السبت 21 / شعبان / 1445 - 02 / مارس 2024
32- ومن كتاب الاختيارات. القواعد 409-433‏
تاريخ النشر: ١٣ / ذو القعدة / ١٤٣٣
التحميل: 1578
مرات الإستماع: 2319

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعدُ:

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"يجوز التصرف فيما في يده بالوقف وغيره، حتى تقوم حجة شرعية: أنه ليس ملكًا له، لكن لا يُحكم بالوقف، حتى يثبت الملك"[1].

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإنَّ ما تحت يد الإنسان من وقف وأموال، إما أن تكون من أملاكه، أو يكون ذلك مما هو وصي عليه، أو وكيل أو نحو ذلك، فالأصل أنه يُقر على هذا، ما لم يثبت غيره، فهذا الذي بيده، ويقول: إنه وقف يتصرف فيه، وهو مؤتمن عليه، حتى يثبت ما هو خلاف ذلك.

والوقف لا يكون -كما هو معلوم- إلا من المالك، فإذا ثبت أنه مالك لهذا العقار مثلاً، فإنه يصح وقفه، فإذا ثبت الملك ثبت الوقف، فيبقى أن ما تحت يده يُقر على ما هو عليه، حتى تقوم حجة على خلاف ما ذكر.

قال -رحمه الله-:

"هل تفويت المعدوم الذي انعقد سبب وجوده، كإعدام الموجود؟ يفهم من كلامه: استواء الأمرين"[2].

هذه مسألة تتعلق بالترك والتخلي، يعني: لو أنَّ الإنسان أقدم على إتلاف حق الغير، أو إتلاف مال الغير، فإنه يضمن إن كان هذا الإتلاف بغير حق، هذا فيما كان من عمله، إما مباشرة، أو بالتسبب، طيب لو كان ذلك بالترك والتخلي، يعني ما كان من جهة العدم، فهل يضمن أو لا؟! مثل: لو أنه ترك سقي غنم الغير، وكانت وديعة عنده، أو أمانة، أو كان صاحبها قد ذهب عنها، وهذا يستطيع سقيها، فلم يفعل، وجد بهيمة تكاد تهلك من العطش، أو وجد إنسانًا يكاد يهلك من العطش، وعنده فضل ماء، فلم يسقه، أو وجد جريحًا ينزف، وعنده خيوط يستطيع أن يخيط هذه الجراح، أو يعطيها الطبيب الذي طلبها مثلاً، فلم يفعل، أو عنده دواء لهذه الجروح فلم يفعل حتى مات، فمثل هذا هل يعتبر فعلاً ويضمن أو لا يضمن؟!

بعض أهل العلم يقولون: يضمن، وشيخ الإسلام هنا سوى بين المباشرة، وبين هذا الذي هو من قبيل الترك، وهذا الذي ذكره صاحب المراقي بقوله:

فَكَفُنَا بِالنَّهْيِّ مَطْلُوبُ النَّبي وَالْكَفُ فِعْلٌ فِي صَحِيحِ المذْهَبِ[3]

فجعل الترك فعلاً، ثم ذكر أمثلة وتطبيقات على هذا.

ثم قال:

لَه فُرُوعٌ ذُكِرَتْ فِي المنْهَجِ وَسَرْدُهَا مِنْ بَعْدِ ذَا الْبَيْتِ يَجِي[4]

في المنهج أي: كتاب المنهج.

مِنْ شُرْبٍ أَوْ خَيْطٍ ذَكَاةِ فَضَلَ مَا وَعَمْدِ رَسْمٍ شَهَادَةٍ وَمَا[5]

إلى آخر ما ذكر.

شرب أو خيط، مثل ما قلنا: السقي أو الخيط للجراح، ذكاة: كأن وجد البهيمة ستلفظ أنفاسها، فإذا ذُكيت وأدركت أُكلت، وعنده سكين، ويستطيع أن يذكيها، وجالس يتفرج حتى خرجت نفسها وماتت، فلم ينتفع بها في أكل، ففوتها على صاحبها، هل يضمن أو لا يضمن؟ وهكذا عنده وثيقة (رسم) ولم يبدها حتى ضاع الحق، رفض أن يسلم الوثيقة هذه، حتى يثبت حق فلان في هذا العقار، أو نحو ذلك، فضاع الحق، أو عنده شهادة، ورفض أن يؤديها، فضاع الحق، أو عنده عمد وسقف هذا الشخص سيسقط، وهو مستغن عن هذه الأعمدة، فقيل له: أعطنا هذا الخشب، يكون دعمًا ورفدًا لهذا السقف الذي سيسقط، قال: لا، وهو غير مضطر إليه، فسقط البناء، وسقط السقف، هل يضمن أو لا يضمن؟

فهذه مسألة الترك، فهل تفويت المعدوم الذي انعقد سبب وجوده، مثل: نخل لأحد من الناس، وهذا الإنسان قد استأجر مثلاً هذه المزرعة أو الاستراحة، وهذا النخل يحتاج إلى تأبير مثلاً، فلم يفعل، تفويت المعدوم الذي انعقد سبب وجوده، فلم يفعل، فخرج شيصًا، هل يضمن أو لا يضمن؟ لماذا لا يُؤبر هذا النخل مثلاً، بصرف النظر عن الأمثلة، فالأمثلة ليست محلاً للنزاع، وإنما المقصود هو الإيضاح والبيان، فهل تفويت المعدوم الذي انعقد سبب وجوده، كإعدام الموجود، يفهم من كلامه: استواء الأمرين، يعني: أنه يضمن، والمسألة ليست محل اتفاق، ومبناها على هذا الأصل الذي ذكرتُ آنفًا: الترك هل هو فعل أو ليس بفعل؟

والله قال عن بني إسرائيل: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79] فسماه فعلاً، وهو ترك، وكذلك أيضًا سماه صنعًا، كما في ترك الأحبار والرهبان للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وهو أشد من ترك العامة، فقال: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:63] فهو في حق الأحبار يكون من قبيل الصنع؛ لأن الصنع أقوى من مجرد الفعل، هو فعل وزيادة، هذا حينما يقصر أهل العلم في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فسماه صنعًا، ويُذكر أيضًا في خبر بناء المسجد لما قدم النبي ﷺ، وكانوا يبنون مسجد قباء، فكانوا يعملون، والنبي ﷺ يعمل معهم، فكان رجل جالس، وهم يعملون، فقال:

لَئنْ قَعَدْنَا وَالنَّبي يَعْمَلُ فَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المضَلَّلُ[6]

فسمى القعود عملاً، فهذا كله مأخذ هذه المسألة وهي: هل الترك فعل أو لا؟ فمن قال: إن الترك فعل، قال: يضمن، ومن قال: إنه ليس بفعل، قال: لا يضمن؛ لأنه ما فعل شيئًا لهذا حتى هلك زرعه، وما سقى هذه الدواب حتى ماتت، فلم يصدر منه شيء، وهكذا مثل امرأة مثلاً وصلت إلى حد المخاض، وتوجد قابلة، ويجد من يقوم بها، فتخلى الجميع عنها، فخرج الولد ميتًا، أو تعسرت فماتت هي أيضًا، هل يضمنون أو لا؟ أو طبيب وتوجد حالة يمكن أن يتدخل فيها الطب، وتعالج وتنقذ، أو هذا يحتاج إلى تنفس صناعي، ويحتاج أشياء من هذا القبيل في حالات إسعافية، فالطبيب جلس يتفرج، وقال: أنا ما لي دعوى، وما هو وقت عملي الآن، يضمن أو لا يضمن؟ وهكذا الأمثلة كثيرة جدًا.

قال -رحمه الله-:

"ويتبع العرف في الكلف السلطانية، وغيرها، ما لم يكن شرط فيتبع"[7].

الكلف السلطانية وغيرها يتبع العرف، في مثل هذه الأشياء، بمعنى: أنه لو اشترك اثنان، وكثيرًا ما يشترك الناس، وتكون أمورهم على الثقة والتصافي، وبعد ذلك يقع الاختلاف؛ لماذا؟ لأنه لم تكن هناك شروط دقيقة واضحة محددة، يضعون فيها النقاط على الحروف كما يقال، وإنما كان الأمر متسعًا، فهذه الكلف السلطانية، ونحو ذلك قد يكون هؤلاء ما حسبوا لها حسابًا، فاشترك اثنان مثلاً واحد من هذه البلاد، وواحد في بلد آخر، أو ركب ما شئت من الأمثلة، اشتركوا هذا يصدر، وهذا يورد، وهذا البضاعة وهذا يصرفها ويبيعها، هنا أنظمة، وهناك أنظمة، فالذي يصدر هناك في بلد المنشأ مثلاً تُؤخذ عليه ضرائب، وقالوا: هنا في قوانين لا بد من دفع ضرائب معينة، لا بد من رسوم على كذا، وعلى التصنيع، ولا بد من رسوم على التصدير، وهو ما حسب حسابها، ودفع ألوفًا، والشحن أيضًا، ولا بد من تأمين، والتأمين ما يجوز، قالوا: هذا نظام، لا بد من التأمين، هذا الشحن لا بد تأتي بورقة تأمين، ودفع لهم أموالاً من هنا وهناك، هو دفعها الشريك الأول، الشريك الثاني لما جاءت أيضًا أخذت منه رسوم على دخول البضاعة... إلى آخره، فهذه الرسوم تكون على من؟!

قد يقول أحد هؤلاء: لم نتفق على هذا، ويلوم صاحبه ويقول له: من الذي قال لك: ادفع؟ ولماذا لم تخبرني عن هذه الأشياء، وهذه الأنظمة؟ وما كنتُ أظن أن هذه التجارة تستدعي هذه المصروفات الكثيرة، طيب، إذا كنتُ لا تعرف، وليس لك خبرة في هذه الأمور، ففي هذه الحالة يرجع إلى العرف في الكلف السلطانية، ونحوها، فقد جرى العرف في ذلك البلد مثلاً: أنه يُؤخذ هذه الرسوم جميعًا، وليس ذلك بشيء ينفرد به من بين سائر الناس، فهنا تحسب على الجميع، إذا كان هؤلاء قد اشتركوا برأس المال.

أما إذا كان الاشتراك: أن أحدهما يدفع المال، والثاني: يعمل ببدنه، فتكون هذه الرسوم جميعًا على صاحب المال، فلا يقول: لا، أنا لم آمرك بهذا، ولم أعلم بهذا، يقال: يرجع في ذلك إلى العرف في مثل هذه الكلف السلطانية، علمتَ أو لم تعلم، فإذا اختلفوا يرجع فيه إلى العرف، ما هو العرف؟ أنه يُؤخذ هذه الرسوم، لكن لأنك جديد في هذه الشغلة ما كنتَ تعرف، لكن يعرفها الآخرون، ففي المستقبل إذا كان لديك أي اعتراض أو كذا، فمن الآن يُتفق على هذه الأشياء، فالناس قد يختلفون في أمور، فيرجع في مثل هذا إلى العرف، في هذه المباني والعقارات، والأشياء التجارية والمحال، وما أشبه ذلك، قد يُؤخذ عليها أشياء  هو لم يحسب لها حسابًا، فتحوا متجرًا، فأول شيء الترخيص، هذا يحتاج أن يدفع رسومًا، واللوحة بحسب حجم اللوحة تمتر هذه اللوحة وبحسب حجمها، ويُؤخذ منه رسوم، فإذا قال: أنا ما كنتُ أظن أن اللوحة يُؤخذ عليها أجرة، بأجرة سنوية، طيب على من؟! إن كان يشتركان في رأس المال فعليهما، وإن كان المال من واحد فعلى صاحب المال، فهذه محسوبة من المصروفات، فإن كانت الشراكة بينهما متساوية فالنصف في المال، وإذا كانت الشراكة متفاوتة هذا منه عشرة آلاف، وهذا منه مائة ألف، فيكون كل واحد بقدر حصته من المال.

قال -رحمه الله-:

"إذا شرط المؤجر على المستأجر شروطًا، له فيها غرض صحيح، صحت ولزمت"[8].

إذا شرط المؤجر على المستأجر شروطًا له فيها غرض صحيح، تعرفون أن الشروط أنواع: منها ما يكون الشرط صحيحًا، ومنها: ما يكون الشرط فاسدًا غير مفسد لأصل العقد، ومنها: ما يكون الشرط فاسدًا مفسدًا لأصل العقد، فهنا الشروط الصحيحة إذا شرط المؤجر على المستأجر شروطًا له فيها غرض صحيح، صحت ولزمت، بخلاف الشروط التي تنافي مقتضى العقد، فلو قال: أنا أؤجر لك هذا البيت بشرط ألا تسكنه، فهذا لا يصح، وهو مناف لمقتضى العقد، ولو أنه قال: أنا أؤجرك هذا البيت، بشرط ألا يأتيك زوار، أو أؤجرك هذا البيت بشرط ألا تأتي بأهلك إلى هذا البيت، فهذه شروط تنافي مقتضى العقد؛ ولماذا استأجر؟! لكن لو اشترط عليه شرطًا له فيه غرض صحيح، كأن يقول مثلاً: اشترط عليك ألا تخل بنظام هذه الدار، يعني: ما تفتح بابًا، أو تهدم جدارًا، أو نحو ذلك، فهذا له غرض صحيح، فلا إشكال، ولو قال له: أشترط عليك أنك كل ما تضع في هذا العقار يكون بعد ذلك فيه من غير مقابل، يعني: بعدما تخرج ما تطالب بتعويض، ولا تزيل شيئًا من هذه الأمور الثابتة، بنيت جدار، أو بنيت غرفة، أو نحو ذلك، أو اشترط عليه هذا، والآخر وافق، فهذا له مصلحة، وهذا له مصلحة، فهذا لا إشكال فيه؛ لأنه له فيه غرض صحيح، لكن لو كان المقصود المضارة فقط، فمثل هذا لا يصح، أو كان ينافي مقتضى العقد، فله أن يشترط، كأن يقول: أؤجرك هذه الدار بشرط ألا تؤجرها، فلا إشكال، أو لو قال له: أؤجرك هذه الدار بشرط ألا تؤجرها بما هو أكثر أثرًا، وأبلغ ضررًا من سكنى مثلك، يعني: هو ساكن فيها الآن معه ثلاثة أطفال، فراح وأجرها لمدرسة أو روضة، فهذا ضرر، أو استأجر دار ليسكنها، فوضعها -أعزكم الله- زريبة لغنمه، أو أجره متجرًا، وقال: أشترط ألا تضع ذلك مخبزًا، أو مطعمًا، أو نحو ذلك، مما يحتاج فيه إلى إيقاد، وكذا، له غرض صحيح فيه مثلاً، فلا إشكال في ذلك.

قال -رحمه الله-:

"إلحاق الزيادات والشروط المقصودة في العقود اللازمة بعد لزومها لا تُلحق في مذهب أحمد، ومن التزمها على وجه لا تلزمه خوفًا من ظلم الآخر له، لم تلزم"[9].

إلحاق الزيادات والشروط المقصودة في العقود اللازمة بعد لزومها، يعني: سواء كانت عقود إجارة، أو غير ذلك، لا تلزم، ومن التزمها خوفًا، فالواقع أنها لا تلزمه، هذا عند الإمام أحمد، وجماعة من أهل العلم، وليس محل اتفاق، لكنه ظلم بلا إشكال، بمعنى: أنه تعاقد مع هؤلاء على عقد وظيفة معلم، وأعطاهم هذا العقد، وقرأوه، ووافقوا على الشروط الموجودة فيه، ووقعوا على هذا العقد، فذهبوا وباعوا من أملاكهم، واقترضوا، ثم جاءوا وقد ركبتهم الديون، ولربما استقالوا من أعمال كانوا يعملونها، فلما جاءوا فاجأهم بعقد آخر، وقال لهم: ذاك العقد فيه زيادات، وهذه الصيغة الجديدة، وقعوا عليها، وإذا بها شروط جديدة يحصل عليهم بها ضرر، سواء كانت فيما يعطيهم من المال الذي اتفق معهم عليه أو البدلات، أو كان ذلك في أوقات العمل، أو غير ذلك من الشروط، فمن وافق بقي، ومن لم يوافق يقول: لا يبقى، فهؤلاء شعروا بمرارة الظلم، وبقي من بقي من أجل أنه خاف سيلغى عقده، وقد ركبته الديون، فيريد على الأقل أن يقضي هذه الديون، هذا ما يجوز، هذا ظلم.

هل يلزم شرعًا مثل هذا؟ على مذهب الإمام أحمد: أنها لا تلزم، حتى لو وقع على العقد الجديد، بسبب الضغوط والخوف من فصله، أو نحو ذلك، يعني: يستطيع أن يطالب، وليس للآخر أن يحاج ويقول: هذا العقد وقعت عليه، يقول: وقعت مكرهًا، فإذا جاء يسافر يستطيع أن يشتكي ويطالب، ويُرد عليه ذاك كل المستحقات والأموال، ويعوضه عن الضرر الذي حصل عليه، فما يتلاعب بالناس بهذه الطريقة، وقع معهم عقد عند تجديد العقد يمكن أن يغير، فيقال: نتفق على صيغة جديدة، وعقد جديد بعد إنهاء المدة المتفق عليها، أما أن يُؤتى بعقد جديدة مباشرة، فهذا لا يجوز، وهو من الظلم.

وقل مثل ذلك في عقود الإجارة: استأجر متجرًا، أو استأجر دارًا، فلما وقع العقد واستأجرها، واتفق معه على عقد خمس سنوات للشقة بخمسة وعشرين ألفًا، أو متفق معه سنة، فجاء بعد شهر، وقال: أسوة بأصحاب الشقق الأخرى، والعمائر والعقارات، رفعوا الإيجارات إلى ثلاثين، فأنا أريد أن أرفع الإيجار إلى ثلاثين! فهذه الزيادة لا تجوز، فهذه زيادة في المال، وأما الزيادة في الشروط: كأن يشترط عليه شروطًا أخرى، استأجر منه لمدة سنة، وبعد شهر جاءه وقال: لا، لا بد أن يكون العقد لمدة عشر سنوات، نريد أن نعدل هذا في العقد، ونزيد المدة، فلا يحق له أن يفعل ذلك.

فهذه الزيادات والشروط المقصودة في العقود اللازمة بعد لزومها، لا تصح، ولا تلزم، ومَن التزمها خوفًا، فإنه له أن يطالب بحقه بعد ذلك، وهذا ينجر الكلام فيه إلى مسائل وقضايا في عقود النكاح، وما إلى ذلك.

فمن التزم هذه الشروط والزيادات خوفًا من ظلم الآخر، لا تلزمه، كرجل تزوج امرأة، ثم بعدما تزوجها، والمرأة إذا تزوجها الرجل صارت مهيضة الجناح، يكون قد لوى يدها، فإذا ولدت كسرها، فهي الآن ستقدم تنازلات، كما تقول بعض النساء: ألقي بنفسي في النار من أجل هذا الولد، وهو يعرف، فبدأ يطلب منها أشياء، كأن تضع عنه نصف المهر الذي أخذته، وتتنازل عن المؤخر، فهي شعرت أنه سيطلقها، وسيظلمها، وسيجفوها، وسيضربها، وسيتزوج عليها، فقبلت ورضخت، فقالت: تنازلت عن نصف المهر، فهذا لا يلزم شرعًا، ولو كتبت له ورقة وشهود؟ ولو كتبت له ورقة وشهود، فهذا ظالم يستغل ضعفها، والشريعة جاءت بحفظ الحقوق، ولم تسلط الشريعة مثل هذا على هؤلاء الضعفاء، هذا من توابع هذه المسألة.

وهكذا لو أنها اشترطت عليه شروطًا صحيحة، ثم بعد ذلك أراد أن يسقط هذه الشروط، يعني: عكس الزيادة، اشترطت عليه أنها تواصل دراستها، أو تواصل تعليمها، أو أنه لا يقرب مالها، أو تواصل في عملها الذي تعمل، فلما تزوجها قال: أنا سأضحي حينما تذهبين أنتِ إلى مدرستك تعملين فيها، فالراتب لي مقابل التضحية، فتنازلت خوفًا، وكانت قد شرطت عليه في العقد، وحينما وافق ينبغي عليه أن يفي، فإذا وافقت خوفًا من الطلاق، أو من أذاه وظلمه، فإن هذا يحق لها فيه أن تطالب بما تنازلت عنه.

وهكذا: لو قال لها: أقرضيني، أو اقترضي من البنك باسمك أنتِ، وأعطيني، فاضطرت أن تقترض، وصارت تدفع من مالها، فإنها من حقها أن تُطالب هذا الرجل بكل ما دفعت، ولو قال: هبي لي سيارة، فوهبت له خوفًا من أن يطلقها، فقالت: خذ، ثم طلقها، فهل لها تطالب بذلك؟ وهل يقال: هذا رجوع في الهبة؟! و العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه[10]؟ يقال: هذا ظلم، وليست هبة بطيب نفس، ولا يحل مال المسلم إلا بطيب نفس منه، هذا بناء على هذا الأصل، والمسألة ليست محل اتفاق على كل حال.

قال -رحمه الله-:

"أجور المثل ليست شيئًا محدودًا، وإنما هي ما تساوي الشيء في نفوس أهل الرغبة في وقت التقويم"[11].

حينما يقال: فلان له أجرة المثل، ولم يتفقوا على أجرة محددة، قال له: امسح هذه السيارة، أو اغسل هذه الدار، أو ابن هذا الجدار، أو اغسل هذا الثوب، أو جاء إلى الحلاق، وقال: احلق شعر رأسي، فلما جاء إليه، قال له: بكم؟ هو توقع أنه يقول له: بعشرة، فقال له: بمائتين، فقال: الحلاقة بمائتين؟! قال: نعم هذه أسعارنا في اللوحة الموضوعة في المحل، ونحن يأتينا فئة من الزبائن تدفع مثل هذا، وإلا كنت ذهبت إلى الحلاقين الآخرين وحلقت بعشرة، فاختلفوا في أجرة الحلاقة أو غسل الثوب، أو بناء الجدار، أو حمل المتاع...، إلى آخره، فهنا يرجع في ذلك إلى أجرة المثل، وأجرة المثل تختلف بحسب المكان، فأجرة المثل هنا في هذا البلد غير أجرة المثل في الهند، غير أجرة المثل في أمريكا، فقد تكون هناك الأجور مرتفعة، وما إلى ذلك، فالأجرة تختلف.

وهذا جاء إلى بلد آخر، والأجور فيها أقل من هذا، فما يأتي هذا الأجير، ويقول: أنا كنتُ هناك أعمل مثل هذا العمل بأضعاف هذا السعر، يقال: أجرة المثل هنا وليست هناك، وهكذا إذا ركب سيارة أجرة هنا، وركب سيارة أجرة في بنغلاديش، وركب سيارة أجرة في لندن، فهل السعر واحد؟ فهل يحاسب هناك كما يحاسب هنا؟ الجواب: لا، تختلف أجرة المثل بهذه الاعتبارات، وإنما هي ما تساوي الشيء في نفوس أهل الرغبة، وليس في الزاهدين فيه، في وقت التقويم، كم أجرة المثل في هذا الوقت؟ فلا يقول: أنا ركبتُ أجرة قبل عشر سنوات في لندن، ودفعتُ مبلغ كذا، لا، الآن، أو يقول: أنا جئتكم قبل عشر سنوات، وما دفعت هذا المبلغ، نقول: الوضع الاقتصادي اختلف، وهكذا، والله أعلم.

قال -رحمه الله-:

"كتمان العيوب تغرير، والغار ضامن"[12].

وقال:

"ترك الواجب كفعل المحرم"[13].

ترك الواجب كفعل المحرم، ترك الواجب الذي هو بيان العيوب مثلاً في البيع، فكتمان العيوب تغرير، والغار ضامن، فترك الواجب كفعل المحرم، فعل المحرم مثل لو أنه وضع في السيارة شيء يغره، أو نحو ذلك، أو أنه قال له كلامًا كذبًا في صفتها، أو في إخباره عن الثمن، أو غير ذلك من الأمور التي تتعلق بالتدليس، أو الغش، أو نحو ذلك، وأصحاب بيع السيارات مثلاً عندهم طرق يتفنن بعضهم في الغش، بحيث لا تظهر العيوب، فتبدو السيارة كأنها نظيفة، وأصحاب البهائم والدواب تكون مريضة، فيعطيها إبرة تكون في غاية النشاط والقوة، فيعطيها إبرة تفرز هرمونات وأشياء تجعلها تدر الحليب في هذا اليوم، فهذا يعتبر محرمًا، وتصرية البهيمة أو الدابة، بحيث لا تُحلب يومين أو ثلاثة، هذا الفعل محرم، واحد يقول: أنا ما فعلتُ شيئًا من هذا أبدًا، السيارة كما هي، الدابة كما هي، لكن هذه السيارة فيها علل وعيوب؛ لماذا لم تذكرها؟ قال: هي أمامه، يذهب بها، يسأل عنها، ويفحصها، أنا قلتُ له تورعًا: بعتك كومًا من حديد، من أجل تبرأ الذمة أكثر، نقول: هذا كله لا يغني عنك شيئًا، أنت تعرف فيها عيوب، يجب أن تبينها، فترك الواجب الذي هو بيان العيب كفعل المحرم، هذا يرجع أيضًا إلى مسألتنا السابقة، التي هي مسألة: الترك وزيادة، الزيادة من أي جهة؟ أنه يجب عليه أن يُبيِّن العيوب، وهذا من النصيحة لكل مسلم، ولا يقول: أنا ما فعلتُ فيها شيئًا أغرر الآخرين، مما يزوقها، أو نحو ذلك، يذهب يغسل المكينة مثلاً في مغسلة السيارات، والمكينة كلها زيوت وأشياء ومشاكل، فإذا غُسلت أصبحت كأنها قطعة من فضة، وهي مليئة بالعيوب، فاختفت هذه العيوب، والتسربات التي فيها، فهذا يُعتبر محرمًا، فكون هذا الإنسان فعل محرمًا، أو ترك واجبًا في بيان العيب مثلاً، هذا كله سواء، والغار ضامن، ومن رديء ما يردده بعض الناس: أن القانون لا يحمي المغفلين، فإذا ما كان القانون يحمي المغفلين، فسيحمي من؟! فإذا كان الإنسان حصل له تغرير، أو غبن معتبر، يعني غبن فاحش، أو حصل له شيء من الغش، أو التدليس، أو نحو هذا، وهو لا يعرف، فمن حقه أن يرجع على البائع، فيخير بين الرد، أو الأرش (الفارق).

قال -رحمه الله-:

"يجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة، وكل ما أفضى إلى المحرم كثيرًا حرمه الشارع، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، كأن يكون سببًا للشر والفساد، وما ألهى وشغل عما أمر الله به، فهو منهي عنه، وإن لم يُحرم جنسه، كالبيع والتجارة، وأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو، وضروب اللعب، مما لا يُستعان به في حق شرعي، فكله حرام، ويُرخص للصغار، ما لا يُرخص للكبار"[14].

هذه قاعدة وأصل في غاية الأهمية فيما يتعلق باللهو واللعب بأنواعه، فذكر هذا الضابط: "يجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة" مثل ماذا؟ ملاعبة الرجل أهله، وملاعبته لولده، وتدريب وتأديب الفرس، فمثل هذا من اللهو الذي اعتبره الشارع، وهو اللهو الذي يُتوصل به إلى أسباب القوة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر[15]، وضُبط هكذا: لا سَبْق يعني لا مسابقة وسباق، ولا سَبَق يعني جائز، وذكر هذه الثلاث: الخف: كالجمل، والحافر: الفرس، والنصل: الرمي، وقاس عليها بعض أهل العلم ما فيه نفع للأمة، كالعلم الذي ينتفع به، وحفظ القرآن، وما أشبه هذا، فالمسابقة على هذه الدواب، أو بالرمي هو نوع من اللهو، لكنه لهو فيه مصلحة، بلا مضرة غالبًا.

قال: "وكل ما أفضى إلى المحرم كثيرًا حرمه الشارع إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة" فالغناء حرمه الشارع؛ لأنه يُفضي إلى المحرم: من الغفلة، وقسوة القلب، وهو رقية الزنا، كما قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-[16]، ويكون سببًا للإعراض عن ذكر الله وكلامه، فمثل هذا الذي يمرض القلوب يفضي إلى المحرم والشر كثيرًا، فحرمه الشارع، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، في مثل الحالات التي استثنيت: كإعلان النكاح، وهو وقت فرح بالضرب بالدف للنساء، وفي يوم العيد إظهارًا للفرح بهذه المناسبة، فهو يوم فرح ويوم عيد، فمثل هذا فيه مصلحة راجحة هنا.

قال: "وما ألهى وشغل عما أمر الله به، فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه، كالبيع والتجارة" يعني: قد يكون الشيء مباحًا في أصله، لكن إذا ألهى صار محرمًا، مثل البيع والتجارة إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9] فإذا باع بعد النداء الثاني، فإن البيع باطل وفاسد، والعقد لا يصح، وهو محرم إذا كان الإنسان يبيع ويشتري فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:36-37].

وابن عمر لما خرج إلى السوق، وأذّن المؤذن، فأغلق الناس حوانيتهم، هذا أصل في إغلاق الحوانيت، الذي يقولون هذه بدعة عصرية، قال ابن عمر: هؤلاء الذين نزل فيهم وقرأ الآية: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ[17]، فهذا البيع والشراء وهو مصلحة معتبرة شرعًا إذا ألهى عن ذكر الله فهو محرم، وهكذا الاشتغال بالأولاد والزوجات، وما إلى ذلك، فإنه يحرم.

فكيف بما لا يكون بهذه المثابة؟ مثل لعب الورق، ولعب الكرة، فإذا كان يُشغِل عن ذكر الله فلا شك أنه محرم، أو إذا كان يُورث العداوة والبغضاء، ومفسدته ومضرته أكبر، فيكون محرمًا.

قال: "وإن لم يحرم جنسه" يعني: قد يكون أصله مباحًا، لكن لمزاولات معينة صار محرمًا بهذه الصفة، وتحول إلى شيء آخر، وإن كان أصله مباحًا، يعني: ممكن يلعب اثنان بهذه اللعبة أو الكرة، أو نحو ذلك، ولا يشغلهم عن ذكر الله، ولا عن الصلاة، ولا يورث بينهما عداوة ولا بغضاء، لكن حينما يتحول ذلك إلى شيء آخر، فيشغل عن ذكر الله، وعن الصلاة، ويتحول اهتمام الأمة إلى منافسات لا طائل تحتها، وانتصارات وهمية، وما إلى ذلك، وتنفق فيها الأموال الطائلة، فمثل هذا لا يسوغ شرعًا، وإن كان أصله مباحًا.

قال: "وإن لم يحرم جنسه" لأن هناك أشياء يحرم جنسها، مثل اللعب بالنردشير، فقد قال النبي ﷺ: من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه[18]، وكذلك أيضًا مثل اللعب بتناطح الثيران، أو الخراف، أو تناقر الديكة، ونحو ذلك، ويتفرج الناس ويتسلون، فهذا لا يجوز ، وهو في جنسه محرم، قل أو كثر، شغل عن ذكر الله، أو لم يشغل.

قال: "وأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو، وضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق شرعي، فكله حرام" بهذا تستطيع أن تزن فيه أنواع اللهو، مما لا يُستعان به على حق شرعي، فكله حرام، ويرخص للصغار ما لا يرخص للكبار؛ لأن الصغير يوسع له في هذا في الباب، وهو باب اللعب واللهو، وما إلى ذلك.

قال -رحمه الله-:

"ما أُخذ من الأموال والنفوس، أو أُتلف منها في حال الجاهلية، أقر قراره، ولم يُضمن"[19].

ما أُخذ من الأموال والنفوس، أو أُتلف منها في حال الجاهلية أُقر قراره، ولم يُضمن، بمعنى: أن الإسلام لما جاء كان الناس في الجاهلية بينهم سلب ونهب، وقتل ودماء، فالإسلام أقرهم على الحال التي أدركوا الإسلام عليها، فألغى تلك الدماء والأموال التي بأيديهم، وأقرهم عليها، وبعض هؤلاء المماليك كان مخطوفًا، وبعض هذه الأموال نهب وسلب، فأقرهم على ما في أيديهم في أيام الجاهلية، ثم بعد ذلك بدؤوا بصفحة جديدة.

قال -رحمه الله-:

"المال المشترك المختلط زيادته ونقصه بين الشركاء على قدر أملاكهم، وإذا تعذر معرفة قدر مال كل منهما، أو منهم، فالأصل المساواة".

يعني كما قلنا: مثلاً في الكلف السلطانية، أو في أنواع التجارات، أو غير ذلك مما يحصل أيضًا من النقص في الأموال، لو أن أحدًا من الناس استنقذ هذه الأموال بدفع شيء من المال لقطاع الطرق، من أجل أن يسلم هذا المال، فأعطاهم من هذه الإبل مثلاً قدرًا، ناقة أو شيئًا، فهذه تكون من هذا المال المشترك بين مجموعة من الناس، فيرجع إلى كل واحد بحسب سهمه وحصته.

وهذه الضرائب والرسوم... إلى آخره، كما سبق إذا كانوا يشتركون في رأس المال، فيرجع إلى كل واحد بحسبه، ولو حصل تثمير للمال وأرباح، فإن لم يكن اتفاق بينهم، كأن يكون هناك نسبة معينة لسبب أو لآخر، كأن يقول مثلاً أحد هؤلاء: باعتبار أنني أنا الذي أعمل في المال، ومني أيضًا جزء من رأس المال، فأنا سآخذ ستين بالمائة من الربح، وكلاهما دفع نصف المال، لكن لأن هذا يعمل فيه، ويثمره، إلى آخره، فاتفقوا على أن تكون النسبة بينهم في الربح لهذا ستين، ولهذا أربعين، فالربح بهذا الاتفاق يرجع إلى كل واحد بحسب هذه النسبة.

ولو أنه لم يحصل بينهم اتفاق على هذا، وكل واحد دفع نصف المال، فإن الربح يكون بينهم على النصف، فلو أنّ لكل واحد منهم سهمًا، هذا منه ثلاثين، وهذا منه عشرين، وهذا منه عشرة، وهذا منه كذا، ثم بعد ذلك حصلت أرباح، فهذه الأرباح كيف توزع؟ لكل واحد بحسب السهم.

ولو أنهم ما عرفوا كم لهم من المال؟ كأن تكون مساهمة قديمة جدًا، وهذا يحصل أحيانًا، فالناس يحصل لهم مساهمات قديمة منذ طفولتهم، أو منذ زمن طويل اشتركوا في أسهم، أو اشتروا عقارًا، ثم تركوه، كل واحد دفع مال، ثم بعد ثلاثين سنة مثلاً، نظروا في هذا الأمر، وحاولوا أن يتذكروا كم دفع كل واحد؟ فلم يعرفوا، ففي هذه الحال يكون بينهم بالسوية.

قال -رحمه الله-:

"أسباب الضمان: الإتلاف بغير حق، والتلف بيد الأمين بتعدٍ أو تفريط، واليد المتعدية فيضمن الشيء بمثله إذا أمكن، ولو غير مكيل أو موزون، وإلا فبقيمته".

ذكر هنا أسباب الضمان، وهي: الإتلاف بغير حق، والتعدي الواضح، والتلف بيد الأمين بتعدٍ أو تفريط؛ لأن الأمين لا يضمن إن لم يحصل منه التعدي أو التفريط.

وذكرنا لكم أمثلة من قبل في التفريط، وقلنا: لو أنه وضع مالاً كثيرًا لا يُوضع مثله عادة في البيت، فينظر هل وضعه في وقت كان يمكن أن يضعه في البنك مثلاً، فإن كان فإنه يضمن؛ لأنه مفرط، وكإنسان عنده وديعة وعنده أموال ودائع للناس، فذهب يتجر بها، فخسرت، فإنه يضمن؛ لأن هذا من قبيل التعدي، والأول من قبيل التفريط، فيضمنها.

وقال: "فيضمن الشيء بمثله، إذا أمكن، ولو غير مكيل، أو موزون، وإلا فبقيمته" يضمن الشيء بمثله، ولو غير مكيل، أو موزون، المكيل والموزون لا إشكال أنه يضمن بمثله، يعني: لو أنه ضيع وسقًا من البر، فإنه يكون عليه أن يأتي بمثله، ولو أنه أخذ هذا الكتاب بغير حق، بتعدٍ، أو أُعطي كأمانة، ثم فرط، تركها في مكان وذهب، فجاء ولم يجد هذا الكتاب، فإنه يضمن المثل، فيأتي بكتاب مثل هذا، مع أنه ليس بمكيل ولا موزون، أو هذا الكأس ضيعه بتفريط، أو أُعطيه أمانة، فإنه يأتي بمثله، مع أنه ليس بمكيل ولا موزون، فيضمن الشيء بمثله إذا أمكن، يعني: لا يختص ذلك بالمكيلات والموزونات.

"وإلا فبقيمته" والقيمة غير الثمن، الثمن بكم اشتراه؟ قد يكون اشتراه بسعر أقل، حاباه البائع، وقد يكون اشتراه في وقت الرخص، ولكن قيمته أكثر من هذا، هو اشتراه بعشرة محاباة، أو في وقت كان رخيصًا، أو اشتراه من بلد آخر، لكن كم قيمته هنا؟ فقد تكون قيمته أكثر من هذا (الضعف) فيضمن بقيمته، وليس بثمنه، فلا يقول: بكم اشتريته؟ أعطني الفاتورة، حتى أدفع لك مثل الذي دفعت فيه، لا، فليس هذا من العدل.

قال -رحمه الله-:

"وقدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عُمل فيه بالاجتهاد، كما يُفعل في قدر قيمته بالاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه"[20].

"قدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عُمل فيه بالاجتهاد" وهذا يُستعمل في الإتلافات، يعني: الآن مثل حوادث السيارات هذا مبني على الاجتهاد من أهل الخبرة، كم تكلفة هذه السيارة التي صارت بهذه المثابة؟! لأنه أصابها مثل هذا الخلل، فيُعمل في ذلك بالاجتهاد، كيف يكون هذا الاجتهاد؟ العدل فيه أن تُقوَّم هذه السيارة وهي صحيحة، وتقوَّم هذه السيارة وهي معيبة، فيُعطى الفرق، والفرق قد يكون أكبر بكثير من قيمة الإصلاح؛ لماذا؟ لأن قيمة السيارة إذا صدمت -حتى لو أصلحت- تكون أقل من قيمتها وهي غير معيبة، وهذا معروف، فما يصح أن يقال: تكلفة الإصلاح هي خمسة آلاف، لا، هذه السيارة وهي صحيحة بدون صدمة كم تساوي؟ وكم تساوي بعد ما صدمت؟ هذا أرش الجناية؛ لأنه لحقه الضرر، وبعض الناس يسأل فيقول: أنا لم أشتر قطع غيار جديدة، أنا اشتريتُ مقلدة، نقول: هذا أمر لا شأن لك به، هذا أنت فيه بالخيار تصلحها بأي طريقة شئت، أو لا تصلحها، هذا أرش الجناية تستحقه، فأرش الجناية: عشرة آلاف، وتكلفة الإصلاح: سبعة آلاف، طيب والباقي؟ الباقي من حقك؛ لأن السيارة نقصت قيمتها أصلاً؛ فإذا ذهبتَ لتبيع السيارة ينظرون هل سبق أنها صدمت أو لا؟

فقدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عُمل فيه بالاجتهاد، كما يُفعل في قدر قيمته بالاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه، هذا التقويم مبني على الاجتهاد من قبل أهل الخبرة.

قال -رحمه الله-:

"ومن لم يقم بوظيفته غيّره مَن له الولاية لمن يقوم بها إلى أن يتوب الأول، ويلتزم بالواجب، ويجب أن يولى في الوظائف وأئمة المساجد الأحق بها شرعًا، وأن يعمل ما قدر عليه من عمل الواجب، وليس للناس أن يولوا عليهم الفاسق، وإن نفذ حكمه، وصحت الصلاة خلفه"[21].

معنى الكلام: أنَّ من لم يقم بوظيفته فإنه يُغيِّره مَن له ولاية، فيولي من يقوم بها، هذا الإنسان ولي القضاء مثلاً ولكنه ما يأتي، ولا يقضي بين الناس فيغيره من له الولاية، ويضع من يقوم بذلك، وهذا إمام مسجد، أو مؤذن مسجد ولا يحضر، أو جاء بأحد العمال وأعطاه شيئًا من المال، وقال: أذن أنت، فمثل هذا يغيره من له الولاية، وهكذا من ولي التعليم أو التدريس، أو نحو ذلك، فلم يقم به، فإنه يغير من له الولاية، سواء كانت ولاية وقف، أو كانت ولاية عامة، كالسلطان، ونحوه، إلى أن يتوب الأول، ويلتزم بالواجب "ويجب أن يولى في الوظائف وأئمة المساجد الأحق بها شرعًا" يعني: لا يكون ذلك على سبيل المحاباة، وأن يعمل ما قدر عليه من عمل الواجب، يعني يبذل جهده "وليس للناس أن يولوا عليهم الفاسق، وإن نفذ حكمه، وصحت الصلاة خلفه" يعني: اختيارًا، يعني من عند أنفسهم، أن يقولون: نحن نرشح فلانًا، ونختار فلانًا، أو أن يأتي أهل الحل والعقد إلى فاسق، ويقولون: نريد أن نعقد لك ولاية، هذا لا يجوز، طبعًا لو فعلوا نفذ حكمه، وصحت الصلاة خلفه، لكنه في بعض الحالات قد يكون هذا هو المتاح؛ لأنه أصلح مَن يكون لهذه الولاية لسبب أو لآخر، فيضطرون من باب ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما أحيانًا، كما هو الآن في هذا البلاء الذي بلي به الناس، من أن يكون الاختيار بطريقة انتخابات، يشارك فيها من يفهم ومن لا يفهم، ويشارك فيها الكفار وأهل البدع، والرجال والنساء، والجميع من يحسن ومن لا يحسن، ليس أهل الحل والعقد، بل العكس أحيانًا يصير أهل الحل والعقد تبعًا للدهماء، جمهور الشعب، فالشعب يريد كذا، فيكون أهل الحل والعقد تبعًا لهؤلاء الدهماء وهذا لا يصح بحال من الأحوال، فإذا ابتلي الناس بحال كهذه، فماذا يفعلون؟ وهؤلاء الذين ترشحوا لا يوجد فيهم من تبرأ به الذمة مثلاً، فهنا يقال: من باب أخف الضررين لدفع أعلاهما فقط، أو يكون أحيانًا لأن هؤلاء يفعلون ذلك، ويوجد أهل صلاح، لكن ليست هناك مقومات لفوزهم، يوجد أخيار صلحاء، وأهل دراية ومعرفة، لكن لا توجد مقومات لفوزهم، فستضيع الأصوات هباء منثورًا، ففي هذه الحال ماذا يفعلون؟ ينظرون في الأصلح قدر الإمكان، مع الإمكانات التي يمكن أن يقدم هذا الشخص ويفوز فيها، حتى لا يكون -كما يقال- رهان على فرس خاسر من البداية، فتضيع الجهود، وتضيع المصالح، ويتغلب الأشرار، فهذه كلها مبناها على مسألة الموازنة بين المصالح والمفاسد، والموازنة بين المفاسد إذا تزاحمت.

قال -رحمه الله-:

"ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان، ولا يلزم الوفاء بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًا"[22].

يجوز تغيير شرط الواقف، الواقف وضع شروطًا، فقال: دخل هذا الوقف من هذا العقار يصرف للفقراء، أو يصرف لطلاب العلم، أو يصرف لكذا، فوجد حالة أشد إلحاحًا وحرجًا، كأن يكون هجم العدو على بلاد المسلمين، ونحو ذلك، كما يحصل أيضًا الآن لإخواننا في سوريا، فهذا واقف وضع وقفًا، وقال: أريد أن هذه الأموال تكون لتوزيع الكتب، وحفر آباء ماء، وتوزيع الطعام على الفقراء، وهناك مسغبة وناس يموتون، بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: بأنه لو وقف على الفقهاء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد صُرف إلى الجند[23]، وهكذا لو قال: للفقراء، فإنه إذا اجتاح العدو وغلب؛ لأن هؤلاء الجند لا يوجد معهم سلاح، ولا مال، فسيتغلب العدو، ففي هذه الحال سيقتل هؤلاء الجند، ويقتل هؤلاء الفقراء، فيذهب الفقراء، ويذهب البلد، ففي هذه الحال يُعطى للأكثر حاجة، وأعظم مصلحة، وإن كان يخالف شرط الواقف.

يقول: "ولا يلزم الوفاء بالشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًا" باعتبار أن الوقف قربة يتقرب بها إلى الله -تبارك وتعالى-، كما هو مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-، وهذا أمر لا شك فيه: أن الوقف المقصود به القربة في الأصل، فإذا كان المقصود به قربة في أصل الجهة الموقوف عليها، فلو كانت هناك للواقف من الشروط ما ليس بمستحب أصلاً، ففي هذه الحال، فإنه لا يُعتبر في الجهة الموقوف عليها مثلاً، لو قال: نصف دخل هذا الوقف يُصرف للنادي الفلاني، أو لمن يحقق أهدافًا من اللاعبين، ينفذ هذا الشرط أو ما ينفذ؟ هذه قربة لله فلا ينفذ مثل هذا.

قال -رحمه الله-:

"ويجب عمارة الوقف بحسب البطون، والجمع بين عمارة الوقف، وأرباب الوظائف حسب الإمكان أولى، بل قد تجب"[24].

يعني: الآن يجب عمارة الوقف وإصلاحه وتعاهده وترميمه، وإصلاح ما يحصل به من خلل، ويتطرق إليه من فساد، ونحو ذلك، هذا بحسب البطون، بمعنى: الآن هذا الوقف الذري -كما يقال- الوقف على الذرية، يكون لمن؟ للبطن الأول، ثم يكون بعد ذلك للبطن الثاني، ثم للبطن الثالث، الآن أصحاب البطن الأول لا زالوا على قيد الحياة، أو أن أكثرهم على قيد الحياة، وهم الذين ينتفعون من هذا الوقف، فمن الذي يتولى عمارة الوقف وإصلاحه؟ هم هؤلاء الذين ينتفعون من غلته لمن وقف عليهم، لو طولب البطن الثاني فقيل لهم: أنتم الذين تقومون بهذا، وأنتم الشباب، فهنا يقال: لا، أنتم الذين تستغلون غلة هذا الوقف، فأنتم إذن الذين تقومون بعمارته.

قال: "والجمع بين عمارة الوقف وأرباب الوظائف حسب الإمكان أولى، بل قد تجب" يعني: مثل ما يجعل على هذا الوقف من رسوم وضرائب، وأحيانًا الوقف قد لا يكون له دخل، لا زال جديدًا، لم يؤجر، يكون على من هذا؟ يكون على أصحاب البطن التي لا زال يُصرف له غلته، إذا وجدت فهم الذين يصلحون ويتحملون هذه الرسوم والضرائب، وكذلك أيضًا يتحملون الوظائف الأخرى، كما لو احتاج إلى إدارة هذا الوقف، فإنهم يتولون ذلك جميعًا.

قال -رحمه الله-:

"التحقيق أنَّ لفظ الواقف والموصي والناذر والحلف، وكل عاقد يحمل على مذهبه وعادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافق لغة العرب أو لغة الشارع أو لا، والعادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظ الاستفاضة"[25].

يقول: "لفظ الواقف والموصي والناذر... إلخ، يُحمل على مذهبه وعادته في خطابه... إلخ، هذا باعتبار أن كلام كل متكلم يحمل على معهوده وعادته وعرفه، هذه قاعدة، سواء كان له عرف خاص، أو كان ثمة عرف عام، عرف عام مثل عرف الناس في عصر من العصور، أو أهل بلد هذا عرف خاص، عرف أخص عرف أهل صنعة معينة هو منها، أو أهل فن من الفنون، فيحمل كلام كل متكلم على معهوده وعادته، هذا سواء هنا في باب الوقف والوصية والنذر والحلف، وكل عاقد... إلى آخره، حتى في القضايا الأخرى، مثل القذف والإقرار، وما أشبه ذلك، والطلاق والظهار، والتحريم، وهناك ألفاظ صريحة، وهناك كنايات يُستفصل القائل فيها، يقال له: ماذا أردت؟ إذا كانت تحتمل، فقد تكون هذه العبارة في عرف هؤلاء القوم من قبيل القذف، وفي عرف آخرين، أو عرف المقذوف هي من قبيل القذف، وعرف القاذف أنها ليست من قبيل القذف، فنأخذ بعرف المقذوف، وإلا بعرف القاذف؟ هذا يحصل، فتحصل خصومة بين اثنين كل واحد من بلد، اجتمعوا في هذا البلد، هذا يقول: قذفني، وعنده شهود، يقول: قال كذا، ويأتي بإثبات من بلده أن هذه الكلمة قذف صريح، وهذا يقول: هذه ليست بقذف في عرفنا ولغتنا ومعهود خطابنا، ويأتي بشهود أنها ليست بقذف، فمثل هذه الحال يُؤخذ بعرف من؟ بعرف المتكلم، فيحمل كلامه.

وهكذا في قضايا تتعلق بتسمية المهر، ونحو ذلك، فلو أنه قال مثلاً زوجتك على عشر من الإبل، فلما جاءوا وقالوا: هات المهر، قال لهم: تفضلوا هذه عشر من الإبل، قالوا: وما نصنع بالإبل؟ لسنا بأهل إبل، وليس عندنا محل، وليس عندنا من يقوم عليها، إنما نريد قيمة الإبل، فاختصموا، قال: المسمى في العقد عشر من الإبل، فلكم عشر، وجاءوا إليك، وقالوا: احكم بيننا بالحق ولا تشطط، فماذا ستفعل؟ تحكم لمن؟! وبعرف من؟ ولذلك يقولون: القاضي يجب أن يعرف معهود وعرف وعادة من يحكم بينهم، إذا جاء إلى بلد لازم يعرف معهودهم في الكلام.

فهنا إذا قالوا له: زوجناك على عشر من الإبل، يرجع إلى عادة الذين اشترطوا هذا، وتكلموا به، فإذا قالوا: العرف عادة عندنا في تسمية المهور أننا نسمي الإبل، ونقصد قيمة الإبل، ففي هذه الحال يستحقون القيمة، وهكذا أيضًا الواقف والموصي والناذر أحيانًا الإنسان يتكلم بعبارات فيما يتعلق بالبيع، أو الإجارة، أو الهبة، وكثيرًا ما يقع هذا في الوصايا، فحينما يكتبون العوام بعض الوصايا أحيانًا تجلس مع هذا الموصي، وأحيانًا يكون مات فتجلس مع أولاده، وتسأل واحدًا واحدًا ماذا يقصد بهذه العبارة؟! فتجد أنه أدخل أشياء في أشياء، وجمع بين أمور هو لا يعرف ماذا يريد أحيانًا؟ وأحيانًا إذا استفصل عرفت أنه لا يقصد بها الوقف، وأحيانًا تجد الإنسان ربما يتكلم بكلام ليس فيه لفظ النذر، وإنما يقصد به النذر، ويتكلم بكلام ليس فيه شيء من حروف القسم، ولا فعل القسم، ولا المقسم به، وينزل منزلة القسم؛ لأنه أراد اليمين بذلك، هذه عادتهم إذا حلفوا قالوا: كذا، بعضهم يقول: عليّ الطلاق مثلاً، أو نحو ذلك عادتهم، يقصدون الحلف، ولا يقصدون الطلاق، فيحمل كلامهم على معهودهم، أحيانًا يريد أن يجري بيعًا، فتجد في الصيغة، أو في الكلام الذي قاله ما هو من قبيل أحيانًا الإجارة، أو نحو ذلك، لكنه لا يقصد البيع، قد يحصل معاقدة بينه وبين الآخر: فيقول: ملكتك منفعة هذه السيارة، ويقصد أجرة تمليك المنفعة، فهذا في الأجرة، يقول: لا ما أقصد الأجرة، هذا عقد بيع، لكنه ما أحسن الكلام، وما أحسن العبارة، فيرجع إلى قصده في ذلك، فإن كان له عادة وعرف يتكلم بمثل هذه الأشياء، ويقصد بها البيع فإنه يحمل على عادته وعرفه، بل قال بعض أهل العلم: ولو كان ذلك في الصريح، هذا متى؟ إذا كان مؤتمنًا، إذا لم توجد تهمة، وقال: أنا أردت كذا.

قال -رحمه الله-:

"وإن نُزل تنزيلاً شرعيًّا لم يجز صرفه بلا موجب شرعي، وكل متصرف بولاية إذا قيل له: افعل ما تشاء، فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه، أو يراه مطلقًا، فهو شرط باطل لمخالفته الشرع"[26].

يقول: "وإن نزل تنزيلاً شرعيًّا لم يجز صرفه بلا موجب شرعي" يعني هذا الواقف كتب وضع هذا الوقف بطريقة مقننة مفصلة موافقة للشرع، ومصارف الوقف، وشروط ذلك بطريقة صحيحة، لا يجوز أن يتصرف فيه أحد، كما هو الحال في الوصية أيضًا فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [البقرة:181] فهذا لا يغير لم يجز صرفه، بل موجب شرعي، كما قلنا: فيما لو وجدت مصلحة أعظم، ووجدت ضرورة، أو نحو ذلك، فهنا قال: "وكل متصرف بولاية إذا قيل له: افعل ما تشاء، فإنما هو لمصلحة شرعية" يعني: ولي على الوقف مثلاً، أو أعطاك مالاً، وقال: هذا انظر في المصالح وما تراه تصرف فيه، تريد أن تجعله للفقراء، تريد أن تجعله في كتب، تريد أن تجعله في المصاحف، في الماء، في أي ما تراه افعل، ففي مثل هذه الحال هل يكون ذلك للتشهي؟ يعني بمعنى: أنه يتصرف بحسب التشهي، وإلا بحسب المصلحة؟! بحسب المصلحة، فلا يحابي به أحدًا، ويقول: أنا مفوض، وإنما ينظر في الأصلح، فهو مؤتمن؛ ولذلك أيضًا لا يصرف هذا المال في شيء قد يلحقه به تهمة، وبعض العوام أحيانًا يقول: ليس بعدك وصية، تصرف فيه بحسب نظرك، فيأتي هذا ويأخذ منه أشياء لأقاربه، قد يكونون من المحتاجين، فيزوج أخاه، ومثل هذا يلحقه فيه تهمة، ولا يفعل شيئًا على سبيل المحاباة لأحد، ويحتج بأنه أطلق له التصرف، وأذن له فيه من غير قيد.

يقول: "فإذا قيل له: افعل ما تشاء، فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه، أو يراه مطلقًا، فهو شرط باطل لمخالفته الشرع" ولو قال: افعل ما يروق لك، لم يقل فقط: هو بحسب نظرك، أو ما ترى فيه المصلحة، لا، وإنما قال: افعل ما يروق لك، فمثل هذا ليس بصحيح، وإنما في الأصلح والأنفع؛ ولذلك الذين يقومون على الصدقات، ويقومون على الأعمال الخيرية والأوقاف والجمعيات الخيرية، وما إلى ذلك، ينبغي أن يكون تصرف الواحد من هؤلاء، كما يتصرف في مال اليتيم، وأن يحاسب على القليل والكثير، وأن يصرف ذلك في الأنفع والأجدى والأصلح.

قال -رحمه الله-:

"ويد الواقف ثابتة على المتصل بالوقف، ما لم تأت حجة تتبع موجبها"[27].

يعني: هذا الوقف الآن يتصل به غرس زرع، وملاحق، فالأصل أن يد الواقف ثابتة على المتصل بالوقف، ما لم تأت حجة تدفع موجبها هذا الأشياء المتصلة بهذا الوقف هي تابعة له، فالناظر أو الواقف فإن يده ثابتة عليها، فهي تبع لهذا الوقف، مالم يأت شيء آخر يفصل بين هذا وهذا، يقال: هذا الغرس لا يتبع لهذا الوقف مثلاً، أو هذا الملحق لا يتبع لهذه البناية.

قال -رحمه الله-:

"وعلى الناظر فعل المصلحة، ومع الاشتباه إن كان عالمًا عادلاً ساغ له الاجتهاد[28].

ومن قسم شيئًا يلزمه أن يتحرى فيه العدل، ويتبع ما هو أرضى لله ولرسوله، سواء استفاد القسمة بولاية، أو عقد"[29].

على الناظر فعل المصلحة -كما سبق- لا يتصرف بالهوى والتشهي "ومع الاشتباه إن كان عالمًا عادلاً ساغ له الاجتهاد" يعني: إن لم يكن كذلك، فإنه لا يسوغ له الاجتهاد، وإنما يرجع إلى من يُبيّن له.

يقول: "ومن قسم شيئًا يلزمه أن يتحرى فيه العدل، ويتبع ما هو أرضى لله ولرسوله، سواء استفاد القسمة بولاية، أو عقد، بولاية مثل: الإمام الحاكم، القاضي، أو عقد مثل: الناظر، والوصي، هو ليس بإمام، ولا حاكم، لكنه وكِل إليه ذلك، فهنا يجب عليه إذا قسم شيئًا أن يتحرى فيه العدل، ويتبع ما هو أرضى لله ولرسوله ﷺ فلا يكون قسمه فيه شيء من المحاباة، أو التشهي.

قال -رحمه الله-:

"ومن نزل في مدرسة ونحوها استحق بحصته من المَغل، ومن جعله كالولد فقد أخطأ"[30].

"ومن نزل في مدرسة ونحوها" يعني: وقفية، وكانت الربط تُجعل على المدارس والمعاهد، ونحو ذلك، فيسكن، وأحيانًا تكون للطلاب، وأحيانًا تكون لمن جاء، وأحيانًا تكون لمن يقوم على التعليم فيها، فيقول: "من نزل في مدرسة ونحوها" يعني وقفية "استحق بحصته من المغل" يعني: الغلة، فهذه المدرسة قد يكون عليها أوقاف، وهذا كثير، فكانوا يفعلونه، وقد تكون هذه الأوقاف من عقار، وقد تكون هذه الأوقاف من ثمار وزروع، ونحو ذلك، "فاستحق بحصته من المغل" يعني: بقدر ما يستحق، باعتبار أن يكون شرط الواقف مثلاً: أن من سكن في هذه المدرسة، فإنه يستحق أن يعطى كذا في الأسبوع، أو في الشهر، أو في اليوم.

"ومن جعله كالولد فقد أخطأ" هنا ما اتضح لي وجه الارتباط بين الأمرين، لكن قد يكون المراد: من جعله، كالولد قد أخطأ، بمعنى: أنه لا يكون فيه حجب، فيما يتعلق بالوقف لا يكون ذلك كالحجب الذي يكون في الميراث، يعني لا يجعل الوقف كالميراث، ربما يكون هذا هو المراد، ويحتاج إلى مزيد من التأمل، والله أعلم.

وإذا تبين لأحد منكم فيه معنى أوضح مما ذكرت فلا بأس.

قوله:"من جعله كالوالد فقد أخطأ".

هو في الاختيارات كالولد، ولا يختلف لو قال: كالوالد مثلاً، باعتبار أن المسألة ليست من باب الميراث، ولا يكون فيه حجب، هكذا يبدو، لكن تحتاج إلى تأمل، والله أعلم.

قال -رحمه الله-:

"وإذا انتفت الشروط في الطبقة الأولى، أو بعضها لم تُحْرَم الثانية، مع وجود الشروط فيها إجماعًا"[31].

هذا ذكره في سياق بيان أن الوقف ليس كالإرث يكون فيه حجب، يعني: نحن نعرف أن في الإرث مثلاً الوالد يحجب الولد، هنا الوقف ليس كذلك، فهذا الوقف الذري مثلاً قال: إن الغلة تكون للبطن الأول، ثم للبطن الثاني، ثم كذا، وقد يشترط في البطن الأول شرطًا، كأن يقول مثلاً: هذه الغلة لمن كان محتاجًا من البطن الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، فإذا البطن الأول أغنياء، تبقى معطلة؟! ننظر إلى البطن الثاني إن كان لهم وجود، فنجد في هؤلاء فقراء، فمن يُعطى من هذه الغلة؟ انتفت الشروط في الطبقة الأولى، فإنه يعطى لمن ينطبق عليهم الشرط، ننزل إلى البطن الثاني، ولا يبقون معطلين، ينتظرون موت البطن الأول، وهم أغنياء، وهؤلاء في حال من الفقر، فيحرمون.

ولو كان واحدًا، ونزل في مدرسة، ونظرنا في هذه الشروط، وقد يكون الغلة كبيرة جدًا "من جعله كالولد فقد أخطأ" بمعنى: أنه لا يأخذ الجميع، وأنه ليس كالميراث، هذا الكلام له وجه، بمعنى: أنه لا يأخذ الغلة كاملة، لكن لو أنه نص على أخذ الغلة كاملة، فقال: كل الغلة لمن يقوم على هذه المدرسة، كالعميد، أو القيم، أو كما يسمونه سابقًا الغلة للقيم، ففي هذه الحال يأخذها، لكن لو لم ينص على هذا، يأخذ بقدر حصته، وبخاصة إذا كان الدخل ملايين؛ فيقال: يُعطى هذه الغلة لمن نزل في هذه المدرسة مثلاً، فيأخذ بقدرته حصته، وكذلك أرباب الوظائف، وأحيانًا يكون الذي يُعلِّم في هذه المدرسة واحدًا، وفي السابق عالم واحد يقوم على مدرسة، فيعلم كل العلوم، فهل يأخذ كل ذلك؟

فما ذكرتَه له وجه، والله أعلم.

قال -رحمه الله-:

"وإذا جُهل شرط الواقف صرف إلى المستحقين بالتسوية"[32].

فإذا لم يفصل الواقف، ولم يذكر أنه يعطى لهذا كذا، أو لهؤلاء كذا، فإذا مات شخص من مستحقي الوقف، وجهلنا شرط الواقف، فإننا نصرفه إلى جميع المستحقين، وقد يكن الجهل من البداية، لكنه يحصل غالبًا، وكلام شيخ الإسلام فيما إذا مات شخص، ممن نص عليه الواقف، فماذا يُفعل بهذه الغلة؟ تصرف إلى جميع المستحقين، ولو أنه نص على واحد مثلاً؛ لأنه معاق مثلاً، وقال: غلة هذا الوقف لفلان، ومات فلان، ماذا يفعل بالغلة؟ لو قال: بأن نصف غلة هذا الوقف تُعطى لفلان، والباقي للفقراء للمحتاجين، ومات هذا الشخص، فإنها تعطى تقسم بين جميع المستحقين بالسوية من غير أن يفضل أحد على أحد.

فشيخ الإسلام يتكلم فيما إذا مات؛ لأن هذا غالبًا هو الذي يحصل، مات هذا الذي خصه بهذه الغلة، أو ببعضها، فيعطى لجميع المستحقين، ولو أنه خص فلانًا؛ لأنه فقير ذو عيال، فقال: نصف الغلة له، أو كل الغلة له، وقد تكون الغلة قليلة، فمات هذا الرجل، أو ذهب، أو انتقل، وسافر، أو صار غنيًا، فهنا ماذا نفعل؟ تقسم بالسوية.

قال -رحمه الله-:

"يجوز إبدال الوقف بخير منه للمصلحة"[33].

هذا صحيح على الراجح، والمسألة ليست محل اتفاق، فهذا من اختيارات شيخ الإسلام، وبعض أهل العلم كالمالكية يشددون في هذا جدًا، لكن الراجح أنه ينقل، لا سيما إذا تعطلت مصالح الوقف، فإنه ينقل، أو كان ذلك بمنزلة تعطل مصالحه، بمعنى: أن هذه المنطقة هجرها أهلها مثلاً، فما عاد أحد يستأجر هذا العقار مثلاً، أو كانت مزرعة، فجفت المياه، وهو نص على أن هذه المزرعة أن الغلة تصرف لكذا وكذا، من هذا الثمار، فجفت المياه وغارت، ولربما وصلت المساكن إلى هذه المزرعة، فلو أنها وضعت في عقار آخر يؤجر، أو نحو ذلك، فهذا أفضل، أو بيعت، ثم بعد ذلك اشتري بها مزرعة في مكان آخر، فنقل هذا العقار إذا اقتضت المصلحة ذلك، كأن تعطلت مصالحه، أو كانت قريبة من ذلك، فصار الدخل لا يذكر، أربعة بالمائة، ويوجد موقع آخر الدخل يصل إلى عشرة بالمائة، ففي مثل هذه الحال من أهل العلم من يقول: إنه يصح نقل الوقف إلى هذا الذي يكون أنفع وأصلح، والله أعلم.

قال -رحمه الله-:

"إذا قام المستوفي بما عليه من العمل استحق ما فرض له"[34].

شيخ الإسلام ذكر أن لولي الأمر أن ينصب ديوانًا مستوفيًا على الأوقاف، يعني: لحساب الأموال، كالذي يحسب هذه الأموال، وما دخل فيها، وما خرج منها، وما إلى ذلك، فينظر في حال هذه الأوقاف، ويحسب هذه الغلات التي تكون منها، فلو أن هذا الإمام أو الحاكم قال: إن أجرة هؤلاء الحاسبين مثلاً من الأوقاف، كل وقف بحسب الدخل، فوضع لهم إما نسبة، وإما أجرة معينة محددة، أو بالساعة، ثم جاء هؤلاء وقاموا بهذا العمل الذي طلب منهم، فإنه يصرف من هذا الوقف إذا قام المستوفي بما عليه من العمل استحق ما فرض له، والمقصود بالمستوفي من ينصبه الإمام، أو نحو ذلك؛ ليقوم بعمل محاسب، أو ما أشبه ذلك لغلة الأوقاف، أو يقوم بعمليات جرد، فمن الذي يدفع الأجرة؟ لو قال: إن هذه الأجرة على أصحاب الأوقاف، فإنه يُؤخذ ذلك منهم.

قال -رحمه الله-:

"إذا اختلف النقد أعطي المستحق من نقد البلد ما قيمته قيمة المشروط الملغى"[35].

هو ذكر هذا أيضًا في الكلام على الوقف، فيما إذا قدر الواقفون قدرًا محددًا، هذا الواقف قال مثلاً -اختلف النقد أعطي المستحق من نقد البلد... إلخ، لو قال: يعطى من هذا الوقف، يعطى الناظر عشرة آلاف دينار، ثم ألغيت هذه العملة، وجيء بعملة أخرى، فماذا يُعطى؟

يقول: إذا اختلف النقد أعطي المستحق من نقد البلد، ما قيمته قيمة المشروط الملغى، فهذه الخمسة آلاف دينار، قد تكون تعادل عشرين ألف ريال، فيعطى عشرين ألف، وهكذا إذا اختلفت العملة فيما اتفق عليه من الأجرة، كإنسان عنده أجير، واتفق معه في العقد على أن يعطيه مثلاً مبلغًا محددًا، فألغيت العملة، فيعطى بقدره، ولو أنه أجره دارًا، أو نحو ذلك، أو دابة، ثم بعد ذلك اختلفت العملة الأولى، فإنه يعطى بقدر ذلك من العملة الجديدة.

  1. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 488).
  2. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 489).
  3. نشر البنود على مراقي السعود (1/ 69-70).
  4. نشر البنود على مراقي السعود (1/ 70).
  5. نشر البنود على مراقي السعود (1/ 71).
  6. البيت في السيرة النبوية لابن كثير (2/ 306) والسيرة النبوية لابن هشام (3/ 25) بلا قائل.
  7. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 490).
  8. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 541).
  9. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 541).
  10. أخرجه البخاري في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها برقم (2589) ومسلم في الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة... برقم (1622).
  11. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 493).
  12. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 496).
  13. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 496).
  14. الاختيارات الفقهية (ص: 497).
  15. أخرجه الترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الرهان والسبق برقم (1622) وابن ماجه في كتاب الجهاد، باب السبق والرهان برقم (2869) وصححه الألباني.
  16. ذم الملاهي لابن أبي الدنيا (ص: 55).
  17. تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2607) (14647).
  18. أخرجه مسلم في كتاب الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير برقم (4194).
  19. بنحوه في الاختيارات الفقهية (ص: 498).
  20. الاختيارات الفقهية (ص: 503).
  21. الاختيارات الفقهية (ص: 509).
  22. الاختيارات الفقهية (ص: 509).
  23. الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 429).
  24. الاختيارات الفقهية (ص: 509).
  25. الاختيارات الفقهية (ص: 510).
  26. الاختيارات الفقهية (ص: 510).
  27. الاختيارات الفقهية (ص: 511).
  28. الاختيارات الفقهية (ص: 510).
  29. الاختيارات الفقهية (ص: 510).
  30. الاختيارات الفقهية (ص: 512).
  31. الاختيارات الفقهية (ص: 512).
  32. الاختيارات الفقهية (ص: 514).
  33. الاختيارات الفقهية (ص: 514).
  34. الاختيارات الفقهية (ص: 515).
  35. الاختيارات الفقهية (ص: 515).

مواد ذات صلة