تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
حديث «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله..» ، «يا ابن آدم إنك ما دعوتني..»
تاريخ النشر: ٠٦ / محرّم / ١٤٢٩
التحميل: 856
مرات الإستماع: 1989

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب فضل الرجاء أورد المصنف -رحمه الله- حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام -يعني قبل موت النبي ﷺ يقول: لا يموتنّ أحدُكم إلا وهو يحسن الظن بالله [1] رواه مسلم.

هذا نهي، والأصل أن النهي للتحريم، ولذلك يقال: إن إحسان الظن بالله عند الموت أمر واجب.

وكما سبق في الحديث الذي في الليلة الماضية: أنا عند ظن عبدي بي...[2]، فإذا أحسن العبد الظن بربه عند الموت فإن ذلك يُرجَى معه أن يجد ما رجّاه، وما ظنه بالله -تبارك وتعالى.

والمقصود بإحسان الظن بالله عند الموت: أنه يحسن الظن بالله أنه سيقبل على رب رحيم واسع المغفرة، وأن الله سيعامله بعفوه ويتجاوز عنه، وما أشبه ذلك.

فهذا مطلوب عند الموت، ولكن إذا كان الإنسان -كما سبق- في حال القوة والصحة والعافية، وما أشبه هذا فإن من أهل العلم من يقول: يغلب جانب الخوف؛ ليكون ذاك وازعًا ورادعًا له عن مقارفة ما لا يليق.

ومن أهل العلم من يقول: ينبغي أن يستوي الخوف والرجاء، سواء في حال العافية، أو عند الموت، ويستدلون على ذلك ببعض ما ورد من الأحاديث، منها: أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟، قال: والله يا رسول الله، إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف[3].  

فالشاهد أن مثل هذه الأحاديث تدل على اجتماع الخوف والرجاء، وكذلك بعض ما ورد في القرآن، وهذا الحديث يدل على تغليب جانب حسن الظن، لكن حينما يغلب الإنسان جانب حسن الظن لا يعني أنه ينسى تمامًا عقاب الله ويكون مُفرِدًا للرجاء فحسب، لا يوجد عنده شيء من الخوف، لكن الكلام في التغليب فحسب، وهذا لا يعارض ما ورد من سؤال النبي ﷺ لهذا الرجل من أنه يخاف هذا وهذا.

وكذلك ما ورد عن جماعة من الصحابة والسلف الصالح كان الواحد لربما بكى عند موته؛ لأنه يخاف من ذنوبه يخاف من عذاب الله بعضهم يقول: إن الله قال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71].

فأخبرنا عن الورود، فلا ندري كيف الصدر بعد الورود، كيف يكون خروجنا من هذا الورود.

بكى أبو هريرة وبكى معاذ بن جبل، وبكى عبد الله بن رواحة لما أراد أن يذهب إلى مؤتة، وبكى جماعة من التابعين، ومن بعدهم من الصالحين، والعلماء، وعمرو بن العاص لما حضرته الوفاة بكى أيضًا، وأدار وجهه إلى الجدار.

فكان ابنه -أعني عبد الله بن عمرو بن العاص- يرجِّيه، ويذكره بإيمانه، وهجرته ومتابعته للنبي ﷺ، فذكر عمرُو بن العاص أنه مر بأطوار ثلاثة، وأن الطور الأول هو حينما كان يعادي النبي ﷺ يقول: ولو مت لهلكت ودخلت النار.

ثم الطور الآخر لما آمن وصار النبي ﷺ أحب الناس إليه، يقول: ولو مت على هذا لرجوت أن أدخل الجنة، ثم ذكر الطور الآخر، وهو ما حصل لهم من أمور -كما قال- يعني دخلوا فيها، وتقلبوا فيها ظهرًا لبطن، فلا يدري كيف يكون حاله معها، ويقصد بذلك ما حصل من الفتن بين الصحابة وما إلى ذلك من الأمور بعد النبي ﷺ.

الحديث الذي بعده هو حديث أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني، ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.

غفرت لك على ما كان منك: يعني من الذنوب، ولا أبالي.

يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة[4]. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

والمقصود بعنان السماء هو ما عنّ لك منها، كما يقول المصنف: أي ظهر إذا رفعت رأسك، وبعضهم يقول: ملء ما بين السماء والأرض، وبعضهم يقول: هو السحاب، وقُراب الأرض المقصود به ما يقارب مِلأَها. فهو يقول: "ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة".   

والحافظ ابن القيم -رحمه الله- يذكر أن مثل هذا يقصد به التوحيد القوي الثابت العظيم الذي يحرق كل هذه الشهوات والأرجاس والأدناس التي تكون في النفس، فأنواره تطفئ تلك الظلمات.   

وعلى كل حال يبقى هذا من أحاديث الرجاء، يصلح مثل ذلك أن يداوى به من غلب عليه جانب الخوف واليأس والقنوط من رحمة الله حيث قارف ما قارف من الذنوب والعظائم، ويظن أنه لا يغفر له، وهذا موجود يقع فيه بعض الناس، وهذا لا يجوز، وهو من عظائم الذنوب، فمثل هذه الأحاديث يحتاج إليها مثل هذا، وأما الإنسان المفرط المقصر فإنه يحتاج إلى تخويف.

وأما عند الموت فيمكن أن تذكر هذه الأحاديث لمن هو في مرض الموت من أجل أن يحسن ظنه بالله ، والله المستعان.أسأل الله أن يغفر لنا ولكم ولوالدينا ولإخواننا المسلمين، وهذا هو آخر حديث في هذا الباب، وصلى الله على نبينا محمد.

  1. أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الأمر بحسن الظن بالله -تعالى- عند الموت (4/2205)، رقم: (2877).
  2. أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:28] (9/121)، رقم: (7405)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى (4/2061)، رقم: (2675).
  3. أخرجه الترمذي، أبواب الجنائز عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (3/302)، رقم: (983)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له (2/1423)، رقم: (4261).
  4. أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات (5/548)، رقم: (3540)

مواد ذات صلة