تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
حديث «أبشروا وأملوا ما يسركم..»
تاريخ النشر: ١٦ / صفر / ١٤٢٩
التحميل: 1896
مرات الإستماع: 6388

ما الفقر أخشى عليكم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فالحديث الأول من الأحاديث التي أوردها المصنف -رحمه الله- في هذا الكتاب المبارك في باب الزهد في الدنيا هو:

عن عمرو بن عوف الأنصاري : أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله فلما صلى رسول الله انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل، يا رسول الله، فقال: أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم[1].
ترجمة عمرو بن عوف

وعمرو بن عوف هكذا نسب إلى الأنصار، وقد ذكر بعض أهل العلم أن ذلك من قبيل الوهم الذي وقع لبعض رواة الحديث، رواه شعيب عن الزهري فذكر الأنصاري، وأنه ليس من الأنصار.

هنا يقول: عمرو بن عوف الأنصاري، وعمرو بن عوف بعضهم يقول: هذا أصلاً من المهاجرين لأنه حليف لبني عامر، وبعضهم يقول: كان حليفاً بالأخص لسهيل بن عمرو العامري في مكة، وبعضهم يقول: مولى لسهيل بن عمرو.

ومن أهل العلم من يجمع بين هذا وهذا فقال: لعله كان من أهل المدينة، ثم بعد ذلك انتقل إلى مكة وحالف بني عامر، فهو بهذا الاعتبار يكون من المهاجرين والأنصار، يعني: اجتمع فيه الوصفان، صحابي مهاجري وأنصاري في نفس الوقت.

وبعضهم يقول: إن إطلاق الأنصاري هنا من باب التوسع، أي: أنه نصر دين الرسول ﷺ، نصر نبي الإسلام، فقيل له أنصاري، لا أنه من الأوس أو الخزرج الذين عرفوا بهذا اللقب عند الإطلاق.

وهو من أهل بدر، وهذا غير عمرو بن عوف الذي روى حديث صلاة الجنازة: التكبيرات الخمس على صلاة الجنازة.

أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ، بعث أبا عبيدة عامر بن عبد الله، وبعضهم يقول: عبد الله بن عامر والأول هو المشهور، وهو أمين هذه الأمة كما قال النبي ﷺ.

بعثه إلى البحرين، والبحرين يطلق على هذه المنطقة الواسعة على ساحل هذا البحر -ساحل هذا الخليج- من ناحية البصرة إلى عُمان، كل هذه السواحل يقال لها: البحرين، والآن تطلق على خصوص هذه الجزيرة المعروفة في البحر، يقال لها: البحرين بعضهم يقول: لأنه يوجد داخل البحر مياه أو عيون عذبة، وبعض المتقدمين يقول: لأنها كانت توجد قريباً من قرى هجر بحيرةٌ كبيرة ثلاثة أميال في ثلاثة أميال عين لا تفيض، وكانت مرّة، يقولون: البحرين بهذا الاعتبار، هذه البحيرة والبحر أيضاً المعروف، وعلى كل حال هذا الساحل كله البحرين، فإذا قيل البحرين ليس المقصود خصوص الجزيرة المعروفة الآن، لا، كل هذه المنطقة يقال لها: البحرين.

يقول: بعثه إلى البحرين يأتي بجزيتها؛ لأنهم كانوا من المجوس، وكانت تابعة لفارس، وكان النبي ﷺ قد بعث كتاباً -رسالة، خطابًا- بعد مقفله ﷺ من الطائف بعد هوازن وغزوة الطائف لما رجع ووصل إلى الجعرانة وقسم الغنائم هناك كتب كتاباً إلى عامل الفرس على البحرين، يعني: الحاكم النائب عن الفرس في البحرين فدخل الإسلام، أسلم وأخذ على أهل البحرين الجزية وصالحهم رسول الله ﷺ فنقل إليه هذا المال الكثير، وهو أكثر مال قدم به في زمن النبي ﷺ.

وبعض أهل العلم يقول: هذا أول خراج جاء إلى المدينة، أول خراج جاء إلى المسلمين، فالحاصل أنه يأتي بجزيتها هذه التي ضربت على المجوس، وكان النبي ﷺ عاملهم معاملة أهل الكتاب، أخذ منهم الجزية.

فقدم بمالٍ من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، هذا في وقت كان الناس في حاجة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، صلوا معه، وهم كانوا كعادتهم لربما يصلون في مساجدهم، في النواحي.

رأيتم خريطة لتوزيع قبائل الأنصار في المدينة قديماً في زمن النبي ﷺ هؤلاء بنو عمرو بن عوف، وهؤلاء لهم مساجد في تلك النواحي، معاذ كان يصلي لقومه كما هو معلوم، يصلي العشاء مع النبي ﷺ ويذهب إلى قومه يصلي بهم.

فاجتمعوا في صلاة الفجر، صلوا معه، فلما انصرف ﷺ تعرضوا له، معنى تعرضوا   له: أنهم واجهوه ليراهم، من أجل أن يعطيهم شيئاً، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، يعني: عرف أنهم جاءوا لهذا القصد، وأنهم يريدون أن يراهم النبي ﷺ علهم يحصلون على شيء، فتبسم ﷺ حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيءٍ من البحرين؟ -يعني: كانوا يتحرون العطاء، فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: أبشروا وأمِّلوا ما يسركم، -كما هي عادته ﷺ يبشر أصحابه، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم -يعني: تفتح- فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم[2]. متفقٌ عليه.

وهذا هو الشاهد في هذا الباب، أورد المصنف -رحمه الله- هذا الحديث من أجل هذا، يقول: ما الفقرَ أخشى عليكم، فالفقر يحصل معه تطامُن، وحتى لو أراد الإنسان أن يصل إلى كثير من مطالبه التي يحصل فيها الطغيان والفساد والإفساد فإن قلة ذات اليد والانشغال بلقمة العيش تحول بينه وبين ذلك، مشغول بلقمة العيش، ولهذا رأينا بلادًا عجيبة جدًّا في مشارق الأرض ومغاربها، جنات أتفكر فيها وأنا أقارن بهذه الصحراء وأقول: لو وُجد جزء منها لرأيت الناس يتهافتون عليها عندنا، ما يأتيها أحد في تلك البلاد، شلالات وأنهار رأيناها عرضاً ما كنا نذهب إلى هذا لكن عرضاً، نحن نجتاز في منطقة أو كذا خالية ما فيها أحد، شلالات لا يستطيع الرجل أن يقف فيها ترميه بعيداً، قوية هائلة، ومناظر طبيعية وأنواع الصيود من أنواع الغزلان والظباء حتى إن الإنسان يتناولها بالعصا لقربها منه، ما اعتادت أن يأتيها أحد.

وأسألهم أقول: أين الناس ما يأتون ويجلسون هنا ويخيمون في هذه الأماكن الخضراء الجميلة؟ يقولون: الناس مشغولون بلقمة العيش ما يأتون هنا، ولا يعرفون هذا إطلاقاً، ولا يعرفون هذه النُّزه، لكن الإنسان إذا ترهل في الدنيا وتوسع بدأت نفسه تطلب الأمور الزائدة، فيتوسع في المباحات، ثم يكون ذلك سبباً للترهل الزائد فيقع في المحظورات، يتوسع فيها في المشتبهات، ثم بعد ذلك في المحظورات، ففي البداية يتوسع في المتع المباحة من المآكل والمشارب وغيرها، ثم يتوسع شيئاً فشيئاً، وقد رأينا بعض هؤلاء بدأت القضية عنده بالتوسع في المباحات جدًّا، ثم بعد ذلك بدأ يشرب البيرة، ثم بعد ذلك بدأ يشرب بيرة أخرى مسكرة، تقول امرأته: يضحك ويتصرف تصرفات غريبة حينما يشربها، ويسميها بيرة، كل هذا بسبب هذا الترهل، يذهبون إلى مشارق الأرض ومغاربها من أجل المتع، فيقع الإنسان في شيء من التوسع، والإنسان إذا اغترب وسافر لربما يتخفف في كثير من الأحيان عن مبادئه ودينه.

ولهذا ذكر ابن الأثير وغيره جماعة من أهل العلم في قول النبي ﷺ في الوداع والأدب الذي يكون وما يقال للإنسان: أستودع الله دينك، وأمانتك وخواتيم عملك[3].

لماذا أستودع الله دينك؟ ذكر بعض أهل العلم قال: لأن المسافر يحصل له شيء من التوسع والتخفف، والعامة لا زالوا يقولون: "الديرة التي ما تعرف أهلها كذا"، كلام ما يليق أن يقال، فالإنسان يستحي ويحرج وكذا إذا كان في بلده، فإذا سافر تخفف وتوسع في كثير من الأمور، حيث يرى الإنسان أموراً لا يستطيع أن ينكرها من ألوان التفسخ والعري وما حرمه الله مما يتمعر منه وجهه لربما إذا رآه في بلده، فلربما يقصده هناك ويذهب إلى الأماكن التي يوجد فيها، ولربما يأنس برؤيته ومشاهدته والتزاحم مع السواح ولربما على الشواطئ في مناظر غير لائقة أبداً ببني الإنسان فضلاً عن المسلمين، ما الذي يجعل الإنسان يفعل مثل هذه الأشياء؟ التوسع.

حينما كان آباؤنا في غاية الشظف والجوع والحاجة، هل كانوا يفكرون ويذهبون كل إجازة هنا وهناك من أجل المتع والتزلج على الجليد واللعب والدبابات المائية وأنواع الأكلات الشرقية والغربية التي لم يسمعوا بها ولم يعرفوها؟، هذا التوسع هو الذي يوقع الإنسان، فالدنيا إذا بُسطت على الناس أدى ذلك إلى توسعهم في المباح، ثم بعد ذلك يتوسعون في المحظورات.

أضف إلى ذلك ما يحصل بينهم من التنافس عليها، ولهذا قال النبي ﷺ: فتنافسوها كما تنافسوها كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم.

ولهذا النبي ﷺ قال: فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء[4].

فالدنيا لا شك أنها فتنة عظيمة جدًّا، وكم من إنسان تغير كثيراً، تغير على أهله، على قرابته، على أصحابه، على من حوله لمّا حصل له الغنى، والله يقول: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6-7] لاسيما الذين يحصل لهم الغنى بعد الفقر الشديد أو الغنى المفاجئ كما يقال، فمثل هؤلاء هم أقرب وأدعى إلى الطغيان والتوسع والبطر، نسأل الله العافية.

فأقول: الفقر يُبقي الإنسان منكمشاً مشغولاً بلقمة العيش، وأما الغنى فكما قال الله : كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى فيحصل التنافس بين الناس، ولذلك تجد حتى الدعاة إلى الله لربما يكون أمرهم متلائمًا في ناحية من النواحي في بلاد في أفريقيا، أو في آسيا، أو في أي مكان وجهودهم ذاتية، يعني: يوفر الواحد من القوت من أجل دعوته، فلربما تُغدَق عليهم الأموال من غير حساب، ولربما يتنافس عليهم بعض الجمعيات الطيبة، والجمعيات الدعوية بحسن قصد فيغدقون عليهم الأموال، وفي وقت سابق حينما كان الناس يبذلون وينفقون في المشاريع الدعوية هنا وهناك، كل من ذهب معه أموال لربما تؤرقه أين يضعها: أُوصِي أنه يبذلها هنا أو هناك، فهو يريد أن يلقي هذه التبعة عن كاهله، فيذهب إلى هؤلاء، عندكم مشروع دعوي؟، عندكم مركز إسلامي؟، تفضل هذه، معي خمسون ألفًا أعطاني إياها واحد خذوها، وهذا يأتي ومعه مائتا ألف دولار، وهذا يأتي معه كذا، فما الذي يحصل لهؤلاء؟ هذا رأيناه بالعين، هؤلاء ناس في فقر شديد يكسر الظهر، فجأة هؤلاء معهم سيارات على مستوى كل واحد معه نقال والناس هناك ما يجدون النقال، ويلبسون أحسن اللباس، بناية أنيقة ما شاء الله.

فيبدأ زملاؤهم الآخرون يحسدونهم، من أين جاءتكم هذه الأموال؟ من أين جاءتكم هذه السيارات؟ من أين جاءتكم تتنقلون وتُكلمون؟ من أين جاءتكم هذه المكاتب، هذه الأجهزة، هذا الأثاث؟ فيحسدونهم، فبعد أن كانوا لحمة واحدة يقع الانشقاق والشر، فتبدأ القضية في البداية بتهم مالية: إنكم لا تحسنون التصرف في المال وإنكم تتوسعون فيه، ما الحل؟ الحل أنا، وهذا شيء شاهدناه، وهو لن يعجز عن أن يجد آخرين يفدون إلى ذلك البلد ويؤرقهم ما في جيوبهم، فيأتي ويعرض عليهم مشروعاً بأوراق أن عنده أيضاً مؤسسة وجمعية وعنده كذا.

وهكذا فعلت الأموال في هذا العالم تفرقوا واختلفوا، وأصبحت المجموعة الواحدة مجموعات، رأيت بعض المجموعات التي تنتسب إلى السنة في بعض بلاد أفريقيا، بل أكبر جمعية فيما نعلم في أفريقيا تدعو إلى السنة ومحاربة البدعة هكذا، ما الذي حصل؟ بسبب القضايا المالية، وحدثني بعض الإخوان الذين يقومون عليها -وبعضهم كانوا عندنا في الجامعة الإسلامية طلاباً- بما يجري: كان الشقاق بسبب الأشياء المالية فظهرت مجموعة ووجدوا من يدعمهم أيضاً، ويتهمون الآخرين أنهم لا يحسنون التصرف في المال ويتوسعون فيه إلى آخره، بعض الجهلة من إخوانهم قالوا: أنتم خرجتم الآن على الأمير -أمير هذه الجمعية- وهذا خروج، وهذا كفر، فكفروهم، هذا لا أنقله بوسائط بل أنا كنت ممن يعرف هذه المشكلة وشاهدت بعض تفاصيلها وأحداثها.

المال يفسد النفوس ويغير القلوب، تجد الرجل حينما كان قليل ذات اليد دائماً المغرب وهو عند أهله، بعد صلاة العشاء عند أهله، ويجلسون معه ويرعاهم ويربيهم، لما توسع شيئاً فشيئاً، والمسألة تبدأ مؤقتاً، انتبهوا لهذا الجانب كثير ممن يتوسعون يقولون: القضية مؤقتة حتى أؤسس هذا العمل، وهذا المشروع لمدة سنتين، أحتاج مزيدًا من الجهد، وما صارت سنتين ولا عشر سنين ولا عشرين، ماء البحر، كلما وضع برنامجًا أو مشروعًا يفتح مشروعًا ثانيًا وثالثًا ورابعًا، وصار أولاده ما يرونه، ولا يجلس معهم، ولا يكتفي بساعات دوام واحد، لا، يأتي من الصبح ساعة معينة قانون يمشي بانتظام إلى الظهر، ومن بعد صلاة العصر يصلي عند المكتب، ويبدأ إلى الساعة التاسعة مثلاً أو العاشرة، وهناك أشغال ثانية وهناك مكالمات، متى يراه أولاده؟، متى يربيهم؟، هل خلقنا لهذا؟ ما الخير في الحياة إذا ما كنا نرعى من استرعانا الله إياهم؟، فتتغير القلوب ويترهل الناس وينشغلون بالمتع الزائلة وتقسو قلوبهم، ويحصل لهم من ألوان الغفلة ما ليس بخافٍ، أسأل الله أن يقنعنا وإياكم منها باليسير، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران (5/ 172)، رقم: (4382)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح (4/ 1881)، رقم: (2419).
  2. أخرجه البخاري، كتاب المغازي (5/ 84)، برقم: (4015)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، (4/ 2273)، برقم: (2961).
  3. أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الدعاء عند الوداع (3/ 34)، رقم: (2600)، والترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب ما يقول إذا ودع إنسانا (5/ 499)، رقم: (3443)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم (2/ 943)، رقم: (2826).
  4. أخرجه مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، (4/ 2098)، برقم: (2742).

مواد ذات صلة