تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 17 / صفر / 1441 - 16 / أكتوبر 2019
حديث «لو تعلمون ما أعلم..» إلى «سبعة يظلهم الله في ظله..»
تاريخ النشر: ١٠ / محرّم / ١٤٢٩
التحميل: 1109
مرات الإستماع: 4727

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

حديث «لو تعلمون ما أعلم..» إلى «سبعة يظلهم الله في ظله..»

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمما أورده المصنف -رحمه الله- في باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه:

ما جاء عن أنس قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خَنين[1]. متفق عليه.

وهذا الحديث مضى الكلام عليه في باب الخوف، وقوله : خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، يعني: في بلاغتها، وفصاحتها، وتأثيرها العظيم البالغ في النفوس.

فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا لو تعلمون ما أعلم من شدة الأمر، وهول المطلع، وما يكون من الأهوال والأوجال في الآخرة، ومن شدة عذاب الله في نار جهنم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا.

أي: أن الإنسان يقل أنسه وطربه ولذته في هذه الحياة، فينكمش آثار ذلك من الضحك الذي يصدر عادة عن نفس مسترسلة مطمئنة، فإن الخائف لا يضحك عادة.

وقال: لضحكتم قليلاً، وهذا القليل لا عبرة به، والعرب تعبر بالقليل، وتنزل ذلك منزلة المعدوم، يعني: لا تضحكون.

وهذا تفسير -والله تعالى أعلم- أحسن من تفسير من قال: إن الضحك القليل لما ينبث في ثنايا ذلك من الألطاف والرحمات، فإن من نظر إلى رحمة الله فإنه ينبسط لذلك كما سبق في أحاديث الرجاء.

يقول: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، ولهم خَنين.

هذا هو الشاهد في هذا الحديث في هذا الباب، غطوا وجوههم، ولهم خنين، صوت من البكاء؛ تأثرًا بما سمعوا من رسول الله ﷺ .

وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، وقد قيل: اطلب قلبك في ثلاث: في الصلاة، وفي مجالس الذكر، وعند قراءة القرآن، فإن لم تجده، فاسأل ربك أن يرزقك قلبًا، فإنه لا قلب لك.

يعني: إذا كان الإنسان لا يجد قلبه حاضرًا في هذه المواطن الثلاث، فإن القلب يكون قد ضعف، وقد تتابعت وتراكمت عليه الأوضار التي صارت تمثل طبقة تغلفه، فلا تنفذ إليه موعظة، وهذا هو الران، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14].

وجاء أيضًا في حديث أبي هريرة  قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَلِج النارَ أي: لا يدخلها رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع...[2].

ومعلوم أن اللبن لا يمكن أن يعود في الضرع، من محله الذي قد خرج منه، والعرب تعبر بهذا عادة لبيان الاستحالة، أو الاستبعاد، أن ذلك لا يكون.

قال: ولا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنم رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

الشاهد: لا يلِج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، وهذا من الأحاديث التي تبين فضل البكاء من خشية الله .

ولكن مثل هذا أيضًا ينبغي أن ينظر معه إلى الأحاديث الأخرى، بحيث ينتفي المانع من دخول الجنة، أو ما يوجب دخول النار، فمن بكى من خشية الله -مثلاً- وهو مشرك، فمثل هذا لا يمكن أن يدخل الجنة، بل لابدّ أن يدخل النار، وهكذا ما يتعلق بحقوق المخلوقين، فإن الأصل في ذلك هو المشاحّة.

ثم ذكر حديث أبي هريرة وقد مضى -أيضًا- قال رسول الله ﷺ : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...[3].

والمقصود بالسبعة: ليست سبعة أشخاص، وإنما سبعة أصناف، فالصنف الواحد الله أعلم كم يدخل تحته من الناس.

سبعة أنواع من الناس، من أهل الأعمال الصالحة، يظلهم الله في ظله.

قال: إمام عادل وكل من اتصف بهذه الصفة فهو داخل في ذلك، حينما تدنو الشمس في القيامة من رءوس الخلائق، حتى تكون على قدر ميل، فعند ذلك يغمر الناس العرق، فمنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا، على قدر أعمالهم.

وهناك سبعة أصناف في ظل الله -تبارك وتعالى.

قال: وشاب نشأ في عبادة الله تعالى وذلك أن هذه الأصناف إذا نظرت إليها -مثلاً- الإمام العادل، والشاب الذي نشأ في عبادة الله، وهكذا عامة ما ذكر بعده، هؤلاء الداعي إلى المخالفة قوي في نفوسهم، مع ضعف المانع من هذه المخالفة.

يعني: الإمام هو السلطان الذي يتصرف، وليس فوقه من يتصرف فيه إلا الله فلا يحاسبه أحد، فإذا كان يترك الظلم، ويعدل بين الناس مع ما في النفوس، وما ركبت عليه ومزجت عليه، كما قال الله : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6-7].

وكثير من الناس لربما صارت له ولاية أو نحو ذلك، فيحصل منه من التصرفات والظلم، وما إلى ذلك، ما لا يقادر قدره، فإذا كان عادلاً، وزمّ نفسه بالعدل، فإن هذا يصل إلى هذه المرتبة العالية.

كذلك أيضًا فإن النوازع في سن الشباب إلى المعصية قوية، فإذا ضبط نفسه، وألزمها طاعة الله ونشأ في ذلك، مع قوة الداعي إلى المعصية، فإنه يصل إلى تلك المرتبة.

قال: ورجل قلبه معلق بالمساجد معلق بالمساجد، أي: أنه يحبها، وما يكاد يخرج من المسجد، حتى يشتاق إليه ثانية، ينتظر متى يرجع إلى المسجد، لا أنه إذا كان في المسجد انتظر متى يخرج، ويتململ، ويضيق، بل يجد قلبه في المسجد، ففيه أنسه وراحته، ويطيب مقامه فيه.

قال: ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، وهذا في ظاهر الأمر سهل، ويسير، ولكنه عند التحقيق أمر عسير.

وذلك كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- عن أهل زمانه: صار عامة مؤاخاة الناس على الدنيا، فيحصل بينهم من المؤاخاة والصحبة، من أجل المصالح المشتركة بينهم في تجارة، أو مهنة، أو صناعة، أو غير ذلك، لكن أن يكون ذلك لله فقط، ويقوم بحقوقه ويحبه، لذلك تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه.

ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، اجتمعت فيها دواعي الإغراء، لها منصب، فإن المرأة إذا كان لها منصب فإن النفوس تقبل عليها ما لا تقبل على الأمة المملوكة، أو الخادمة، وإن كانت ليست بأمة فالإقبال على الحرة ليس كالإقبال على الأمة، والإقبال على ذات المنصب والمكانة ليس كالإقبال على المرأة الوضيعة التي لا شأن لها.

ثم إنها إذا كان لها منصب فإنها توفر له الحماية، فحينما يقارف ما يقارف معها لا يخاف من أحد، ولا يصل إليه أحد، ثم أيضًا وُجد الداعي الأعظم، وهو الجمال، وهو بحد ذاته من أعظم الجواذب إلى مواقعة ومقارفة ما لا يليق.

تهيأت الأسباب، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، ترك ذلك خوفًا من الله، مع أن نفسه تدعوه إلى فعل ما لا يليق معها، وهذا يحتاج إلى إيمان عظيم.

وخبر يوسف الذي قصه الله علينا لا يخفى على أحد.

قال: ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وهذا أيضًا ليس بالشيء السهل، هذا يدل على شدة الإخلاص، وحبس النفس عن مطلوباتها، وشهواتها.

وذلك كما ذكر جماعة من أهل العلم: أن المال حبيب إلى النفوس، وقد زين الله للنفوس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وإخراج المال ليس بالشيء السهل، فإذا أخرجه، وجاهد نفسه بدأت النفس تتسلل من طرق خفية، يريد أن الناس يرون هذا، أن يقدروا له هذا العمل، أن يُعتبر له هذا الإنفاق، أن يُذكر به، أن ترتفع به منزلته في قلوب الخلق.

وإن لم يره أحد وجاهد نفسه على إخفائه، فقد يُسمِّع به فيذكره بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، ليوصل إلى الآخرين أنه قد بذل هذا المال، وذلك أن النفس لها حركات، ولها من الأمور الخفية والتقلبات ما يخفى على كثير من الناس.

ثم بعد ذلك يسقط بيد الإنسان، ويرى أنه قد أخبر عن عمله، وأبداه مع أنه كان حريصًا على إخفائه.

قال: ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه هنا لا يوجد معه ما يدعو إلى الرياء، هذا هو الإخلاص الحقيقي، ذكر الله خاليًا، ما عنده أحد؛ لأن الإنسان قد يتأثر ويبكي -كما ذكرنا في أنواع البكاء- موافقة للآخرين، رأى الناس يبكون في المسجد فبكى، بكى الإمام، فبكى من وراءه.

قد يبكي الإنسان وفي نفسه شيء آخر من التصنع للناس، وخشوع النفاق، كما ذكرنا، لكن هذا رجل ما عنده أحد، ذكر الله خاليًا، لا يوجد في البيت أحد، في مكان لا يوجد فيه أحد، ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، وهذا يدخل فيه ذكره بالقلب ذَكَر عظمته ونحو ذلك، ففاضت عيناه، ويدخل فيه ذكره باللسان ذَكَره بلسانه، وفاضت عيناه، ويدخل فيه لو قرأ كتابه فإنه يكون قد ذكره، وهكذا أيضًا لو أنه صلى فبكى من خشية الله كل ذلك يدخل فيه.

وهذه مزية لقيام الليل، حيث تنام العيون، ولا يطلع على عمل الإنسان إلا الله -تبارك وتعالى-، وتبقى النفس مفطومة عن مطلوباتها وشهواتها، فلا يراه أحد، ولا يثني عليه أحد، ولا يقدره أحد، ولا يعظمه أحد، يصلي لا يدري عنه أحد.

الله هو الذي يطلع عليه، فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص الكامل، واليقين التام، وأن يرزقنا عيونًا باكية، وقلوبًا خاشعة.

اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1.  أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: 101] (6/54)، رقم: (4621)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما (1/320)، رقم: (426)، واللفظ للبخاري.
  2.  أخرجه الترمذي، أبواب فضائل الجهاد عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله (4/171)، رقم: (1633)، والنسائي، كتاب الجهاد، فضل من عمل في سبيل الله على قدمه (6/12)، رقم: (3108)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم: (7778).
  3.  أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (1/133)، رقم: (660)، ومسلم، باب فضل إخفاء الصدقة (2/715)، رقم: (1031).

مواد ذات صلة