الأحد 20 / ربيع الآخر / 1442 - 06 / ديسمبر 2020
(66) دعاء الخروج من الخلاء " غفرانك "
تاريخ النشر: ١١ / صفر / ١٤٣٥
التحميل: 2527
مرات الإستماع: 2698

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

كان الحديثُ -أيها الأحبّة- عمَّا يقوله مَن أراد دخولَ الخلاء، وأنَّه يُسمِّي الله ؛ ليكون ذلك سترًا له من أعين الجنِّ والشياطين، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث[1].

وقد تكلمنا تفصيلاً عن معنى هذا، ولكن اليوم أُقربه بكلماتٍ قليلةٍ، من أجل أنَّ هذه المجالس والدّروس تُقدَّم للجميع، فنحن نُقدِّمها لطلاب العلم، فيجدون فيها بغيتهم، ونُقدِّمها أيضًا لعامَّة الناس؛ لأنَّ الكلَّ يحتاج إلى هذه الأشياء، فإذا جاء موضعٌ فيه تفصيلٌ يصلح لطلبة العلم، جاء مُؤَدًّا -إن شاء الله- بلغةٍ أُخرى يفهمها كلُّ أحدٍ، فلا يفوته شيءٌ، فمَن أراد المعلومات البسيطة يجدها في هذا الشَّرح -إن شاء الله-، ومَن أراد بعض التَّفاصيل يجدها في المواضع التي تتطلب ذلك، وليس هو الأصل.

فقوله: اللهم إني أعوذ بك ألتجئ إليك من الخبث يعني: ذُكران الشَّياطين، والخبائث إناث الشياطين، على قول بعض أهل العلم، أو يكون ذلك من قبيل الاستعاذة من الشَّر.

الأول بالضمِّ: (الخُبُث)، وبالإسكان، بعضهم يقول: هو لغةٌ في الخُبث، والمعنى واحدٌ، لكنَّه يُسكّن تخفيفًا، فلا فرقَ في المعنى، كما يُقال في الأول بالضم، يقال بالإسكان.

وبعضهم يقول: إنَّه بالإسكان بمعنى الشَّر، وقول مَن قال: إنَّه المكروه أو الكفر، كل ذلك داخلٌ فيه، فاستعاذ من الشَّر.

والخبائث أسباب الشَّر من الشَّياطين والأعيان التي تكون مذمومةً، بغيضةً، مكروهةً، فينأى المسلمُ عنها، ويتباعد منها، طيب، إذا خرج؟ يقول دعاء الخروج من الخلاء، وهذا ما سنتكلم عنه في هذا اليوم:

إذا خرج يقول: غفرانك، ما معنى: غفرانك؟

يعني: أنَّه يسأل الله غُفرانه، بسؤالٍ مُقدَّرٍ، فهو لا يقول: أسألك.

والغفر ذكرنا في عددٍ من المناسبات أنَّ الإنسان حينما يقول: "ربِّ اغفر لي"، فهذا يتضمَّن أمرين:

الأول: السّتر، فلا يفتضح؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة. وقلنا: منه المغفر الذي يُوضَع على الرأس، يضعه المقاتلُ على رأسه، يستر رأسَه به.

والثاني: في الغفر، وهو: الوقاية، فهذا المغفر يقيه ضرب السِّلاح.

فيكون هذا الدّعاء: "غُفرانك"، "ربِّ اغفر لي"، يعني: أطلب مغفرته، فالسِّين والتاء للطلب، يعني: أن يسترني فلا أفتضح.

والمعنى الثاني: أن يقيني تبعة الذَّنب والتَّقصير، فلا تكون المؤاخذةُ، ولا تقع العقوبةُ بسبب ذلك في الدنيا، ولا في الآخرة، فإذا غفر اللهُ للعبد سترَه ووقاه شُؤم المعصية وأثرها وتبعتها، فيسلم من ذلك كلِّه، فهذا الذي خرج من الخلاء يقول: غفرانك.

فيرد سؤال: هل هذا الإنسان الذي يدخل الخلاء قد قارف ما يستدعي الاستغفار؟ هل فعل ذنبًا؟

بعض أهل العلم يقولون: هو لم يقع منه ذنبٌ، لكنَّه لما كان في الخلاء ممتنعًا عن ذكر الله ؛ لأنَّ هذا مكانٌ ليس محلاً للذكر، فبقي مُعطَّلاً من الذكر هذه المدّة، طالت أم قصرت، فإذا خرج يقول: يا ربِّ، غفرانك. يعني: أني انقطعتُ عن ذكرك هذه المدّة. قد تقول: هذا ليس بذنبٍ؟!

نقول: نعم، ليس بذنبٍ، والاستغفار لا يكون من الذَّنب فقط، وإنما يكون من ترك الواجب، ومن فعل المحرَّم، ويكون من فعل المكروه، ومن ترك المستحبّ، ويكون الاستغفارُ أيضًا من كل ألوان الغفلة والتَّرك لذكر الله بالقلب واللِّسان والجوارح، فيستغفر العبدُ دائمًا ربَّه -تبارك وتعالى.

قد يقول قائلٌ: هو ترك الذكرَ بأمر الله ، فهو مأمورٌ بذلك شرعًا: ألا يذكر ربَّه وهو في هذه الحال على قول عامَّة أهل العلم، فكيف يسأل المغفرةَ لكونه قد ترك الذكرَ في موضعٍ هو مأمورٌ بتركه فيه، فهو امتثل أمر الله؟

أجاب بعضُ أهل العلم عن هذا فقالوا: نعم، هو تركه بأمر الشَّرع، ولكن هذا الدّخول إلى الخلاء أمرٌ اختياريّ، فله فيه نوع إرادةٍ واختيارٍ، دخول الخلاء الذي يترتّب عليه ترك الذكر.

أنا لا أريد أن أُقرر الآن أنَّ هذا الجوابَ دقيقٌ أو غير دقيقٍ، أنا أريد أن أوصل رسالةً في النِّهاية: انظروا كيف ترد النصوص؟ وكيف يُوجِّهها العلماءُ بهذه التَّوجيهات الدَّقيقة في ترك الذكر لربما في مدَّةٍ لا تتجاوز الدَّقيقتين؟ فيقول: "غفرانك" عند مَن يقولون: إنَّ هذه هي العلَّة: أنَّه ترك الذكر في هذه المدّة، طيب، بأمر الله؟! قالوا: ولو كان بأمر الله، لكن الدّخول كان باختياره، فتعطَّل من الذكر هذه المدّة، دخل مختارًا، طيب، ما تلحقه معرّة؟ نعم، ما تلحقه معرّة، لكن حالَ الذاكر أكمل، يعني: التَّشمير في ذكر الله قيامًا وقعودًا وعلى الجنوب، فإذا تعطَّل منه دقيقتين، أو نحو ذلك، قال: غفرانك.

هذا على هذا التَّفسير، بصرف النَّظر: هذا دقيقٌ أو لا؟ نريد أن ننظر إلى هؤلاء كيف يُفكِّرون؟ وكيف يُفسِّرون؟ وكيف يفهمون هذه الشَّريعة والنصوص الواردة في هذه الأبواب؟ وأين موقعنا مما هو أكبر من هذا من ذكر الله في غير الخلاء الذي نغفل عنه كثيرًا؟ ولربما كان لسانُ العبد وقلبُه وجوارحه مُعطَّلةً عن ذكر ربِّه -تبارك وتعالى-، ثم بعد ذلك يقول: أشعر بضيقٍ! هو الغريب ليس هذا، الغريب لو كان ما يشعر بضيقٍ، هذا الذي استغرب منه، أمَّا النَّتيجة الطَّبيعية هذه: أشعر بضيقٍ، هذا هو الطَّبيعي، لكن الشيء المستغرب لو قال: أنا ما أشعر بضيقٍ، هذا هو الغريب الذي يحتاج إلى تفسيرٍ، فيُخشى أن يكون هذا من باب الاستدراج.

وليس هذا هو الجواب الوحيد، فبعض أهل العلم يقول: إنَّه يقول: غُفرانك باعتبار أنَّه شاهد نعمةَ الله عليه، فالله -تبارك وتعالى- رزقه وأطعمه، ثم بعد ذلك سهل خروجه، فلو انحبس في جوفه لهلك، فهذه الأشياء هي سموم وأدواء تخرج من جسم الإنسان، فلو بقيت فيه، ولو أصابه الحصرُ -أعزَّكم الله- من البول أو نحو ذلك، ما الذي يحصل للإنسان؟ اسألوا مَن جرَّبوا هذا -نسأل الله العافية للجميع-؛ كربٌ وشدَّةٌ لمن يحصل له أيضًا، وكذلك أشياء من الانحباس يعرفها مَن يُبتلى بهذا، وبعض كبار السّن تحصل لهم أشياء في الجهاز الهضمي تمنع من تصريف هذا الطعام، فلربما بقي مدةً طويلةً -أكثر من أسبوعٍ- وهو لا يذهب إلى الخلاء، ثم بعد ذلك يحتاج إلى علاجٍ وعلاجٍ وعلاجٍ.

فهذه نعمةٌ عظيمةٌ ينبغي أن يستشعرها الإنسانُ، فهذا الذي يستشعر هذه النِّعمة يخرج فيقول: غفرانك، يعني: أنا لا أُدرك شُكر هذه النِّعمة، مهما قلتُ، ومهما بذلتُ، ومهما عملتُ فإني لا أُؤدِّي شُكرها.

ولهذا تعرفون الخليفة الذي دخل عليه أحدُ الوعَّاظ فقال له: عِظْنِي. وبيد الخليفة كأسُ ماءٍ، قال: أرأيتَ لو حُبِسَ عنك هذا –هذا الكأس يعني-؟ ما تفعل؟ طبعًا الخليفة ملكه من حدود الصين إلى الأندلس، كل هذا يُديره رجلٌ واحدٌ هو الخليفة، قال: أدفع نصفَ ما أملك. شربة ماءٍ لو حُبِسَتْ عنه، ما يشرب، يدفع في سبيل أن يشرب، قال: اشرب هنيئًا. فشرب، فقال: أرأيتَ لو حُبِسَ عنك خروجه؟ قال: أبذل نصفَ ما أملك. طبعًا الواقع أنَّه يبذل كلَّ ما يملك، لكن قال: نصف ما أملك. فقال: مُلْكٌ يذهب بشربة ماءٍ -يعني: النِّصف في هذه الشَّربة أن يشربها، والنِّصف الثاني في التَّخلص منه- لحريٌّ أن يُزْهَد فيه.

وهذا السؤال لو وُجِّه إلى كلِّ واحدٍ منا، لو قيل له: لو حُبِسَ عنك كأسُ الماء كم تبذل؟ طيب، لو حُبِسَ خروجه -هذه النِّعمة فقط- كم تبذل؟ لا شكَّ أنَّه سيقول: سأبذل كلَّ شيءٍ، حتى ثيابي هذه التي ألبسها سأبذلها، وسأستدين، وسأفعل ما بوسعي. وهي شربة ماءٍ.

فإذا خرج هذا الإنسانُ من الخلاء قال: غُفرانك، يعني: يا ربّ، أنا ما أُدرك شُكر هذه النِّعمة، فاغفر لي التَّقصير.

فهذه أشياء، هل نحن نستشعر ذلك؟

وبعض أهل العلم أجاب بجوابٍ ثالثٍ: يقولون: هو لم يحصل منه ذنبٌ، لكن الشَّيء بالشَّيء يُذْكَر؛ فلمَّا حصل له التَّخلص من هذا الذي يُثقل البدنَ فاستراح منه وتخفّف، فسأل الله أن يُخفّف عنه ويطرح ما يُثقل كاهله من الذنوب والأوزار والآثام، فيكون قد تخلَّص من الأمرين معًا: الأمر الحسي: وهو هذا الخارج. والأمر المعنوي: وهو آثار الذّنوب والآثام. فكل ذلك يكون قد تخلَّص منه: مما يُثقِل القلب، وما يُثقِل البدن، فتكتمل له الرَّاحة، ويحصل له الخلاصُ من كلِّ ما يُؤذيه ويُثقله.

نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، ووالدينا، وإخواننا المسلمين.

اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، والله أعلم.

وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء، برقم (139)، ومسلم: كتاب الحيض، باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء، برقم (563).

مواد ذات صلة