تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 16 / ربيع الآخر / 1441 - 13 / ديسمبر 2019
حديث «ازهد في الدنيا يحبك الله..»
تاريخ النشر: ١٧ / ربيع الأوّل / ١٤٢٩
التحميل: 1662
مرات الإستماع: 5583

ازهد في الدنيا يحبك الله

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الزهد أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس[1] هذا الحديث أخرجه ابن ماجه وقال عنه المصنف -رحمه الله: حديثٌ حسنٌ.

وهذا الحديث حسنه الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- وحسنه العراقي وضعفه الحافظ ابن حجر.

قوله: "دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله... إلى آخره.

نحن عندنا أصل كبير، وهو أن من أحبه الله وضع له القبول في الأرض، فأقبلت عليه قلوب الخلق، ومن أبغضه الله -تبارك وتعالى- فإن القلوب تنقبض منه وتمقته وتبغضه، كما دل على ذلك الحديث المشهور: إذا أحب الله عبدًا نادى جبريلَ إن الله يحب فلانًا فأَحِبَّه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في أهل الأرض[2]، وإذا كان الإنسان مشتغلاً بمرضاة الله صادقاً مع الله مخلصاً يريد ما عند الله فإن الله يحبه، فالله يحب المتقين، يحب التوابين، يحب المتطهرين، فإذا أحب الله العبد فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه -تبارك وتعالى، فيوضع له القبول في الأرض.

والنبي ﷺ قال: أنتم شهداء الله في الأرض[3] فعلى كل حال هنا قال: "دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس" وهذا يدل على مشروعية أن الإنسان يسأل ويطلب ما ينفعه ويرفعه عند الله -تبارك وتعالى- يسأل عن الأمور النافعة التي تقربه إلى مولاه.

فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله الزهد في الدنيا لا شك أنه خلاف التكثر والتوسع من هذه الحياة وحطامها ومتاعها، ولا شك أن الزهد في الدنيا ينافي تعلق القلب بها، فإذا كان الإنسان زاهداً في الدنيا فمعنى ذلك أنه يتخفف من أوضارها، ولا ينسفل مهاتراً عليها، فهي كالجيفة، فإذا تقحّم وأقبل عليها واشتغل قلبه بها وتعلقت نفسه فيها فإنه يمكن أن يفعل كل قبيح ورديء في سبيل تحصيلها وجمعها والمحافظة عليها.

يمكن أن يقاتل على الدنيا، يمكن أن يخاصم، ممكن أن يفجر، ممكن أن يأكل الحرام، وأن يقطع الرحم، وأن يفعل كل ما حرمه الله كلما كان تعلقه بالدنيا أكثر، ولا شك أيضاً أن هذا التعلق والاشتغال سيكون على حساب تعلق القلب بالله وتفريغه لمحبته وطاعته والإقبال عليه، فإن هذه المحبة للدنيا تزاحم محبة الله في القلب والإقبال عليه، والاشتغال بالدنيا بالجوارح سيكون على حساب اشتغاله بالطاعات بالجوارح، ولابد.

فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس الدنيا شيء محبب إلى نفوس الناس أموالهم حببت إليهم، ونفوسهم تتشبث بها وتتبعها، فإذا جاء من يمتد نظره إلى ما في أيديهم ويطلبه، أو يتطلع إلى ما عندهم من الحطام، أن يعطوه، أن يمنحوه، ونحو ذلك، فإنهم يستثقلونه ويتبرمون به ويضيقون به ذرعاً، بل المشاهد أن الناس حتى لو جاءهم من يسعى على الأرملة والمسكين فإنهم يستثقلون ذلك، ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- لا يحب أن يطلب الإنسان من أحد من الناس شيئاً، حتى ولو كان ذلك في السعي في المصالح العامة، والقيام على الفقراء، والأرامل والمساكين، بمعنى أنه يطلب لغيره، قالوا له: ولا لغيره؟، قال: ولا لغيره، ليس ذلك أنه حرام؛ فإنه يؤجر على هذا، ولكن الناس يستثقلونه، فإذا رأوه مباشرة تذكروا الطلب والسؤال، فضاقوا به ذرعاً، فإذا تردد عليهم لهذا وكثر مجيئه فهم لا يرونه إلا ليطلب ويسأل، فلا شك أنه سيصير غير مقبول في نفوسهم، ولا يحبون رؤيته، ولا مقابلته، ولا الجلوس معه، ولهذا بايع النبي ﷺ بعض أصحابه ألا يسألوا أحداً من الناس شيئاً، فكان السوط يسقط من أحدهم فلا يقول لصاحبه: ناولنيه[4].

فالتعفف عما في أيدي الناس وأن يرفع الإنسان نفسه هذا خير له، مهما استطاع أن يستغني عما في أيديهم فليفعل، ومن الناس من قد يطلب في أمور يظن أنها من ضرورات الحياة، مثل النكاح فمثل هذا الله يقول: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النــور:33] يستعفف: السين والتاء للطلب يعني: يطلب العفاف حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ما قال: يطلبون من الناس.

وكذلك أيضاً: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء[5].

 فالمسألة مهما تكن فهي مذلة، ولا تحل بحال من الأحوال إلا للحالات الثلاث التي ذكرها النبي ﷺ في الرجل الذي تحمّل حَمَالة، أو الرجل الذي أصابته فاقة حتى يقوم رجال أو رجلان من ذوي الحِجا من قومه فيشهدون أن فلاناً قد أصابته فاقة، والثالث الذي أصابته جائحة في ماله، وما عدا هذا من المسألة فهو سحت[6]، نسأل الله العافية.

فأقول: مهما استطعنا أن نتخفف من الناس فهذا هو المطلوب، تلقاهم بالسلام والترحاب وتكون أنت المعطي، واليد العليا خير من اليد السفلى، ولا تكن أنت السائل، استغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، فدائماً اجعل يدك هي اليد العليا.

ازهد فيما أيدي الناس لا تحتج إليهم حتى في الشفاعات، كن أنت الذي تشفع، لا تذل نفسك لأحد تقول: أريد أن تشفع لي، تبحث عن أحد لتدخل الجامعة أو لتتوظف في المكان الفلاني.

والنبي ﷺ يقول: اشفعوا تؤجروا[7]، لكن الإنسان حينما يقصر، ثم يذهب يطلب من هذا أو يطلب من هذا، أو يطلب من هذا أن يعينوه، أن يشفعوا له، هذا لا يخلو من مذلة، ومن كثر طلبه من الناس في مثل هذه الأشياء فإنهم يستثقلونه، ولا شك أن دخول الإنسان حينما يدخل لطلب هذه الحاجات، لا شك أنه لا يكون مقامه كما يكون حينما يخرج، ينقص إذا طلبهم واحتاج إليهم، فيكون فقر الإنسان دائماً وحاجته وتفويضه وتوكله ورغبته إلى الله وحده لا شريك له، فيجدّ الإنسان ويجتهد ويكتسب ويحصل الأسباب المطلوبة ويرفع رأسه، ولا يحتاج لأحد، أمّا أن يفرط ويضيع، ثم يذهب لهذا وهذا، ويُذهب ماء وجهه، ويُذهب ماء وجه قراباته، أبوه يذهب إلى فلان وإلى فلان، فهذا لا حاجة لمثله، لماذا يذل الإنسان نفسه؟.

اجعل الناس هم الذين يحتاجون إليك، وأما الشفاعة فلا إشكال أن تشفع لغيرك، أما أن تطلب لنفسك أو أن تسخّر الآخرين من أجل أن يشفعوا لك فهذا أمر غير جيد، لا تحتج إلى أحد سوى الله إن استطعت ذلك، وأما الناس فأحسن إليهم ما استطعت، وبهذا يكون الإنسان مقبولاً خفيفاً على قلوبهم لا يستثقله أحد.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، (2/ 1373)، برقم: (4102)، والطبراني في المعجم الكبير (6/ 19)، برقم: (5972)، والبيهقي في شعب الإيمان (13/ 115)، برقم: (10043)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/ 624)، برقم: (944).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب المقت من الله تعالى، (8/ 14)، برقم: (6040).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، (2/ 97)، برقم: (1367)، ومسلم، كتاب الجنائز، باب فيمن يُثنَى عليه خير أو شر من الموتى، (2/ 655)، برقم: (949).
  4. أخرجه أحمد (22405).
  5. أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج وهل يتزوج من لا أرب له في النكاح؟، (7/ 3)، برقم: (5065)، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، (2/ 1018)، برقم: (1400).
  6. أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة (2/ 722)، رقم: (1044).
  7. أخرجه البخاري،  كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، (2/ 113)، برقم: (1432).

مواد ذات صلة