تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
حديث "كان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته.."
تاريخ النشر: ٢٢ / جمادى الأولى / ١٤٢٨
التحميل: 1697
مرات الإستماع: 7785

كان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذي يدنيهم عمر  وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهؤلا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، فاستأذن له، فأذن له عمر فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى.[1]رواه البخاري.
ترجمة عيينة بن حصن

عيينة بن حصن أسلم بعد فتح مكة، وقيل: أسلم قبل الفتح، وشهد غزوة الطائف وحنين مع النبي ﷺ، ثم بعد ذلك ارتد عن الإسلام، وكان ممن قاتلهم الصحابة ، وكان عيينة يقاتل مع طليحة الأسدي، ثم أسر وجيء به إلى أبي بكر الصديق ، ثم تاب ورجع إلى الإسلام فأطلقه.

فالحاصل أن عيينة بن حصن نزل على ابن أخيه الحر بن قيس، والحر بن قيس من علماء الصحابة وفضلائهم، قدم على النبي ﷺ في وفد قومه لما رجع النبي ﷺ من غزوة تبوك، ويدل على منزلته ما جاء في هذا الحديث قال: وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، والنفر من الثلاثة إلى السبعة، وبعضهم يقول: من الثلاثة إلى العشرة، ولا يزيدون على العشرة، فتصور من بين ذلك المجتمع الطاهر في وقت عمر يكون هذا من هؤلاء الذين لا يتجاوزون سبعة أشخاص على أكثر تقدير، من ثلاثة إلى عشرة في أقصى التقديرات، فهؤلاء هم أهل مجلس عمر ، فما منزلة الحر بن قيس في ذلك المجتمع؟ هو من الصفوة القليلة من أولائك الرجال .

 قال: وكان القُرّاء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، والمقصود بالقراء إذا قيل القراء: فهم قراء القرآن، وكان قراء القرآن في ذلك الوقت هم العلماء؛ لأنهم كما سبق لا يتجاوزون خمس آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فكان هؤلاء القراء هم أهل الفقه والعلم والفهم، وكانوا أهل مجلس عمر  ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، وهذا هو الشاهد أن التقديم يكون لأهل الفضل والعلم والفهم والفقه والقرآن.

فعمر قدم الحر بن قيس مع أنه ليس بكبير في السن، يوجد من هو أكبر منه من أصحاب النبي ﷺ ومن غيرهم، ومع ذلك كان عمر يقدمه، ويدخله في مجلسه الخاص الذي يستشير أهله ويظهرهم على ما لا يظهر غيرهم عليه.

يقول: فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، يعني: لك منزلة، فاستأذِنْ لي عليه، فاستأذن له، فأذن له عمر ، والحر بن قيس عندئذ لم يكن يعلم ماذا سيقول عمه، فلما دخل قال: هِي يا ابن الخطاب، وهي كلمة تقال للتهديد، هِي يا ابن الخطاب يعني: لم يتأدب ولم يقل: يا أمير المؤمنين، يا خليفة رسول الله ﷺ، وإنما هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، يعني: العطاء الكثير، وأصل ذلك يقال في الحطب، الحطب الجَزل الذي يوقد به، يقول: ولا تحكم فينا بالعدل، وهذا لا شك أنه افتراء على عمر ، فإذا كان عمر لا يحكم بالعدل فمن الذي يحكم بالعدل بعد عمر ؟!، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، يعني: أن يعاقبه على ما قال، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، وهذه الآية تكلمنا عليها في رمضان في التعليق على الآيات التي يقرؤها الإمام، وقلنا: إن هذه من أجمع الآيات في مكارم الأخلاق، بل إن بعض أهل العلم قال: هي أجمع آية في مكارم الأخلاق.

خُذِ الْعَفْوَ يعني: من أخلاق الناس، لا تستقصِ ولا تنقِّر ولا تطالبهم بأمور تشق عليهم، كما قال الشاعر:

خُذي العفوَ منّي تستديمي مودّتي ولا تنطقي في سَوْرتي حين أغضبُ [2]

فالإنسان لا يطالب الناس بأمور تشق عليهم، ويحصل لهم كلفة بسببها، أن يزوروه وأن يتصلوا عليه، وأن يقوموا بحقوقه، وكذلك إذا كان مع زوجته أن تفعل كذا وكذا، فهو سيَتعب ويُتعبها معه، ويتعب الآخرين، وإذا أرادوا أن يقوموا بذلك من أجله فإنما يقومون به على سبيل التكلف، والتعنِّي، والتثاقل من أجل اتقاء شره، أو من أجل أن لا يغضب في أقل الأحوال، خذ العفو وأمر بالعرف، والعرف يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه، كل ما تستحسنه العقول السليمة فهو داخل في العرف، فيأمر بمكارم الأخلاق ومحاسنها، ويأمر بالقول الطيب، فإذا كان الناس عندهم نوع غفلة أو تقصير أمرهم بما يحسن ويجمل، وإذا كان الإنسان سفيهاً فإنه يعرض عنه وأعرض عن الجاهلين، فلا يقف مع الجاهل، ولا يكون قِرناً له ويستوي معه في جهالاته وسفهه، فينزل إلى مرتبته، وإنما يعرض، وكأنه لم يسمع.

ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّنى فمضيتُ ثُمّتَ قلتُ لا يعنينى[3]

بمعنى أنه كأنه لا يسمع.

قال: وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، ما جاوزها يعني: وقف عندها، لم يمض في غضبه، ولم يوقع به عقوبة، قال: وكان وقّافاً عند كتاب الله تعالى. رواه البخاري.

والشاهد من هذا الحديث هو إدخال الحر بن قيس في مجلس عمر؛ لأنه كان من أهل القرآن، كان من أهل العلم، كان من أهل الفضل، فالله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين، فالعبرة بما يحسنه الإنسان، وما يحمله من العلم والدين، والمعرفة والفهم، والتقوى لله -تبارك وتعالى، وليست العبرة بصورته وهيئته وكمال جسمه، وامتداد قامته وما أشبه ذلك من هذه الأمور، أو كثرة العرض والدنيا عنده، وهذه أمور لا ترفع الإنسان عند الله -تبارك وتعالى.

هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199]، (6/ 60)، برقم: (4642).
  2. انظر: عيون الأخبار (3/ 16).
  3. انظر: أمالي ابن الشجري (3/ 48).

مواد ذات صلة