تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 18 / صفر / 1441 - 17 / أكتوبر 2019
حديث «لله أرحم بعباده من هذه بولدها»
تاريخ النشر: ٠٤ / ذو القعدة / ١٤٢٨
التحميل: 1531
مرات الإستماع: 15193

الله أرحم بعباده من هذه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الرجاء أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث عمر بن الخطاب قال: قُدِم رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذْ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟، قلنا: لا والله، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها[1]، متفق عليه.

قُدم رسول الله ﷺ بسبي، يعني أنه أُتي بسبي، والسبي هو ما يؤخذ من الكفار من ذراريهم ونسائهم في الحرب.

فإذا امرأة من السبي تسعى، وهذا كان بعد غزوة الطائف، وفي بعض الروايات أنها تبتغي، يعني أنها تطلب، فهي تجول بين السبي إذْ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألزقته ببطنها، هكذا هنا، وفي بعض روايات الحديث: إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، بمعنى أنها تفعل ذلك بالصغار، إذا وجدت أطفالاً من الرُّضع في السبايا فإنها تأخذهم وترضعهم، شفقة عليهم وحنوًّا، وتفعل ذلك من أجل أن تتخلص مما قد حصل لها من الحليب، فلابد من إخراجه، والروايات يبيّن بعضها بعضاً، والمقصود أن هذه المرأة إن كانت تفعل ذلك بغير أولادها فوجه الحديث ظاهر، وهو أن النبي ﷺ قال: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟، يعني إذا كانت تفعل هذا بأولاد الناس، ترضعهم وتلزقهم ببطنها شفقة ورحمة وحنوًّا، فكيف تصنع بولدها؟!.

وإذا كان المقصود من: إذ وجدت صبيًّا في السبي أخذته: أنها وجدت ولدها مثلاً الذي كانت تبحث عنه، فضمته وأرضعته، فالنبي ﷺ يقول: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟، وهذا لا يتصور، فالمرأة أشد ما تكون حنوًّا على ولدها، قلنا: لا والله، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها يعني: هنا ذُكرت أجلى صورة في الرحمة وهي رحمة الوالدة على الولد، وفي مشهد يراه الجميع، تلك المرأة التي رآها في السبي تجول فإذا وجدت صبيًّا أرضعته، وإذا كانت والدة الإنسان هي أرحم أهل الأرض بالولد عادة، فهي أرحم من أبيه، وهي أرحم من قراباته، فضلاً عن الأباعد، فإن الله -تبارك وتعالى- أرحم بعبده من هذه بولدها، وينبغي أن تُفهم هذه الأحاديث فهماً صحيحاً، والله يقول: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ [الحجر:49-50].

فالله هذه رحمته، ولكن عقابه شديد، فالذي هذه رحمته هو شرّع قتل الزاني المحصن بهذه القِتلة الشديدة، الرجم بالحجارة إلى الموت، والذي هو أرحم بالإنسان من والدته هو الذي أمر بقطع يد السارق في ربع دينار[2]، وهو الذي أخرج آدم من الجنة في أكلة أكلها من الشجرة، فمن عصى الله فإن عذابه شديد، فلا يركن الإنسان لمثل هذه الأحاديث فقط، ويترك أحاديث الوعيد، وإنما يحصل عنده التوازن، فإذا قرأ مثل هذه الأحاديث فإن نفسه تنبعث وتطلب رحمة الله وألطافه، وينبعث عنده الأمل والرجاء، ولا يقنط ولا ييأس من رحمة الله مهما تعاظمت ذنوبه، ولكنه في نفس الوقت لا يغتر، وينظر في نصوص الوعيد فيبعث ذلك جانب الخوف في نفسه، فيكون جامعاً بين الخوف والرجاء، لا يغتر حتى يرد المهالك والمخاوف، ولا يُغلِّب جانب الخوف فيسيء الظن بالله -تبارك وتعالى، ويقول: أنا لا فائدة لي من العمل ولا تقبل لي توبة، وما أشبه ذلك مما يقوله بعض الناس.

أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يلطف بنا، وأن يرحمنا ووالدينا، وإخواننا المسلمين، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، رقم: (5999)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم: (2754).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] وفي كم يقطع؟، برقم (6791)، ومسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، برقم (1684)، عن عائشة -رضي الله عنها.

مواد ذات صلة