تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
حديث "أخرجت لنا عائشة رضي الله عنها كساء.." ، "إني لأول العرب رمى بسهم.."
تاريخ النشر: ٠٣ / جمادى الآخرة / ١٤٢٩
التحميل: 1496
مرات الإستماع: 3820

أخرجت لنا عائشة رضى الله عنها كساء

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي بردة، قال هنا:

عن أبي موسى الأشعري  قال: "أخرجت لنا عائشة رضى الله عنها كساء وإزارًا غليظًا، قالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين"[1]، متفق عليه.

قوله: "أخرجت لنا عائشة رضى الله عنها كساء وإزارًا غليظًا" الإزار معروف، وهو ما يستر أسافل البدن، والرداء ما يكون في أعلاه، فالشاهد أنها أخرجت كساءً وإزارًا غليظًا، وليس ذلك من لبس أهل الدنيا، وأهل الترف والتنعم، وإنما يدل ذلك على الزهد، ثم إنه يدل أيضًا على أن النبي ﷺ بقي على ذلك حتى بعد أن فتح الله عليه الفتوح، حتى فارق الدنيا، وكان ﷺ معرضًا عن زينتها، وبهرجها، وزخرفها، والتوسع في ملاذها ﷺ.

إني لأول العرب رمى بسهم

ثم أورد:

حديث سعد بن أبي وقاص قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، وهذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط. متفق عليه.

"إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله"، وذلك في أول سرية، كما رجحه الحافظ ابن حجر -رحمه الله، والسيوطي، وهي سرية حمزة، وعبيدة بن الحارث رضى الله عنهما وقيل: ثاني سرية، ولم يكن هناك قتال، وإنما رمى سعد بسهم في سبيل الله، فكان أول من رمى بسهم، فهذه مزية ومنقبة لسعد بن أبي وقاص ، ويقول: "ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحُبْلة، وهذا السَّمُر، حتى إن أحدنا ليضع ..."[1].

ما لنا طعام إلا ورق الحُبْلة، وهذا السَّمُر، الحُبْلة هو السَّمُر، وهو من شجر العضاه، شجر يعتبر من الشجر الصحراوي الذي له شوك، ولا زال معروفًا إلى اليوم، ويكثر في أرض الحجاز، يقول: "ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، وهذا السمر"، وهذه الرواية عند البخاري هكذا: "وهذا السمر"، وفي بعض الروايات: "ما لنا طعام إلا ورق الحبلة هذا السمر"، يعني: يكون ورق الحبلة هذا السمر، يعني: ورق السمر، وبعض أهل العلم جمع بينهما باعتبار أن "ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، وهذا السمر" يعني: أنه يخرج فيه شيء يشبه الثمر، فيأكلونه مع هذا الورق ورق السمر، وورق السمر إنما تأكله الدواب -البهائم، ولهذا قال: "حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة" يعني: حينما يذهب إلى الخلاء يضع كما تضع الشاة، "ماله خَلْط" يعني: كما جاء في رواية: أنه يَبْعر، يعني: يُخرج البعر -أكرمكم الله، وذلك أنه يأكل أكل الدواب وهو ورق الأشجار ماله خلط.

هذا يدل على الحالة التي كان فيها أشرف جيل عرفه التاريخ، وأكرم الناس على الله بعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ فلو كان جمْع الملاذ وألوان المطاعم والمشارب، وألوان البهرج والزينة في هذه الحياة الدنيا خيرًا للإنسان لجمعه الله لهؤلاء، بل إن هؤلاء لما سيقت لهم الدنيا بعد أن فتحوا فارس والروم لم يحصل لهم ما حصل لغيرهم ممن جاء بعدهم من التنعم والتوسع والغفلة التي تكون ناتجة عن الاشتغال بالدنيا وبحطامها.

فالمقصود ألا يغفل الإنسان، وأن يتذكر هذه المعاني دائمًا، وأن يربي أولاده وأهله على ترك البطر والتوسع في الدنيا، وليس معنى ذلك الحرمان، لا، وإنما الاعتدال في الأمور، والناس إذا أردت أن تعرف عقولهم فانظر إليهم في مناسباتهم، انظر إليهم في مناسباتهم تعرف عقولهم، فمن الناس من تراهم على حال معتدلة في ظاهر الأمر، وبادئ الرأي، لكن إذا صار عندهم مناسبة في زواج أو نحو ذلك، رأيت أنواع الفخفخة كما يقال، والتفاخر، والمباهاة، وما أشبه ذلك في اللباس الذي لربما يمضي العام الكامل والنساء قد أعددنه بأغلى أنواع الألبسة، فتخرج الواحدة بشكلها والألوان التي على وجهها، وما إلى ذلك مما يفعلونه من ألوان البطر ربما تكلف الحفلة الواحدة الملايين، فهل هذا كمال أو نقص؟ هذا لا شك أنه من النقص، فأقول: الإنسان يبقى على حالة معتدلة، حالة مستوية لا إفراط ولا تفريط، إذا حصلت له النعمة فإنه لا يحرم نفسه، ولا يحرم أولاده، ولا يبقى رث الثياب، ثم إنه يسع الإنسان في نفسه ما لا يسعه في غيره، يعني: الإنسان قد يرتضي لنفسه حالة من الزهد في الطعام والشراب، لكن قد لا يطيقها أهله وولده وزوجته، فلا يحملهم عليها، فيكون ذلك سببًا لنفرة قلوبهم، أو نفور قلوبهم منه، وإنما بين بين، سددوا وقاربوا، والاعتدال في مثل هذه الأمور والتوسط يختلف من زمان لآخر، ومن مكان لآخر، والتوسط في هذا البلد غير التوسط في بلد آخر، والتوسط في هذا العصر غير التوسط في زمن النبي ﷺ.

فأسأل الله أن يغنينا وإياكم بحلاله عن حرامه، وألا يشغلنا بهذه الدنيا، وألا يفتن قلوبنا بها، وأن يلطف بنا، اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، (5/ 22)، برقم: (3728).

مواد ذات صلة