تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 09 / ربيع الآخر / 1440 - 17 / ديسمبر 2018
13 - ابن القيم ومن إعلام الموقعين وحادي الأرواح ومن ‏مدارج السالكين. القواعد 886-893 ‏
تاريخ النشر: ١٦ / شوّال / ١٤٣٣
التحميل: 3289
مرات الإستماع: 3728

 طريق الوصول إلى العلم المأمول لابن سعدي (كتب ابن القيم)

13 - ابن القيم: ومن إعلام الموقعين وحادي الأرواح ومن ‏مدارج السالكين القواعد: (886-893)

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فاللهم اغفر لشيخنا ولنا وللحاضرين.

قال المؤلف -رحمه الله-: وينبغي للمفتي أن يجيب السائل عن غير ما سأله إذا كان يتعلق بسؤاله، أو تشتد إليه حاجته، وأن يستفصل عما يُظن فيه احتمالات.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا زال المؤلف -رحمه الله- يستخرج هذه الضوابط والفوائد من كتاب "إعلام الموقعين"، فهذا في آداب المفتي، ذكر جملة من الآداب، والمؤلف -رحمه الله- أعني الشيخ عبد الرحمن بن سعدي- يأتي بجمل من ذلك، يختصر، يضم بعض الكلام مع بعضه فيأتي على هذا النسق أحياناً.

يقول: ينبغي للمفتي أن يجيب السائل عن غير ما سأله إذا كان يتعلق بسؤاله أو تشتد إليه حاجته، يعني إلى معرفته، فيكون مضيفاً للسائل فائدة تدعو حاجة السائل إليها، وقد قال الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه: "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه" [1] ، وذكر حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: "لما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عما يلبسه المحرم"، فأجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أمور لم يسأل عنها السائل لكن حاجته تدعو إليها، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: (لا يلبس القُمص، ولا العمائم، والسراويلات،، ولا الخفاف إلا أن لا يجد نعلين فليبس الخفين، وليقطعهما) [2] ، إلى آخره.

فهنا ذكر له أشياء ما سأل عنها، هو سأل عما يَلبس، فذكر له الأشياء التي لا يلبسها المحرم، فهنا هذا مما تشتد حاجته إليه، ولما سئل عن البحر يعني من حيث الوضوء به ونحو ذلك قال:(هو الطهور ماؤه، الحِل ميتة) [3] ، فهؤلاء لما كانوا يركبون البحر فهم بحاجة إلى معرفة حكم ميتة البحر، ما ألقاه البحر، أو طفا من الحيتان ونحو ذلك، فذكر له النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا مع أنه سأل عن ماء البحر، يعني: التوضؤ أو التطهر أو الغسل بماء البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه الحِل ميتة)، فزاد هذا للسائل.

وهكذا أيضاً قد يعدل عن السؤال إلى ما هو أنفع، يعني: السائل قد يسأل عن أمر فيأتيه الجواب عن أمر يكون أنفع له، وحاجته إليه أشد، فهذا من الآداب، وقد ذكره الحافظ ابن القيم -رحمه الله-، والله قال:  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ  البقرة:189، على القول بأن السؤال كان: لماذا يبدو الهلال دقيقاً ثم لا يزال يكبُر ويكتمل حتى يصير بدراً، هذا أحد الأقوال في الآية أنهم سألوا عن هذا فأجابهم عن شيء يحتاجون إليه، قال:  هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  البقرة:189، والمقصود المثال هنا وليس التحقيق في المسألة فيما سألوا عنه، وهكذا لما قال الله -تبارك وتعالى-:  وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ  البقرة:219.

فهنا قال: وأن ينبه السائل على موضع الاحتراز، أيضاً من الفوائد التي ذكرها ومن الآداب أنه يذكر الدلالة على أمر مباح إذا منعه من المحظور، يعني: سأل عن شيء فقال: هذا لا يجوز، يقول: من آداب المفتي أن يرشده إلى البديل المباح؛ ليتعوض به عن الحرام، هذا ليس بلازم للمفتي وليس بواجب -كما هو معلوم-، وليس من الضرورة أن الناس إذا قيل لهم: هذا حرام يقولون: أعطنا البديل، الواجب على الناس التسليم لأحكام الشرع، لكن من آداب المفتي أن يذكر للناس ما يعوضهم من المباح إن وجد، فابن عباس -رضي الله عنهما-: "لما سأله الرجل عن التصوير وأخبره أنها صنعته، فذكر له الحديث: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) [4] ، فلما رَبَا الرجل وانتفخ -يعني جزع من هذا الجواب وظهر عليه التأثر- قال: ويحك إن كنت فاعلاً لا محالة فعليك بهذا الشجر والحجر، يعني: ما لا روح له"، فأرشده إلى المباح، والله -عز وجل- لما قال:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا ، قال:  وَقُولُوا انظُرْنَا  البقرة:104، نهاهم عن عبارة وأرشدهم إلى عبارة أخرى لا محظور فيها ولا تحتمل معنى فاسدًا، لكن هذا كما سبق ليس بلازم كما يظن بعض الناس.

قال: وأن يصور له الجواب.

قبل هذا قال: وأن يستفصل عما يُظن فيه احتمالات، يستفصل من السائل، يعني: لما جاء والد النعمان بن بشير يريد أن يُشهد النبي -صلى الله عليه وسلم- على عطية وهبة وهبها لولده النعمان، سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-:(ألك من الولد غير هذا؟)، فقال: (نعم)، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أرشده إلى أن ذلك لا يجوز، قال: (أشهِدْ على هذا غيري، قال: فإني لا أشهد على جور) [5] ، فاستفصله؛ لأنه يحتمل، قد يكون وهبه ولا يوجد عنده من الولد غير هذا، فتكون هذه العطية والهبة لا إشكال فيها، فيستفصل في مثل هذا المقام المحتمل، ما يُظن فيه احتمالات.

قال: وأن ينبه السائل على موضع الاحتراز.  

أن ينبه السائل على موضع الاحتراز، يعني: عن الموهم إذا كان فيه إيهام، يمكن أن يُفهَم هذا الكلام على غير مراد المتكلم، على غير مراد الشارع، فينبه على المراد، يضع النقاط على الحروف، يضع جملة احترازية؛ لئلا يُفهم الكلام بطريقة غير صحيحة، وهذا أمثلته كثيرة، النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال: (لا يُقتل مسلم بكافر) [6] ، قد يفهم السامع أن دماء الكفار لا حرمة لها على اختلاف أنواعهم، سواء كانوا من المستأمنين أو المعاهدين، أو أهل الذمة فضلاً عن أهل الحرب، فقد يفهم هذا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(ولا ذو عهد بعهده) [7] ، هذه الجملة الأخيرة احتراز، لا يقتل مؤمن بكافر فليس معنى ذلك إهدار دماء الكفار ولو كانوا معاهدين، قال: (ولا ذو عهد بعهده)، فهذا يكون من قبيل الاحتراز.

ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(لا تجلسوا على القبور) [8] ، لماذا؟ لحرمتها، وقد يُفهم منه تعظيم القبور فتُعبد من دون الله -عز وجل-، فقال:(ولا تصلوا إليها)، فحفظُ حرمة القبر أو صاحب القبر لا يعني أنه يعظم التعظيم المحرم، فيُصلَّى إلى القبر مثلاً، قال:(ولا تصلوا إليها).

وتجد أمثلة لهذا في القرآن في قوله -تبارك وتعالى-:  يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ  الأحزاب:32، فنهاهن عن الخضوع بالقول فقد يُفهم منه أنها تغلظ القول في مخاطبتها للرجال، يعني: تخاطب الرجال بشدة وخشونة، وهذا غير مطلوب، قال:  وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا  الأحزاب:32، فلا تفهم المرأة من هذا  فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ  أنها إذا تكلمت مع الرجال تتكلم بعنف وزجر وإغلاظ، لا،  وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا  الأحزاب:32، بلا خضوع لكن تتكلم بأدب وبكلام لائق بالمرأة المسلمة.

وهكذا لما ذكر الله -عز وجل- ما يعطيه لأهل الإيمان من الكرامة والإنعام في الدار الآخرة من أهل الجنة قال:  أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  الطور:21، فقد يُفهم منه أنهم ينزلون إلى مراتب الذرية، قال:  وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ  الطور:21، فهم على منازلهم العالية والذرية هي التي تُرفع وتلحق بهم، فنسأل الله -عز وجل- أن يرفعنا وإياكم في الجنة.

يقول: وأن يصور له الجواب، هذه كلها آداب، يعني: إذا تكلم في الجواب يذكر موضع الاحتراز، لا يعطي عبارات موهمة، قد يُفهم منها غير المراد، خاصة حينما يكون اللقاء صحفيًّا، أو إعلاميًّا فيأخذون عبارة ويضعونها عنواناً يبترونها من سياقها، فإذا قرأ الإنسان مثل هذه العبارات استكثر ذلك واستعظمه أن يصدر من هذا العالم، فإذا نظر إلى حقيقة ما قيل، وما جرى يجد الكلام في سياقه لا إشكال فيه، ولكن استُغل هذا الكلام بطريقة لا يريدها ولا يقصدها، فهنا المحترزات لابد أن تكون أوضح وأقوى وأصرح، والأحسن مع هؤلاء إذا كانوا من أهل الأهواء أن يقال له كلمة إذا قلبها بأي اتجاه لا تدل إلا على معنى واحد، يقول: حرام، ولا يزيد، فإذا قلبها من هنا فهي حرام، وإذا قلبها من هنا فهي حرام، لا يستطيع أن يتلاعب بها، لا يقول: الأصل في ذلك الجواز والإباحة ولكن، "لكن" هذه تُحذف ويُعطى العنوان الكبير: فلان يقول في القضية الفلانية: الأصل في ذلك الإباحة، هكذا يفعل كثير منهم، فهذه من آداب المفتي.

والفُتيا ليست مجرد علم، أحياناً يكون الإنسان من أوعية العلم ولكنه لا يصلح للفُتيا، فالعلم وحده لا يكفي بل لابد من معرفة أمور أخرى من معرفة أحوال الناس، وكذلك أيضاً أن يكون له دُربة في الفُتيا، ولذلك إذا كان الإنسان ليس عنده دُربة في الفُتيا فقد يكون المُقدِّم هو الذي يُرقع الفتوق والرتوق التي توجد في كلامه وفُتياه، هو الذي يُرقع له فينبهه على بعض المداخل، وعلى بعض الثغرات، فتجد المفتي يستدرك شيئاً فشيئاً، فالدربة مهمة جدًّا في هذا الباب، فلو جئت بإنسان من أهل العلم ولكن لا دُربة له في الفُتيا فقد يُسأل فيجيب بإجابات فيها اقتضاب، ويوجد فيها من الثغرات ما يمكن أن يتسلل إليه الخلل في أفهام الناس، أو لدى بعض من في قلبه هوى.

قال: وأن يصور له الجواب، ويوضحه، ويذكر دليله ومأخذه.

هذا أمر مهم من أجل أن الناس يعرفون لماذا كان هذا حرامًا؛ لأن الله نهى عنه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عنه ونحو ذلك، فهذه مراتب، ليس هذا بواجب بطبيعة الحال ولكنه أكمل، فعندنا مراتب في الفُتيا، عندنا مرتبة: يقول للناس: لا يجوز، أو يقول: جائز، وعندنا مرتبة أخرى: أن يقول لهم: يجوز هذا الشيء لقوله تعالى كذا، أو لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا مثلاً، ومرتبة أخرى: أن يذكر الحكم، والدليل والمأخذ، مأخذ المسألة، ومرتبة أخرى: أن يذكر معه بعض التوجيه للسائل، يوجه السائل، يعني: انظروا لما سئل يوسف -صلى الله عليه وسلم- وهو في السجن عن الرؤيا كان بالإمكان أن يجيب مباشرة، ويقول: أنت تصلب فتأكل  الطير من رأسك، والثاني يقول له: أنت تسقي ربك خمرًا -يعني الملِك-، كان بالإمكان أن يجيب بهذا الجواب، لكن انظروا ما قال وما وجه، ودعاهم إلى التوحيد وأرشدهم إلى هذا وقبح الشرك، كل هذا في ثنايا الجواب،  فيمكن أن يقال للسائل خاصة الفتاوى المكتوبة وغير المكتوبة مثلاً: أنت تشكر على حرصك على معرفة أحكام دينك مثلاً، ومثل هذا الأمر الذي سألت عنه حكمه كذا، والدليل كذا، ومأخذ المسألة كذا، وتجد بدائل عن هذه المعاملة مثلاً بكذا أو كذا، أو شركات التأمين هذه تجد بدائل عنها كذا وكذا، ولماذا حُرمت تلك، فيذكر له جواباً فيه شيء من التوجيه فيستفيد السائل، فيكون له معه دعوة وتعليم، لكن هذا مع كثرة الفتاوى لا تستطيع أن تُدرِك، يعني: مع كثرة الأسئلة أحياناً لا تستطيع أن تجيب إلا بنعم أو لا، وباقي الأسئلة التي تحتاج إلى تفصيل ما تجيب عنها، أو أن تتوقف، هذا إذا كانت رسائل على الجوال مثلاً، لكن إذا أردنا الكمالات فالكمال على مراتب، فهناك حد أدنى وهناك مراتب ودرجات في الكمال، ولذلك تجد الناس قد يعترضون ويطالبون بحسب أحوالهم، فبعضهم يقول: لماذا لم تذكر الدليل؟ وبعضهم يقول: لماذا لم تُبين مأخذ المسألة لم حرُمت هذه المعاملة؟ ما وجه التحريم؟ ما الفرق بينها وبين كذا؟.

وبعضهم قد يطالب بأشياء أخرى بدائل مثلاً، اذكر لنا البديل، لكن هذا ليس بواجب، إنما هي كمالات، من المواقع المفيدة التي تُعنَى بهذه الجوانب كلها في طريقة الجواب مستوفية لما ذكرت من هذه الأمور -الدليل والمأخذ والحكم والبديل والتوجيه والإرشاد للسائل- "موقع الإسلام سؤال وجواب"، نظرت في كثير مما كتبوا من الإجابات والفتاوى وسمعت منهم مباشرة يُعنَون بهذا الجانب، لا يكتفون بيجوز، أو لا يجوز، أو مجرد يجوز والدليل كذا، إنما يوجهون السائل ويشكرونه على حرصه، واهتمامه بأمور دينه، مع أن بعض الأسئلة أحياناً تدل على جهل كبير، يعني: مثلاً تسمع أسئلة كثيرة خاصة من الأقليات الإسلامية، يقول: خرجت مع صديقتي إلى مطعم فأكلنا سمكاً فأنا أحب عين السمكة، فصديقتي اشمأزت وقالت: إنه لا يجوز أكل عين السمكة، فهل هذا صحيح؟، هو لا يسأل الآن عن حكم خروجه مع صديقته أو جلوسه معها في المطعم وإلى آخره، يسأل عن حكم أكل عين السمكة.  

فتجد في الجواب صبرًا، وسعة صدر، وتوجيهًا وإرشادًا، وتعليمًا، يبينون له حكم أكل عين السمكة، ويبينون له حكم الخروج مع صديقته، والخلوة بها، وأن هذا لا يجوز، ويبينون له لماذا لا يجوز -لأنها ليست بمحرم-، وما الذي يحصل بسبب ذلك من المفاسد، فهذه  وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  فصلت:35، ما كل الناس يستطيع أن يجيب بهذه الطريقة، والأوقات أضيق من هذا.

هنا يقول: يذكر له دليل الحكم والمأخذ، يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلاً لما سئل عن بيع التمر بالرطب، ما قال: ما يجوز مباشرة، وإنما قال: (أينقص الرطب إذا يبس؟)، فقالوا: نعم، فبين لهم بعد ذلك أنه لا يجوز [9] ، أرشدهم إلى المأخذ، لماذا لا يجوز؟ فهموا؛ لأنه صار متفاضلاً، والتمر من الأموال الربوية، لابد في الأموال الربوية من التقابض، إذا اتحد الجنس، أو النوع فلابد من التقابض والتساوي، التماثل والتقابض في مثل: التمر بالتمر، على تفاصيل في اتحاد النوع واتحاد الجنس وإذا اختلف النوع واتحد الجنس، لكن لابد فيه من التقابض والتساوي، فقال لهم: ((أينقص الرطب إذا يبس؟))قالوا: نعم، فزجر عنه -عليه الصلاة والسلام-.

وهكذا لما سئل عن القُبلة للصائم ماذا قال؟ قال: (أرأيت المضمضة؟) [10] ، كان بالإمكان أن يقول: القُبلة جائزة، فأرشد إلى المأخذ نبه السائل إلى أمر ليفهم المسألة وليدرك الحكم ويستخرج ذلك من نفسه،(أرأيت المضمضة؟)، فلما كانت القُبلة مقدمة للجماع والمضمضة مقدمة للشرب جعلها بمنزلته، (أرأيت المضمضة؟)، وبعضهم يقول غير هذا في مسألة القُبلة، يعني في توجيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أرأيت المضمضة؟).

وكذلك في حديث النعمان الذي أشرت إليه آنفاً في الهبة لما وهبه أبوه -نحَلَه نِحلة-، قال له في بعض الروايات: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟) [11] ، فهنا بين له مأخذ المنع، منع تفضيل بعض الأولاد على بعض في الهبة، (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟).

وهكذا لما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخَذْف، الخَذْف: أن يضع حجرًا صغيرًا مثل الحُمص يضعه بين أصابعه الإبهام والمُسبحة ثم يَخذِف، فنهى عنه، لماذا نهى عنه؟ قال: (لأنه لا يقتل صيداً ولا ينكأ عدوًّا، وإنما يفقأ العين) [12] ، فبين المأخذ لماذا نهى عن ذلك، كان بالإمكان أن ينهى عن الخَذْف بإطلاق دون أن يبين العلة، والأمثلة على ذلك كثيرة، يذكر الدليل والمأخذ.

قال: وإذا كان مُستغرَباً فليُقدِّم أمامه ما يكون مؤذناً به، ودليلاً عليه.

مؤذناً به،يعني: مُعْلِماً مُشعِراً به، ودليلاً عليه، إذا كان الحكم مُستغربًا حتى لا يُبهت أو يُصدم، حدِّث الناسَ على قدر عقولهم، لا يُصدم السامع، فيقدم له بمقدمة، انظروا مثلاً في القرآن لما ذكر الله -عز وجل- قصة مريم في أول سورة مريم ماذا ذكر قبل ولادة المسيح من غير أب، وكذلك في سورة آل عمران؟، ذكر أنه كان يأتيها رزق من الله -تبارك وتعالى- في غير مظنته، يعني: تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف، أو فاكهة الصيف في الشتاء، كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  آل عمران:37، فهذه مقدمة ممهدة لما يكون بعدها مما هو أعظم من خلق المسيح -عليه الصلاة والسلام- من غير أب، فزكريا رأى هذا فعندئذ كان ذلك مقدمة لذكر خبره، وقصته حينما سأل الله -عز وجل- الولد وقد وُجد مانعان يمنعان من الولد:

الأول: كِبر السن.

والثاني: أن امرأته عاقر لا تلد، فتكفي كل واحدة في الامتناع -امتناع الولد-، فهذا الذي يأتي بالرزق في غير مظنته ويأتي بالولد من غير أب قادر على إيجاد الولد من أبوين قد وُجد فيهما مانعان يمنعان من الإنجاب، فكان هذا كالتمهيد، والمقدمة لذلك، والله تعالى أعلم.

قال: وله أن يحلف على ثبوت الحكم إذا كان فيه مصلحة.

الآن الحلف على الحكم إذا كان فيه مصلحة، نجد في القرآن  وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ  يونس:53، وكذلك  زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ  التغابن:7،  وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ  سبأ:3، فهذه ثلاثة مواضع في كتاب الله -تبارك وتعالى- أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم عليها، أن يحلف، وهكذا أقسم النبي -صلى الله عليه وسلم- في مواضع كثيرة على أشياء، ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقسم على نحو ثمانين موضعاً.

وهكذا جاء عن جماعة من الصحابة، عليٌّ -رضي الله عنه- في مسألة المتعة وتحريم المتعة قال:(فوالله وأشهد بالله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرمها) [13] ، وهذا كثير في كلام الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، ابن القيم -رحمه الله- سرد أمثلة لهذا -حلف الصحابة-، بل أُلفت رسالة على المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد، رسالة مطبوعة وموجودة.

فالمفتي قد يحلف تأكيداً للجواب لبيان ثقته حتى لو لم يكن السامع متشككاً في قول المفتي، أو معترضاً عليه، لكن ليبين ثقته بهذا الجواب فيحلف، هذا لا إشكال فيه.

لكن هل هذا يقال: إنه يُطلب من المفتي أنه يحلف على كل فتوى؟ لا، إنما يقع منه ذلك في مواضع قد يرى الحاجة داعية إليها؛ لوجود كثيرين مثلاً يشغبون على هذا، ينازعون فيه، وإن لم يكن السائل منهم، أو يعلم أن هناك من وراء السائل من قد يستغربون الجواب، أو يردونه، أو يشككونه فيه، أو يلومونه، أو نحو هذا فيذكر له ذلك تثبيتاً وتوثيقاً لهذا الجواب.

قال: وأن يُفتي بلفظ النص ما وجد إليه سبيلا.

هذا مهم جدًّا؛ لأنه أولاً إذا ذكر لفظ النص فإنه يكون قد ذكر الحكم ودليل الحكم في آن واحد، الحكم والدليل، الأمر الثاني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوتي جوامع الكلم، فألفاظه -عليه الصلاة والسلام- فيها من البيان والفصاحة والبلاغة والإيضاح ما لا يوجد في كلام غيره، فإذا استعمل هذا في الجواب فإن هذا يكون غاية في البيان، وابن القيم -رحمه الله- تكلم عل هذا النوع من الإجابات بنصوص الشارع، وقارن بينه وبين نصوص الفقهاء التي يعتمد كثير من الناس عليها ويعولون عليها ويفتون بها، يقول: استعاضوا عن ألفاظ النصوص بألفاظ وضعوها وركبوها، وفيها من القصور والنقص والضعف ما لا يوجد في نصوص الشارع، ولذلك لو أن أحداً من الناس عمِد إلى وضع كتاب مثلاً ممن له قدرة في الكتابة والتأليف، وضع كتاباً في بيان الأحكام مختصراً يعتمد فيه على ألفاظ الأدلة ما أمكن بدلاً من الألفاظ التي يركبها من نفسه هو بناء على فهمه، فيكون مثل هذا أولى وأقرب، وإذا شُرح تُشرح عبارات الشارع -ألفاظ الشارع-، وهذا أبلغ وأفصح، وأبعد عن الخلل والخطأ، والله أعلم.

قال: وإذا سُئل فلينبعث من قلبه باعث الإخلاص والافتقارِ التام إلى ربه أن يلهمه الصواب، ويسدده، ولا يُفتي إلا بعلم.  

 
قال: وإذا سُئل فلينبعث من قلبه باعث الإخلاص والافتقارِ التام إلى ربه أن يلهمه الصواب، ويسدده، ولا يُفتي إلا بعلم.  
 

ماذا يريد بهذا الكلام؟، أحياناً المفتي -كما يقول الإمام مالك وذكر الشاطبي أشياء من هذا في "الموافقات"- يهدِر كأنه جمل هائج، كل مسألة يأتي مباشرة بالجواب دون تأنٍّ ولا تروٍّ، وأحياناً ينبعث في نفس الإنسان النظر إلى نفسه وقدرته وسرعة بديهته، وحضور الجواب في ذهنه، فيأتي بالإجابات تِباعاً وبطريقة سريعة يلتفت فيها إلى النفس وإمكاناتها، وما أُعطي من الحفظ والعلم والاستحضار وما إلى ذلك، فهذا قد يوكل إلى نفسه، والإنسان لا يشعر بأخطائه وعيوبه، ولهذا لو نظر الإنسان في كلامه بعد سنين، وسمعه في درس لربما قدمه، أو خطبة ألقاها، أو كتابة كتبها فإنه لربما يتمنى أنها ما خرجت ولا طُبعت، ولا نُشرت، ولا سمعها الناس، ولا وقفوا عليها، وأن طيها كان خيرًا من نشرها، وهذه طبيعة الإنسان، فلا يستعجل، فينبغي أن يقوم في قلبه باعث الإخلاص يريد ما عند الله، والافتقار إلى الله -عز وجل- فلا يركن إلى نفسه، ولهذا الإنسان يسأل ربه أن يسدد قلبه، وأن يقيم لسانه، أما إذا التفت الإنسان إلى النفس فإنه يضيع، ويوكل إلى نفسه، وإذا كان مخلصاً لله -عز وجل- وقام في قلبه داعي الإخلاص فإنه في هذه الحال لا يمكن أن يجترئ ويجيب على شيء لم يتثبت منه، ولا يمكن أن يقول على الله بلا علم، لكن إذا ضعُف هذا الجانب صار الإنسان يجيب؛ لئلا يقال: لا يعرف، وارجعوا إلى ما قاله الشاطبي -رحمه الله- من كثرة قول العلماء: لا أدري، وما نقله عن الإمام مالك -رحمه الله- من الروايات في هذا، يُسأل عن مسائل كثيرة على اختلاف الروايات فلربما أجاب عن مسألتين، أو ثلاث، وفي الباقي -وهي عشرات- يقول: لا أدري، وقد يكون السائل جاء إليه من أقصى المغرب على جمل، وهو يقول: أرجع ماذا أقول للناس؟ قال: قل لهم: مالك لا يدري، وتجد مثل ابن عمر يُسأل ويقول: لا أدري، ثم يولي السائل فيقول: يا بردها على كبدي، فهذا إذا قام باعث الإخلاص لا يضره أن يقول: لا أدري، ابن عباس في مسائل يقول: لا أدري، مسائل في التفسير وهي سهلة وواضحة، لست أنا الذي أقول: سهلة وواضحة، وإنما العلماء عندما ذكروها قالوا: سئل عن مسألة من القرآن لو سئل عنها أحدكم لأجاب، وقال: الله أعلم، وهو حبر الأمة. 

قال: ولا يُفتي إلا بعلم، ولا يجوز له أن يشهد على الله ورسوله أنه أحل كذا أو حرم كذا أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على حكمه.

ولهذا تجد العلماء كثيراً ما يقولون: أكرهه، وهذا كثير في كلام الإمام أحمد، لا يعجبني، أكره كذا، ومذهبه التحريم وهو يقول: أكرهه، وبعض الناس يظن أنها كراهة تنزيه، وهو يقول ذلك تورعاً فيما ليس عنده فيه نص واضح صريح على التحريم، فيخشى أن يقول: الله حرم هذا، أو يطلق لفظة حرام، ولكنه يقول: أكرهه، لا يعجبني، لا ينبغي.

سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كان كثيراً ما يجيب بمثل هذا: لا ينبغي، وسئل عن هذا ماذا تقصد بلا ينبغي؟، قال: "هذا أشد في التحريم"، لكنهم يتحرزون من كلمة حرام، ولكن كلما قل علم الإنسان كلما ازدادت جرأته فهو لا يرى للمسألة إلا وجهاً واحداً فقط، فيبادر ويجيب مثل الجهال والذين حينما يرون الاختلاف تضيق صدورهم فيه، يقول: لماذا يختلفون والقرآن واحد والسنة واحدة؟! يحتاج شرحًا طويلا لماذا يختلفون، لكن العالم يرى للنص وجوهاً، أو يرى للدليل أو يرى في الآية وجوهاً في المعنى واحتمالات فيكون عنده تردد والقواعد في ذهنه تتجاذب هذه المسألة، عنده قواعد كثيرة، لكن هذا الذي قصُر علمه هو لا يعرف إلا قاعدة واحدة أصلاً، ويقول: المسألة واضحة القاعدة كذا، فيأتيه هذا بخمس أو أكثر من القواعد تتجاذب هذه المسألة في ذهنه فيبقى متردداً ويتوقف، ولربما يمهل السائل، ويقول: راجعني بعد ذلك أنظر فيها أتأمل، فكلما كثُر علم الإنسان كان ذلك أدعى إلى التأني والتثبت والنظر والتحري، وإذا قل العلم بادر، ولذلك تجدون بعض العامة في المجلس يُسأل أحياناً طالبُ علم فقبل أن يتكلم يبادرون ويقولون: يجوز، أو هذا حرام أو نحو ذلك، يقولون هذا؛ لأنهم لا يرون إلا من ثقب الإبرة.

قال -رحمه الله-: ذكر ابن بطة عن الإمام أحمد.

يقول هنا: في كتاب الخُلع.

أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفُتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.

صحيح، الإمام أحمد يقول: لابد من خمس خصال، الإمام أحمد سئل متى يفتي الرجل إذا حفظ مائة ألف حديث؟ قال: لا، حفظ مائتي ألف حديث؟ قال: لا، ثلاثمائة؟ قال: لا، أربعمائة ألف حديث؟، لا أذكر قال في الأربعمائة أو الخمسمائة أو الستمائة -نحن نعد بمئات الألوف الآن-: حرك يده، فقيل: كم يحفظ الإمام أحمد؟، سبعمائة ألف حديث، فهو حرك يده لا أذكر بعد أربعمائة ألف حديث، أو بعد ستمائة ألف حديث، حرك يده قال يعني ممكن، ونحن نحفظ ستة أحاديث ونجترئ على الفُتيا.   

فالحاصل يقول: لابد أن يكون له نية،فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، يعني: الذي ليس له نية هو يريد أنه يُقدَّم ويُصدَّر ويُسأل، وهذا قد يستغربه بعضنا، لكن إذا نظرت إلى بعض الأحوال تجد ذلك ظاهراً، متى؟، أحياناً، انظر مثلاً قد يكون في حملات الحج قد ينافس بعض الناس على أن يكون هو الذي يفتي، ويزاحم، ولربما قصد هو أن يتقدم ويصلي بالناس من أجل أنه يأخذ مكبر الصوت بعد الصلاة أول صلاة يصلونها بالمخيم، ويلقي بهم كلمة، ثم يستقبل الأسئلة، فيفهم الناس مباشرة أن هذا هو الذي يفتي، وقد سمعت من بعضهم هذا، يذكره على أنه إنجاز لا غضاضة فيه عنده، وهو أمر يثير العجب كيف يجترئ الإنسان وهو قد كُفي، ووجد من يمكن أن يقوم عنه بهذا، ثم يأتي ما يقدمه أحد للصلاة فيتقدم هو من أجل أن يكون هو الذي يفتي في هذه الحملة مثلاً، من يطلب لنفسه هذا؟! وما هي النتيجة؟ وما هي الفائدة؟ وما هي المكاسب؟ وما هي التبعات؟ وما هي الآثام والأوزار التي لربما تطاله حينما يقف في هذا المقام إذا لم يكن أهلاً لذلك، والناس عندهم من المسائل ما يثير العجب، في الحج يريد أن يتحلل رأسه ليس فيه شعرة واحدة فيقول: فحلقت شاربي، بعضهم يسأل بهذه الطريقة في الحج، كل شيء يخطر على بالك من العجائب والغرائب تجد من يفعل ويسأل أو لا يسأل، فالحاصل هنا ينبغي أن يكون له نية حتى يكون لكلامه نور. 

ابن القيم -رحمه الله- يقول: "وقد جرت عادة الله التي لا تبدل، وسنته التي لا تحول أن يُلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويُلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت، والمهانة، والبغضة ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء" [14] ، فهذه من الأشياء التي لابد منها، هذه ذكرها الإمام أحمد -رحمه الله.

قال -رحمه الله-: الثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.

لا يكون فيه خِفة وطيش وعجلة وسرعة في الفتيا ومبادرة غير محمودة، وقد قال بعض السلف: "ما قُرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حِلم" [15] ، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- ذكر كلاماً نفيساً في هذا المقام يحسن مراجعته، وتكلم على أنواع السكينة، "ما قُرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حِلم"، العلم إلى الحِلم، فقد يكون الرجل عالماً ولكن فيه من الطيش والحماقة والخِفة ما يسيء إليه وإلى علمه ويجعل الناس ينفرون منه ولا ينتفعون به.

الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو عليه وعلى معرفته.

قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته، يعني: يكون متمكناً في العلم، لا يكون قليل العلم؛ لأن العلم هو أصل الفُتيا، هذا هو الكنز الذي ينفق منه، هو العلم.

الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.

يعني إن لم يكن له كفاية من المال احتاج إلى الناس، وإلى الأخذ مما في أيديهم، فهو كما يقول ابن القيم -رحمه الله- وعبارته دقيقة ومهمة، يقول: "فلا يأكل منهم شيئاً إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافه"([16])، إذا كان يحتاج إليهم ويفتقر إليهم مضغوه، وامتهنوه، ووقعوا في عرضه، واحتقروه، فهذا لا يصلح أن يكون مفتياً، وقد ترى في بعض أيامك أناساً عندهم علم كثير، وقد تعجب لماذا لا ينتفع الناس بعلمهم لاسيما في بعض البلاد، ثم إذا نظرت إلى حاله تجد أنه يعيش على الصدقات، ويتحرى من هذا وهذا، فيكون هذا الإنسان كالعدم، وإذا حضر في المجلس يجلس في آخر المجلس، وقد رأيت هذا بعيني، وقد يكون ذا شيبة جاوز السبعين وحافظًا هذه المتون، يحفظ الألفية كما يحفظ الفاتحة -ألفية ابن مالك-، ويحفظ شروحاً عليها، يحفظ "الاحمرار على الألفية" ألف بيت على الألفية، وشرح ابن بُونا، وأشياء كثيرة جدًّا من العلوم والمتون، وإذا حضر فكأنه أصغر من في المجلس، في آخر المجلس، والذين يأتون ويقرءون عليه من هؤلاء الشباب أو كذا الذين عرفوا أنه يحفظ هذه الأشياء وكذا يقرءون ويعطونه شيئاً من المال، فهو لا قدر له في قلوبهم، ليست هناك هيبة ولا نضارة للعلم ولا نور، فهكذا يُبتذل العلم، فلابد من الكفاية، يستغني الإنسان عن الناس. 

قال: الخامسة: معرفة الناس.

هذا كما سبق، يعني: يحتاج الإنسان أنه يعرف الناس، يفتي وهو لا يعرف الناس، وحيل الناس، وأوضاع الناس، والأمور التي يضطرون إليها، وما ينقصهم، وما يحتاجون إليه، وما هو من باب الترف، وما هي الأشياء التي تستحوذ اهتمامهم، وما هي المفاسد التي تنتشر في المجتمع، وما هي القضايا التي تدخل عليهم الفساد أو المكاسب المحرمة مثلاً، أو نحو هذا في ذلك الواقع، أما أن يكون عارفاً بأحوال القرن الأول أو الثاني فقط والمعاملات الموجودة في ذلك العصر ولا يعرف من عصره شيئاً ولا من معاملاتهم فهذا غير صحيح، لا يصلح للفتيا، لابد أن يكون على اطلاع ومعرفة بواقع المجتمع، وحاجات المجتمع، ومعاملات المجتمع المالية، إلى آخره، وما يتداولونه ويتبادلونه من المنافع، والتجارات، وما إلى ذلك.

قال -رحمه الله-: وهذا مما يدل على جلالة الإمام أحمد، ومحله من العلم والمعرفة،فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل من المفتي بحسبه.

ابن القيم -رحمه الله- شرح هذه الأمور الخمسة، وذكر بعدها عبارات للإمام أحمد -رحمه الله- في صفة من يفتي، جمع روايات كثيرة عن الإمام أحمد يُسأل فيها أو تكلم فيها عمن يفتي، فجمعها جميعاً في موضع واحد، وهي مفيدة جدًّا، كلمات للإمام أحمد في صفة من يفتي. 

انتهينا من هذا الكتاب، والواقع أنه ما جاء منه إلا بأشياء يسيرة وجمل قليلة من هذا البحر الذي قد زخر من القواعد والضوابط والمسائل الكلية والفروعية، فلا يغني ذلك عن مراجعة الكتاب ودراسته والعناية به.

لماذا عبر بالنية -أن يكون له نية- ولم يعبر بالإخلاص؟، فالنية تقال ويراد بها الإخلاص، المقصود أن يكون له نية صحيحة، فالنية أعم من الإخلاص، فالنية أن يريد وجه الله -عز وجل- لا حمد الناس وثناءهم فهذا الإخلاص، النية أن يريد نفع السائل دون أن يرجع إليه من ذلك بشيء، النية أن يلقي التبعة عن نفسه لئلا يكون ممن كتم علماً، النية أن يكون هذا الإنسان معلماً للخير فينتفع الناس، ويتعبدون الله -عز وجل- فيكون له كأجرهم، النية أن يكون هذا الإنسان مصلحاً في المجتمع؛ لأنه يعلِّم الناس الحلال والحرام، فإذا عُدم ذلك عم الجهل وكثر الفساد والشر والانحراف، فلابد من العلم، ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين في اليوم، لكنهم يحتاجون إلى العلم في كل لحظة" [17] ، في كل الأوقات يحتاجون إلى العلم، في صلاته يحتاج إلى العلم، وفي جلوسه، وإذا دخل المسجد، وإذا خرج، وإذا ذهب إلى السوق، وإذا دخل بيته، وإذا دخل الخلاء، وإذا أراد أن ينام، وإذا استيقظ، كل وقت يحتاج إلى العلم، أما الأكل والشرب فهو يحتاجه في أوقات قليلة ومحددة، هذا فضلاً عما يحصل من فوات العلم بالمقارنة مع فوات الطعام والشراب.

قال -رحمه الله-: ومن كتاب: "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح".

هذا الكتاب "حادي الأرواح" هو من الكتب المفيدة الجميلة اللطيفة، يعني: الآن دخلنا في الكتب التي تسهل عبارتها والشباب سيستروحون الآن -إن شاء الله تعالى-، ذهبت الأشياء التي لربما تكون صعبة من كتب ابن القيم.

فهذا الكتاب "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" تكلم فيه على حال الناس بأن المطايا يشتد سيرها بهم، مطايا الليل والنهار إلى دار القرار، وهم غافلون عن ذلك، ولا يدرون في أي المحلين ينزلون دار النعيم أو دار الجحيم، فهم في غفلة.

يقول: "ولما علم الموفقون ما خلقوا له، وما أريد بإيجادهم رفعوا رءوسهم فإذا عَلَمُ الجنة قد رُفع لهم فشمروا إليه" [18] ، فبدأ يصف لهم هذه الدار التي يصيرون إليها التي هي الجنة، فوصف الجنة وأورد النصوص في صفتها في كل ما يتعلق بها، فهذه عبارات يسيرة من الكتاب لا تغني عن الرجوع إليه بحال من الأحوال، فهو في صفة الجنة "حادي الأرواح"، فالناس لما كانوا على المُطيّ كما يقول: مُطي الليل والنهار تنقلهم إلى دار القرار، فهذا الكتاب "حادي الأرواح" الحادي تعرفون ما يقال من الشعر الكلام المنظوم بصوت مُزين ملحن تنساق معه الإبل ويشتد سيرها وينتظم في الأسفار مثل: أنجشة حادي النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحدو، والعرب تعرف الحِداء مثل الآن الأناشيد أو بعض الأناشيد، فيكون رجل حسن الصوت يقول هذه الأبيات، أو هذا الشعر فالإبل تطرب، فإذا حصل لها مثل هذا استقام سيرها وانتظم، وأسرعت وجدّت في السير، فيقطعون المسافات الشاسعة الطويلة في أوقات قليلة.  

فهنا يقول: "حادي الأرواح"، يعني: ليس هناك ركوب حقيقي على إبل وكذا يذهبون بها إلى الجنة، وإنما هو يصور الحال كأنهم على مطايا الليل والنهار كما يقول، فهذا الحادي يحدو هذه الأرواح لتُشمر وتسرع إلى بلاد الأفراح، أين بلاد الأفراح؟ الجنة وليست الدنيا، ومن يظن أن الدنيا هي بلاد الأفراح فهو مخطئ، هي ليست بلاد الأفراح، هذه ليست بلاد الأفراح، وينبغي أن يُعرف قدرها، وأن تُعطى هذا القدر لا يتجاوز بها القدر الذي تستحق، وإلا سيتعب الإنسان في فهمها، هي كبْد  لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ  البلد:4، دُنيا وليست ذات رِفعة ومنزلة ونحو ذلك.

قال -رحمه الله-: وذكر الأثر أن مفتاح الجنة لا إله إلا الله.

الأثر فيه ضعف، الحديث فيه ضعف، لكن الفائدة فيما ذكر ابن القيم -رحمه الله- بعده من التعليق.

قال: وأن أسنانه شرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، وقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحًا يُفتح به.

العلماء حينما يتكلمون على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) [19] ، يوردون بعض الآثار عن السلف الحسن البصري وغيره أن كل مفتاح له أسنان، فقول: لا إله إلا الله وحده لا يكفي، بل لابد من تصديق القلب وإقرار القلب الذي هو التصديق الانقيادي، مواطأة القلب للسان، ليس فقط القول، ولابد من قدر من العمل  فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ  التوبة:11، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ  التوبة:5، لكن هنا يريد أن يتكلم ابن القيم بهذه المناسبة على مفاتيح الخير ومفاتيح الشر، هو كلام عبارة عن حِكم تصلح في رسائل جوال.

قال: وقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحاً يُفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق.

يعني أن الصدق يهدي إلى البر، يكون الإنسان صادقًا، هذا الطريق إلى البر.

قال: ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حُسن السؤال وحُسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر.

يعني:  لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ  إبراهيم:7، من صبر ظفر.

قال: ومفتاح الولاية المحبة والذكر.

كثرة الذكر لله -عز وجل-.

ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده للتفكر فيه، ومفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته والإخلاص له في الحب والبغض والفعل والترك، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن، والتضرع بالأسحار، وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العِز طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة قِصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل.

مفتاح كل خيرالرغبة في الله والدار الآخرة، مفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل، هذه عبارات واضحة جدًّا لا تحتاج إلى تعليق أو شرح، لكن يحتاج الإنسان أن يقف بنفسه معها، ويتأملها؛ لينتفع بذلك ويُطبق ذلك من الناحية العملية، فإن العلم إنما يُقصد به التطبيق والامتثال والعمل، وإلا فما هي الفائدة؟.

قال: وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم وهو معرفة مفاتيح أبواب الخير والشر،لا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا مَن عظُم حظه وتوفيقه، فإن الله سبحانه جعل لكل خير وشر مفتاحاً وباباً يُدخل منه إليه، كما جعل الشرك والكِبر والإعراض...

انظر الآن هذه هي مفاتيح الشر.

كما جعل الشرك والكِبر والإعراضَ عما بعث الله به رسوله،والغفلةَ عن ذكره والقيامِ بحقه مفتاحاً للنار، وكما جعل الخمر مفتاح كل إثم، وجعل الغناء مفتاح الزنا، وجعل إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب والعِشق.

الطلب يعني طلب الحرام، يبدأ هذا الإنسان يتعلق قلبه بهذه الصور، ويطلبها، يتطلبها، النظر في الصور، وحينما يقولون: النظر في الصور العلماء لا يقصدون الصور الفوتوغرافية، أو الصورة، هذا نوع من الصور، لكن هم يقصدون النظر إلى الوجوه الحِسان من النساء وغيرهن ممن يتعلق قلبه بالصور الجميلة، صور الناس سواء كانت على الحقيقة -على الطبيعة- يشاهدهم في الأسواق أو الشوارع أو المساجد أو غير ذلك، أو كان عبر صور يشاهدها بوسائط ووسائل مختلفة فيتعلق القلب تبعاً لهذا النظر لهذه الصور، فإذا علِقت بالقلب يصعب استخراجها منه، فيبدأ الإنسان يتطلب ما وراء ذلك من الحرام والوصول إلى هذه الأمور التي صارت نفسه تتوق إليها فيُعذَّب بهذا، ويتشوش قلبه. 

قال: وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحِرمان. 

هو هذا، كما يقولون: من رافق الراحة فارق الراحة في وقت الراحة، فالنوم والكسل والتسويف لا يأتيه إلا بالخيبة، النفس تحتاج إلى مجاهدة وجِد وصبر، وعند ذلك تستقيم لصاحبها، أنتم الآن في هذه الأيام بدأتم في هذا الأسبوع بالعمل والدراسة وما إلى ذلك بعد أجازة، لو كان الإنسان يخرج من بيته في أيام الأجازة من السادسة والنصف كل يوم لربما يُستغرب، هو ينام وبالكاد يستيقظ لصلاة الظهر، بينما الآن هو يخرج في السادسة والنصف ويستعين بالله ويجاهد نفسه، وهي لربما تدعوه إلى الراحة وإلى النوم لكن سرعان ما يتلاشى هذا النوم، والكسل، وينتفع الإنسان، ويُحصِّل مطالبه، وتسير الحياة بهذه الطريقة، وتنتظم، وإلا لو استرخى الإنسان وأعطى نفسه مطالبها فإنه لا يمكن أن يرجع بشيء من خير الدنيا ولا الآخرة، من رافق الراحة فارق الراحة وقت الراحة، هذا الإنسان الذي لا يزرع والناس يزرعون إذا جاء وقت الحصاد فهو يتفرج، وهكذا حضور مجالس العلم فيه مشقة، ويحتاج الإنسان إلى مجاهدة لكن هي أيام وتتلاشى، والعمر أيام ويتلاشى.

قال: وجعل المعاصي كلها مفتاح الكفر، وجعل الكذب مفتاح النفاق، وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم وأخْذِ المال من غير حِله، وجعل الإعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة، وهذه الأمور لا يُصدِّق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه، وما في الوجود من الخير والشر، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح، وما جُعلت مفاتيح له، والله من وراء توفيقه وعدله، له الملك وله الحمد، وله النِعمة والفضل، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

وقال -رحمه الله-: لما ذكر النصوص العديدة في عظمة نعيم الجنة وتنوعه قال هذا الكلام العظيم الجامع لأصناف نعيم الجنة بغاية البيان والوضوح، وكيف يُقدَّر قدر دار غرسها الله بيده، وجعلها مقرًّا لأحبابه وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، ومُلكها بالمُلك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص، فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن، وإن سألت عن مِلاطها فهو المسك الأذفر.

المِلاط هو الطين الذين يُطلى به الجدار أو يكون بين اللَّبِن، فطينتها هو المسك الأذفر، أجود المسك، والذُّفرة أصلها الرائحة القوية سيئة أو جيدة، فالمسك الأذفر هو مسك جيد قوي الرائحة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن أطيب الطيب المسك [20] .

قال: وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن، وإن سألت عن مِلاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر.

الحصباء هي الحجارة الصغيرة، كانت البيوت وأفنية البيوت والمساجد إلى عهد قريب حتى في الحرم المكي كانت هناك ممرات فقط ومكان صغير للطواف أدركناه، وباقي الناس يصلون في الصحن في حصباء -حجارة صغيرة- وبينها ممرات، يمشي الناس إلى المطاف فقط، وهذه الحصباء عليها بُسط، وحُصر يصلي الناس عليها، حصباء، فحصباء الجنة اللؤلؤ والجوهر.

قال: وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من فضة وذهب لا من الحطب والخشب.

وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:(إنه ما من شجرة في الجنة إلا وساقها من ذهب) [21] ، وهذا صححه الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، والجنة لا يمكن أن يُتصور النعيم الذي فيها على حقيقته، فالشجرة التي في الجنة يسير الراكب الجواد المُضمَّر السريع تحت ظلها مائة عام لا يقطعها [22] ، هذا كم يحتاج في أقل التقديرات على سرعة الجواد السريع المُضمَّر وهو لا يقطعها؟، يحتاج نحو ثمان وعشرين سنة أو أكثر على طائرة تيسر بلا توقف بسرعة ثمانمائة كيلو، تسع وعشرين سنة تقريباً بلا توقف تحت شجرة واحدة في الجنة، ومقاييس الكرة الأرضية وأحجام الكرة الأرضية وطولها وعرضها وقُطرها إلى آخره لو قُرنت بهذا الظل فإنها لا تأتي ربما ولا حبة رمل؛ لأن النتيجة في الآلات التي عندها إمكانيات أن تُخرج أرقامًا كبيرة أظهرت أصفارًا، نسبة الكرة الأرضية إلى هذا الظل مع أنه لا يقطعها، وهي شجرة.

إذن ما حجم الجنة؟ وما حجم القصور؟ وما حجم الأنهار؟ ونريدها من غير ثمن!، الإنسان يستكثر صدقة عشرة ريالات، أو زكاة يجادل فيها، أو ركعتين يصليهما لله -تبارك وتعالى-، أو أن يمشي إلى المسجد فيصلي الفرض، ينام عن الفرائض، ويكسل عنها ويريد الجنة، وإذا أراد أن يتزوج امرأة من الدنيا أو أن يشتري سيارة أو يشتري أرضاً أو يبني داراً يحتاج أن يفكر ألف مرة كيف يجمع هذا المبلغ، وينقضي العمر وهو لم يستطع أن يشتري أرضاً واحدة ستمائة متر، ويريد الجنة! الجنة تحتاج إلى عمل، وأن يكون عند الإنسان رغبة فيما عند الله، ويجاهد هذه النفس، فهذا هو الربح الحقيقي.

قال: وإن سألت عن ثمارها فأمثال القِلال ألين من الزبد، وأحلى من العسل، وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحُلل، وإن سألت عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مُصفى، وإن سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون، وإن سألت عن شرابهم فالتسنيم والزنجبيل والكافور.

السنام هو أرفع شيء في البعير، والقبر المُسنَّم يعني عليه ارتفاع، فالمزاج من التسنيم هذه عين تأتيهم من مكان مرتفع، وهذا أفضل ما يكون من العيون، فهذه تكون صِرفاً للمقربين  عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  المطففين:28، من غير مزج، فتُمزج لهؤلاء الأبرار، يعني: أن شراب أهل الجنة يتفاوت، ليس على مرتبة واحدة، كما أن منازلهم تتفاوت.

قال: وإن سألت عن آنيتهم فآنية من الذهب والفضة في صفاء القوارير، وإن سألت عن سِعة أبوابها فبين المِصراعين مسيرة أربعين من الأعوام.

(وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) [23] ، ما بين مِصراعي الباب فقط مسيرة أربعين، وحسبناها على أقل التقديرات -سير الإبل القاصد-، وكانت النتيجة مذهلة، أشياء لا يمكن للعقل أن يتصورها، يعني: هذا الباب بهذا المقدار وبهذا الحجم -مسيرة أربعين عاماً- يعني: أن الكرة الأرضية تدخل مع هذا الباب بكاملها.

قال: وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها، وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المُجِدُّ السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها، وإن سألت عن سعتها فأدنى أهلها يسير في مُلكه وسُرره وقصوره وبساتينه مسيرة ألفي عام، وإن سألت عن خِيامها وقِبابها فالخيمة الواحدة من دُرة مجوفة طولها ستون ميلاً من تلك الخيام، وإن سألت عن علاليها وجواسقها فهي غرف من فوقها غُرف...

علاليها،العلالي الغرف العلوية، والجواسق تقال للقصور، القصر يقال له: جَوْسق.

قال: وإن سألت عن علاليها وجواسقها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، وإن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع أو الغابر في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار، وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب، وإن سألت عن فُرشهم فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب، وإن سألت عن أرائكها فهي الأسرّة عليها البَشْخانات وهي الحِجال.

الأسرّة عليها البشخانات وهي الحِجال، الحِجال: مكان تجلس فيه العروس مغطى بالستور وعليه أزرار، يغطى بالستار وتُزر الأزرار فلا تكون مكشوفة للناس، العروس تكون في مثل القبة، أو مثل الخيمة، أو مثل البيت الذي عليه ستور تسترها عن الأنظار، هذه الحِجال، سرير وعليه قبة.

قال: وإن سألت عن أرائكها فهي الأسرة عليها البشخانات وهي الحِجال مزرورة بأزرار الذهب فما لها من فروج ولا خِلال، وإن سألت عن وجوه أهلها وحُسنهم فعلى صورة القمر، وإن سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاثٍ وثلاثين على صورة آدم أبي البشر، وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منهما خطاب رب العالمين، وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائب أنشأها الله مما شاء بهم حيث شاءوا من الجِنان، وإن سألت عن حُليهم وشاراتهم...

الشارة هي الهيئة واللباس الظاهر للإنسان، هيئة حسنة وشارة حسنة.

قال: وإن سألت عن حُليهم وشاراتهم وأسورتهم فأساور الذهب واللؤلؤ، وعلى الرءوس ملابس التيجان، وإن سألت عن غلمانهم فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون.

يعني هؤلاء الخدم الآن  وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا  الإنسان:19، ما قال: اللؤلؤ المنظوم، يقولون: في هذا المقام اللؤلؤ المنثور يتلألأ في كل المكان، فيكون أجمل وأبهى من اللؤلؤ المنظوم، فقال:  لُؤْلُؤًا مَنثُورًا ، وإذا كان هذا حال الغلمان الخدم فما حال المخدوم من الجمال والحُسن والنضارة والبهاء؟، شيء لا يمكن أن يوصف، هذا الخدم الآن كأنهم لؤلؤ، فالمخدوم أعظم وأجمل من هؤلاء الخدم.

قال: ثم ذكر أزواجهم وأن الله قد جمع فيهن كمال الحُسن الباطن والظاهر بكل وجه واعتبار.

الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- أجمل واختصر، وإلا فابن القيم فصل في صفات أزواج أهل الجنة تفصيلاً دقيقاً، لكن الشيخ عبد الرحمن أجمله.

قال: ثم ذكر نعيمهم الأكبر برؤية الله وخطابه وحلول رضوانه الذي هو أكبر من الجنات كلها.

هذه دار الأبرار، دار النعيم، دار المقربين، هذه هي الجنة التي أعدها الله لعباده المتقين، فيَحسن قراءة مثل هذا الكتاب، وليكون ذلك حادياً للأرواح؛ لتشمر للعمل للآخرة، ويكون ذلك سبباً لطلب ما عند الله -تبارك وتعالى-، فالجنة تحتاج إلى عمل، وتضحية، وإلى صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة، فبالصبر يُنال المطلوب، ويحصل للإنسان من حسن العاقبة، وألوان الكمالات، ويتحقق له ما يرجوه ويؤمِّله، لكنْ كثير من الناس يقل صبره وينفرط فيقع في الحرام، ويترك ما أمره الله -تبارك وتعالى- به، فعند ذلك يلحقه كثير من النقص والحرمان، نسأل الله -عز وجل- أن يعيننا وإياكم على أنفسنا.

قال -رحمه الله-: لما ذكر الأوصاف التي ذكر الله ورسوله فيمن يستحق الجنة، قال: وهذا في القرآن كثير مداره على ثلاث قواعد: إيمان، وتقوى، وعمل خالص لله على موافقة السنة.

يعني ابن القيم -رحمه الله- جمع النصوص التي ذكر الله -عز وجل- فيها صفة أهل الجنة، يعني الذين سيورثهم الجنة، سيدخلهم الجنة، ستكون العاقبة لهم بالجنة، فاستخلص منها هذه الأوصاف الثلاثة، قال: هؤلاء الذين حققوا هذه الأوصاف الثلاثة الإيمان، والتقوى، والعمل الخالص الصواب الموافق للشرع.

وهي التي يذكرها الله:  الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، فلا يكون العمل صالحاً حتى يكون خالصاً صواباً، بهذا الاختصار،  الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ  الرعد:29.

قال: فأهل هذه الأصول هم أهل البشرى دون من عداهم من سائر الخلق،وعليها دارت بشارات القرآن والسنة جميعها،وهي تجتمع في أصلين: إخلاص في طاعة الله، وإحسان إلى خلقه، -وضدها يجتمع في الذين يراءون ويمنعون الماعون-، وترجع إلى خصلة واحدة وهي موافقة الرب في محابه، ولا طريق إلى ذلك إلا بتحقيق القدوة ظاهراً وباطناً برسول الله -صلى الله عليه وسلم. 

هي التقوى، العمل الصالح، والإيمان، والإخلاص كل ذلك يجمعه التقوى لله -تبارك وتعالى-، وهذه التفاصيل وتجزيئ هذه الأوصاف كل ذلك يرجع إلى هذا المعنى، يعني مثلاً: الإخلاص في طاعة الله، والإحسان إلى خلقه، هذا عنوان السعادة، حسن الصلة بالله -تبارك وتعالى-، والإحسان إلى الخلق، وتجد هذا كثيرًا في كلام أهل العلم، وذلك أيضاً في كلام الله -تبارك وتعالى- وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، تجد كثيراً ما يقول الله -عز وجل- مثلاً:  وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  البقرة:43، فالصلاة صلة بين العبد وربه، وإيتاء الزكاة إحسان إلى خلقه، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين، صلته بالله تكون قوية، وإحسانه إلى المخلوقين يكون متحققاً، فمن أراد السعادة فليلزم هذا، ومرجع هذا إلى تحقيق العبودية؛ ولهذا قالوا: من أراد السعادة الأبدية فيلزم عتبة العبودية، الإنسان الذي يشعر بضيق، الإنسان الذي يشعر باكتئاب، الإنسان الذي يشعر بشيء من الملل، أو القلق، أو نحو ذلك، هذا عليه أن تكون صلته بالله متينة، ويُحسن إلى الخلق، وأسرع شيء لانشراح الصدر -الدواء العاجل الذي يراه مباشرة- الإحسان المباشر إلى الناس، يذهب إلى الناس ويعطيهم ولو شيئاً قليلاً، المحتاجين، الفقراء، العمال في الظهر يوزع عليهم ماء بنفسه ، فسيجد الصدر يتسع، فإذا كانت العطية أكبر كان الاتساع أكثر.        

فإذا ذهب إلى إنسان في كرب، إنسان معسر، إنسان سيخرجه المؤجر، ليس عنده مكان يذهب إليه، فقير، ذهب إلى المكتب العقاري وأعطاه، وذهب بالورقة وجاء إلى الفقير وقال: قد كفيناك، هذا إيجار سنة وانتهى، ذاك رفع يديه ويدعو وفرح وكذا، هذا يرجع والدنيا كلها لا يضيق عنها صدره، صدره أكبر من الدنيا، وجربْ هذا بالإحسان إلى الناس، هذا أثره عاجل، مباشرة، وهناك أشياء تحتاج إلى وقت، يعني: التقوى، العمل الصالح، الإيمان، قراءة القرآن، الدعاء، إلى آخره، تكون النفس مُرتاضة على هذه الأمور متشربة لها، فيتسع الصدر إذا وجد عند الإنسان اليقين، لكن الأثر المباشر أو الدواء الذي يحل الحالة الطارئة مباشرة الإحسان إلى المخلوقين، ابحث عن أحد محتاج وأحسن إليه، وانظر إلى أثر ذلك، وهذا حتى في الأشياء البسيطة اليسيرة، هذا الذي قد تركه الناس فلا أحد يقف له من أجل أن يعبر الطريق بسيارته، وفي مكان ضيق تقف له تقول له: تفضل، إنسان يمشي على قدميه تقف له تقول له: تفضل، ستجد أن الصدر يتسع، لكن ضيِّق العَطَن الذي لا يترك لأحد شيئاً هذا صدره يضيق وإذا سأله أحد أن يساعده بمال وامتنع ففي هذه الحال الصدر لا يزال يضيق حتى يصير -نسأل الله العافية- لا يلج فيه ولا خيط الإبرة.

قال: وأما الأعمال التي هي تفاصيل هذا الأصل فهي بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين سائر الشعب التي مرجعها تصديق الرسول في كل ما أخبر به، وطاعته في جميع ما أمر به إيجاباً واستحبابا.

يعني الجنة لابد لها من الإيمان والعمل الصالح، مرجع ذلك إلى التقوى، هذا الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، انظر مثلاً في كتاب: "الجامع في شُعب الإيمان" للبيهقي -رحمه الله-، كتاب كبير ذكر فيه شُعب الإيمان وشرحها، وهناك مختصر صغير في شعب الإيمان يحسُن قراءته، اختصر هذه الشعب في كتيب، فيعرف الإنسان ما هي شعب الإيمان (أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) [24]  ، فالحياء من الإيمان، الصدقة من الإيمان، الصلاة من الإيمان، الذكر من الإيمان، وهكذا، هذه كلها شعب الإيمان.

قال -رحمه الله-: ومن مدارج السالكين.

هذا الكتاب "مدارج السالكين" طُبع طبعات كثيرة، يقع في ثلاثة مجلدات، وهذا الكتاب ابتدأه الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في الكلام على الفاتحة سورة الفاتحة، وأبدع في الكلام على معانيها، وهداياتها، ولما بلغ قوله -تبارك وتعالى-:  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ   الفاتحة:5، تكلم عن منازل  إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وذكر في ثنايا كلامه على هذه المنازل كلاماً لأبي إسماعيل الهروي -رحمه الله-، صاحب كتاب: "منازل السائرين"، فأبو إسماعيل الهروي هذا حنبلي من أهل هراة متوفى سنة: 481هـ، له كتاب اسمه: "منازل السائرين"، هذا الكتاب جعله على مائة منزلة، أو مقام، وجعله على عشرة أقسام كل قسم فيه عشر منازل، أو مقامات، هذا الكتاب -كتاب الهروي- فيه عبارات للصوفية، الحافظ ابن القيم -رحمه الله- لم يصرح في أول كتابه هذا "مدارج السالكين" أنه شرح لمنازل السائرين للهروي، هو تكلم عن الفاتحة ثم انطلق في منازل "إياك نعبد"، هذا المنطلق، لكن حينما يتكلم عن المنازل يذكر في كثير من المواضع كلاماً، أو عبارة لأبي إسماعيل الهروي من كتاب: "منازل السائرين"، ثم يبدأ ينطلق ويشرح، ويعلق، ويذكر الأدلة، وكلام أهل العلم، وكلام العُباد والزهاد، وما إلى ذلك، ويسهب في هذا، ويرجح، ويختار، ويجمل، ويفصل في هذه المنازل، طبعاً هو لم يشرح كل كلام الهروي، ولم يورد كلام الهروي من أوله إلى آخره، ولم يجرِ على ترتيب الهروي أيضاً في كتابه: "منازل السائرين" وإنما قدم وأخر، لكن جاء بعبارات كثيرة له في كل منزلة، أو في كثير من المنازل، ولو أنه ما فعل لكان أفضل، والله أعلم.

وقد حاول أن يعتذر لبعض عباراته، أو أن يوجهها، وأحياناً يخالفه فيها ويقول: الحق أحب إلينا من الهروي.

والكتاب هذا هو كتاب من أجل الكتب وأنفعها في باب السلوك والأعمال القلبية، وتجد آخر منزلة في هذا الكتاب أو من أواخر المنازل منزلة الشهادة، ورقمها السادسة والستون.

في هذه المنازل يتكلم عن منزلة الإخلاص، يتكلم عن المراقبة، يتكلم عن الزهد، يتكلم عن الورع، يتكلم عن المراغمة، يتحدث عن الخوف، يتحدث عن الرجاء، يتحدث عن الإنابة، والتوبة، والخشوع، وكل هذه الأعمال القلبية تجدها في هذا الكتاب، فهو كتاب عظيم النفع في باب السلوك، وينقل فيه كثيراً عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وبعض الناس يظنون أن الكتاب هو شرح لمنازل السائلين للهروي، وليس ذلك بهذه الدقة، ويظن كثير من الناس عندما يرون بعض العبارات التي فيها شيء من عبارات الصوفية، أو نحو ذلك أنه ألف الكتاب قبل أن يتصل بشيخ الإسلام، ويأخذ عنه.  

والواقع أن الأمر ليس كذلك، الكتاب مليء بالإحالة إلى كلام شيخ الإسلام، والنقل عنه في مواضع كثيرة، فهو كتاب نافع، وما يوجد من عبارات أو نحو ذلك فالماء إذا بلغ القُلتين لم يحمل الخبث.

قال -رحمه الله-: مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين.

اعتلال القلوب، هذا ذكره في سياق بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين في أول الكتاب، شفاء القلوب، وشفاء الأبدان، فبدأ يتكلم عن هذه القلوب، وشفاء القلوب، واعتلال القلوب، فذكر أن اعتلال القلوب يدور على أصلين: الأول: فساد العلم.

والثاني: فساد القصد، ففساد العلم يورثه فساد التصورات، فالنصارى مثلاً إنما أُتوا بسبب الجهل فهم ضُلال، لم يعرفوا الحق أصلاً، واليهود أُتوا من قِبل فساد القصد.

فالإنسان إنما يقع في الانحراف إما بسبب فساد علمه لكونه جاهلا، أو لفساد قصده، ولذلك الآن تجد بعض أهل الضلال والبدع ونحو ذلك من الرافضة وغيرهم قد يسمعون ويدرسون في المدارس ونحو هذا، وبعضهم قد لا يدرس، فبعض هؤلاء على جهل مُطبق، لم يسمع إلا ما قاله أئمته، فأُتي من قِبل الجهل، وبعض هؤلاء عرف ولكنه أُتي من قبل فساد القصد.

وهكذا كل منحرف في أرجاء المعمورة، إما بسبب الجهل وإما بسبب القصد، وأحياناً يجتمع فيه هذا وهذا، جهل وفساد قصد، -نسأل الله العافية-، تكون ظلمات بعضها فوق بعض، إذا خلصتَه من الجهل بقي فساد القصد.

قال -رحمه الله-: مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان: الغضب والضلال، فالضلال يُنتجه فساد العلم، والغضب يُنتجه فساد القصد، وهذان المرضان ملاك أمراض القلوب جميعها.

وذكر أيضاً أن هداية الصراط المستقيم  اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  الفاتحة:6، تتضمن الشفاء من مرض الضلال، يحتاج إلى هداية، أن يُعرِّفه ربُّه -تبارك وتعالى- بهذا الصراط المستقيم ابتداء وبتفاصيل وبتفاضل المنازل فيه والأعمال، فكل هذا هو من قبيل هداية العلم والإرشاد، فهذا يُهدَى به من مرض الضلال، وأن التحقق بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  الفاتحة:5، هذا إذا تحقق به علماً ومعرفة وعملاً وحالاً فإنه يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد، فالإنسان حينما يكون متعبداً "إياك نعبد" محققاً للعبودية لله -تبارك وتعالى- فإنه يكون على الصراط، "وإياك نستعين" يكون قد خرج عن حوله وطوله والالتفات إلى نفسه، فيكون افتقاره إلى ربه -تبارك وتعالى-، فهنا يتخلص من أمراض القلوب وأسقامها وفساد القصد.

ثم ذكر أن شفاء ذلك بالهداية العلمية والهداية العملية بمعرفة الحق واتباعه.

يعني الهداية العلمية معرفة الحق، والهداية العملية اتباع الحق.

قال: والقرآن كله شفاء لهذين المرضين ولغيرهما،وفيه الهداية التامة.

كل ما يحتاج إليه الناس في شأن الهداية موجود في القرآن،  إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  الإسراء:9، فلا يحتاج الإنسان إلى كتب مترجمة؛ لتعديل السلوك، ودورات هجين مأخوذة من هنا وهناك من كلام اليهود والنصارى الذين لم يعرفوا الله، ولا عبدوه، ولا قدروه حق قدره، هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل ما نحتاج إليه في أمر الهداية إلى الصراط المستقيم، فمن أراد الهدى ففي هذا القرآن الكريم يُقبل عليه ليتدبره، من أراد أن يُصلح قلبه فعليه أن يتدبر هذا القرآن، إذا أراد أن يعرف الحق الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فليُقبل على هذا القرآن، ويتدبر ويستشرح ذلك من سنته -عليه الصلاة والسلام-، ويفهم ذلك فهماً سليماً كما فهم السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-، وهكذا، هذا المعين الذي لا ينضب، لا يبحث الإنسان هنا وهناك، يبحث عن بُنيّات الطريق، وأشياء ضحلة وعنده البحر الزاخر، والمعين الذي لا ينضب.

قال -رحمه الله-: وبنى "إياك نعبد" على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ويرضاه من قول اللسان والقلب،وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع.

 
قال -رحمه الله-: وبنى "إياك نعبد" على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ويرضاه من قول اللسان والقلب،وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع.
 

العبودية تكون بالقلب واللسان والجوارح،  إِيَّاكَ نَعْبُدُ  الفاتحة:5، ويكون الإنسان عابداً لله -عز وجل- محققاً للعبودية بقلبه ولسانه وجوارحه، فالقلب له قول وعمل، قول القلب هو التصديق الانقيادي الذي لا يكون الإيمان إلا به، تصديق القلب، وإقرار القلب، وإذعان القلب، وانقياد القلب، هذا الذي لابد منه في الإيمان، حينما نقول: الإيمان لابد فيه من قول اللسان، وتصديق الجنان، والعمل بالأركان، هذه الأشياء الثلاثة.

فالقلب له قول وعمل، قول القلب هو التصديق الانقيادي، وعمل القلب كالخوف والرجاء والتوكل والمحبة والإنابة ومع إلى ذلك من أعمال القلوب التي جنسها أعظم من جنس أعمال الجوارح وأشرف، وعندنا قول اللسان وعمل اللسان، قول اللسان هو قول: لا إله إلا الله الذي يدخل به الإسلام، النطق بالشهادتين، فهذا قول اللسان، عمل اللسان التسبيح، والذكر، وقراءة القرآن، العبادات المتعلقة باللسان هذا يسمى عمل اللسان.

وعمل الجوارح مثل الصلاة، الحج، والأعمال الأخرى التي يزاولها الإنسان بجوارحه، الجهاد في سبيل الله، هذا عمل الجوارح، فأصبح مجموع هذه الأشياء إذا قلت: للقلب اثنان، وللسان اثنان هذه أربعة، ويأتي عمل الجوارح مع ذلك فأصبح المجموع خمسة، فهذا تُجمل، أحياناً يقال: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل اللسان، والجوارح، وتارة يقال: الإيمان قول وعمل، بهذا الإجمال، قول وعمل. 

فحينما نقول: الإيمان قول وعمل، وبعضهم يقول: الإيمان قول وعمل ونية، وبعضهم يزيد على هذا ولا إشكال في ذلك، تارة تُجمل في اثنين فيقال: قول وعمل، الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، وتارة تُذكر على سبيل التفصيل.

قال -رحمه الله-: فقول القلب اعتقاد ما أخبر الله به عن نفسه وعن خلقه وعن الغيوب.

يعني: تصديق القلب، انقياد القلب، إذعان القلب، التصديق القلبي، التصديق الانقيادي، هذا قول القلب.

قال: وقول اللسان الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره، وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر له على أوامره وعن نواهيه، وعلى أقداره،والرضا به وعنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والذل له والخضوع والإخبات والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضُها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبُّها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.

هو هذا، الإنسان يعمل ولا يقوم في قلبه تصديق وإيمان، لا فائدة في عمله هذا، يصلي صلاة جوفاء لا يُحضر قلبه معها، الجوارح تعمل ولكن القلب معرض، يقرأ قرآنًا ولكن القلب في مكان ثانٍ، ينتهي من الصفحة والوجه والوجهين والثلاثة والجزء يقرأ السورة بكاملها ولا يشعر ماذا قرأ.

قال: وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى مواضع العبادة.

إلى الجُمع والجماعات.

ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك، فـ إِيَّاكَ نَعْبُدُ  الفاتحة:5، التزام لأحكام هذه الأربعة،  وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  الفاتحة:5، طلب الإعانة عليها والتوفيق لها، واهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  الفاتحة:6، متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بهما، وسلوك طريق السالكين إلى الله بهما.

لأن الصراط المستقيم يتضمن هذه الأشياء جميعاً، الصراط المستقيم بكل تفاصيله بما يتعلق بأعمال القلوب والجوارح، وما يتصل باللسان، فهذا الصراط المستقيم ينتظم جميع الأعمال التي أمر الله -عز وجل- بها ودعا إليها، هذه تفاصيل الصراط المستقيم.

قال -رحمه الله-: مدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، فالأول يعصم من الهلكة، والثاني يعصم من الضلالة، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة، وأن يهديه إلى الطريق،والعُدة والسلاح تحصل له بهما السلامة من قُطاع الطريق وآفاتها.

بمعنى أن الإنسان بحاجة إلى أن يعتصم بالله، وأن يعتصم بحبله، فإذا اعتصم بالله -عز وجل- فيكون قد التجأ إليه، وفوض أمره إليه، وتوكل عليه  وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ  الطلاق:3، كافيه يعني، تحصل له الكفاية، والعصمة والحفظ، فلا يصل إليه شيء من المخاوف، فهذا حماية.

والاعتصام بحبله هو أمان له من الزلل والضياع، والذهول عن الحق والذهاب عنه -الذهاب عن الطريق-، يقول: كالمسافر هو بحاجة إلى حماية من قُطاع الطرق والأعداء وما إلى ذلك فيكون مثل السلاح الذي يحمله، وهو بحاجة إلى هادٍ يهديه في الطريق، يعني: يدله عليه، النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر الهجرة صحبه عبد الله بن أُريقط كان خِرِّيتاً يعرف الطرق، فالناس في الأسفار يحتاجون قبل الطرق التي صارت الآن واللوحات والإسفلت وما إلى ذلك يحتاجون في القوافل إلى هداة يذهبون بهم ويدلونهم على الطرق، وإذا وجدوا شيئاً من المخاوف ذهبوا إلى طريق آخر؛ لأنهم يعرفون هذه الطرق وإلا تاه الناس في الفيافي والصحراء وضلوا عن الطريق، فهو بحاجة إلى الأمرين، بحاجة إلى حماية وبحاجة إلى هداية، فالاعتصام بالله يوفر له الكلاءة والحماية، والاعتصام بحبله يوفر له الهداية، أمان من الانحراف، والأول أمان من المخاوف، فمن حصل له هذا وهذا يعني العبد بحاجة إلى أن يجمع بين الأمرين يعتصم بالله ويعتصم بحبل الله، تكون صلته بالله قوية، ويكون توكله على الله قويًّا، فمثل هذا تخافه الشياطين، وإذا كان معتصماً بحبل الله -عز وجل-: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  البقرة:38، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  طه:123-124، هذا الذي تنتابه المخاوف من كل مكان، فهذا لابد منه، اعتصم بالله واجعل صلتك بالله قوية، والزم الصراط المستقيم الكتاب والسنة بهذا تصل محفوظاً بكلاءة الله -عز وجل- على صراط مستقيم، هذا هو الهدى.

قال -رحمه الله-: الإنصاف في معاملة الله أن يعطي العبودية حقها، وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته، وأن لا يشكر على نعمه سواه.

 
قال -رحمه الله-: الإنصاف في معاملة الله أن يعطي العبودية حقها، وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته، وأن لا يشكر على نعمه سواه.
 

ولا ينساه أيضاً، يعني: قد لا يشكر سواه لكنه قد ينساه، يكون معرضاً عن طاعته وذكره؛ ولهذا قال الله -تبارك وتعالى-:  وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  الحشر:19، نسوا الله يعني تركوا عبادته، تركوا طاعته وراءهم ظِهريًّا، فهنا لا يشكر على نعمه سواه، ولا ينساه، ابن القيم يقول هنا: ولا ينساه، هذا الإنصاف في معاملة الله -عز وجل-، هو ذكر ذلك على طريقة نقاط:

الأول: أن يعطي العبودية حقها.

الثاني: أن لا ينازع ربه صفات الإلهية.

الثالث: أن لا يشكر على نعمه سواه ولا ينساه.

الرابع: لا يستعين بها على معاصيه، ولا يحمد غيره ولا يعبد سواه، لا يستعملها في معصية، أعطاه الله النظر لا ينظر إلى حرام، أعطاه الله السمع لا يسمع به الحرام، أعطاه المال لا يتعامل به بالحرام أو يتطلب به الحرام، وهكذا، هذا الإنصاف في معاملة الله.

قال: وأما الإنصاف في حق العبيد فأن يعاملهم بمثل ما يحب أن يعاملوه به.

هذا هو ميزان ومعيار الإنصاف، أن تجعل نفسك مكان هذا الإنسان الذي أمامك، فيجري منك القول والعمل تجاهه بحسب ما تحب أن تؤتى، بحسب ما تحب أن تُخاطَب به، أن تُعامَل به، هذا الذي يجلس أمامك تتخاطب معه قد يكون له حاجة، قد يكون مفتقراً الآن إليك، قد يكون مضطراً إلى المجيء إليك لأن عندك معاملة تخصه أو نحو ذلك، فهنا ضع نفسك مكان هذا حتى فيما يتعلق بالناس والتعامل معهم في سوقهم وفي كلامك ومخاطباتك ومخاصماتك ومعاتباتك لهؤلاء الناس، وفي حسن الظن وسوء الظن فيما يقولون ويفعلون، ضع نفسك مكانه، وإذا أراد الإنسان أن يغتاب الناس، ويتكلم في أعراضهم ضع نفسك مكانه، لو كنت أنت يُتكلم فيك بهذا المجلس ذُكرت في المجلس فقال أحد الناس كلاماً لا يليق في حقك: فلان خفيف العقل، أو فلان كذا، هل ترضى؟!.

فلماذا تتكلم في حقه؟!، الإنصاف في معاملة الناس أن تضع نفسك مكانهم، فيصدر منك من القول والفعل والتعامل ما تحب أن يوجه إليك لو كنت أنت في هذا المقام، هذا هو الإنصاف، وهذا يجعله الإنسان شعاراً له يتعامل فيه مع الناس بهذه الطريقة، فيكون على حال جميلة في تعامله وكلامه وقضاء حاجات الناس، ولا يحتاج أحد قط أن يأتيه ويقول له: أنا أتيتك من طرف فلان، هذه عبارة تورث الاشمئزاز عند من كانت هذه سيرته، لا يحتاج: من طرف فلان، أنا أضعك موضع الناس، لك حق ستأخذه، وتأخذ الفضل إذا كان ذلك مما يسوغ ولا يلحقني فيه حرج، فلن أضيع آخرتي لدنيا غيري، لن أضر آخرتي بدنيا غيري، لك حق ستأخذه وافياً ولا يحتاج: من طرف فلان، آتيتك من طرف فلان، هذه عبارة ثقيلة لكن ما أخفها على ألسن بعض الناس، فلا يمشي ولا يذهب ولا يطلب ولا يقابل إلا أنا من طرف فلان، أهلاً وسهلاً بك أنت وفلان، تفضل هات حاجتك، يعني: هي عبارة مستفزة عند من ينصف الناس، أي كأنه لن تنصفني إلا إذا قلت لك: أنا أتيت من طرف فلان، هذا معناها، لكن هو لا يشعر بهذه العبارة، ويتصور أن الذِّمم فاسدة، وأن الناس لا يروج عندهم إلا مثل هذا السلوك، من طرف فلان أو تضيع، الذي ليس له أحد يضيع حقه، هذا الكلام غير صحيح، لك حق ستأخذه ونعطيك الفضل عليه لكن بشرط أن لا يلحق الحرج في ذلك، القضية لا يكون فيها شيء، أما أن يضر الإنسان آخرته من أجل دنيا غيره فهذا غير صحيح، ولا مجاملة في هذه القضايا، الذي نستطيعه نفعله والذي لا نستطيعه لا نفعله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اشفعوا فلتؤجروا، وليقضِ الله على لسان نبيه ما شاء) [25] .  



[1]   انظر: صحيح البخاري (1/ 39).

[2]  أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب، برقم (1543).

[3]  أخرجه أبو دواد، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، برقم (83)، والترمذي، أبواب الطهارة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، برقم (69)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب ماء البحر، برقم (59)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (76)، وفي صحيح الجامع، برقم (2877).

[4]  أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة، برقم (5950)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة، برقم (2109).

[5]  أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهد، برقم (2650)، ومسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، برقم (1623).

[6]  أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم (3047).

[7]  أخرجه أبو داود، كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية، برقم (4506)، والترمذي، أبواب الديات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر، برقم (1412)، والنسائي، كتاب القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس، برقم (4734)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6712).

[8]  أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم (972).

[9]  أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب في التمر بالتمر، برقم (3359)، والترمذي، أبواب البيوع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في النهي عن المحاقلة، والمزابنة، برقم (1225)، والنسائي، كتاب البيوع، اشتراء التمر بالرطب، برقم (4545)، وابن ماجه، أبواب التجارات، باب بيع الرطب بالتمر، برقم (2264)، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم (1352).

[10]  أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب القبلة للصائم، برقم (2385)، وجوَّد إسناده الألباني في صحيح أبي داود، برقم (2064).

[11]  أخرجه مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، برقم (1623).

[12]  أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب الخَذْف والبُندقة، برقم (5479)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدوّ، وكراهة الخذف، برقم (1954).

[13]  أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم (4145)، عن علي -رضي الله عنه-، ومسلم عن سبرة -رضي الله عنه-، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح، ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، برقم (1406).

[14]  إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 153).

[15]  المصدر السابق.

[16]  المصدر السابق (4/ 156).

[17]  انظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 440).

[18]  حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 6).

[19]  أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، برقم (44)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، برقم (94).

[20]  أخرجه مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب وكراهة رد الريحان والطيب، برقم (2252).

[21]  أخرجه الترمذي، أبواب صفة الجنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في صفة شجر الجنة، برقم (2525)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5647).

[22]  أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم (3251)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، برقم (2827).

[23]  أخرجه مسلم، في أوائل كتاب الزهد والرقائق، برقم (2967).

[24]  أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، برقم (35).

[25]  أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا، برقم (6026).

مواد ذات صلة