تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
حديث "خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر.."
تاريخ النشر: ٠٢ / جمادى الأولى / ١٤٢٨
التحميل: 1495
مرات الإستماع: 3219

خرجت مع جرير بن عبد الله

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا هو الحديث الأخير في باب فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يُندب إكرامه، وهو:

حديث أنس بن مالك قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البَجَلي في سفر فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل، فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً آليت على نفسي أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته[1]. متفق عليه.
ترجمة أنس بن مالك

أنس بن مالك من صغار الصحابة، ولما هاجر النبي ﷺ كان قد بلغ العاشرة من عمره، فأتت به أمه النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، هذا أنيس يخدمك[2].

وهو من الأنصار ، وجرير بن عبد الله البجلي أكبر من أنس بن مالك -رضي الله تعالى عن الجميع.

فهنا يقول أنس بن مالك : فكان يخدمني، يعني: يقوم بخدمتي وهو أكبر مني، فقلت له: لا تفعل، فعلل ذلك جرير البجلي أنه قام بخدمته؛ لأنه رأى الأنصار يفعلون برسول الله ﷺ شيئاً، فآلي أي: حلف، أن لا يرى أحداً منهم إلا خدمه، أو أن لا يصحبه إلا خدمه، بمعنى أنه رأى من الأنصار فعلاً عجيباً من الحفاوة برسول الله ﷺ، وتعظيمه وإكرامه والقيام على شئونه، فحينما رأى منهم هذه الحفاوة العظيمة أكرمهم وأعظمهم، وصار الواحد في نفسه بهذه المثابة، أنه حتى لو صحب صغارهم -صغار الأنصار- أن يقوم بخدمته، إكراماً لمن؟ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم. 

فهذا من الأحاديث التي يستشهد بها على هذا المعنى الذي أورده المصنف، أو عقد له المصنف -رحمه الله- هذا الباب، أن من أراد إكرام أحد يحبه فإنه يكرم أولئك الذين يرتبط بهم بقرابة، أو علاقة وصحبة ومحبة، وما شابه ذلك، فهؤلاء الأنصار ، لما كانوا من رسول الله ﷺ بهذه المنزلة جرير البجلي ، ولم يكن من الأنصار، ولا من المهاجرين، قدم على رسول الله ﷺ من اليمن، ومحله الآن أرض قبيلة بَجيلة، وتعرف الآن ببني مالك، وهي بين الطائف والباحة، وهذه القبيلة تفرقت وتشتتت، وكادت أن تضمحل، ثم بعد ذلك جمعهم جرير بن عبد الله البجلي ، طلب ذلك في عهد أبي بكر، ثم بعد ذلك شغل أبو بكر في حروب الردة، ثم طلب ذلك بعهد عمر، وكان معه كتاب من رسول الله ﷺ في ذلك، أي أنه طلب من النبي ﷺ أن يكتب له كتاباً في جمعهم، فقام فجمعهم، فلما كانوا في يوم القادسية كان لهم بلاء مشهود؛ لأن القادسية كانت الكتائب موزعة على القبائل، فكل قبيلة تبلي، فكانت قبيلة بجيلة من أشد القبائل بلاءً.

وفيهم قال الشاعر:

لولا جريرٌ هلكت بَجيلة نعم الفتى وبئست القبيلة

يعني: أنهم تفرقوا وتشتتوا، فجاء جرير البجلي ، وكان من خيار الصحابة، ومن أجملهم صورة ، وكان يقول: ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم[3].

فعلى جلالته ومنزلته وكذا ومع ذلك كان يخدم صغار الأنصار؛ لأنه رأى خدمتهم لرسول الله ﷺ.

فهذا أدب نتعلمه، أن من أراد أن يبر والديه، أو أن يحسن إلى امرأته، أو يحسن إلى أحد من الناس أحبه فإن من مقتضى ذلك أن يبر أولئك الذين يرتبطون به بوشيجة، وهذا أمر معلوم، ولذلك فإن من مكارم الأخلاق أن الإنسان إذا ارتبط بأناس بزواج مثلاً، تزوج منهم، فإنه يكرم من يمت إليهم بصلة من قراباتهم ومن أصهارهم، وتكون علاقته حسنة بالجميع، ويحسن إليهم، هذا في الناس الذين عندهم مكارم أخلاق، وعندهم مروءة، أمّا أن يبقى الإنسان فقط لا يعرف إلا نفسه، ولا يعيش إلا لنفسه فهذا يكون قد ذهب من مروءته الشيء الكثير.

والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

  1. أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب في حسن صحبة الأنصار -رضي الله عنهم- (4/ 1951)، رقم: (2513).
  2. أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أنس بن مالك (4/ 1929)، رقم: (2481).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من لا يثبت على الخيل (4/ 65)، رقم: (3035)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل جرير بن عبد الله (4/ 1925)، رقم: (2475).

مواد ذات صلة