تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
حديث «من شهد أن لا إله إلا الله..»
تاريخ النشر: ٢٣ / شوّال / ١٤٢٨
التحميل: 1541
مرات الإستماع: 9533

من شهد أن لا إله إلا الله

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا هو الحديث الأول في باب الرجاء، وهو:

حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[1]، متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار[2].

قوله ﷺ: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، يعني خلافاً للنصارى الذين ألّهوه، وجعلوه ثالث ثلاثة، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، كلمته: عيسى يقال له: كلمة الله، وذلك أنه وُجد وكان بالكلمة "كن"، كما قال الله -تبارك وتعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ [آل عمران:59] فقيل له: كلمة من باب إطلاق السبب على المسبَّب، فهو وُجد بسبب الكلمة، فهو مسبَّب عنها، فقيل له ذلك، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، روح منه: أي روح مخلوقة من الله -تبارك وتعالى، كما قال الله للملائكة في آدم  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:29]، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، والنصارى لا يقولون أبداً: إن آدم ﷺ ابن الله، هم لا يقولون بهذا، فإذا احتجوا على المسلمين، وقالوا: عندكم هذا، وهو أن الله قال في حق عيسى وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، نقول: وقال في حق آدم: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فهل تقولون بأن آدم هو ابن الله أيضاً؟، هم لا يقولون بهذا، والمراد بكون عيسى ﷺ روح من الله يمكن أن يكون المقصود أنه روح مخلوقة خلقها الله .

وقوله: مِنْهُ يكون بمعنى أنها مبتدَأة منه، أن الله خلقها، كما قال الله عما خلق في السماوات والأرض قال: جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]، فكل ذلك الله هو الذي ابتدأ خلقه وأوجده، وأعطاه ووهبه، وأيضاً وروح منه، من أهل العلم من يقول: "روح منه" الإضافة هنا تدل على التشريف، إذا قيل: عيسى روح الله، كما يقال: عبد الله، وبيت الله، فإن ما يضاف إلى الله -تبارك وتعالى- إن كان من قبيل الصفات والمعاني وكان صفة لله -تبارك وتعالى- فهو غير مخلوق، كعلم الله، وسمع الله، وبصر الله، وإن كان يقوم بمحل آخر فإنه يكون مخلوقاً، كروح الله، وهكذا الأعيان القائمة بذاتها، كناقة الله، وبيت الله، فهذا كله من إضافة المخلوق، وهذه الإضافة تكون لمعانٍ منها التشريف، المقصود هنا أن عيسى روح مخلوقة من الله    -عز وجل، وبعضهم يقول: قيل له ذلك لأن روح القدس وهو جبريل هو الذي نفخ في درعها وجيبها، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم:17] وهو جبريل ، وجبريل يقال له: الروح، والله يقول: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:102] يعني جبريل روح القدس، فمن أهل العلم من يقول: إن عيسى قيل له ذلك؛ لأن جبريل نفخ في درع أمه، في درع مريم -رحمها الله، فوُجد من غير أب، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284].

وقوله: وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل يعني: من كان محققاً لهذا الإيمان راسخاً في قلبه، فإنه يدخل الجنة على ما كان من عمل، هذه الرواية التي سمعتم من حيث هي لا تدل على أنه لا يعذب بالنار، فقد يعذب الإنسان بالنار ثم يدخل الجنة، والرواية الثانية عند مسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار، هنا هذا يدل على أنه لا يدخل النار، وهذا من أحاديث الرجاء، والأحاديث تُفهم بمجموعها، وأهل العلم بينوا ذلك وجلّوه ووضحوه، ومن هؤلاء الحافظ ابن القيم -رحمه الله، فإنه يقول: إن من حقق لا إله إلا الله فإن أنوار لا إله إلا الله تزيح عنه الشبهات والظلمات، وتنجلي عنه الغشاوة، وإذا رسخت هذه الكلمة في قلب العبد فإنه يكون ممتثلاً لأمر الله مجتنباً نهيه، وإنما يقع العبد في المخالفة والمعصية إذا كان لم يعرف لله قدره، ولهذا يقال له: جاهل، وقد جاء في قوله -تبارك وتعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [الأنعام:54]، فقد قال السلف كابن مسعود وغيره: "كل من عصى الله فهو جاهل"[3]؛ لأنه لو عظم الله حق التعظيم، وعرف حقه حق المعرفة ما عصاه، ولهذا يقال: لا تنظر إلى صغر المعصية وانظر إلى عظمة من عصيت، فلو عظمنا الله على الوجه اللائق فإننا لا نعصيه.

فهذا الحديث لا يؤخذ بمجرده، هو من أحاديث الرجاء، عندنا أحاديث صحيحة في الصحيحين وفي غيرهما تدل على أن أناساً من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار، ويعذبون فيها، ثم بعد ذلك يخرجون، منهم من يتفحم في النار، فيخرجون حمماً ويلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبة في حميل السيل[4] النبتة الخضراء الصغيرة أو الصفراء، كيف تكون ضعيفة وملتوية فيما يحمله السيل، ثم تدب فيها الحياة، فالمقصود أنهم يدخلون النار ويعذبون فيها، وقد دلت النصوص الكثيرة على هذا المعنى، فالمسلم لا يأخذ هذا الجانب فقط من الأحاديث ويترك الجانب الآخر، ولا يأخذ نصوص الوعيد فقط ويترك نصوص الوعد، وإنما يتوازن، ينظر لهذه النصوص وهذه النصوص، ويوجد من الفرق المنحرفة المنتسبة للإسلام طوائف منهم من يقال لهم: المرجئة، وهم فرق، نظروا إلى أحاديث الرجاء مثل هذا الحديث، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهناك طوائف تسمى بالوعيدية الخوارج والمعتزلة، الذين نظروا إلى نصوص الوعيد وقالوا: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، الخوارج قالوا: إنهم كفار، والمعتزلة قالوا: إنهم فُسّاق، في منزلة بين المنزلتين، بين المؤمنين وبين الكفار، لكن النتيجة واحدة، أنهم يخلدون في النار.

لماذا قالت هذه الفرق هذه المقالات وانقسموا؟ كل واحد نظر إلى جزء من الحقيقة، إلى جزء من النصوص، ولم ينظر إلى القسم الآخر، فوقع في هذا الطرف، أو في ذاك الطرف، وأهل السنة توسطوا في هذا الباب، نظروا إلى نصوص الوعد ونصوص والوعيد، فالإنسان بحاجة إلى أن يجتهد، والنبي ﷺ قال -كما مضى في نصوص الخوف: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً[5]، إلى غير ذلك مما جاء عنه ﷺ، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويقول: الله أكبر، كم فتح الليلة من الخزائن وكم أنزل من الفتن، من يوقظ أصحاب الحجرات، يقصد أزواجه ليصلين الليل[6].

فنسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعيننا وإياكم على طاعته، وأن يرزقنا وإياكم خوفه ورجاءه، ومحبته، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]،برقم (3435)، ومسلم، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، برقم (28).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، برقم (29).
  3. انظر: تفسير الطبري (6/ 508)، وتفسير البغوي (2/ 184).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود، برقم (806)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم (183)، عن أبي سعيد الخدري .
  5. أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف، برقم (1044)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم (2359)، عن أنس بن مالك .
  6. أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، برقم (7069)، عن أم سلمة -رضي الله عنها.

مواد ذات صلة