الأربعاء 08 / شوّال / 1445 - 17 / أبريل 2024
حديث «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم» إلى «حق على الله أن لا يرتفع شيء..»
تاريخ النشر: ١٢ / جمادى الأولى / ١٤٣٠
التحميل: 1282
مرات الإستماع: 2177

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي "باب التواضع" أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة المخرج في الصحيح عن النبي ﷺ قال: ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم قال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة رواه البخاري[1].

هذا الحديث مضى في باب العزلة، ولكن لا بأس أن أُذكِّر هنا ببعض ما يتصل بالمعنى، أما مناسبته هنا في باب التواضع فكون الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ومنهم نبينا ﷺ رعى الغنم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن النبي ﷺ حدَّث أصحابه بهذا، وهو نبينا أكرم الخلق -عليه الصلاة والسلام-، وهو الذي يدبر شؤون الناس في أمور دينهم ودنياهم، يعني: هو الذي يحكم -عليه الصلاة والسلام-، ولم يجد حرجًا في أن يتحدث عما كان منه ﷺ من رعي الغنم، مع إن الكثيرين ربما يأنف أو يستحي، أو ربما يجحد وينكر ما مضى في أيامه من مزاولات لبعض الأعمال التي لا تعيبه في واقع الأمر، وما يتصل بطلب الرزق، أو نحو ذلك، فيستنكف أن يذكر ذلك، أو أن يذكر عنه، وربما يتمنى أن ينسى ذلك من ذاكرة الناس، ويمحى، وهذا لا إشكال فيه، فالنبي ﷺ يخبر أنه ما من نبي إلا رعى الغنم؛ ولما سألوه عن نفسه ﷺ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة فالمهن الشريفة، والأعمال التي يعملها الإنسان طلبًا للرزق لا إشكال فيها، ولا ينبغي أن يستحي الإنسان منها، ولو كانت هذه المهنة ذات دخل قليل، فإن ذلك لا غضاضة فيه، ولا يعيب الإنسان، الذي يعيبه هو سؤال الناس، والتكفف، أو القيام بأعمال محرمة، كالذي يعمل بالربا والقمار، أو يبيع الأشياء المحرمة، كالخمر والخنزير والميتات والكلاب والقطط، وما أشبه ذلك، مما يحرم بيعه، فهذا الذي يعيب الإنسان.

فعلى كل حال في الكلام على ذلك الباب، ذكرت هناك أن المناسبة ظاهرة مما يتصل بالعزلة، ولا حاجة للإعادة، أما ما يتعلق بالسبب والعلة في رعي الأنبياء للغنم، فقد ذكر بعض أهل العلم: أن ذلك من أجل سياسة الناس، فهذه الغنم تحتاج إلى من يسوقها ويحوطها ويرعاها، ويرد شاردتها، إلى غير ذلك، مما لا يخفى، إضافة إلى أن رعي الغنم يورث الإنسان شيئًا من الصبر والسكينة؛ ولذلك ذكر النبي ﷺ: السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين، أهل الوبر[2].

وقوله: كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة مضى هناك أن المقصود بها يعني جزء من الدرهم، أو الدينار، وليس المقصود: أن ذلك من الأمكنة على قراريط لأهل مكة، يعني: على مكان يقال له: قراريط هذا بعيد. والحديث الذي الآخر في هذا الباب وهو أيضًا:

"حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت[3]، رواه البخاري".

هذا يدل على تواضعه ﷺ لو دعيت إلى كراع، أو ذراع الكراع: معروف، هو ذلك الموضع الذي ما بين الركبة والظلف للغنم، مثلاً يقال له: كراع، والنبي ﷺ كان أحب اللحم إليه الذراع[4]، يعني: هو مقابل، إذًا للكراع، الكراع لا شأن له، ولا قيمة له؛ لأنه لا لحم فيه، وليس فيه لحم، كما هو معلوم، أما الذراع فالذراع -ذراع الشاة- يختلف ففيه لحم، وربما كان ذلك أطيب اللحم، وكان النبي ﷺ يعجبه الذراع في قصة اليهودية التي وضعت له السم، وضعت كثيرًا من السم في الذراع؛ لأنها تعلم أن النبي ﷺ يحبه، فنهس منه النبي ﷺ نهسة، وأخبرته تلك الشاة أنها مسمومة، وكذلك ﷺ لما نهس نهسة من ذراع، وذكر أنه سيد الخلق يوم القيامة، وأنه سيد ولد آدم -عليه الصلاة والسلام-، فالشاهد هنا قال: لو دعيت إلى كراع أو ذراع يعني: بمعنى لو دعيت إلى شيء لا قيمة له، ولا شأن له، ككراع، أو له قيمة، وهو الذراع لأجبت بمعنى: أنه لا تكون إجابته منحصرة في الموائد التي تطلبها نفسه؛ ولها قيمة عند الناس، ونحو ذلك، وإنما يتواضع ﷺ، فلو دعي إلى شيء لا قيمة له ولا شأن، فإنه ﷺ يجيب، وهذا هو الأدب اللائق بالإنسان ألا يترفع، وكل إنسان بحسب حاله، لا يتكلف ما ليس عنده من أجل ضيافة الآخرين وإطعامهم، وكثير من الناس قد يأنف، ولا تقبل نفسه إذا دعي، فلم يجد شيئًا كثيرًا، أو أن هذا الإنسان قد ذبح له، أو نحو هذا، يأنف، بل يوجد في بعض البيئات: أنه لو وضع له دجاجًا، أو نحو هذا، فإنه يعتبر ذلك إهانة، ولا يأكل، وبعضهم ربما إذا لم ير الرأس قد وضع مع الوليمة، فإنه لا يأكل، ويرى أن هذه إهانة، فهذا كله خلاف هدي النبي ﷺ، وفي المقابل يقال للناس أيضًا: إن كان الإنسان ذا جدة، فإنه ينبغي أن يراعي أيضًا جانب الكرم في الدعوة، بمعنى أنه حينما يدعو الناس، ويضع لهم طعامًا، أو نحو ذلك أنه يضع ما يحسن ويجمل، فإن الكثيرين قد يكون ممن يجد ويدعو الناس ويصر على الدعوة، فإذا دعاهم وضع شيئًا غير مناسب لقلته جدًا، أو نحو ذلك، وهو يجد، وعنده سعة، ومع ذلك ربما يبخل، فإذا تجمل الإنسان يتجمل بما يحسن، يعني: أنا أقول: ما في داعي أن الإنسان يلبس عقال، وفيه أثر رثاثة، أو منتف الأطراف، أو نحو ذلك، فهذا العقال للتجمل، وممكن يستغني عنه ولا يلبسه، لا داعي أن تضع فاكهة ذابلة للضيوف، ممكن يوضع طعام بدون فاكهة، يعني من إكرام هؤلاء ونحو ذلك إذا كنت تجد من غير تكلف، وهكذا أحيانًا الإنسان يتزين بأمور كان بالإمكان الاستغناء عنها، بالإمكان ألا يدعو الآخرين إذا كان يضن ويبخل بما في يده، فلا داعي أن يصر عليهم، ثم بعد ذلك عدد كثير من الناس، وما بينهم إلا صحن صغير من الطعام، لا تصل إليه أيديهم، فيوقعهم في إحراج، ويوقع نفسه أيضًا في إحراج، بخلاف من كان لا يجد شيئًا، كان مقلاً، وما عنده، فهذا معذور.

فالشاهد: يقول: ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت معناه: أنه ﷺ يقبل الهدية، ولا يأنف، ولا يستنكف، ولو كانت قليلة، والإنسان أحيانًا ربما تكون الهدية التي تقدم إليه سببًا لشنآن يكون بينه وبين من أهداها، وهذا غلط، فهذه أمور رمزية تدل على أنه تذكرك، وأنه يحمل لك مشاعر طيبة، ولا يشترط أن تكون الهدية لها شأن وقيمة كبيرة.

ثم ذكر الحديث الآخر وهو حديث أنس قال: كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي ﷺ فقال: حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه رواه البخاري"[5].

العضباء هي ناقته ﷺ، وذكر أيضًا في دوابه ﷺ، وكان من هديه ﷺ أنه يسمي الدواب بأسماء، وكذلك أيضًا غير الدواب كالرمح والسيف والدرع، ونحو هذا يسميه، وهذه هي السنة أن يسمي الإنسان هذه الأشياء، فلا بأس أن يسمي سيارته باسم، أو آلاته التي عنده، أو نحو هذا، فذكر في دوابه ﷺ العضباء والجدعاء، وغير ذلك.

وبعضهم يقول: هي ناقة واحدة، لها أكثر من اسم، فكل ذلك من الأوصاف التي تكون في أذن الدابة، فالعضباء بعضهم يقول: هي التي قطع ربع الأذن فأكثر، وبعضهم يقول: التي قطع نصف الأذن، وجاء في أسماء نوقه ﷺ الجدعاء، التي جدع من أذنها، وكذلك أيضًا القصواء، هنا قال: "العضباء" وناقته القصواء مشهورة، وهي التي قطع جزء من أذنها، فبعضهم يقول: كل هذه الأسماء ترجع إلى مسمى واحد، وهي ناقة واحدة لرسول الله ﷺ، وهذا ذكره جمع من أهل العلم.

وبعضهم قال: كل ذلك إنما أطلق على دابة بخصوصها، يعني: ناقة تسمى العضباء، وأخرى جدعاء، وأخرى القصواء، والمشهور: أنها ناقة واحدة.

على كل حال كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي، والأعرابي: هو الذي يسكن البادية "على قعود له" والقعود يقال للذكر من الإبل؛ وذلك للبكر منها، بحيث يكون قد بلغ السنتين، لكنه لم يستتم، حتى يصير جملاً، يعني: بمعنى أنه لم يبلغ، ولم يكمل الخمس سنوات، ويدخل في السادسة، فهو لا زال في مقتبل العمر، لكنه يركب، يعني: بعد السنتين يركب، لكنه ما اكتمل نموه، "جاء على قعود له فسبقها" سبق القصواء "فشق ذلك على المسلمين، حتى عرفه النبي ﷺ في وجوههم" تضايقوا، كيف تسبق ناقة النبي ﷺ، ويسبقها هذا الأعرابي على هذا القعود؟! فالنبي ﷺ يعني لهم الكثير، وناقته ﷺ حينما تكون تسبق دائمًا، لا شك أن هذا يورثهم اعتزازًا وسرورًا وفرحًا واستبشارًا، فلما جاء هذا الأعرابي وسبق ناقة النبي ﷺ شق ذلك عليهم؛ لمحبتهم له، وتعظيمهم.

"فقال: حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" وهذه قاعدة جليلة مهمة من مشكاة النبوة والوحي، النبي ﷺ لم يتضايق، وقال: امسكوا هذا الأعرابي، وضعوه في الحبس، أو امسكوا هذا القعود، وكسروا عراقيبه، كيف يسبق؟ أو أرصد له على الطريق أحد يعثره، أو نحو هذا؛ ولما شق ذلك على أصحابه لم يقل: لهم على كل حال سنعيد الكرة، ووضع أمورًا من شأنها أن تعرقل سبق هذا القعود، وإنما ﷺ، قال لهم: حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه فهذا يدل على تواضعه ﷺ أنه لم يستنكف السابق الأعرابي، وليس برجل من أشراف قريش مثلاً، وعلى قعود له، فقال: حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه هذه قاعدة شريفة تراها في كل شيء أمامك، أو تتذكره من حطام هذه الدنيا الفانية، الآن لو فرضنا أن التاريخ كتاب مثلاً هذا، والآن نفتح الصفحات افتح من القرن الثاني الهجري، الثالث، الرابع، الخامس، سم لي واحدا من التجار واحد فقط، القرن الثاني الهجري، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر، الرابع عشر، إلى الثاني عشر، سم لي واحدا تاجرا فقط يملك المليارات، أو يملك الذي يملك تعرفون أحدًا، لا يعرف أحد فأهل الدنيا والعرض الكثير في هذه الأيام التي ربما تنبهر أنظار الكثيرين إذا  رأوا ما عندهم من العرض، وما عندهم من المراكب والرياشي والأثاث والقصور إلى آخره هؤلاء، سيطويهم عالم النسيان، إنما هو متاع قليل، ثم بعد ذلك المصير واحد، مثلما مضى لأنه حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه وإذا كان الأمر كذلك، فمن الغلط أن يعلق الإنسان نفسه وآماله وغايته وقلبه بهذه الدنيا، هي ماشية على الجميع، الغني والفقير، لكن ما الذي بقي عبر التاريخ، يرتفع الدين، وما كان لله، والعلم والعلماء وأئمة العدل هؤلاء هم الذين بقوا، سم ما شئت من العلماء من القرن الأول الهجري من الصحابة إلى يومنا هذا نذكرهم دائمًا، قال -رحمه الله-: هذا الكتاب، قال الإمام النووي -رحمه الله-، وفي مسجد، أو بيت ما يوجد فيه كتاب رياض الصالحين، وهؤلاء الصحابة الذي يرون عن النبي ﷺ عن أبي هريرة عن أنس لكن هل يسمى أحد من أهل الدنيا؟

عبر هذه القرون أبدًا كل ذلك قد ذهب، لكن ما قد يعمله الإنسان من أشياء للآخرة تبقى، من كتب، مساجد، معاهد، وما شابه ذلك، هذا هو الذي يبقى، وما عداه يذهب، بقي جامع الزيتونة، وبقي جوامع أخرى، وإن كان الذي بناها في أول الأمر قد يكون أهل البدع، كالأزهر الذي بناه الفاطميون، لكن لما تولاه أهل السنة بعد ذلك بقي، ونفع الله به، وخرج علماء، وغير هذا كثير.

فالشاهد: أن هذه الأمور تبقى، فما كان لله يبقى، فإذا أردت ما يبقى سواء من الذوات لا ينسى، أو كان مما يصنعه الإنسان، فعليك بأمر الآخرة، هذا هو الذي يبقى، وأما الدنيا وشأنها، ومراكب الدنيا كل ذلك يزول، ولا تذهب بعيدًا، بل قريبًا تأمل أفضل المراكب قبل ثلاثين سنة، التي يركبها الملوك، ومن كان على شاكلتهم، من يركبها الآن؟ لا شيء، ولا العمال، أليس كذلك؟

والقصور التي كانت قبل مائة سنة، ومائة وخمسين ومائتين سنة وثلاثمائة سنة وأربعمائة سنة... إلى آخره، القصور التي بذلت فيها الأموال الطائلة، وربما لا يستطيع الفقراء أن يستظلوا بظل جدراها، أين هي الآن؟ فما بقي شيء، إن وجدوا شيئًا من أعمدة، أو بقايا من تراث، أو نحو ذلك وضع عليها شبك، تراث يتذكرون به أيام الماضي، كل هذا يمضي، وما كان لله هو الذي يبقى، فلا تغتر بثوب، ولا بمركب، ولا ببناية، ولا بقصر، ولا بغير ذلك من أمر الدنيا، فكله يذهب، وكل الذي تراه من مصانع الحلويات، ومصانع كذا، والمطاعم الفارهة، وما أكل فيها، فكل هذا يذهب، والذي يبقى لك هو أمر الآخرة؛ ولهذا يحسن بالإنسان أن يكون له مشروع في عمل يعمله للآخرة، ويكون لك عمل تعيش له، وتبذل له ما تستطيع من وقتك وجهدك ومالك، وينمى هذا، ويأتي آخرون وينمونه بعدك، فينفع الله به نفعا كثيرًا، هذا هو الذي يحرص عليه الإنسان، وإلا النفس يمكن أن تشبع إذا رزقت القناعة بشطر رغيف من الخبز يكفيها سائر اليوم، وما تسوى هذا الصداع الكثير، والتفكير الطويل في جمعها، والاحتيال على تحصيلها، وما أشبه ذلك، فيكون أمر الإنسان لله، تكون له نية طيبة.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط برقم (2262).
  2. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه برقم (52).
  3. أخرجه البخاري في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب القليل من الهبة برقم (2568).
  4. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (194).
  5. أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- برقم (2872).

مواد ذات صلة