تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 23 / صفر / 1441 - 22 / أكتوبر 2019
حديث «ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك» ، «إن لكل أمة فتنة..»
تاريخ النشر: ٢٨ / ربيع الأوّل / ١٤٢٩
التحميل: 1705
مرات الإستماع: 7832

ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمما أورده المصنف -رحمه الله- في باب الزهد: ما جاء:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضى الله عنهما- قال: مر علينا رسول الله ﷺ ونحن نعالج خصًّا لنا فقال: ما هذا؟ فقلت: قد وَهَى فنحن نصلحه، فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك[1] رواه أبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

مر علينا رسول الله ﷺ ونحن نعالج خصًّا لنا، يعني: البيت من قصب، يقول: فقال: ما هذا؟ فقلنا: قد وهَى فنحن نصلحه، وهَى يعني: أنه ضعف وتقادم عليه الزمن، فهم يجددون فيه ما يحتاج إلى تجديد من أجل أن يتماسك ويقوى، ومعلوم أن ما كان بهذه المثابة مما يعرشه الناس ويصنعونه، أن ذلك لا شأن له ولا قيمة له، وأنه مما لا يدوم طويلاً، ولا يُكِنّ الإنسان عن المطر، أو عن البرد، ولا يجمله أيضاً أمام الآخرين، ومع ذلك قال النبي ﷺ: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك يعني: أن الحياة دون ذلك، أنها أقصر من أن يطول فيها الأمل، فيصلح مثل هذا.

وهذا الحديث وما كان على شاكلته محمول على تربية النبي ﷺ أصحابه وأمته على الزهد في الدنيا وعلى قصر الأمل فيها، فلا تطول آمالهم ولا يشتغل بالدنيا اشتغال من يعيش فيها طويلاً، وإنما يترقب الموت في كل حين وفي كل لحظة، والنبي ﷺ معلوم أنه بنى بيوته -بيوت أزواجه ﷺ ولم تكن من الخُص، وإنما كانت جدرانها من الحجارة واللبن والطين وسقفها من الجريد، ومثل هذا البناء يكون أقوى وأثبت مما ذكر من البناء بالقصب، فالمقصود أن تُفهم الأحاديث ويفهم مراد النبي ﷺ ليس معنى ذلك أن الإنسان يبقى تحت شجرة، فالنبي ﷺ ما بقي تحت شجرة لكنه صور حاله كراكب استظل تحت شجرة ثم قام فتركها، فالإنسان لا يطول أمله في الدنيا ويبني الآمال العريضة في العيش فيها والتوسع في لذاتها وحطامها فيشيد القصور الشاسعة التي تصلح لمن يخلد ولا يموت، فالأمر أقرب من ذلك وقد يبغته الموت قبل أن يسكن في هذه الدار، وكثير من الناس بنوا دوراً لم يسكنوها، وأملوا آمالا لم يحصلوها، وجمعوا أموالاً لم يأكلوها، ولو علموا أن الموت يباغتهم تلك المباغتة لعرفوا قدر هذا الحديث: أن الأمر أعجل أو أسرع من ذلك، فيشتغل الإنسان بعمارة آخرته مع أخذه من دنياه ما يحتاج إليه، ولكن لا يعيش لها، فالله خلقه لعبادته، فلا يقدم على الآخرة إقدام المفاليس.

إن لكل أمة فتنة

والحديث الذي بعده وهو:

حديث كعب بن عياض قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لكل أمةٍ فتنةً، وفتنة أمتي المال[1]، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

لكل أمة فتنة يعني: ما يمتحنون به، النبي ﷺ أخبر لما قال: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء[2].

ومتى يكون الإنسان مفتوناً بالمال؟ إذا كان يأخذ هذا المال بغير حق، يأكل أموال الناس بالباطل، يكتسب هذا المال بالمكاسب المحرمة من المعاملات الربوية وغيرها، إذا كان هذا الإنسان لا يؤدي حق الله فيه، إذا كان هذا الإنسان يتصرف في المال بما لا يرضي الله ، وإذا كان هذا الإنسان يعيش لهذا المال فيسيطر على عقله وتفكيره وقلبه فيشغله عما هو بصدده، كل هذه الصور يكون الإنسان فيها قد فتن فعلاً في المال، أما من اكتسب هذا المال ولم يشغله، ولم يقع له شيء مما ذكر فإن مثل هذا يقال في حقه: نعم المال الصالح للعبد الصالح[3].

لكن هؤلاء قليل، قليل جدًّا؛ لأن الغالب أن الإنسان يفتن، وطبيعته كما قال الله : كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

هذه طبيعة في الإنسان، ولذلك تجد الرجل يُمدح ويثنى عليه إذا كان كثير العرض عظيم الغنى ويتواضع للناس أو يصلي الفروض الخمسة مع الجماعة، لكن لا يمدح الفقير بهذا، والسبب أن المال مظنة للبطر والتعالي والترفع والتضييع والتفريط، فيشغله عما أمره الله به فيضيع حقوق الله وحقوق الخلق، هذا الغالب، ولذلك الناس يتميز عندهم من يرون أن المال لم يغيره، فتلهج ألسنتهم بالثناء عليه، ويحبونه، لكن هؤلاء قليل.

 فنسأل الله أن يكفينا وإياكم بحلاله عن حرامه وبطاعته عن معصيته وبفضله عمن سواه.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، (4/ 569)، برقم: (2336)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/ 139)، برقم: (592).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، (4/ 2098)، برقم: (2742).
  3. أخرجه أحمد في مسنده (29/ 298)، برقم: (17763)، وابن حبان في صحيحه (8/ 6)، برقم: (3210)، بلفظ: نعم المال الصالح مع الرجل الصالح، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (2/ 1108)، برقم: (3756).

مواد ذات صلة