الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
31- ومن كتاب الاختيارات. القواعد 389-408‏
تاريخ النشر: ٠٦ / ذو القعدة / ١٤٣٣
التحميل: 1566
مرات الإستماع: 2443

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

قال المؤلف -رحمه الله-:

"حملُ المطلق على المقيد مشروط: بألا يقيد بقيدين متنافيين، فإن قُيد بذلك امتنع الحمل، وبقي على إطلاقه، وعُلم أن القيدين تمثيل لا تقييد، ومشروط أيضًا إذا لم يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن استلزمه حُمل على إطلاقه".

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

فنسمعُ كثيرًا ونقرأُ من كلام الأصوليين: أنَّ المطلق محمول على المقيد، وهذه قاعدة مشهورة، والواقع أنها ليست على إطلاقها، كما هو الشأن في بعض القواعد المشهورة، مثل قاعدة: درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح، فهي ليست على إطلاقها.

وكذلك قاعدة: المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ليست على إطلاقها، فهذه قواعد صحيحة، ولكنها مقيدة بضوابط وقيود.

وكذلك هنا المطلق محمول على المقيد، هذا بشروط، فهنا ذكر من هذه الشروط، قال: "بألا يقيد بقيدين متنافيين" يعني: إذا قُيد بقيد واحد وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة:228] هذا عام، لكن حينما يقول مثلاً: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [البقرة:196] في كفارة اليمين، وفي القراءة الأخرى غير المتواترة "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"[1]، فهذا قُيّد بالتتابع في كفارة اليمين، كلاهما في كفارة اليمين في الصوم، فهنا يقال عند من يقول: بأن القراءة الأحادية إذا صح سندها، فإنه يُحتج بها في الأحكام تنزيلاً لها منزلة الحديث النبوي، وهذه المسألة ليست محل اتفاق، لكن هذا هو الأقرب، والله أعلم.

فعند من يقول بهذا يقول: بأن قوله -تبارك وتعالى-: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [البقرة:196] ما قيدها بالتتابع، ولا قيدها بالتفريق، هذا مطلق، وفي القراءة الأخرى جاء ذلك مقيدًا بالتتابع: "ثلاثة أيام متتابعات" فهذا لا إشكال، والمقصود التمثيل، لكن من المطلق ما يكون له أكثر من تقييد، وهذه المقيِّدات غير متفقة، يعني مثلاً في الصيام فيمن لم يجد الهدي فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] فهذا مقيد بالتفريق، وصوم كفارة القتل والظهار، قال فيه: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء:92] قيده بالتتابع، فلاحظ هنا إذا وجدنا صومًا مطلقًا، مثل في كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام، هذا مطلق، وعندنا في المقيدات جاء عندنا مقيد بالتفريق، ومقيد بالتتابع، فالقيدان متنافيان، أليس كذلك؟

فهنا هل نقول: يُحمل المطلق على المقيد هكذا بإطلاق؟ وعلى أي القيدين؟! بالتتابع أو بالتفريق؟ تصورتم المسألة؟!

انظر كلام ابن القيم: "مشروط بألا يقيد بقيدين متنافيين، فإن قُيدا بذلك امتنع الحمل، وبقي على إطلاقه، وعُلم أن القيدين تمثيل لا تقييد"[2]، فهذا الكلام يصدق على بعض الصور، ولا يصدق على جميع الصور، في القيود المتنوعة المتنافية، هذا الذي قاله يصدق على بعضها، يعني: هذا الكلام الذي قاله هل يصدق على المثال الذي ذكرته آنفًا؟ الجواب: لا، لا يصدق عليه، هناك نحتاج إلى نظر آخر، في أمور أخرى، لعلي أشير إليها، لكن قد يصدق على بعض الصور؟

الآن في حديث الولوغ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب[3]، وجاء في بعضها: أخراهن بالتراب[4]، وفي بعضها: إحداهن بالتراب[5]، لاحظ إحداهن ما قُيدت بالأولى، ولا بالأخيرة، فهذه مطلقة، وفي الرواية الأخرى: أولاهن، والثانية: أخراهن؛ فعلى أي شيء نحمل الحديث؟ أو نبقيه على إطلاقه؟ ونقول: ما ذُكر فيه أولاهن أنه على سبيل التمثيل، وما ذكر في إحداهن فإنه على سبيل التمثيل أيضًا، وأن المقصود: أن تكون واحدة من تلك الغسلات بالتراب؟

هذا الذي أراده ابن القيم -رحمه الله-، مع أن هذا ليس محل اتفاق بين أهل العلم، ففيه خلاف كثير، وبعضهم يرجح الأولى، وبعضهم يرجح الأخيرة، وبعضهم يقول: هو مخير، لكن مأخذ المسألة عند من قال: إنه مخير هو ما ذكرتُ: من أن ذلك إذا قُيد بقيدين متنافيين، فإن ذلك يكون على سبيل التمثيل، لا التقييد، فأنت مخير، المهم أن تكون واحدة بالتراب، الأولى أو الأخيرة، مع أن هذا المثال فيه كلام كثير لأهل العلم والفقهاء من جهة حمله على هذا القيد، أو هذا القيد، انتهينا من هذه الصورة.

قال: "ومشروط أيضًا إذا لم يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن استلزمه حمل على إطلاقه"[6]، الواقع أن هذه فائدة مستقلة عن السابقة في كلام ابن القيم، لكن الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- لخص الكلام، وضم هذه إلى هذه، وجعل ذلك بهذه الصفة أنهما شرطان.

"مشروط أيضًا إذا لم يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة" الآن عندنا قيد واحد، لكنه قد يقتضي إذا حملنا المطلق على المقيد، يقتضي أنه أُخر البيان عن وقت الحاجة، يتضح لكم بالمثال، النبي ﷺ حينما خطب في المدينة؛ لما أراد الحج -عليه الصلاة والسلام- قال: فمن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين[7]، فهنا في المدينة قال: فمن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما إذن هذا مُقيد بالقطع؛ ولما خطب -عليه الصلاة والسلام- الناس بمكة، قال: ومن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين ولم يقل: وليقطعهما، فأطلقه، هل نقول: هذا المطلق الذي جاء في مكة محمول على المقيد الذي جاء في المدينة، وكلام الشارع متحد، فكأنه كلام واحد، يُضم بعضه إلى بعض، فنحمل مطلقه على مقيده، وعامه على خاصه؛ لأنه كلام متكلم واحد؟ وإذا بيّن الشارع لبعض الأمة وبعض المكلفين، فذلك كالبيان لعموم المكلفين، هذا يقوله بعض العلماء، ومن ثم يقولون: بأن هذا محمول على هذا، لا بد من القطع لمن لم يجد النعلين، يقطعه ما دون الكعبين.

الآن الذين يقولون -وهذا الذي يقصده ابن القيم رحمه الله-: لا يُحمل المطلق على المقيد هنا؛ لماذا مع أنه مطلق ومقيد والقاعدة: أن المطلق محمول على المقيد؟ قالوا: هذا يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن هذا كتمان، وهذا أصل معروف، أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لكن يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة، لكن ما وجه الكتمان هنا؟ وأن هذا تأخير له عن وقت الحاجة؟ أليس قال لهم في المدينة؟ قالوا: بلى، ولكن الذين جاءوا إلى مكة هم أناس من اليمن، ومن أنحاء جزيرة العرب، وفيهم من أهل مكة، وما سمعوا خطبته -عليه الصلاة والسلام- التي كانت في المدينة، فدل على أن الثاني ناسخ للأول، وأنه ما يحتاج قطع، اتضحت الصورة الآن؟

قالوا: لو قلنا: إن قوله ﷺ: من لم يجد الخفين، فليلبس النعلين وتعرفون الخفين، ولم يقل: وليقطعهما، هذا في مكة، وفي المدينة قبل الحج خطب وعلّم الناس، وقال لهم: فمن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين يعني: يقطع الخف، بحيث يصير مثل -أعزكم الله- الأحذية التي نلبسها الآن دون الكعبين؛ ولهذا العلماء يختلفون في هذه هل تجوز في الإحرام أو لا؟ باعتبار أنها أقل من الكعبين، وباعتبار معين وهو أن هذه الرخصة هل هي فقط لمن لم يجد الخفين، وإلا أن ذلك يصيرها بمنزلة النعلين؟ فمن قال: إنه يصيرها بمنزلة النعلين، قال: لا بأس أصلاً أن يلبس الإنسان ما دون الخفين، وبعض الناس يقول: أرض المسعى قاسية، وأتعب مع السعي، أو أن الأرض باردة، وأحتاج ألبس، فيلبسون شيئًا دون الكعبين من جلد، أو غير ذلك، فهل هذا يجوز؟ هو بناء على هذه المسألة هل القطع لمن لم يجد النعلين يصيرها بمنزلة النعلين؟! فينتفي المحذور، أو أن ذلك يكون رخصة لمن لم يجد النعلين فقط؟! وإلا فلا يجوز أن يلبس الخفين ما دون الكعبين بإطلاق؟! لكن ليست هذه المسألة الآن، المسألة هي المطلق والمقيد، المطلق: من لم يجد النعلين، فليلبس الخفين هذا قاله في مكة؛ لما حضرت الجموع من أنحاء جزيرة العرب، وقبل في المدينة قال: فمن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فهذا مقيد، فهل نحمل المطلق على المقيد؟ ابن القيم يقول: لا؛ لماذا؟!

قال: لأننا إذا قلنا: يُحمل على المقيد، فمعنى ذلك: أنه صار عندنا تأخير للبيان عن وقت الحاجة، ما بيّن لهم في مكة، فما قال لهم: اقطعوها، طيب قال لهم في المدينة؟ قال: لا، الذين حضروا في مكة كثير، أكثر من الذين في المدينة، وما سمعوا خطبته في المدينة، وعلى هذا ما حصل البيان لهؤلاء الناس، هذا الذي أقصده.

يقول: إذن يُحمل المطلق على المقيد بشرطين:

الشرط الأول: ألا يكون له قيدان متنافيان، فإنه لا يُحمل على واحد منهما، فيكون ذلك للتمثيل، وهذا الكلام يصلح في بعض الصور، والصورة الأولى التي كنتُ ذكرتُ لكم ما ينطبق عليها هذا الكلام.

والشرط الثاني: ألا يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، بصرف النظر عن الأمثلة، والتطبيقات، كما قلتُ لكم؛ لتكون العناية بالقواعد، كون المطلق محمول على المقيد هذه قاعدة صحيحة، هل هي على إطلاقها؟ الجواب: لا، فنفهم هذا القدر، بصرف النظر عن الأمثلة والتطبيقات، وإلا فمسألة: حمل المطلق على المقيد له أربع حالات:

أن يتحد الحكم والسبب، فيُحمل المطلق على المقيد، بلا إشكال.

وأن يختلف الحكم والسبب، فلا يحمل المطلق على المقيد، بلا إشكال.

وتبقى صورتان محل الخلاف، وهما في الوسط: أن يتحد السبب، ويختلف الحكم، والعكس: يتحد الحكم، ويختلف السبب.

فهذا لم يذكره ابن القيم، ولكن شرْحه والتمثيل له قد يأخذ علينا جزء غير قليل من هذا الدرس الأخير، فهل تريدون أشرح هذه، واذكر أمثلتها وإلا ننتقل؟ ومن أراد أن يراجعها فليراجعها في كتب الأصول، ماذا ترجحون؟ السواد الأعظم نتجاوزها، هي لم يذكرها ابن القيم، لكن هي مهمة جدًا، ودقيقة، فمن أراد يراجعها، فالشاهد: نفهم الآن أن حمل المطلق على المقيد صحيح، ولكن ليس على إطلاقه.

قال -رحمه الله-:

"القياس وأصول الشرع: يقتضي أنه لا يصح رفض شيء من الأعمال بعد الفراغ منه، وأن نيته رفضه وإبطاله لا تُؤثر شيئًا، فإن الشارع لم يجعل ذلك إليه".

هذه مسألة مفيدة ومهمة، ونحتاج إليها، ونقع فيها أحيانًا، وبعض الناس يقول: أنا حجيتُ حجة فرض الإسلام، ومعي ناس ما يعينون، وكنا نضحك ونعلِّق على الناس، وعلى الحجاج، وعلى جهلهم، ونمزح، ولم نكن نضبط ألسنتنا، وأبصارنا، وجوارحنا، فأنا لا أريد أن تكون هي الفرض، فأنا الآن تعلمت وعرفت، وتبيّن لي أن تلك الحجة فيها تفريط كثير -مع أن الحجة مجزئة- لكن يقول: أنا لا أريد أن تكون هي الفرض، أريد أحج حجًا على السنة، وأكون مع رفقة طيبة صالحة، وأضبط نفسي في هذه الحجة والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة[8]، وأنا أريد أن يكون الفرض بهذه المثابة، هل له ذلك؟ هل يمكن لهذا أن نقول له: خلاص الحجة تلك تلغى، وحج مرة ثانية حجة الإسلام؟

أو يقول: أنا اغتسلتُ غسل الجنابة، والآن تعلمتُ أن الغسل يحتاج إلى وضوء قبله، وأن ذلك أفضل، ويكون بصفة معينة: يبدأ بميامنه، ثم بمياسره، ثم يفيض الماء على رأسه، ويحثو ثلاثًا... إلى آخره، وأنا ما كنتُ أعرف هذا، والآن أريد أن أعيد الغسل؟

أو يقول: أنا صليتُ المغرب، وفاتتني الجماعة، والآن أشوف جماعة يصلون، أريد أن أصلي معهم، وتلك لا أعتد بها؟ طيب والتي صليتها؟ قال: أريد أن ألغيها، فهذا رفض العبادة بعد الفراغ منها، فهل يسوغ هذا؟ وهل يصح ويجوز أو لا؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، والمشهور من مذهب المالكية: أنه يصح في الصلاة والصوم فقط، وفي الحج والطهارة خلاف[9]، وعند الحنابلة في الطهارة وجهان في المذهب[10]، وعلى كل حال الذي يظهر -والله أعلم- أن العبادة حينما يوقعها المكلف على وجهٍ مجزئ، فإنه لا يصح رفضها، فالحجة تلك وقعت حجة الإسلام وانتهينا، والحجة الثانية تطوع، والصلاة التي صليتها لوحدك وقعت صلاة الفرض، والثانية التي تريد أن تصليها  مع الجماعة، هذه تكون لك نافلة، فأتبعها بركعة حتى لا تكون ثلاث ركعات، فالصلاة الأولى هي الفرض، ولا يمكن أن ترفض بأثر بعد ذلك، فما وقع من عباداتنا على وجه من الإجزاء فإنه هو الفرض.

ولو قضى يومًا من رمضان، وبعد القضاء قال: أنا اليوم اغتبتُ أناس، وأنا ما أريد أن يكون هذا اليوم القضاء، غدًا سأجعله القضاء، نقول: خلاص، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[11]، هذا الذي وقع فرضًا في حقه، أو أخرج مالاً باعتبار أنه زكاة المال، وبعدين قال: أنا ما أريد هذا هو الزكاة، أريد أن أخرج مالاً آخر، خلاص هو الذي خرج خرج بنية الزكاة، والأمر خرج من يدك، وهكذا، فهذا يسمى رفض العبادة بعد الفراغ منها.

قال -رحمه الله-:

"الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية"[12].

الآن إنسان محجور عليه مثلاً بسبب الإفلاس، فهذا لو أنه قال: بعتك، أو اشتريت، أو نحو ذلك من الصيغ، أو اعتقتُ مماليكي، أو نحو ذلك، فهذه أسباب قولية تنعقد باللفظ، وهناك أسباب فعلية، مثل لو أنه احتطب حطبًا أو صاد صيودًا، أو وطئ الأمة فاستولدها، فجاءته مكاسب جديدة، أو ذهب إلى أرض فضاء فأحياها، والنبي ﷺ يقول: من أحيا أرضًا ميتة فهي له[13]، فأحياء هذه الأرض هذه أسباب فعلية.

ابن القيم يقول: "الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية" فهذا الذي استولد الأمة، ليس هو الذي وطأها  لأن الولد سيكون حرًا، سيكون ولدًا له، لكن لو أن عنده مملوك آخر، وزوجه إياها، أو كان متزوجًا لها، أو زوجها لأحد آخر من الأحرار، فإن الأولاد يكونون أرقاء، فهو يريد أن يُكثر الأرقاء عنده، مماليك جدد، فاستولد هذه الأمة، مكَّن زوجها منها، فحملت وولدت، فالآن هذا كسب جديد، فصار مولود جديد له؛ لأنه يملك الأمة، والولد تبع لأمه بالنسبة للحرية والرق، إلا أن يكون ذلك بالتسري، فإنه يكون تبعًا لأبيه؛ ولهذا نهى الله عن التزوج من الإماء إلا في حالة وهي إذا خشي العنت على نفسه، قال: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النساء:25] لأن الأولاد سيكونون مماليك لسيد الأمة، فالآن هذا الولد استولدها، وصار عنده مملوك جديد، فمثل هذا الآن كسب جديد بالفعل، فهنا يقول: "الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية" لكن قوله: بعتك، أو اشتريت، أو أعتقت، أو يقول لمملوكه: أنت حر لوجه الله، أو نحو ذلك من الأشياء، فهذه أسباب قولية ينعقد بها البيع، أو الشراء، أو العتق، أو نحو ذلك، فهذه تعتبر لغو، فنقول له: ما تعتق، فأنت محجور عليك، ولا تبيع، ولا تشتري بسبب الحجر، فهذه الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية.

قال -رحمه الله-:

"النكرة في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام أو الشرط تعُم"[14].

النكرة في أربعة حالات تكون للعموم، يقول: في سياق النفي، بأي صيغة من صيغ النفي، مثال: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] أين النكرة؟ (أحدًا) فهنا مسبوقة بـ(لا) نافية، أي لا يظلم أحدًا، فهذا يشمل المؤمن والكافر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، والبر والفاجر، فالله لا يظلم أحدًا، فهذا للعموم، وهكذا في قوله: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] فـ(نفس) هذه نكرة في سياق النفي، لا تعلم نفس: أي نفس، لا ملك، ولا نبي، ولا أحد من الناس، وفي قول الملائكة للوط : وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ [هود:81] هذه (لا) ناهية، أي: لا يلتفت منكم أحد؛ أي أحد، الجميع يمنعون من الالتفات حينما ينزل العذاب بهؤلاء المجرمين، فـ(أحد) هنا نكرة في سياق النهي، فهي للعموم؛ فلما يقول لك: لا تكلم أحدًا، فـ(أحدًا) هذه نكرة في سياق النهي، أي أحد، فهي للعموم.

قال: "النفي أو النهي أو الاستفهام" بأي أداة من أدوات الاستفهام هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] النكرة (سميًّا) يعني: أي سمي، فلا أحد يساميه، ولا يدانيه في كماله -تبارك وتعالى-.

أو نكرة في سياق الشرط: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ [التوبة:6] (أحد) هذه هي النكرة، أداة الشرط (إن) أي: أحد استجارك كبير أو صغير، امرأة أو رجل فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26] هنا النكرة (أحدًا) في سياق الشرط، أي: أحد ترينه قولي له هذا الكلام: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فلا تكلميه.

قال:

"والمفرد المحلى بـ(أل)"[15].

المفرد المحلى بـ(أل): إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] فالإنسان مفرد دخلت عليه (أل) فصار ذلك للعموم، فالمراد: جنس الإنسان، ومثله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34] فـ(الرجال) جمع دخلت عليه (أل) فهو للعموم.

قال:

"والمفرد المضاف، وعموم الجمع المحلى باللام"[16].

المفرد المضاف: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية:29] (كتابنا) مفرد أضفناه إلى المعرفة الذي هو الضمير (نا) والمفرد إذا أضيف إلى معرفة، فإنه يكون للعموم، أي: كتاب، فهنا المقصود به على أحد الأقوال المشهورة في التفسير: كتب الأعمال، كما في قوله: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [الكهف:49] فهذا بمعنى العموم، فكل إنسان له كتاب.

وفي قوله تعالى في سورة النور في الأكل، ودخول البيوت، وما أشبه ذلك: أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61] فـ(صديق) هذه مفرد مضاف إلى معرفة، الذي هو كاف الخطاب، فهذا للعموم، يعني: أو أصدقائكم.

أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31] هذا مفرد دخلت عليه (أل) فيكون ذلك للعموم، يعني: أو الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء.

وعموم الجمع المحلى باللام بعضهم يقول اللام، وبعضهم يقول: (أل) مثل ما مثّلتُ سابقًا: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35] فهذه كله للعموم.

يقول:

"وأدوات الشرط كلها تعم، وشواهدها كثيرة"[17].

أدوات الشرط كلها تعُم، وهي كثيرة جدًا، مثل: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه:112] فـ(من) أداة شرط، فأدوات الشرط هذه للعموم، أي: من يعمل أي أحد، وهكذا في قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8] وفي قوله مثلاً: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] أينما تكونوا في أي مكان يدرككم الموت، وهكذا في قوله تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة:197] أي: خير.

قال -رحمه الله-:

"الأمر المطلق للوجوب، والنهي للتحريم، إلا إذا دل على خلاف ذلك"[18].

الأمر المطلق يدل على أنه للوجوب، ويدل على ذلك أدلة من النقل، والنظر، يعني العقل، واللغة، فالله قال لإبليس: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف:12] فعاقبه الله على الامتناع من السجود، ولعنه، فدل على  أن الأمر للوجوب، فلم يقل إبليس: الأمر ليس للوجوب.

وهكذا أيضًا يقولون: إذا قال لعبده: افعل كذا ولم يفعل، فإنه يكون مستحقًا للعقوبة، فالشاهد أنهم يذكرون أدلة على أن الأمر للوجوب، وهذه قاعدة صحيحة، الأصل أن الأمر المطلق للوجوب، إلا لصارف، ولكننا نجد عند النظر في التطبيقات والأمثلة: أن هناك من الأوامر ما لا يحمل على الوجوب، مع أننا لا نعرف له صارفًا، فمثل هذا يقول فيه العلماء -رحمهم الله-: إنه يكون للإرشاد، إذا كان في الآداب، وبعضهم يقول: في المعاملات، أو يكون للاستحباب في كذا، والواقع أن مثل هذا -والله أعلم- لا حاجة إليه، وغاية ما هنالك أن يقال: هذه قاعدة، والقواعد أغلبية، بمعنى: أنها تنتظم عامة التطبيقات، وكثيرًا من الجزئيات والأفراد الداخلة تحتها، فهذا شأن القواعد، ويوجد لها مستثنيات، فكل قاعدة يخرج منها أشياء، فيكفي أن القاعدة تنتظم يعني أكثر من 50% فتكون قد لمت لك شعث هذه المفردات والجزئيات، فيسهل حفظ ذلك وضبطه لدى طالب العلم، يكفي هذا، فإذا وجدنا أشياء لا تحمل على الوجوب، وفيها أمر واضح صريح، ولا نعلم الصارف، فنقول: هذا مما يخرج عن هذه القاعدة، ولا حاجة لأن نقلب القاعدة، فنقول: إن الأمر لا يكون للوجوب، كما يقول بعض أهل العلم، وإما أن نقول في بعض الأبواب: لا يكون للوجوب، لا، نقول: الأمر للوجوب إلا لصارف، وهي قاعدة أغلبية، إذا فهمت هذا القدر، وهو أنها قاعدة أغلبية، انحلت عنك الإشكالات، وهو السؤال الذي يتكرر عندما نجد أوامر، ولا نجدها للوجوب، ولا نعلم لها صارفًا، فنقول: هذا مما يخرج عن القاعدة.

والنهي للتحريم إلا إذا دل على خلاف ذلك، وهكذا يقال في النهي، كما يقال في الأمر، فكل الكلام الذي قلته في الأمر، يقال في النهي، وهو أن القضية أغلبية... إلى آخره، ولا حاجة لتقييده ببعض الأبواب، ولا يقال: إنه للكراهة، بل للتحريم، والله -تبارك وتعالى- لما نهى آدم عن الأكل من الشجرة، وأكل منها، قال الله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] ولم يقل آدم: النهي للكراهة، وليس للتحريم.

قال -رحمه الله-:

"ويُستفاد كون الأمر المطلق للوجوب من ذمه"[19].

هذا واضح نمر عليه مرورًا: يعني ما هي الصيغ الواردة في الكتاب والسنة التي يُعبر بها الشارع،  فنعرف أن هذا يراد به التحريم، وهذا يراد به الوجوب؟ هي صيغ كثيرة، فهذا كلام نفيس، فنعرف ذلك أن الأمر للوجوب من أمور متعددة، منها:

قال:

"ويُستفاد كون الأمر المطلق للوجوب من ذمه لمن خالفه، وتسميته إياه عاصيًا، وترتيبه عليه العقاب العاجل، أو الآجل"[20].

لا يُشترط أن تكون كل هذه مجتمعة، وإنما أن يقع واحد من هذه الأشياء: إذا ذم على عدم الامتثال، عرفنا أن الأمر للوجوب، وكذلك أيضًا إذا عده عاصيًا عرفنا أنه للوجوب.

قال:

"ويُستفاد كون النهي للتحريم: من ذمه لمن ارتكبه، وتسميته إياه عاصيًا، وترتيبه العقاب على فعله، ويُستفاد الوجوب بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب، والفرض والكَتْب"[21].

يعني الصيغ التي نعرف بها مثلاً الإيجاب: أن يُعبر عنه بالفرض، والفرض بمعنى الواجب، أو الكتب كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183].

"ولفظة: على"[22].

تقول: عليك كذا، فهذا يدل على الوجوب.

"ولفظة: حق على العباد وعلى المؤمنين، وترتيب الذم والعقاب على الترك، وإحباط العمل بالترك، وغير ذلك، ويُستفاد التحريم من النهي، والتصريح بالتحريم، والحظر والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة بالفعل"[23].

هذا كله واضح، إيجاب الكفارة على الفعل، واستفيد تحريم الظهار مثلاً من عدة أمور، منها: إيجاب الكفارة عليه.

قال: "وقوله: لا ينبغي، فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلاً وشرعًا"[24].

إذا جاءت "أنه لا ينبغي له أن يكون كذا" أو "أن يفعل كذا" وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:92] فمثل هذا يدل على الامتناع، وهذا الامتناع قد يكون عقليًّا، وقد يكون شرعيًّا، يقول: ما ينبغي لك أن تفعل كذا، يعني: لا يجوز، فإنها لغة القرآن والرسول للمنع عقلاً أو شرعًا.

قال:

"ولفظة ما كان له كذا"[25].

في الفتاوى العلماء أحيانًا يستخدمون هذه اللفظة فيقولون: "لا ينبغي أن يفعل  كذا" فبعض الناس يقولون: قال: لا ينبغي، ولم يقل: حرام، ولا ينبغي تدل على التحريم، وأتذكر أن أحد الأشخاص يجادلون في البديهيات، وهذا الذي سماها شيخ الإسلام في درء التعارض: السفسطة، فمن يجادل في البديهيات، والأمور الواضحة، ويريد الدليل على كل شيء، يعني وجدنا من يقول: ما الدليل في دروس التجويد؛ وما الدليل على الإدغام؟ وما الدليل على الإظهار؟ وما الدليل على الغنة؟ هذا يحتاج دليل؟! فبعض الناس يسمع الدليل، وطلب الدليل، والعناية بالدليل، ويظن أن القضية بهذه الصورة، فأذكر أن أحد هؤلاء جاء كلام في مسألة مد الرجل إلى المصحف، ووضع المصاحف مع الأحذية -أعز الله كتابه وأعز أسماعكم- وهذا يحصل للأسف مع طلاب العلم، تجده يدخل بسرعة المسجد، ومعه كتب، ويضع أحذيته، ويضع الكتب مع الأحذية في دروج الأحذية، وبعضهم تجده في الحرم يضع حذاءه والمصحف ويجمعه معه، أو يضع الحذاء فوقه، وإلا يضعه بين الصفوف، والذي يسجد رجله تلامس المصحف، وإذا نظرت أحيانًا طالب علم ولحية، وإذا قيل له: اتق الله، يقول: ماذا فيها؟ أين الدليل؟ ويريد لهذه دليل؟، فجلس أحد الأشخاص مرة يجادل في مد الرجل إلى المصحف، فيقول: ما فيها؟ وأين الدليل؟ أليس هذا فيه امتهان وابتذال؟! قال: هذا في أعرافنا الفاسدة، يعني: رجلك مثل وجهك؟! قال: نعم، لكن أعرافنا الفاسدة هي التي تمنع هذا، قلتُ: لو جاء الآن أحد ووضع رجله في وجه أبيك، قال: نعم، لكنه لا يرضى للأعراف الفاسدة، وإلا ما فيه شيء، إذا ما قصد في ذلك الأذى، طيب لو جاء أحد ووضع رجله في وجهك؟ قال: إذا كان ما يؤذيني، فلا إشكال، هذا طالب علم الآن، قلتُ: ما شاء الله، وقوله: نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا [فصلت:29] قال: هذا من أجل أن يطأونهم ويؤذونهم، وليس من أجل الإهانة، قلتُ: من ترضى من الخلق على وجه الأرض تسمع جوابه؟

قال: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، فاتصلت عليه، وقلتُ: اسمع، والحمد لله رد الشيخ، وقلتُ له: يا شيخ كذا وكذا، وهنا شخص يقول: أنا في المكتبة والكتب مبسوطة في الأرض، ولا يوجد ممر فأمشي عليها، وهي كتب حديث وتفسير، فقال: ما ينبغي، قلتُ: جزاك الله خيرًا، نزلت السماعة، فقلتُ له: سمعتَ الشيخ ماذا يقول؟ يقول: ما ينبغي، قال: يقول: ما ينبغي، ولم يقل: لا يجوز، قلتُ: ما ينبغي أشد، قال: لا، واتصلتُ مرة ثانية، قلت: يا شيخ إذا قلتَ: ما ينبغي ماذا تقصد فيها؟ قال: هذا أشد في المنع والتحريم وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:92] قلتُ: سمعتَ؟ فسكتَ، ويبدو لي أنه ما اقتنع، وانتهينا على هذا، فهذا نموذج ومثال، وكما قلتُ لكم: رأيتُ مَن يسأل عن الدليل على الإدغام؟ والدليل على الإظهار؟ ورأيت من يستوقف في درس الفرائض في كل جزئية، البنت لها النصف في كذا، فيقول: ما الدليل؟ والأم لها السدس، فيقول: ما الدليل؟ والأم لها الثلث في كذا، فيقول: ما الدليل؟ يا أخي اقرأ الآيات التي ذكر الله فيها الفرائض.

فالقصد: هنا "ما ينبغي" هذه تدل على التحريم، فإذا سمعت في فتاوى أهل العلم من يقول: "ما ينبغي" فهو يقصد التحريم.

قال -رحمه الله-:

"ولفظة: ما كان لهم كذا، ولم يكن لهم"[26].

مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة:120].

قال: "وترتيب الحد على الفعل، ولفظة: لا يحل، ولا يصلح، ووصف الفعل بأنه فساد، وأنه من تزيين الشيطان، وعمله، وأن الله لا يحبه، وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يزكي فاعله، ولا يكلمه، ولا ينظر إليه، ونحو ذلك"[27].

فمثل هذه واضحة، وما تحتاج أن نقضي الوقت بالتمثيل عليها، فحيثما رأيتَ مثل هذا في ألفاظ الشارع، فهو للتحريم.

قال:

"وتُستفاد الإباحة من الإذن والتخيير، والأمر بعد الحظر، ونفي الجناح والحرج"[28].

تُستفاد الإباحة من الإذن، بأن الشارع أذن لهم بكذا، أو أن يخيرهم، أو من الأمر بعد الحظر، على قول بعض أهل العلم: كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها[29]، فهذا أمر بعد الحظر فزوروها، وحرّم عليهم المعاملات من البيوع ونحوها بقوله: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9] ثم قال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ هذا أمر بعد الحظر، فبعض أهل العلم يقول: الأمر بعد الحظر للإباحة، فيكون مباحًا، والأقرب -والله أعلم- أن الأمر بعد الحظر يرجع فيه الحكم إلى حاله قبل الحظر، فمثلاً البيع قبل النداء الثاني للجمعة ماذا كان حكمه؟! مباح، فلما مُنع بـوَذَرُوا الْبَيْعَ صار محرمًا، ثم قال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ فهذا أمر بعد الحظر، فيرجع إلى حاله الأولى، وهي الإباحة.

 قال:

"ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة"[30].

نفي الجناح لا حرج في كذا، أو ليس عليكم جناح في كذا.

قال:

"والإخبار بأنه معفو عنه، وبالإقرار على فعله في زمن الوحي، وبالإنكار على من حرم الشيء"[31].

يعني كحديث جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل"[32] فدل على أنه مباح؛ لأن الشارع ما أنكره عليهم، والعلماء في مسألة الإقرار يتكلمون على ضوابط وقيود لها.

قال:

"وبالإنكار على من حرم الشيء، والإخبار بأنه خلق لنا كذا"[33].

ولذلك يقولون: الأصل مثلاً فيما أنعم الله به على عباده، وما إلى ذلك: الإباحة هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] فدل على أن هذه الأعيان والأشياء والمنافع مباحة، إلا ما دل الدليل على تحريمه.

قال:

"وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل من قبلنا له، غير ذام لهم عليه، فإن اقترن بإخباره مدح فاعله لأجله، دل على رجحانه استحبابًا أو وجوبًا وكل فعل..."[34].

هذا بداية فصل جديد في الكتاب، لكن الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- دمج هذه جميعًا في سياق واحد، وإلا فهذه مختلفة منفصلة، فمن قوله: "وكل فعل عظمه الله ورسوله" فصل جديد.

قال:

"وكل فعل عظمه الله ورسوله، ومدحه، أو مدح فاعله لأجله، أو فرح به، أو أحبه، أو أحب فاعله، أو رضي به، أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالطيب أو البركة أو الحسن، أو نصبه سببًا لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل، أو نصبه سببًا لذكره لعبده أو لشكره له أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه، وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنصره فاعله، أو إشارة فاعله بالطيب، أو وصف الفعل بكونه معروفًا، أو نفي الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن، أو نصبه سببًا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسل بحصوله، أو وصفه بكونه قربة، أو أقسم به، أو بفاعله، كالقسم بخيل المجاهدين، وإغارتها، أو ضحك الرب من فاعله، أو عجبه به، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب"[35].

سبق الكلام على أن المشروعية: تدل على طلب الشارع، فيصدق ذلك على قدر زائد على المباح، فيكون ما طلبه الشارع، إما وجوبًا، وإما ندبًا.

قال:

"وكل فعل طلب الشارع...".

هنا أيضا فصل جديد.

قال:

"وكل فعل طلب الشارع تركه، أو ذم فاعله، أو عتب عليه، أو لعنه، أو مقته، أو مقت فاعله، أو نفى محبته إياه، أو محبة فاعله، أو نفى الرضا به، أو الرضا عن فاعله، أو شبّه فاعله بالبهائم أو الشياطين، أو جعله مانعًا من الهدى أو القبول، أو ما يُقارب هذه المعاني، دل على تحريمه"[36].

هذه واضحة، فلا حاجة للاشتغال بها، والتمثيل لهذه الأمور، وليس هذا فحسب، بل القضية لها توابع وكلام، وفي هذا الموضع لم ينته كلام ابن القيم -رحمه الله-، لكن الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- اقتطعه واجتزئ بما سبق، وإلا فالسياق مستمر، يقول: "أو وصفه بسوء، أو كراهة، أو استعاذ الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو جُعل سببًا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل أو آجل، أو لذم أو لوم أو لضلالة، أو معصية، أو وُصِفَ بِخَبَث، أو وصف بِخُبْث، أو رجس، أو نجس، أو بكونه فسقًا، أو إثمًا، أو  سببًا لإثم، أو رجس، أو لعن، أو غضب، أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة أو خزي، أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله، أو لمحاربته، أو للاستهزاء به، وسخريته، أو جعله الرب سببًا لنسيانه لفاعله، أو وصف نفسه بالصبر عليه، أو بالحلم والصفح عنه، أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث أو احتقار، أو نسبه إلى عمل الشيطان وتزيينه، أو تولي الشيطان لفاعله"[37]... إلى آخر ما ذكر.

وهكذا يقول: "ولفظة: قُتل من فعله، أو قاتل الله من فعله، أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه"[38]... إلى آخره، وهو كلام كثير، تراجعونه في الأصل، ومن أراد أن يستوفي هذه الصيغ، فليرجع إلى الأصل، وهذا مهم في معرفة ألفاظ الشارع، وما تدل عليه.

قال -رحمه الله-:

"ضرْب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المواد للعقل، وتصويره في صور المحسوس، بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس"[39].

سبق الكلام في المقدمات النظرية في رمضان في حديثنا عن الأمثال، والكلام عن فوائد ضرب الأمثال، فهذه جملة من هذه الفوائد، فهي تقرب المعنى المعقول بصورة المحسوس، وهذا من أبرز الفوائد، وإن كان ذلك لا يصدق على جميع أنواع الأمثال، فحينما يقول الله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17] هذا يصور في حال المنافقين، وما عندهم من دعوى الإيمان، كمثل الذي استوقد نارًا، فصوره بصورة محسوسة تقريبًا للأذهان، وهكذا أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ [البقرة:19] هذه في حالة المنافق، وما هو فيه من الحيرة والتردد إذا سمع قوارع القرآن وزواجره، وسمع براهينه، فالبراهين كالبرق الذي يكاد أن يخطف بصره، والقوارع والزواجر كالرعد، فإذا جاءت أشياء يتبينها ويفهمها مضى ما يوافق مراده، وإذا جاءت أمور أخرى وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [البقرة:20] وقف، مثل هذا الذي يمشي في هذا الرعد والبرق والمطر هذه حال المنافق في هذه الحياة، وفي سلوكه فيها.

قال:

"وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم"[40].

فهذه الأغراض التي تأتي من أجلها هذه الأمثال ولتقريرها تفاوت الأجر مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة [البقرة:261] وفي قوله -تبارك وتعالى-: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ [البقرة:265] الوابل المطر الكثير فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة:265] يعني: طل يكفيها، وقد مضى الكلام على هذه الأمثلة مفصلاً، وأن من أهل العلم من قال: أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة:265] هذا باعتبار تفاوت الصدقات، وبعضهم يقول: هذا باعتبار تفاوت ما يقوم في قلوب أصحابها من قوة الإخلاص، والاغتباط بها، والفرح، وما إلى ذلك، وهكذا جودة هذه النفقة، وكونها من كسب طيب، تتفاوت آثارها بحسب هذه الأمور، كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة:265] والطل: اليسير من هذا الندى يكفيها، فهذا لبيان تفاوت الأجر.

قال:

"وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب..."[41].

مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [هود:24] وقد مض الكلام في رمضان عن هذه الأمثلة تصوير هؤلاء الضلال الكفار بالأصم والأعمى، وتصوير المهتدي بالمبصر والسميع، كما مثّل الله الكفار بالميت، ومثل أهل الإيمان بالحي، إلى غير ذلك مما يقتضي المدح والذم ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا [النحل:75] وهكذا وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا [النحل:92] فهذا للذم، وعلى الثواب والعقاب وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ [الحج:31] هنا يمثل العقاب وشدة الجريمة، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل:112].

قال: "وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره" إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ [يونس:24] فهنا لتحقير الحياة الدنيا، وبيان شأن هذه الحياة مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5] فهذا للذم والتحقير فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف: 176] فهذا للذم والتحقير، وهكذا.

قال:

"وعلى تحقيق أمر" هنا الكلام ناقص "وعلى تحقيق أمر، وإبطال أمر".

وهذا كقوله -تبارك وتعالى-: لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ [الرعد:14] في آلهة المشركين الذين يدعونهم من دون الله لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد:14] وقد مضى الكلام مفصلاً على هذا المثل، وما المراد به، فبعضهم يقول: كباسط كفيه إلى الماء: بأن الكف إذا كانت مبسوطة لا يستقر فيها الماء أصلاً، فكيف يستطيع أن يشرب؟! فيريد أن يشرب، وليس معه وعاء، ولا يقول بيديه هكذا، وإنما باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، فلا يستقر فيها شيء.

وبعضهم يقول: كالذي يدعو الماء من بعيد، فيبسط كفيه، فيريد أن ينتقل الماء إلى يديه.

وبعضهم يقول: يرى صورته في الماء، فيبسط كفيه فيه لعله يحصل منه شيئًا من بعيد، برأس البئر، فحينما تكون صورته في الماء، كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، فهؤلاء يطلبون من هذه المعبودات أن تعطيهم، وأن تغنيهم، وأن تدفع عنهم، وحالهم كهذا الذي يبسط كفيه إلى الماء، ولا يصل إلى فيه شيء منه، فمثل هذا هنا يدل على تحقيق أمر وإبطال أمر.

قال -رحمه الله-:

"السياق يرشد إلى بيان المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقيد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته"[42].

يعني: لا يكفي أن نرجع للقاموس، وننظر ما معنى هذه اللفظة الواردة في هذا الحديث، أو في هذه الآية، لا، وإنما لا بد من مراعاة السباق، والسياق، واللحاق، فبهذا يستبين به المعنى، فتجد اللفظة الواحدة أحيانًا تستعمل في مواضع، وفي كل موضع نفهم منها معنى من خلال السياق، كقوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ [النحل:120] فالأمة هنا بمعنى: الرجل الجامع لخصال الخير التي تفرقت في غيره، موسى -عليه السلام- لما ورد ماء مدين قال: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23] هل المعنى وجد رجلاً جامعًا لخصال الخير؟ لا، وإنما وجد جماعة، فالأمة هنا بمعنى الجماعة، والسجين الذي كان مع يوسف وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] فالأمة هنا بمعنى حين، أي: بعد مدة زمنية تذكَّر، وكان ناسيًا وصية يوسف ﷺ، فلاحظ السياق هو الذي يبين لنا المعنى، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى-في سورة النساء في بيان ما يحل ويحرم من النساء: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24] فالمقصود هنا: المتزوجات، فيحرم عليك أن تتزوجها ذات الزوج إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24] ثم قال الله -تبارك وتعالى-: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [النساء: 24] إلى أن قال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25] يعني: هل هي مثل الأولى: المتزوجات؟ لا، المحصنات هنا يعني الحرائر، فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25] إلى أن قال: فَإِذَا أُحْصِنَّ [النساء:25] يعني: تزوجن فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25] الثانية هذه ما معناها؟ يعني: الحرائر، يعني الحد نصف حد الحرة، كيف عرفنا هذا؟ عرفناه من خلال السياق، فالسياق يُبيّن، ولهذا فلا بد من مراعاة السياق، ولا يكفي أن ننظر هذه اللفظة مثلاً في اللغة معناها كذا، ثم نقول: هذا تفسيرها، وإنما لا بد من النظر في السياق، حتى يعرف المراد.

قال:

"الحاكم محتاج إلى ثلاثة أمور، لا يصح له الحكم بدونها"[43].

الحاكم -يعني القاضي- يحتاج إلى ثلاثة أمور.

قال:

"معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات؛ فالأدلة: تُعَرِّفُهُ الحكم الشرعي الكلي، والأسباب: تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين وانتفاؤه عنه، والبينات: تعرفه طريق الحكم عند التنازع، ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاث، أخطأ في الحكم، وجميع خطأ الحكام مداره على الخطأ فيها أو في بعضها"[44].

الحاكم يحتاج إلى معرفة الأدلة، وما فائدة الأدلة؟ تعرفه بالحكم الكلي، فهذا الحاكم يحتاج أن يعرف الحكم الشرعي أصلاً، ما حكم الطلاق في حال الحيض؟ ينظر في الأدلة، فيتوصل إلى الحكم، وما هو حكم تحريم الرجل لامرأته؟ حكمه حرام، فينظر إلى الأدلة يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1] فإذا نظر في الدليل، وعرف الحكم الكلي، وأن هذا حلال أو هذا حرام، أو هذا واجب، أو هذا مستحب، أو هذا باطل أو فاسد، فهذا الحكم الكلي.

ثم يحتاج إلى أمر آخر، يقول: "الأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين، أو انتفاؤه عنه" يعني: هناك ملابسات وعلائق تتصل بالمكلف المعين، فالحاكم إذا عرف أن الغضب الذي يكون بإغلاق لا يقع فيه طلاق، وعرف أن الطلاق في حال الحيض لا يجوز... إلى آخره، وجاءت عنده قضايا معينة، فهل ينزل الحكم الشرعي مباشرة على هؤلاء بمجرد ما يبدؤونه بالسؤال، وإلا يحتاج يستفصل؟ يحتاج يستفصل، لماذا يحتاج يستفصل؟ هذا الذي يسمونه تحقيق المناط، وتحقيق المناط: هو تنزيل الحكم الكلي على المعين، متى يتنزل على المعين؟ إذا تحققت الشروط، وانتفت الموانع؛ ولذلك يحتاج يستفصل ويسأل.

فلو جاء إنسان وقال: ما حكم الزكاة؟ نقول: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] إذًا فالزكاة واجبة، أو جاء إنسان وقال: أنا عندي مال، وهذا المال عبارة عن دخول لإيجارات، ونحو ذلك، وأصرفها أثناء الحول، هل تجب علي الزكاة؟ ملايين أصرفها في الحول نفسه، نقول له: ما يجب عليك الزكاة، فالإنسان الذي يقول: أنا عندي مال، هل تجب علي الزكاة؟ فنسأل عن نوع المال، هل هو من الأموال الزكوية؟ وهل هذا المال دار عليه الحول أو لا؟ وهل يوجد مانع يمنع من الزكاة عند القائل بأن الدين من الموانع مثلاً؟ ثم تستطيع أن تقول لهذا: تجب عليك الزكاة أو لا تجب عليك الزكاة.

وهذا الرجل الذي قال: طلقت، ونحن نعلم أن الطلاق يحصل به الفرقة، لكن هل بمجرد ما يقول: طلقت، نقول: امرأتك خلاص وقع عليها الطلاق؟ لا، وإنما نحتاج أن نسأل، فنقول: ماذا قلت؟ وما هي العبارة؟ وما هي الحالة التي كنتَ فيها؟ هل كنت سكران أو صاحي أو كنت غضبان؟ وإذا كنت غضبان، فالغضب ثلاث درجات، غضب بإغلاق، وغضب شديد من غير إغلاق، وهناك  غضب عادي، هل كنتَ غضبان وإلا لا؟ قال: نعم أنا كنت غضبان، فسأله: أي درجة من درجات الغضب؟ ثم ننظر هل المرأة حائض أو لا؟ وإذا كانت طاهرًا هل هو طهر جامعها فيه أو لا؟

في واحدة قالت: اسأل لي، فتتصل بالتلفون، وتقول: إن زوجها طلقها، أو قال لها: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فهذا نحتاج أن نسأله: ماذا يقصد بهذا الكلام؟ هل يقصد تطليقها أو يقصد منعها؟ قالت: لا، يقصد المنع، فهل شققت عن قلبه؟ أنت تسألين عن زوج صديقتك، فدعيه هو يسأل، قالت: لا، ما هو يريد أن يسأل، فهذا كثير، إذا كان ما يريد أن يسأل، فأنا أيضًا ما أريد أن أجيب، يعني: لا أستطيع أن أجيب، نحتاج نسأله، ماذا قصد؟ فهذه قضية تتعلق بقلبه.

فالشاهد: أنّ هذه أمثلة بسيطة، تتكرر كثيرًا، فهنا عندنا الحكم معروف، هذا نتوصل إليه بالأدلة، وعرفنا الحكم الكلي يبقى المعين هذا، هل يتنزل عليه هذا الحكم أو لا؟ فالحيض مانع من الصلاة مثلاً، أليس كذلك؟ طيب هذه امرأة تقول: نزل عليها دم، فنحتاج نسأل: هل لها عادة أو ليس لها عادة منتظمة؟ وإذا كان لها عادة هل نزل هذا الدم أو الكدرة والصفرة في وقت العادة أو خارجا عنها؟ وإذا كان ما لها عادة هل لها تمييز أو ليس لها تمييز؟ فإن كان لها تمييز هل هذا الدم بصفة دم الحيض أو لا؟ ونحتاج نسأل مجموعة من الأسئلة، حتى نستطيع أن نقول: بأن هذا حيض أو ليس بحيض، فهذا يسمى تحقيق المناط، يعني تنزل الحكم على المعين، أو على الواقعة المعينة، فهذا نظر آخر هو الذي عبر عنه هنا بالأسباب.

قال: "والبينات هي التي تعرفها على طريق الحكم عند التنازع" لا بد من هذا، ففي المنازعة يحتاج إلى البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، فما هي البينة؟ وما الذي يعتبر من هذه البينات؟ هناك أشياء ليست بينات، وهكذا، لا بد من هذه الأمور الثلاثة، حتى يحكم "ومتى أخطأ في واحد من هذه أخطأ الحكم، فأخطاء الحكام تكون بسبب واحد من هذه الثلاث".

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه.

  1. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (10/561).
  2. بدائع الفوائد (3/249).
  3. أخرجه مسلم في  كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب برقم (420).
  4. أخرجه الترمذي في أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الكلب برقم (91) وصححه الألباني.
  5. أخرجه النسائي في السنن الكبرى في الطهارة بفضل الجنب برقم (69) وصححه الألباني.
  6. بدائع الفوائد (3/250).
  7. أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء برقم (353) ومسلم في  كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه برقم (2012).
  8. أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب وجوب العمرة وفضلها برقم (1650) ومسلم في كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم (2403).
  9. الذخيرة للقرافي (1/250) والموسوعة الفقهية الكويتية (15/147).
  10. الموسوعة الفقهية الكويتية (43/355).
  11. أخرجه البخاري بدء الوحي برقم (1) ومسلم في  كتاب الإمارة، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الأعمال بالنية)) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال برقم (3530).
  12. بدائع الفوائد (3/255).
  13. أخرجه الترمذي في أبواب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات برقم (1378) وأبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات برقم (3073) وصححه الألباني.
  14. نحوه في بدائع الفوائد (4/2).
  15. بدائع الفوائد (4/2).
  16. بدائع الفوائد (4/2).
  17. بنحوه بدائع الفوائد (4/3).
  18. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  19. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  20. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  21. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  22. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  23. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  24. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  25. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  26. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3).
  27. بنحوه، بدائع الفوائد (4/3-4).
  28. بنحوه، بدائع الفوائد (4/4).
  29. أخرجه ابن ماجه في كتاب ما جاء في الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور برقم (1560) والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور برقم (974) وصححه الألباني.
  30. بدائع الفوائد (4/4).
  31. بدائع الفوائد (4/4).
  32. أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب العزل برقم (4808) ومسلم في كتاب النكاح، باب حكم العزل برقم (2608).
  33. بدائع الفوائد (4/4).
  34. بدائع الفوائد (4/4).
  35. بدائع الفوائد (4/4).
  36. بدائع الفوائد (4/4).
  37. بدائع الفوائد (4/5).
  38. بدائع الفوائد (4/5).
  39. بدائع الفوائد (4/9).
  40. بدائع الفوائد (4/9).
  41. بدائع الفوائد (4/9).
  42. بدائع الفوائد (4/9).
  43. بدائع الفوائد (4/12).
  44. بدائع الفوائد (4/12).

مواد ذات صلة