تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
حديث «تنكح المرأة لأربع..»
تاريخ النشر: ٠٣ / جمادى الآخرة / ١٤٢٨
التحميل: 1844
مرات الإستماع: 11121

تنكح المرأة لأربع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم" أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك[1].

تنكح المرأة لأربع..، أي: أن الناس في غالب الأحوال إنما تتوجه مطالبهم وأنظارهم إلى هذه الأوصاف الأربع.

قال: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك، يقول: الناس يقصدون هذه الأمور والأوصاف في المرأة التي يريدون التزوج منها، فعليك أنت بالمرأة المتدينة بذات الدين تربت يداك، ونكاح المرأة لجمالها أمر لا يُنكر، بمعنى أن كثيراً من النفوس تتطلبه، والله -تبارك وتعالى- قد شرع لنا أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، بل قال النبي ﷺ: أنظرت إليها؟[2]، وحث على ذلك، وجعله سبباً للوفاق بين الزوجين، ولكن حينما يكون هذا المطلوب هو الوصف المنفرد الذي يطلبه الرجل من المرأة دون النظر إلى الدين مثلاً فإن ذلك يئول غالباً إلى صفقة خاسرة، والسبب هو أن المرأة إذا كانت جميلة ولا تخاف من الله فقد يكون ذلك سبباً لغرورها، ولترفعها على هذا الزوج، ولربما أسرت قلبه فلا يجد فكاكاً من متابعتها ومطاوعتها حتى على مساخط الله ، ولربما أمرته فقطع رحمه أو عق والديه، كل ذلك من أجل أسْر الجمال، ولا شك أن الجمال يأسر كثيراً من النفوس، ثم أيضاً كما قيل: الماء العذب يَكثر الواردون عليه، فإذا عُرف أن هذه المرأة جميلة ولا تخاف من الله ، وتتبرج وتظهر زينتها فإن الأنظار تتوجه إليها، الرجال لا ينظرون إلى المرأة التي لا جمال لها عادة، وإنما ينظرون إلى الجميلة.

فكون الإنسان يطلب الجمال هذا أمر لا يُذم ولا يُمنع، ولكن حينما يكون هذا هو المطلوب فحسب دون النظر إلى الدين والتقوى فإن هذا أمر لا يسوغ بحال من الأحوال، فالجمال يذهب ولا يبقى إلا الحقائق، ومهما تطاولت الأيام والليالي فلابد أن ينقشع هذا الجمال، فهو قشرة، ثم بعد ذلك الأيام والسنون كفيلة بترحله وزواله، فتتغير الحال وتذهب تلك النضارة والحسن والبهاء والشباب ويتحول ذلك إلى شيء آخر، لربما تعافه النفوس وتنفر منه، وهذا لو أن العاقل تبصر ونظر إلى الحقائق دون المظاهر، فانظر إلى أجمل الجميلات ممن وصلن إلى سن الشيخوخة أو الكهولة أو نحو ذلك هل بقي من جمالهن شيء؟، لو نظرت إلى كبيرات السن والعجائز في الدنيا في مشارقها ومغاربها هل تميز بين التي كانت جميلة والتي كانت قبيحة؟، كل ذلك قد زال وانتهى، فهذا مثل النار التي ذهب نورها وبقيت حرارتها وإحراقها إذا كانت سيئة الخلق قليلة الدين، كما قال الله وإن كان المثل في شيء آخر، لكن الشيء بالشيء يذكر: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ [البقرة:17]، استفاد من إضاءتها ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ما قال: بنارهم، فذهب النور وبقيت الحرارة والإحراق، فهكذا الذي يتزوج جميلة لجمالها فقط، أو لأنه رآها في مكان، أو كانت له علاقة بها يتأذى بأخلاقها، وبتعاملها وبغرورها، وبترفعها عليه، وبمطالبها ثم بعد ذلك يذهب جمالها، وتبقى تَصليه تلك الأخلاق الفاسدة وقلة الخوف من الله ، فالذي كان يطمع فيه قد ذهب، ثم يتحول بعد ذلك إلى حال، لكنه قد لا يستطيع فراقها؛ لأنها قد نثرت له بطنها، امتلأ البيت بالأولاد، أين يذهب بهم؟، وسمعت بعضهم يخبر ويصرح يقول: أدعو عليها في سجودي أن الله يأخذ روحها وأستريح منها، هؤلاء تزوجوا من أجل الجمال، لكن بعد ذلك تغيرت معالم الجسد، كما هي سنة الله في الخلق، وبدأ ذاك الجمال والقوام وكذا يذهب، بدأ الترهل والتغير، وبدأت الأخلاق السيئة تكون هي الباقية، فهو يتمنى الخلاص منها، لكن ماذا يصنع؟ عنده أولاد، وقد لا يجمل أمام الناس أنه يطلق بعد هذا العمر، فكم من رجل يتأذى غاية الأذية، ولكن بعد فوات الأوان، ومعروف أن المرأة غالباً إذا خمّست، بمعنى أنجبت خمسة أولاد غالباً تكون قد ضمنت أو توثقت من هذا الزوج أنه لا يستطيع أن يطلقها غالباً، أين يذهب بهؤلاء الأولاد؟، حتى لو تزوج ثانية لن تتقبل هؤلاء الأولاد، خمسة فما فوق، هذا هو الغالب، فيضطر إلى إمساكها والبقاء معها، فالمرأة تتمكن أو تتوثق من الزوج غالباً إما إذا كانت جميلة، أو كان يعطيها معسول القول ويشعرها بأنها كل شيء في حياته، كما يفعل بعض من لا خبرة له في الحياة أول الزواج، هي أفضل من أمه وأبيه والناس أجمعين، وهي كذا، وهي كذا، ويعطيها من الكلام الجميل، فتعرف أنها قد ملكت زمام قلبه، ثم بعد ذلك تبدأ تتصرف معه، وتتعامل معه من هذا المنطلق، وهكذا إذا كثر أولادها، خمّست، فأقول: الجمال ليس هو كل شيء.

(ولحسبها)، الحسب هو مآثر الإنسان، الأعمال التي قام بها، له كرم وشجاعة وجود، وخلال طيبة ونحو ذلك، فما يعتد به الإنسان ويحسبه عند المفاخرة أنا فعلت وأنا فعلت، وأنا توليت المنصب الفلاني، والمنصب الفلاني، وكذا، وعميد كذا سابقاً، ووكيل كذا سابقاً، ومدير كذا سابقاً، و"سابقًا" هذه التي يضعها في صفوف وأسطر هذه هي التي يسمونها الحسب، يحتسبه يعرضه أمام الناس، فالله قسم العقول على الناس كما قسم عليهم الأرزاق، والعاقل هو الذي ينظر إلى الحقائق.

وبعضهم يقول: الحسب يدخل فيه النسب، الأجداد، الآباء، ما له من نسب، والمقصود أيًّا كان إذا تزوج الرجل المرأة لمنصبها أو لحسبها ونسبها دون أن ينظر إلى الدين فإنها قد تترفع عليه، وتكون مُدِلّة عليه، وكثير ممن يتزوج امرأة هي فوقه في المنصب والمرتبة، والنسب والشرف، وما أشبه ذلك لا يسلم في غالب الأحيان، وإذا كانت هذه الأمور كامنة في النفوس فقد تظهر في أوقات الخصومات، كلمة واحدة تقال يمكن أن تغير ماء البحر كاملاً، تقال في حقه من أبيها، أو منها، أو من أخيها، وما حاجته لهذا؟، كلمة واحدة تكدر ماء البحر، يُلمز بها في نسبه أو في حسبه أو في بلده، ما حاجتك أن تتزوج بامرأة تكون سيدة لك؟، ولذلك الإنسان إذا تزوج يحرص أن يتزوج امرأة مشاكلة له لا تترفع عليه، لا تشعر أنها فوقه، وكثيرًا ما أسمع بأذني شكاوى النساء، إذا جاءت المشاكل فعلاً، واليوم أو أمس تقول إحدى النساء: نحن أرفع منه مرتبة وشرفاً ونسباً ومكانة اجتماعية، والآن تقول: بدأت أشعر أن ما يقوله بعض الفقهاء من شرط الكفاءة أنه له وجه، وقد يكون كلاماً صحيحاً، لاحظوا متى ظهر الكلام؟ يوم جاءت المشكلة، ما حاجة الإنسان لهذا كله؟، تزوج امرأة قريبة لك، ولذلك ما أعقل الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- له كلمة بعنوان: "زوجتي" تجدونها في موقع الإسلام اليوم، كلمة جميلة جدًّا، من أجمل ما قرأت، يذكر فيها أنه تزوج امرأة لا جديد بخصوصها، أبوه قاضٍ وأبوها قاضٍ وهي بنت عمه، حياتهم الاجتماعية البيت متقارب جدًّا، أما أن يتزوج واحدة من بيئة بعيدة، وعادات أخرى تماماً، وتشعر أنها فوقه ونحو ذلك، وهو يرى أن هذه التصرفات من الكرم ومن المروءة، وأنه يُلزِّم ويعزم، ويذبح ونحو ذلك.

وهؤلاء يقولون: هذه بداوة، ويلمزونه بهذا، ويلمزون أهله، ما الحاجة لمثل هذه الأمور؟، تزوج واحدة مشاكلة لك، تتفاهم معها بسهولة، والعادات متقاربة، والمستوى متقارب، والحمد لله، أمّا كل يوم تكتشف طبيعة جديدة، وعادة جديدة عندهم، عاداتهم غير، وعاداتنا غير، وتبدأ المشاكل، حاول أن تؤسس تأسيساً صحيحاً، أقول هذا الكلام؛ لأننا على بداية الأجازة، والناس -نسأل الله التوفيق للجميع- يتزوجون في مثل هذه الأيام ونحو هذا، فالشاهد قضية الحسب والنسب والجمال إذا كان ذلك كله بعيداً عن الدين فإن ذلك قد يضره ولا ينفعه.

قال: ولدينها، فاظفر، المرأة المتدينة تخاف من الله ، تخاف من الله -تبارك وتعالى-، فإذا وُجد مع هذا أن تكون امرأة تقية وذات جمال وحسب ونسب، ولكن يصعب أن تجتمع هذه الأشياء، والكمال لله .

وكذلك قضية المال، يتزوجها لمالها، أكثر مشاكل الناس اليوم بسبب المال، تزوجها من أجل مالها، يعرف أن هذه المرأة عندها مال، إما موظفة، أو عندها ميراث أو نحو ذلك، يتزوج، فإذا تزوج قال لها: تعالي أنا عليّ ديون، ولابد للمرأة أن تواسي زوجها على الحلوة والمرة، ومر على الزواج أسبوع فقط!، إحدى النساء تقول: طلب مني أن أبيع الذهب الذي عندي، وأن أعطيه المهر، ويقول: أين المواساة؟، أين المواساة؟! أين المروءة والرجولة والكرامة، تطلب من امرأتك المهر الذي أنت أعطيتها إياه؟!.

وإذا رفضت بدأت المشاكل، يقول: الأثاث، الخادمة، السائق، أنتِ التي تدفعين هذا، وإذا تنازل قال: نصف الأثاث عليّ ونصف الأثاث عليك، لابد، وتبدأ المشاكل، وبعض النساء تقول: اشترطت عليه منذ البداية في العقد أن لا يسألني عن أموالي، تقول: هي فقط بضعة أسابيع وهو يتلمظ، بعض النساء تقول: أعطيته ولم يشعر أهلي بهذا، ولو علموا لغضبوا، لكن من أجل أن لا أفتح لنفسي مشاكل، أريد أن أعيش، ثم بعد ذلك لما حصلت المشكلات بدأت تسأل تقول: هل يحق لي أن أطالب بالأموال؟ طيب الأموال التي أعطيتيها له هل كانت على سبيل التبرع أو كانت على سبيل القرض؟ قالت: هه، أنا تلك الأيام ما فكرت في هذا، طيب لابد من تفصيل، إذا كان على سبيل التبرع لا يجوز أن ترجعي بها، وإذا كان على سبيل الإقراض فلابد من البينة، هو يقول: ما أعطتني شيئًا، ما أخذت منها شيئًا، وإذا كان عندها شقة تعالي الشقة نبيعها ونشتري واحدة ثانية، نبيعها ونضع في الأسهم، نبيعها ونسوي كذا، وشغله على هذه الشقة، وصداع، وكل يوم، مسكينة، وفي الأخير تقول: خذها، لأجل أن تعيش، ولا يتركها تعيش، إذا باع الشقة تجيء مشاكل ثانية قد يتزوج عليها، قد يلمزها قد يضربها، قد يسيء خلقه معها، ويشتمها ويؤذيها، ثم بعد ذلك تشعر أنها ضيعت مالها، والمرأة إذا وصلت إلى الحد غالباً الذي تقع فيه المشكلات تبدأ تتكلم: أعطيته وأعطيته وأعطيته، وأنا فعلت وبذلت وكذا، تُمسكه من هنا، فما الحاجة أنه يأخذ منها؟، لا يتزوجها لمالها أبداً حتى لو كان عندها مال، إذا أعطته يقول لها: ألف شكر، ما أبغى شيئًا، أنا الحمد لله في سعة وغنى وخير لا أريد شيئًا، تريدين؟ أعطيك، عندي شقة، عندي كذا وكذا، خلي الشقة لكِ، تفاهمي مع أبيك تبغون تبيعونها تؤجرونها تصنعون بها ما تشاءون، أنا لا حاجة لي بها أصلاً، أنا لا علاقة لي بهذه الأمور، هذه أشياء تخصك أنتِ.

فأقول: مثل هذه القضايا يحتاج الإنسان أن يتبصر بها، فالدين هو الذي يبقى، وباقي الأشياء تذهب، طيب لو ذهب المال أو امتنعت أن تعطيه، هو تزوج من أجل المال، فهنا يزهد فيها.

نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا وإياكم الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن يزوج أيامى المسلمين رجالاً ونساءً، وأن يوفقهم، وأن يحسن العاقبة للجميع في الأمور كلها، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقم: (5090)، ومسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، رقم: (1466).
  2. أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، رقم: (1424).

مواد ذات صلة