تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 16 / ربيع الآخر / 1441 - 13 / ديسمبر 2019
حديث «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة..»
تاريخ النشر: ٢٦ / شوّال / ١٤٢٨
التحميل: 1544
مرات الإستماع: 5617

يا رسول الله ما الموجِبتان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن الأحاديث التي أوردها المصنف -رحمه الله- في باب الرجاء:

حديث جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الموجِبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك به شيئاً دخل النار[1]، رواه مسلم.

يقول: ما الموجِبتان؟ يعني ما الذي يوجب دخول الجنة، وما الذي يوجب دخول النار؟، فقال له ﷺ: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، فهذا الحديث بظاهره لا يدل على أن من مات لا يشرك بالله شيئاً أنه يدخل الجنة من غير أن يعذب، وإنما هو وعد له بالجنة، من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة أي: ولو عُذب، ولو بقي في النار مدة، لكنه لا يخلد فيها، سيكون مآله في يوم من دهره إلى الجنة، وقوله: ومن مات يشرك به شيئاً دخل النار، رواه مسلم.

هذا الحديث في ظاهره كما قلت: يمكن أن يحمل على هذا ولا إشكال، ولو أن أحداً أراد أن يفهم منه أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة يعني: من غير دخول النار، فهذا ينبغي أن يُحمل معه قوله ﷺ: من مات لا يشرك بالله شيئاً أن "شيئاً" نكرة في سياق النفي، أيّ شيء، بمعنى أن قلبه يكون متخلصاً من كل شائبة، ومن جميع العلائق، فيكون راسخ الإيمان، التوحيد متمكن من قلبه، لا يُقدِّم شيئاً على أمر الله -تبارك وتعالى، لا هوى النفس، ولا طاعة الشيطان، ولا طاعة أحد من المخلوقين، والله يقول: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ  [الجاثية: 23]، فسمى الهوى إلهاً، كما قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما: الهوى إله يُعبد من دون الله -تبارك وتعالى، ولهذا فإن أهل العلم في الأحاديث التي قد يفهم منها أنه يحرم على النار، أو يفهم منها أنه يدخل الجنة بمجرد الإيمان يحملونه على هذا المعنى، يقولون: الإيمان الثابت الراسخ الذي لا يُقدَّم فيه شيء على طاعة الله ، فالله إذا أمر بشيء والنفس والهوى أمر بشيء فقدم طاعة الهوى والنفس والشيطان، فصار بذلك بهذا الاعتبار فيه نوع إشراك، وليس الشرك الأكبر المخرج من الملة، لا، فالمعاصي لا تخرج من الملة، إنما الذي يخرج من الملة الكفر، لكن المعاصي متفرعة من شجرة الشرك، كما يقول شيخ الإسلام وابن القيم، ويقوله العلماء عموماً: هما شجرتان، شجرة الإيمان، وشجرة الشرك، فشجرة الإيمان شجرة طيبة، تثمر كل قول طيب وكل عمل طيب، فالصلاة إيمان، والحج إيمان، والكلمة الطيبة إيمان، وذكر الله إيمان، والصدقة إيمان، وما إلى ذلك.

وشجرة الشرك: هي شجرة خبيثة، يتفرع منها كل خبيث ورديء وسيئ، فالمعصية متفرعة منها، والكلمة السيئة متفرعة منها، الظلم متفرع منها، وليس معنى ذلك أن من فعل شيئاً من هذا يكون مشركاً، إنما المقصود أن هذه الأشياء هي ليست مما يحبه الله ويرضاه، يعني عندنا لا إله إلا الله، فـ"لا إله" هذه نفي لكل ما يعبد من دون الله، ونفي لكل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، فهذا كله في كفة، "إلا الله" فيه إثبات وحدانية الله وعبادته وكل ما يحبه الله ويرضاه، محبة المؤمنين، طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، وما أشبه ذلك.

الشاهد: لا تفهم أن المعصية شرك، بمعنى أن من عصى الله فقد أشرك، لا ليس هذا المراد، ولكن حينما نتكلم عن التوحيد الذي يحرم صاحبه على النار ما هو؟ هو التوحيد الكامل، فالناس في التوحيد على مراتب، هناك من أهل التوحيد من يعذب في النار حتى يتفحم، فيخرجون حُمما كما ذكرنا من قبل، ثم يلقون في نهر الحياة، ومن أهل التوحيد من يدخل الجنة، كما ثبت عن النبي ﷺ بغير حساب ولا عقاب، ولهذا قال النبي ﷺ عن هؤلاء: يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة من غير حساب[2].

لو كان مثلاً كل من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة يعني: من غير حساب ولا عقاب لصار العدد لا يحد بسبعين ألفًا، وقد جاء في بعض الروايات أن: مع كل ألف سبعون ألفاً[3]، فسيكون العدد أكبر من هذا بكثير، سيكون عامة الأمة، لكن المقصود بمثل هذه الأحاديث الإيمان والتوحيد الكامل الراسخ الذي يحجز صاحبه عن كل ما لا يليق، عن كل ما لا يحبه الله ويرضاه، هذا يفهم هكذا.

وهذا الذي ذكره الحافظ ابن القيم -رحمه الله، يقول: إذا وُجدت كلمة التوحيد ثابتة راسخة في القلب بددت أنوارها جميع الظلمات، وجميع الأهواء، وجميع الشهوات والشبهات التي تُعشعش في قلوب الخلق، فلا يكون له محبوب سوى محبوب الله ، ولا يكون له عمل وشغل إلا فيما يحبه الله -تبارك وتعالى، كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها[4]، هذا هو صاحب التوحيد والإيمان الكامل.

ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله
حديث أنس : أن النبي ﷺ ومعاذٌ رديفه على الرحل قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا[5].

من الذي يستطيع أن يجزم بهذا لنفسه؟ هذه من أحاديث الرجاء، لابد أن يُنظر معها أحاديث أخرى ونصوص أخرى مضى بعضها في باب الخوف، فالنار أخبرنا النبي ﷺ عن أقوام يعذبون فيها من أهل الإيمان، بل مر على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدها فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة[6].

دخلت امرأة النار في هرة حبستها[7]، الرجل الذي كان مسئولاً عن رحل النبي ﷺ، ويجاهد معه، قتل معه في الغزوة، لما قالوا: إنه شهيد وإنه في الجنة، قال: إن الشَّملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا[8]، وكذلك الأحاديث الواردة في وعيد مانع الزكاة، والأحاديث الواردة في ذنوب وأعمال كثيرة.

فهنا قال له النبي ﷺ: صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا، يعني: يسمعها إنسان ولا ينظر إلى النصوص الأخرى، ويُغلِّب هذا الجانب فيتكل على هذا، ويكسل عن العمل.

وهناك أحد الأشخاص أرسل رسالة يسأل، يقول: إنه يعرف شخصاً متديناً، شابًّا مستقيماً، ورأى رؤيا فسأل عنها أحد المعبرين، فقال: هذا رجل صالح تقي وسيكون له بإذن الله شأن، هذا السائل يقول: هذا الشاب بدأ يتكل على هذه الرؤيا، فبدأ يفتر عن العمل، ويتكاسل، يقول: صار يتكاسل عن صلاة الجماعة، حتى صار لا يكاد يصلي بعض الأوقات في المسجد بالذات الفجر، يقول: وصار يتأخر عن صلاة الجمعة، وهو جالس يعني يتباطأ يتباطأ حتى صارت تفوته الجمع المتتابعة؛ بسبب رؤيا، قد تكون هذه الرؤيا من الشيطان يتلاعب به، وقد يكون هذا التعبير أصلاً خطأ، لاحظوا الفرق بيننا وبين الصحابة ، النبي ﷺ بشّر جماعة منهم بالجنة، ومع ذلك كانوا في غاية التشمير، والجد والاجتهاد في العمل، مَن مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وطلحة والزبير وأمثال هؤلاء، والنبي ﷺ بشرهم بالجنة، ما جلسوا، وقالوا: خلاص ضمنا الجنة، بل كانوا في غاية الاجتهاد، وكانوا يخافون ويبكون، وهم أكثر الأمة تقوى، نحن للأسف نعتمد على رؤيا لا ندري ما هي، ونعتمد على مدح الناس، وثناء الناس، أو حسن ظن الناس، قال: إذاً يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً، متفق عليه.

يعني أن معاذًا لم يخبر بها، لكن حينما حضرته الوفاة خاف أن يكون هذا من كتمان العلم، فيصدق عليه أن من كتم علماً أُلجم بلجام من نار يوم القيامة[9].

فمعاذ خشي أن يلجم بلجام من نار، مع أنه سمع هذه البشرى من النبي ﷺ، لاحظ فقه الصحابة، فخاف وأخبر بها عند موته، ما قال: خلاص نحن ضامنون أن من مات لا يشرك بالله شيئاً حرمه الله على النار، لا، خاف أن يلجم بلجام من نار، فأخبر بها، فهكذا ينبغي أن يكون الفهم، ولا يضيع الإنسان حظه من الله -تبارك وتعالى- بالأخذ بجوانب من النصوص كما فعلت المرجئة والوعيدية من المعتزلة والخوارج وضاع هؤلاء في طرف، وضاع هؤلاء في طرف، نسأل الله العافية.

فالإنسان ينبغي أن يكون أحرص ما يكون على فكاك رقبته عند الله ، على أن ينجو بين يديه، فالأمر ليس بالشيء السهل، الواحد لو قيل له : ستقابل مسئولاً يسألك عما فعلت وعما تركت وعما أنفقت، وعما كذا، سيحاسبك على هذه الأموال التي كنت مسئولاً عنها، أو نحو ذلك، أو هذه الشركة، أو هذه الإدارة، يحسب حساباً لهذا، فكيف بالوقوف بين يدي الله ؟!، كيف بسؤال الملكين حينما ينتهران الإنسان انتهاراً شديداً؟!.

نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات مشركا دخل النار (1/ 94)، رقم: (93).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] (8/ 100)، رقم: (6472)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (1/ 197)، رقم: (216).
  3. أخرجه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ (4/ 626)، رقم: (2437)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ (2/ 1433)، رقم: (4286).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (8/ 105)، رقم: (6502).
  5. أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا (1/ 37)، رقم: (128)، ومسلم (1/ 61)، رقم: (32).
  6. أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول (2/ 99)، رقم: (1378)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (1/ 240)، رقم: (292).
  7. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق، يقتلن في الحرم (4/ 130)، رقم: (3318) ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (4/ 2110)، رقم: (2619).
  8. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (4234).
  9. أخرجه أبو داود، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم (3/ 321)، رقم: (3658)، وابن ماجه، باب من سئل عن علم فكتمه (1/ 97)، رقم: (265). 

مواد ذات صلة