول الله -تبارك وتعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا [البقرة:106]، فسر "نُنسها" بتأخيرها، وهو أحد الأقوال المعروفة في الآية، فالشاهد: أنه هنا قال: وينسأ له في أثره فسر بطول العمر، وقد يكون هذا هو الظاهر المتبادر.

وإذا كان هذا هو الظاهر المتبادر فكيف نجمع بينه وبين قول الله : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

إذا حل الأجل لابد أن يقع، فهو محتوم، فكيف يزاد له في العمر؟ الجواب على هذا عند أهل السنة أن التقدير أنواع، هناك تقدير أزلي في اللوح المحفوظ، في علم الله ، هذا لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يتغير؛ لأن الله علم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فلا يزيد في علمه شيء ، هو عالم كل شيء، وعلى هذا التقدير الأزلي لا يتغير ولا يزاد فيه.

وهناك تقدير آخر وهو الذي في الصحف التي في أيدي الملائكة، وهي التي قال الله فيها: يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] يعني: اللوح المحفوظ، فالذي يحصل به المحو هو ما في أيدي الملائكة، الصحف التي في أيدي الملائكة، فيكون عمر هذا الإنسان في هذا التقدير بالصحف التي بأيدي الملائكة خمسين سنة، وفي علم الله أن هذا الإنسان سوف يصل الرحم فصار عمره ستين سنة، بهذا الاعتبار، فزيد له في عمره في التقدير الذي في الصحف التي بأيدي الملائكة.

ومن أهل العلم من قال: ينسأ له في أثره يعني: يبارك له في العمر، ويوفق فيه إلى الانتفاع بالوقت والإقبال على الأعمال الصالحة، فيكون عمره عامراً بذكر الله ، ولا شك أن الإنسان الذي يعيش مائة سنة ولكنه مضيع مفرط، ينام ملء جفنيه، ويقضي الأوقات بطريقة تهدر الساعات والليالي، ولا يرفع رأساً لمعالي الأمور فإن هذا لا فائدة من بقائه، اليوم عنده قضية مملة ثقيلة، ينتظر متى ينتهي هذا اليوم ثم يستقبل يوماً جديداً، ثم يبدأ كيف يتخلص من هذا اليوم، وهكذا يمضي عمر الإنسان، هذه ليست حياة، لكن هذا المعنى الذي ذكروه ليس هو الظاهر الذي يتبادر من هذا الحديث.

وبعض أهل العلم قال: وينسأ له في أثره يعني: يبقى بعده شيء، ما هذا الشيء الذي يبقى؟، بعضهم قال: يبقى له الذكر الجميل، فمن الناس من إذا مات طوي ذكره، انتهى، نُسي، يعني: كثير من الناس الآن لو تسأله وتقول له: من هو جدك الخامس، أو يمكن الرابع؟، لا يعرف، وقد لا يعرف حتى اسمه، ولكن لما تسأله عن الإمام البخاري أو عن أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب أو الإمام أحمد، أو الشافعي، أو مالك، تجد كتبًا تؤلَّف فيهم، وتذكر سيرتهم في المساجد، وإبراهيم قال: وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء:84]، فيبقى له الذكر الجميل، هكذا فسره بعض أهل العلم، فيكون هذا امتدادًا للعمر، وبعضهم فسر ذلك بالعقب والذرية الطيبة، وورد في هذا أحاديث فسر بها قوله: وينسأ له في أثره ولكنها ضعيفة، والمشاهد من حيث الواقع أن القَطَعة يعني: الناس الذين عرف عنهم أنهم قاطعون للرحم، أن هؤلاء لا يبارك لهم في الذرية، ينقطع نسلهم، وتتلاشى هذه الأسرة، وتنتهي وتضمحل، هكذا قال بعض أهل العلم، يبقى له ذرية من بعده طيبة، ويكونون امتدادًا لعمر هذا الإنسان.

ومن أهل العلم من فسره بغير ذلك.

والأرجح -والله أعلم- أنه يزاد في عمر هذا الإنسان، فصار بهذا أن صلة الرحم تكون سبباً للزيادة في الرزق، والزيادة أيضاً في العمر، وهذه من أعظم المطالب التي يطلبها الناس.

فأسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصلة والبر وحسن الخلق، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، (8/ 5)، برقم: (5986)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، (4/ 1982)، برقم: (2557).
  2. أخرجه ابن ماجه، أبواب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة (2/ 725)، برقم: (2144)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 531)، برقم: (2742).

مواد ذات صلة