الأحد 20 / ربيع الآخر / 1442 - 06 / ديسمبر 2020
(41) مسألة تفاضل الذاكرين بحال الذاكر، وآخر حديث الباب، حديث: "مَن قعد مقعدًا"، وحديث: "ما جلس قومٌ مجلسًا"، وحديث: "ما من قومٍ يقومون"
تاريخ النشر: ٠٩ / محرّم / ١٤٣٥
التحميل: 3744
مرات الإستماع: 3009

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فسبق ذكر أمرٍ يتَّصل بهذه الأذكار المتعلقة بالفضائل؛ فضل هذه الأذكار، وذلك ما يتَّصل بالمفاضلة بين قراءة القرآن والذكر، مع أنَّ الذكر يشمل قراءةَ القرآن.

وفي هذه الليلة أذكر أمرًا آخر أشار إليه العلماءُ، ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في شرحه لصحيح البخاري المسمَّى بـ"فتح الباري"، حيث نبَّه إلى أنَّ هذه الفضائل الواردة -فضل الأذكار- التي سمعنا طرفًا منها، يقول: "إنما هي لأهل الشَّرف في الدِّين والكمال"[1]، يعني: أهل الاستقامة، أهل الصَّلاح الذين يتنزَّهون من الحرام والمعاصي، فهو يقول: "لا تظنّ أنَّ مَن أدمن الذكرَ وأصرَّ على ما شاءه من شهواته، وانتهك دينَ الله وحُرماته؛ أنَّه يلتحق بالمطهرين المقدسين، ويبلغ منازلهم بمجرد كلامٍ يُجريه على لسانه، ليس معه تقوى، ولا عمل صالح"[2]، يعني: أنَّ هؤلاء هم الأفضل، وأنهم هم الأكمل، وأنهم هم أهل الخيرية، وما إلى ذلك، أفضل من أهل الجهاد، وأهل الصَّدقة، وأفضل من الآمرين بالمعروف، والنَّاهين عن المنكر، وما أشبه ذلك.

الحافظ ابنُ حجر يقول: هذه الأذكار إنما يكون هذا الفضلُ لمن كان مُستقيمًا على أمر الله -تبارك وتعالى-، لا المضيع المفرط الذي لا يرفع بذلك رأسًا.

فهو يُقرر أنَّ الذكر المجدي هو الذي يُرى أثرُه على صاحبه فيما يأتي ويذر.

ومن هنا فهو يُوجّه ويُبين كيف يفضل الذكر على الجهاد وعلى كل الأعمال؛ باعتبار أنَّ فضيلة الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللِّسان المجرد، كما ذكرنا في المفاضلات، فالذي يجري الذكرُ على لسانه من غير مُواطأة القلب، مثلاً: أهل الجهاد، المشتغل بالجهاد أفضل وأكمل منه حالاً.

يقول: أمَّا مَن اتَّفق له أن جمع ذلك: كمَن يذكر الله بلسانه وقلبه، ويستحضر ذلك، كل هذا في صلاته، أو صيامه، أو تصدّقه، أو قتاله الكفَّار؛ فهو الذي بلغ الغايةَ القصوى، والعلم عند الله .

وذكرنا هذه الدَّرجات والمراتب والمفاضلات التي ذكرها غيره: كالحافظ ابن القيم[3] -رحمه الله.

فالناس ليسوا على مرتبةٍ واحدةٍ، لكن هذه الأحاديث التي سمعنا طرفًا منها كلّها تدل على شرف الذكر ومنزلته وفضيلته، ويكفي أنَّ العلماء أصبحوا يبحثون عن توجيهات وأجوبة لسؤالات طرأت على أذهانهم استشكلوها؛ وذلك لعظم ما جاء في الذكر من النصوص الدَّالة على فضيلته، وعلى تفضيله على سائر الأعمال، فجعل العلماء يتحيرون؛ هناك أعمالٌ كبارٌ، وهذا جالسٌ فقط يذكر، كيف يُفضَّل عليها؟

هذا يكفي في بيان منزلة الذكر، بصرف النَّظر عن الإجابة المعينة التي يذكرها هذا أو ذاك.

بعد ذلك –أيها الأحبة- نتحدَّث عن الأحاديث الأخرى في هذا الباب من الفضائل، وهي في نوعٍ آخر، وذلك في الغافلين عن ذكر الله -تبارك وتعالى- في مجالسهم، فمن ذلك:

الحديث السابع: مَن قعد مقعدًا لم يذكر اللهَ فيه كانت عليه من الله تِرَةٌ، ومَن اضطجع مُضطجعًا لا يذكر اللهَ فيه كانت عليه من الله تِرَةٌ[4].

التِّرة: هي الحسرة، والموتور يُقال لمن قُتِلَ له قتيلٌ ولم يُدرك بثأره، فيبقى موتورًا، يبقى في حالٍ من الحسرة، يتحسَّر على هذا الذي فاته ولا يستطيع أن يُدركه، فهو يحصل له من جراء ذلك نقصٌ وحسرةٌ، والله تعالى يقول: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35]، يعني: لن ينقص شيئًا من أجوركم، ولا يقطع عنكم هذه الأجور.

إذن هذا المجلس الذي لا يُذكر الله -تبارك وتعالى- فيه يكون على أهله تِرَة، قلُّوا أو كثروا، والمضطجع، سواء كان الإنسانُ يضطجع لينام، أو ليستريح، لا يذكر اللهَ فيه.

فالإنسان هو إمَّا مع الناس، وفي المجالس، أو نحو ذلك، أو في حالٍ من الاسترخاء، فكل ذلك إذا عطَّله من ذكر ربِّه -تبارك وتعالى- فإنَّ هذا المجلس أو هذا المضطجع يكون عليه حسرة.

إذن إذا كان في حال الانفراد، أو في حال الاجتماع، فإنَّ ذلك حينما يصير مُعطّلاً من ذكر الله ؛ يكون على أهله تِرة، يكون عليهم حسرة.

وذكر الله -تبارك وتعالى- يشمل قراءة القرآن، ويشمل الذكر الآخر باللِّسان، وإذا كان مع مُواطأة القلب فهو أكمل.

إذن الإنسانُ يتحسَّر على ما يقع له من هذه المجالس أو الخلوات التي لا يذكر اللهَ فيها، كيف إذا كانت هذه المجالس أو الخلوات في معصية الله ومساخطه؟! كيف لو كانت هذه المجالس في القيل والقال والغيبة والنَّميمة وما إلى ذلك؟! كيف لو كانت هذه المجالس في فحشٍ وفجورٍ؟! كيف إذا كانت تلك الخلوات في معصية الله ومُحادته ومُشاقته ومُشاقة أوليائه بالوقيعة في أعراضهم، والتَّندر بهم، والاستهزاء، والسُّخرية، وما إلى ذلك؟!

فهذا يكون عليه تِرَة، هذا الإنسان الذي يُشاهد في الشَّبكة، أو يكتب، أو نحو ذلك ما يُسخط الله : من غيبةٍ، أو نميمةٍ، أو يكتب وقيعةً في أعراض الصَّالحين والخيّرين، ويتندَّر بهم، يرميهم بالألقاب القبيحة، كل هذا داخلٌ فيه، بل هو أشدّ، فهؤلاء لا يذكرون الله، بل الشيطان جليسهم وقرينهم، تؤزُّهم الشَّياطين لهذه الأفعال الشَّنيعة.

وبهذا يعلم المؤمنُ قدرَ ما فاته حينما يفرط في ذكر الله -تبارك وتعالى-، لا سيما إذا استحضرنا أنَّ الاشتغال بطاعة الله هو من ذكره.

فالمجالس التي يجتمع فيها الناسُ لمدارسة القرآن، أو مُدارسة العلم، أو يجتمعون فيها على أمورٍ من الخير: مشروعات نافعة للمسلمين، نافعة للأُمَّة، وما أشبه هذا، مشروعات في الدَّعوة إلى الله، في الإصلاح في المجتمع، في مُساعدة الفقراء والمساكين والمنكوبين والمحتاجين، كل هذا من العبادات، فهو أيضًا من جملة ذكر الله -تبارك وتعالى-، وإن كان المتبادرُ من هذا هو ذكره باللِّسان، يدل على ذلك الحديثُ الذي بعده.

الحديث الثامن: ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا اللهَ فيه، ولم يُصلُّوا على نبيِّهم ﷺ إلا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم[5]، هذا يدل؛ هذه الجملة الأخيرة: إن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم يدل على أنَّ ذلك من قبيل ترك الواجب؛ ولأنَّ الله لا يُعذِّب على ترك المستحبّ.

إذن لا يصحّ أن تخلو مجالسنا من ذكر الله -تبارك وتعالى-، ولا يصحّ أن تخلو مضاجعنا وخلواتنا من ذكر الله .

سفيان بن عيينة -رحمه الله- يقول: "إذا اجتمع قومٌ يذكرون اللهَ تعالى اعتزل الشيطانُ والدُّنيا"، مجلس ذكرٍ، "فيقول الشيطانُ للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟ -يعني: يذكرون الله- فتقول الدُّنيا: دعهم؛ فإنَّهم إذا تفرَّقوا أخذتُ بأعناقهم إليك"[6].

هذا من باب التَّقريب والتَّصوير للحال الواقعة لدى أكثر الناس، يعني: الشَّيطانُ يتحسَّر حينما يرى الناسَ يجتمعون على ذكر الله ، على خيرٍ، على أمورٍ نافعةٍ، فكأنَّ الدنيا تقول له بلسان الحال: إنَّهم بمجرد تفرُّقهم آخذ بأعناقهم إليك، أقودهم إليك. الدنيا حينما تشغلهم وتصرفهم عن ذكر الله، وعن طاعته؛ هنا الشَّيطانُ يجد بُغيته، فتخلو المجالس من ذكر الله ، ويكون الاشتغالُ بها إنما هو في الدنيا وعرضها الزائل، بعيدًا عن ذكر الله، لا بأس أنَّ الناس يحصلون المنافع والمكاسب والتِّجارات، ويتبادلون مصالحهم في أمورهم الدّنيوية، لا إشكالَ، لكن أن ينفرد ذلك في هذه المجالس لا يذكر الربَّ -تبارك وتعالى- فيها أصلاً، هذا هو المذموم.

الحديث التَّاسع: ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ، وكان لهم حسرة[7]، الحمار إذا كان بين أيديهم في المجلس وهو حيٌّ فإنهم يشمئزُّون، ولا يطيب لهم ذلك المجلس وأمامهم هذا الحمار قد ربض في وسطه، وهذا أمرٌ مُشاهدٌ، كيف لو كان هذا الحمارُ جيفةً؟! فإنَّ مثل هذا المجلس لا يمكن أن يُطاق، ولا صبرَ لأحدٍ عليه.

فذكر هنا هذا الأمر المنفّر؛ فجيفة الحمار هي أسوأ الجيف، أو من أسوأ الجيف من بين سائر الحيوانات التي تُخالط الناس ويُخالطونها.

وبعض أهل العلم يقول أيضًا: فيه إشارة إلى جانبٍ ومعنًى آخر: البلادة؛ لأنَّ الحمارَ إذا ذُكِرَ ذُكِرَتِ البلادةُ معه؛ ولهذا مثَّل اللهُ حالَ اليهود لما تركوا العملَ بالتَّوراة: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة: 5].

مما ذكره العلماءُ في الكلام على هذا المثل المضروب لليهود لما تركوا العملَ بها، مما قالوا، قالوا: الحمار أبلد الحيوان، فهكذا هذا الحمارُ الذي يحمل الكتبَ العظيمةَ وهو لا يدري ما فيها، كذلك حال هؤلاء الذين حملوا هذا الكتاب –التوراة- ولكنَّهم لم ينتفعوا به بحالٍ من الأحوال.

وهكذا قالوا: لربما أيضًا لأنَّه له نوع ملابسةٍ للشيطان؛ ولهذا إذا سمعنا نهيقَ الحمار وكذلك نُباح الكلاب بالليل فإنَّ الإنسانَ مأمورٌ بالاستعاذة.

وهكذا أيضًا لك أن تتصور هؤلاء الناس يقومون عن مثل جيفة حمارٍ، لو أنَّ ذلك كان وليمةً قد اجتمعوا عليها.

فهذه الاجتماعات والمجالس التي لا تُرضي الله ، أو مجالس الغفلة، هي أعظم وأشدّ من هذا المثل المضروب، وهذه الصُّورة المذكورة في هذا الحديثِ: كأنَّ قومًا اجتمعوا على هذه الجيفة، هم يقومون عن مثل جيفة حمارٍ، يقومون بتناولها وأكلها، اجتمعوا عليها، فإذا ذُكر هذا في مثل هذا السِّياق فلا يُفهم منه إلا أنَّ هؤلاء قد اجتمعوا على وليمةٍ أو طعامٍ بنحو هذا، أو بمنزلة هذا، فقاموا عن مثل ذلك، كيف يكون حالهم؟

إذن في الآخرة يوم القيامة حينما يتذكَّرون هذه المجالس، أو تعرض لهم في صحائف الأعمال، فهؤلاء الذين قاموا عن جيفة حمارٍ -أعزكم الله- ماذا يجدون في تلك الجيفة إلا الرائحة المزعجة، والمنظر الكريه، والطّعم الذي هو غاية السُّوء؟! فهل نُدرك أثر الغفلة عن ذكر الله -تبارك وتعالى- في مجالسنا، أو نُدرك أثر الغفلة في خلواتنا؟ فكيف لو كانت هذه المجالس في الإثم وقطيعة الرحم؟! كيف إذا كانت في عدوانٍ على الناس؟! كيف إذا كان هذا الإنسانُ يُشاهد المناظر والمشاهد المنكرة المحرَّمة التي تغريه بالفاحشة والرَّذيلة؟! هذا يقوم عن ماذا؟! جيفة ماذا؟!

هؤلاء فقط "غفلة"، لا يذكر الله ، فيه جيفة حمارٍ، إذن إذا كانت تلك الذنوب والجرائم والمعاصي في الجلوات أو الخلوات، في اجتماع هؤلاء الناس من المتشاكلين في طبعهم وذوقهم واهتماماتهم، قد يجتمعون على ذنوبٍ، على معاصٍ، على قنوات سيئةٍ، على شيشةٍ، على -أعزَّكم الله- خمرٍ، هذا يُدخن، وهذا يسكر، يقومون عن ماذا؟

وأولئك الذين قال فلانٌ، وفعل فلانٌ، وما علمت ما فعل فلانٌ؟ وما حصل علّانٌ؟ وما قال فلانٌ لفلانٍ؟ فلان احذروا منه كذا، وفلانٌ كذا، وفلانٌ فيه كذا، وفلانٌ ما فيه كذا، من خيار عباد الله، من الأتقياء والصَّالحين والدُّعاة إلى الله ، وطلاب العلم، وعلماء، وخيار الأُمَّة من صالحيها.

فمثل هذا لا شكَّ أنهم يقومون عن أسوأ من جيفة الحمار -نسأل الله العافية-، ولو أنَّ هذه المزاولات صُوِّرت بصور المحسوسات لرأى الناسُ أمرًا عجبًا.

الذنوب لو كانت لها روائح لما استطاع أحدٌ أن يقترب منا، لكن من فضل الله أنَّ الله يستر العيبَ، ويغفر الذنبَ.

فعلى العبد أن يتوب، وأن يغسل ذنوبَه بالتوبة الصَّادقة النَّصوح، وأن يكون عفَّ اللسان، وأن يكون عفَّ الجوارح، عفَّ البصر.

نسأل الله أن يُصلح قلوبنا وأعمالنا وأحوالنا، وأن يلطف بنا، اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دُنيانا، والله أعلم.

وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

  1. "فتح الباري" لابن حجر (13/ 541).
  2. المصدر السَّابق.
  3. انظر: "الوابل الصيب من الكلم الطيب" (ص88).
  4. أخرجه أبو داود: كتاب الأدب، باب كراهية أن يقوم الرجلُ من مجلسه ولا يذكر الله، برقم (4856)، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة"، برقم (78).
  5. أخرجه الترمذي: أبواب الدَّعوات عن رسول الله ﷺ، بابٌ في القوم يجلسون ولا يذكرون الله، برقم (3380)، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ"، وذكرة الألباني في "السلسلة الصحيحة"، برقم (74).
  6. "إحياء علوم الدين" (1/ 296).
  7. أخرجه أبو داود: كتاب الأدب، باب كراهية أن يقوم الرجلُ من مجلسه ولا يذكر الله، برقم (4855)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (5750).

مواد ذات صلة