الإثنين 15 / ذو القعدة / 1441 - 06 / يوليو 2020
‏17- ابن القيم. ومن زاد المعاد ومن إغاثة اللهفان. القواعد 922-928‏
تاريخ النشر: ١٥ / ربيع الأوّل / ١٤٣٤
التحميل: 3004
مرات الإستماع: 2710

الحمد لله، والصلاة والسلام على لا نبي بعده، أما بعد:

اللهم اغفر لشيخنا ولنا وللحاضرين.

قال المؤلف -رحمه الله:

922- ومن كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، قال -رحمه الله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [سورة القصص:68]، وإذا تأملت أحوال هذا الخلق رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دال على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال وحكمته وعلمه وقدرته.

يمكن أن يكون الكلام مُتصلاً: رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دال.

قال: وإذا تأملت أحوال هذا الخلق رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دالاً على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال وحكمته وعلمه وقدرته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو فلا شريك له يخلق كخلقه ويختار كاختياره، ويُدبر كتدبيره، ثم ذكر أمثلة من هذا النوع، وأن أكمل مُختار من الخليقة محمد ﷺ.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد مضى التعريف في الليلة الماضية بهذا الكتاب، وأن هذه الآية صدر بها المُصنف -رحمه الله- كتابه هذا وجعلها مدخلاً لموضع الكتاب ولما هو بصدد الحديث عنه، هذه الآية: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [سورة القصص:68]، يختار من هذا الخلق، فذكر اختياره -تبارك وتعالى- أعني نماذج منه اختيار من البِقاع، واختيار من الأزمنة، واختيار من الملائكة، واختيار من الناس، وأن هذا الاختيار على مراتب، اختار هذه الأمة على سائر الأُمم، اختار أُمة الإجابة على أُمة الدعوة، اختار الأنبياء على سائر الناس، اختار الرسل من الأنبياء، اختار أولي العزم من الرُسل -عليهم الصلاة والسلام، اختار النبي ﷺ على سائر المُرسلين، ثم بين أن هذا الاختيار حينما ذكر الحديث: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم[1]، فهو ﷺ خيار من خيار من خيار، فمن كان بهذا المثابة من الكمالات وأن الله اصطفاه على العالمين فحري أن تُعرف سيرته وهديه وصفته وأخلاقه وأعماله، وما شرعه الله ﷺ مُبلغاً عن الله -تبارك وتعالى، فهذه هي كما يُقال الشخصية الكاملة التي من أراد أن يُحصل مراتب الكمال فليدنوا منها وليقترب وليقتدي به ﷺ ظاهراً وباطناً، فإنه كلما كان أكثر اقتداء به ﷺ كان ذلك أكمل في مرتبة العبد، فهذه الآية هي مدخل وكلامه عليها طويل وجميل يحسُن مُراجعته.

قال -رحمه الله: ثم قال: ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه سبب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هدي الرُسل وما جاءوا به، وخصوصاً خاتمهم، وبهديه توزن العقائد والأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا كان الأمر كذلك فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين ويدخل فيه في عِداد أتباعه وشيعته وحزبه والناس في هذا بين مُستقل ومُستكثر ومحروم: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الحديد:29].

ولذلك فإن الحِكم إنما تُقتبس وتؤخذ من مشكاة سنته ﷺ وهي شارحة للقرآن، ولا تؤخذ الحِكمة وما يكون به بناء النفوس وإصلاحها وزكاؤها من كُتب الفلاسفة القُدماء، كما لا تؤخذ أيضاً من كلام الفلاسفة المُحدثين من الكُتب المُترجمة عن الغربيين أو الشرقيين، فهذا لا يليق، ومن أسوء ما يكون أن يقع هذا ويجري على يد من تلبس بالعلم وعرفه ونال منه حظاً ثم بعد ذلك ينتكس ويميل إلى هذه الفلسفات مُعرضاً عن ما جاء به رسول الله ﷺ، فيظهر أثر ذلك عليه بكلامه واعتقاده وفكره وسلوكه وهديه الظاهر والباطن، -نسأل الله العافية.

قال -رحمه الله:

923- مراتب دعوة النبي ﷺ خمس: النبوة، ثم إنذار عشيرته الأقربين، ثم إنذار قومه، ثم إنذار العرب، ثم إنذار الخلق كلهم، وهذه الأربعة من آثار الرسالة.

الأربعة الأخيرة، يعني: أن النبي ﷺ نُبأ باقرأ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [سورة العلق:1]، فكان هذا إيذاناً بنبوته ﷺ، وأُرسل بالمُدثر: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ ۝ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [سورة المدثر:1-5]، فهذه رسالته ﷺ، وما نزل بعد ذلك كقوله: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [سورة المزمل:1]، يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله: مراتب دعوة النبي ﷺ خمس: النبوة، التي هي الأصل فبها يحصل الوحي إلى النبي ﷺ، والرسالة مرتبة فوق النبوة، فيحصل بها قدر زائد على النبوة.

قال: ثم إنذار عشيرته الأقربين وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء:214]، فلما نزلت عليه ﷺ وقف على الصفا كما هو معلوم ودعا بطون قُريش[2].

قال: ثم إنذار قومه، يعني: ممن لا قرابة لهم به ﷺ مع قرابته، يعني: ما هو أعم من ذلك، يعني: جميع أهل مكة مثلاً.

وقال: ثم إنذار العرب ثم إنذار الخلق جميعاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [سورة الشورى:7]، لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [سورة الأنعام:19]، فهذا وغيره كله يدل على عموم رسالته ﷺ، والنبي ﷺ يقول: كان النبي يُبعث في قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة[3]، ويقول ﷺ: والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار[4].

قال: وهذه الأربعة من آثار الرسالة، مثل هذا التدرج الذي وقع في دعوته ﷺ هو نموذج يُحتذى بالنسبة للدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- فيعرفون فيه المراتب التي ينبغي أن توجه العناية إليها، مراتب الناس مراتب المدعوين، من جهة القُرب والبُعد، فيبدأ الإنسان بقرابته بأهل بيته بعشيرته فهم أولى الناس، ولا يصح أن يكون نفعه للبعيدين وأقرب الناس إليه أحوج ما يكونون إلى دعوة إلى تنبيه إلى تعليم إلى مُجاهدة على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، وهذه مُشكلة يقع الإنسان فيها بسبب أحياناً الغفلة، وأحياناً بسبب اختلال ميزان الأولويات، وأحياناً يكون ذلك بسبب استغراق الأوقات في الأشغال والأعمال الدعوية وغيرها، فهذا الإنسان دائماً مشغول مع الناس، مشغول في برامج، مشغول في دعوة، مشغول بفضائيات، وأهل بيت أحوج ما يكونون إليه، ولذلك نسمع أحياناً من بعض النساء وهي تسأل تستفتي في بعض القضايا التي يصعُب حلها؛ لأن كل حل تُقدمه تجد أن الطريق مسدود، ثم بعد ذلك تجد أنك مسوق لتسأل هذا الزوج موجود أو غير موجود، يعني: حال الأولاد أو حال البنات بهذه الصورة أين الزوج هو حي؟ نعم حي، وهذا الزوج هل يُصلي؟ هل هو يعرف الله ؟

تقول: هذا داعية، وله برامج وله، طيب فأين هو عن هذه الإشكالات التي قد أعيت العقلاء عن حلها؟! ويستطيع حلها بكل سهولة؛ لأن ذلك إنما يكون بقرار منه وينتهي الموضوع، فتقول: هو مشغول دائماً لا يمكن أن نجد وقتاً، فيقول: أنتم حلوا مُشكلاتكم فيما بينكم، هذا موجود وبعض النساء تقول: حينما أسمعه يتحدث ويُنظر عن العلاقات الأُسرية والعناية بتربية الأسرة والأطفال وما إلى ذلك تقول يتقطع قلبي؛ لأن الواقع في بيتنا هو عكس هذا تماماً، طبعاً هؤلاء النساء جميعاً لا تُسمي منهن أحداً، يعني: هن لا يُسمين أزواجهن، لكن يكون هذا في مقام استفتاء، في مقام استشارة، في قضية من القضايا، فالكلام يجر بعضه بعضاً، لماذا لا يكون كذا؟ طيب لماذا لا يكون كذا؟ والطرق كلها مسدودة، ثم تسأل: هذا الزوج موجود أو غير موجود؟ أين هو؟ فهنا هذا خلاف المنهج القُرآني: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء:214]، يبدأ الإنسان بالأقرب، فهؤلاء أحوج، فإذا كان ما نُقدمه هداية غالية، ونعرف قدر ما نُقدم فهذه الجواهر أولى من نُقلده هم الأهل والقرابة والعشرية هم أولى الناس بهذا، ولذلك فإن العاقل حينما يجد لذة وسروراً وسعادة وأُنساً بطاعة الله ، أو في مجالس الذكر والعلم من ارتاضت نفسه على مجالس العلم فإنه يجد فيها لذة مُنقطعة النظير، هو في البداية يجد مشقة لكن إذا ارتاضت النفس يجد فيها سعادة، أول ما يتمنى أن أهله معه، أن أولاده معه، أن إخوانه معه، يُحب لهم الخير، أما أن يكون هؤلاء في بُعد بمنأى عن هذا كله؛ لأنه لا يدعوهم إليه، فهذا خطأ في التصور، خطأ في العمل.

قال -رحمه الله:

924- الأسباب لشرح الصدر أمور:

قوة التوحيد، والهدى، والنور الذي يقذفه الله بقلب العبد والعلوم النافعة، والإنابة إلى الله تعالى، ودوام ذكر الله، والإحسان إلى الخلق، والشجاعة، وإخراج دغل القلب، وترك فضول النظر والكلام والاستماع والمُخالطة والأكل والنوم، وأضداد هذه الصفات سبب الهم، والغم، والضيق، والحصر، ولنبينا محمد ﷺ من هذه الصفات الكاملة وغيرها أعلاها وأكملها ولأتباعه منها بحسب اتباعهم له، وبالله التوفيق.

هذه أسباب شرح الصدر والواقع أنها بحاجة إلى شرح ولكن المقام لا يفي بهذا، لكن الإشارة؛ لأن هذا الأمر يحتاج إليه كل أحد لاسيما في هذا الزمان، قوة التوحيد والهدى الذي يكون في قلب العبد الهداية، فإذا أشرقت أنوار الهداية انفسح الصدر واتسع واستنار، وكان صاحبه في سعادة غامرة بخلاف من كان قلبه وصدره ضيقاً حرجاً فإنه يكون في حال من الشدة والوحشة والألم كما هو مُشاهد، فمن عرف الله ووحده حقاً بالتوحيد وحده التوحيد بجميع أنواعه فإنه يثق بتدبيره فلا يحزن على فائت، ولا يقلق على أمر مُستقبل، هذه آثار التوحيد؛ لأنه يعلم أن التدبير بيد الله -تبارك وتعالى، يقلق على ماذا؟ يحزن على ماذا؟ فما فاته كله يمكن أن يعوض إذا بقي له إيمانه الذي تحصل به سعادته ونجاته في الآخرة، لكنه إذا فقد الله، فقد الإيمان، فقد عبادة الله فماذا عسى أن يبقى له، فكل لذة يُحصلها بعد ذلك وكل سرور يظنه أو يتوهمه فهو في الواقع مُكدر هو غم يتجدد، وإنما لذاته يجدها في لحظة عابرة إن كان ذلك بالمُعاشرة ففي لحظات غامرة، وإن كان ذلك في الأكل والشُرب وهما الأطيبان عند العرب الجماع والطعام فذلك في لحظة المضغ فقط ثم بعد ذلك يرجع إليه الكدر أعظم ما كان، ولا يمكن أن يكون أن يجد غير هذا، فقلبه مُظلم نفسه مُظلمة يجد وحشة وألماً وضيقاً، وهذا التوحيد والهدى، فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، هذا النور لا يجتمع معه الظلام الذي يحصل به الوحشة والضيق والمخاوف والألم وتُعشعش في هذا القلب المُظلم الأفكار السوداوية كما يُقال، والظنون السيئة بربه -تبارك وتعالى، ووساوس الشيطان، والخواطر الردية لا يمكن في هذا القلب المُشرق، والنور الذي يقذفه الله بقلب العبد والعلوم النافعة فالعلم من أسباب شرح الصدر بلا شك، بخلاف العلوم الضارة فإنه يُظلم بها القلب، علوم أهل البدع والضلالات والشرك والشُبهات فهي مُقلقة للقلب، ولهذا الله قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [سورة البقرة:2]، فالريب غير الشك، الريب شك مُقلق شك خاص الشك الذي يحصل معه قلق.

قال: والإنابة إلى الله، ولذلك تجد لذة التوبة، الناس الذين يُقبلون على الله يقولون: نحن في أيام التوبة كنا نجد لذة ودموعاً لا نجدها الآن، هذه لذة التوبة، ويُمكن أن تتجدد بتجديد التوبة، وشيخ الإسلام وهو شيخ الإسلام -رحمه الله- كان يقول: "إني في كل يوم أُجدد إسلامي وما استقام لي إسلام إلى اليوم"[5]، فماذا نقول نحن؟!

ودوام الذكر قد مضى الكلام عليه، والإحسان إلى الخلق وقلت: إن من أسرع ما يؤثر السعادة والراحة والانشراح، يعني: هناك أشياء على المدى البعيد تقوى الله ، هذا مُعالجة بعيدة المدى توصله إلى السعادة، ولكن الشيء السريع بلحظته الذي يكون بلسماً شافياً للضيق الذي يجده في ساعته أو لحظته هو الإحسان والنفع المُتعدي، يخرج ويُحسن إلى الناس، يبحث عن من يُساعده بنفسه فسيجد انشراحاً يجد أن البلد لا تتسع له بعد ما كان ضيق النفس، إذا وجدت ضيقاً عارضاً فاذهب وابحث عن أحد توصل إليه الإحسان بنفسك تُفرج عنه كُربة ونحو ذلك، اذهب إلى الفقراء عند بيوتهم، قدم لهم مُساعدة وهكذا أيضاً الشجاعة فإن الجبان تأخذه المخاوف من كل ناحية فهو يعيش دائماً في أوهام يُفكر ويوسوس وخواطر وأمور وتُكبله الأوهام بيديه ورجليه، فهو يتوهم أموراً ويتوهم أنه يُراد به كذا وأنه يُراد به كذا وأن فيبقى دائماً في خوف وقلق، ويتصور أنه مُستهدف وأنه إنسان الناس ما علموا به، بينما تجد الشُجاع مِقدام، ويفعل ما يجب في الوقت الذي يحسُن ويُناسب، ومع ذلك هو لا يُفكر ولا يكترث، والضعيف والجبان ينظر إلى ظله، وينظر إلى قدميه ويديه، وما حوله يتحسس ويتلمس ويتوجس، وإذا رأى أحداً ظن به الظنون، فالمخاوف تأخذه من كل جميع المخاوف بأنواعها، فإذا دق الهاتف في الليل فزع، إذا طُرق الباب في الليل فزع، إذا قيل له: فلان سأل عنك، جاء شخص يسأل عنك فزع، فهو في فزع دائماً كما قال الله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [سورة المنافقون:4]، أهل النفاق -نسأل الله العافية، فهذا ضعيف التوكل، كما قال جرير يهجوا الفرزدق يصف هزيمتهم:

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلاً تكُر عليهم ورجالاً[6].

هو يتصور أن كل شجرة يراها هذا المُنهزم أن أحداً يُطارده وأن خيلاً تُلاحقه، وأن عساكر تُحيط به هذا المُنهزم يخاف من كل شيء، مثل: الملدوغ إذا رأى الحبل فزع وظن أنه حية، والآخر الذي يصف المُنهزمين يقول:

حتى ظن هاربهم إذا لم يرى شيئاً ظنه رجُلا[7].

إذا ما رأى شيء، الآخر يحسب كل شيء بعدهم، هذا ما رأى شيء ظنه رجلا، فالشجاعة لها أثر في الانشراح، وهذه الأشياء هي على نوعين هناك شيء جبلي، وهناك أشياء يمكن بالمُمارسة وإخراج دغل القلب فدغل القلب من الغل والغِش والحسد وما إلى ذلك يبقى الإنسان دائماً في حُزن، كلما رأى أحداً في نِعمة أوقعه ذلك في غم، وإذا كان له حسابات مع هذا وذاك وأحقاد وما إلى ذلك فهو دائماً في غم وعسرة فأين له، ولهذا أهل الجنة الله قال: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [سورة الأعراف:43]، فالنعيم لا يحصل مع الغِل أبداً، ولهذا يُطهر أهل الجنة قبل الدخول يُطهرون من الغِل.

وترك فضول النظر والاستماع والمُخالطة والأكل والنوم هذه أنواع الفضول التي إذا اجتمعت للإنسان هو يظن أنه يُطرب نفسه وأنه يروح عنها، والواقع أن هذا الفضول بمعنى القدر الزائد من الخُلطة والأكل والشرُب والنوم والكلام والنظر وما إلى ذلك أن يؤثر سلباً على قلب الإنسان، فيحصل له الضيق، وإنما يأخذ من ذلك بمقدار يكون كالملح في الطعام، يكون للحاجة فإذا زاد أثر سلباً عليه ولابد.

حتى نعرف من أين تؤتى هذه النفوس؟ وأين يقع للإنسان هذا الغم الذي يجتمع حيناً بعد حين حتى يتحول إلى داء عُضال أحياناً.

قال -رحمه الله:

925- مراتب الجهاد أربع:

جهاد النفس على تعلم الهدى، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على مشاق الدعوة.

وجهاد الشيطان على دفع ما يُلقيه إلى العبد من الشُبهات والشكوك القادحة في الإيمان.

وجهاده على ما يُلقي إليه من الإرادات والشهوات، فالأول يُثمر اليقين والثاني بعده الصبر، وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.

وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واللسان والمال والنفس.

وجهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات باليد إذا قدر، ثم باللسان، ثم بالقلب، فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، ومن مات ولم يغزوا ولم يُحدث نفسه بالغزو مات على شُعبة من النفاق[8].

هو عمم هذا الحديث فجعله في كل هذه المراتب، انظر الآن هذه المراتب التي عدها ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، نعد هذه المراتب معاً:

الأول: هو جهاد النفس على تعلم الهدى، عدوا معي، على تعلم الهدى، هذا الأول.

الثاني: العمل به.

الثالث: الدعوة إليه.

الرابع: الصبر على المشاق مشاق الدعوة.

الخامس: جهاد الشيطان على دفع ما يُلقيه إلى العبد من الشُبهات والشكوك القادحة في الإيمان.

السادس: جهاد الشيطان على ما يُلقيه إليه من الإرادات والشهوات.

السابع: جهاد الكفار والمنافقين بالقلب.

الثامن: جهاد الكفار والمنافقين باللسان.

التاسع: جهاد الكفار والمنافقين بالمال.

العاشر: جهاد الكفار والمنافقين بالنفس.

الحادي عشر: جهاد أرباب البدع والمنكرات باليد.

الثاني عشر: جهاد أرباب البدع والمنكرات باللسان.

الثالث عشر: جهاد أرباب البدع والمنكرات بالقلب.

فهذه مجموع المُتفرق في هذه المراتب الأربع، يعني مجموع التفصيل ثلاث عشرة مرتبة، كلها من الجهاد، وليس الجهاد فقط هو جهاد الكفار بالسيف وإن كان هو أجل هذه المراتب وأعلاها، وذلك لما فيه من بذل المُهج والنفوس ورتب الله عليه الشهادة لكنه لا يكون إلا بعد تلك المراتب التي تكون قبله.

فالذي يكون عاجزاً عن مُجاهدة هواه فإن ذلك يُقعده عن مُجاهدة عدوه، فجهاد النفس على تعلم الهدى والعمل به والدعوة إليه والصبر، هذه المراتب الأربع التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وهي مأخوذة من كلام ابن القيم -رحمه الله: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر:1-3]، فالعلم والعمل والدعوة والصبر، وبعض الناس يجعل هذه المراتب مُتعاقبة مُنفكة كل مرتبة مُنفكة عن التي قبلها وهذا غير صحيح، فإن هذه المراتب مُتلازمة فهو إذا تعلم شيئاً يحتاج أن يعمل به لا ينتظر حتى يصير عالماً ثم يقول: أعمل، إذا علم شيئاً فإن يعمل به ويدعوا إليه بحسب ما يعلم، فلا يتصدر ويتكلم فيما لا يعرف أو يتحدث في أو يُسافر هنا وهناك للدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وهو لم يعرف مبادئ الدين؛ لأنه إذا سافر سيواجه قضايا ونوازل وأموراً تُعرض عليه لا يستطيع أن يتكلم فيها، فيحتاج إلى أن يدعوا، ويحتاج إلى أن يصبر لأنه إذا دعا لابد من الأذى، إذا كان الإنسان بلا دعوة.

ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العُزلة في رأس جبل[9].

فكيف إذا أمر بالمعروف ونهى عن المُنكر ودعا إلى الله -تبارك وتعالى- وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [سورة لقمان:17].

ثم يأتي جهاد الشيطان بنوعيه: الشُبهات والشهوات، فجهاده في الشُبهات تُثير الشكك والريب، وأما الشهوات فهذه تحتاج إلى صبر يصبر عنها، تحتاج إلى فِطام للنفوس ثم بعد ذلك يحصل له الظفر، ويعوضه الله من اللذة والسرور ما لا يُقادر قدره، والشاطبي[10] -رحمه الله- تكلم على مرتبة المُجاهدة هذه للشهوات وارتباط ذلك بالعلم فذكر أن الناس على مراتب، فذكر أن المُبتدئ في العلم أو العامي يحتاج إلى ترهيب وترغيب، ويحتاج إلى مُجاهدة عظيمة وإلى أمور رادعة عن هذه الشهوات ومطلوبات النفس المُحرمة.

والمرتبة الثانية التي ذكرها الشاطبي[11] وهم أولئك الذين حصلوا في العلم شيئاً ولكنهم لم يصلوا إلى مرتبة الرسوخ حتى يصير العلم سجية لهم، يعني: هو عنده علم ولكنه لم يصل إلى مرتبة الرسوخ فيه، فهؤلاء يحتاجون إلى مُجاهدات وإن لم يكونوا كالأولين.

والمرتبة الثالثة: وهم أهل الرسوخ فيه الذين صار العلم سجية لهم، ولكن الشاطبي -رحمه الله- في كتابه هذا بل ومن أوله ذكر أنه لا يُحل قراءته لأحد إلا لمن رباه الشيوخ، وثنى الرُكب بين أيديهم، فالعلم كان يؤخذ عندهم مع التربية وإلا فالعلم إذا أُخذ من غير تربية فإنه قد يكون سلاحاً له حد آخر يفتك به، يفتك بعُرى الإسلام فينقضها وهذا موجود علماء السوء، فيدرس العلم ويُحصل منه ولكنه لا يزيده من الله إلا بُعداً، حافظ المسائل وعارف الأقوال ولكنه -نسأل الله العافية- يستعمل هذا العلم في ما يضر، البحث عن المخارج والرُخص والتسهيل ويبحث عن النصوص التي فيها الشُبهات ويُذيعها، ويُشكك بحقائق الدين كما يفعل بعض المُنتكسين، -نسأل الله العافية، وهو قد يكونون مكاتب استشارات أو مكاتب أبحاث، ثم بعد ذلك يُثيرون أشياء وأموراً تهدم وتفسد ويكون هدمهم وفتكهم أكثر من أولئك الذين لم يعرفوا هذه الأمور، فهنا جهاد الشيطان على ما يُلقيه عليه من الإرادات والشهوات.

وقوله: وجهاد الكفار والمنافقين بالمراتب الثلاث القلب واللسان والمال والنفس، وجهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، هذه كلها من الجهاد، فالذي يرد على البدع وأهل البدع هو في الجهاد، الذي يرد على المُنحرفين من أصحاب الفكر المُنحرف، والأقلام المسمومة هو في جهاد، الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو في جهاد، الذي يدعوا إلى الله هو في جهاد، كل هؤلاء في جهاد، الذي يُقاتل الأعداء هو في جهاد.

قال -رحمه الله: قواعد طب الأبدان تدور على ثلاثة أصول.

وكل مُيسر لما خُلق له، الكل مُيسر لكن المُشكلة في القاعدين، هذه هي المُشكلة، يعني: بعض الناس يُفتح عليه في الرد على أصحاب الفكر المنُحرف فهذا ميدانه، بعض الناس يُفتح عليه في القلم في الكتابة يكتب مقالات قوية وجيدة ونافعة، وينفع الله بها خلقاً كثيراً فهذا مجال ميدان.

وبعض الناس يُفتح عليه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر عنده من قوة القلب والصبر والثبات فينفع الله به ويدفع من العقوبات ما لا يُقادر قدره.

ومن الناس من يُفتح عليه بجهاد الكفار وقتال الكُفار فيحصل على يده الفتح وصدر عدية الأعداء وما إلى ذلك فهذا كله من الجهاد، ومن الخطأ أن يُطالب الجميع أن يُجعلوا في سلة واحدة، يعني: إذا كان اهتمام هذا هو الرد على أصحاب الفكر المُنحرف يريد الجميع أن يشتركوا معه وإلا فهم مخذلون مُقصرون مفرطون ومضيعون، وإن كان من مُجاهدي تويتر فإنه لربما سلق غيره بألسنة حِداد إما أن يقولوا كقوله ويتكلموا بكلامه، وأن يفعلوا فعله وإلا فهم مخذلون مضيعون مفرطون، وقد يقومون بأعمال أجل مما يقومون به، ولربما ليس له عمل يُذكر أصلاً وهؤلاء يدفعون عذاب الله عن الأمة بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بأمور هم مشغولون لا يستطيعون أصلاً فتح هذه الوسائل؛ لما لهم من أعمال ثابتة وراسخة ونافعة، وهذا يظن أن جهاده هذا في هذه الكتابات التي يكتبها أن هذا هو مُنتهى المطلب هذا خطأ.

قال -رحمه الله: قواعد طب الأبدان تدور على ثلاثة أصول: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة.

حفظ الصحة بمعنى أنه لا يُعرض صحته لما يحصل به العلة، فهذا حفظ الموجود، وهناك دفع المتوقع أو المخوف الذي هو الحمية عن المؤذي فيترك بعض الأشياء التي قد تؤدي به إلى الاعتلال، وكثير من الناس قد يترك بعض الطيبات وقد يفتخر بهذا فيترك مثلاً اللحوم الحمراء، وهي مُباحة، ويترك بعض المشروبات المُباحة حفظاً لصحته، وهذا له فيه سعة ولكن البلاء كل البلاء ذاك الذي يشتري العلة والداء بماله، ثم بعد ذلك يحشوا جوفه بها، هذا أمر في غاية الغرابة، يعني: الناس كما ينفقون من الأموال من أجل علاج الأسنان، ومن أجل علاج السرطانات والأمراض والعِلل المُستعصية، وكم يبذلوا من الأموال في شراء العطور، هذا الذي يُدخن أو يشرب الشيشة -أعزكم الله- قد جمع البلاء من أطرافه، الرائحة، وتلف المال، ويتحسى السُم والعِلة، وهذا أمر يعني من أعجب الأشياء كيف يعمد العاقل إلى مثل هذا؟!، يعني: لو لم يكن معصية لله لأنفت منه نفوس العُقلاء، فكيف وهو معصية؟!

وأما استفراغ المواد الفاسدة فهذا يحصل بالحجامة والفصد.

قال -رحمه الله:

926- ومن أصول الطب: تدبير الغذاء، والحركة، والنوم، وجميع التصرفات.

تدبير الغذاء بمعنى أنه مثلاً لا يأكل ثم ينام، لا يأكل أكلاً كثيراً وإنما يجعل ثُلثاً للطعام، وثُلثاً للشراب، وثُلثاً للنفس، لا يخلط الأشياء الحار والبارد مثلاً، تدبير أمر الغذاء، متى يأكل، متى يكون مُنتظماً في أوقات لا يُدخل الطعام على الطعام، لا يأكل على الشِبع، لا يأكل ثم يُجامع، تدبير أمر الغذاء.

والحركة، يعني: بمعنى أنه يحتاج إلى مشي وحركة، من الأمثال الموجودة عند العامة عندنا يقولون: تغد وتمد، وتعش وتمش، ما معنى تغد وتمد؟ ليست تمد يعني تمدد نم، تمد يعني: امشي قليلاً، خذ مدى في المشي والحركة، ما هو تمدد تمد، تقول: أتمدى يعني تمشي قليلاً، فلان يتمدى يمشي، لكنه ليس بمشي يُرهقه ويُتعبه ونشاط زائد فإن هذا لا يحسن بعد الأكل، وتعش وتمش، هذه مثل تمد؛ لأن الحركة والجري والكذا بعد الأكل غير صحي وغالباً ما يورثه -أعزكم الله- الاستفراغ؛ لأن الدم ينزل إلى الأمعاء كما هو معلوم ليمتص الغذاء، فإذا حصل المشيء والنشاط تفرق الدم فيحصل له بسبب ذلك ضرر، ومثل هذا في المُعاشرة فإذا أكل الدم يذهب إلى الأمعاء المُعاشرة تحتاج إلى أشياء أخرى كما هو معلوم في الدم فعند ذلك يحصل له ضرر، بل ابن القيم يقول: هذه هي العلة والداء الذي يحصل به الهلاك[12]، فهذا الحركة.

والنوم بحيث النوم يكون أيضاً مُنظماً نوم الليل وليس نوم النهار وإنما مثلاً نوم القيلولة، فبعض الناس يسهر بالليل وينام بالنهار، هذا مرض، واقرءوا في هذا الموضوع تجدون كتابات وأبحاث كثيرة في هذا الجانب في نوم الليل وأثره وما يحصل في نوم الليل من المنافع على النفس والبدن، والإفرازات التي تكون في الليل لا تكون في النهار، ومن ينام بالنهار ماذا يحصل له ما هي الأمراض المتوقعة لهؤلاء الناس؟

أولها: الكآبة وما وراء ذلك شيء كثير تجدونه، ابحث في الشبكة وتجد أبحاثاً في هذا الموضوع، وجميع التصرفات يعني أن يكون الإنسان في تصرفاته مُنظماً، في تدبير أمور البدن في مسألة استعمال الأدوية في انتظام، ما هي الأدوية النافعة؟ ما الأدوية الضارة؟ ما هي الأشياء التي يمكن لا يستعمل الدواء إلا مُضطراً مهما أمكن الاستغناء عنه فهو أفضل، وهكذا، يحتاج إلى شيء من التدبير، كذلك فيما يتعلق بالغم ودفع الغم فإن الغم يهدم البدن، والحُزن ونحو ذلك، فيحتاج إلى لون من التدبير يعرف كيف يتعامل مع هذه الأشياء اليومية، كذلك التفكير متى يكون إيجابياً متى يكون ضاراً كل هذا.

قال: ولا يعدل إلى استعماله الأدوية إلا للضرورة أو الحاجة، وأربع أشياء تُمرض الجسم: الكلام الكثير، والنوم الكثير، والأكل الكثير، والجماع الكثير.

وأربعة تهدم البدن: الهم، والحزن، والجوع، والسهر.

تهدم البدن، وتهدم أيضاً تهدم القلب والعقل، يعني: الهم كما يقول شيخ الإسلام: إذا تتابعت الهموم أو الأحزان على قلب الإنسان أقعدته وأضعفته[13]، فيُشل القلب لا ينهض بعمل دنيا ولا عمل آخرة، ولذلك تجد الإنسان إذا كان في هم أو غم -أعاذنا الله وإياكم وإخواننا المسلمين من ذلك- تجده يلجأ ويركن إلى النوم، ويُقضي أوقاته بالنوم، هذا إذا كان على استقامة، وأما الذي ليس على استقامة على انحراف ممكن يلجأ إلى المُخدرات وما إلى ذلك يغيب عن العالم، فهذه الهم والحزن والجوع والسهر، الجوع الكثير يضر العقل وإلا فلا شك أن كثرة الطعام والامتلاء أنه يُعطل الذهن، ولهذا قيل: البِطنة تُذهب الفِطنة، هذا المعنى صحيح، ولكن المقصود الجوع الكثير فيحصل له بسبب ذلك خيالات، وأمور وهلوسات وأشياء وخواطر ووساوس كثيرة، واسألوا بعض من يفعل أو من جرب ما يُسمى بالرجيم الحاد، أنا رأيت بعض هؤلاء يكون عندهم خيالات وأمور يعيشون في عالم من القلق والضيق بسبب هذه الخيالات التي تعرض لهم، وشيخ الإسلام وابن القيم تكلموا على الصوفية، ومن يسمون أنفسهم بالفقراء، أولئك الذين لا يأكلون إلا قليلاً في اليوم والليلة يأكلون شيئاً يسيراً من أجل أن يحصل لهم تجليات وكشف بجانب السمع والبصر، فشيخ الإسلام يقول عن مثل هؤلاء أنه: يحصل لهم هلوسات، وتتراءى لهم خيالات فيظنون أنها كُشوفات[14].

وابن الجوزي -رحمه الله- تكلم على قضية الغذاء وأن الجوع المُفرط يضر بالعقل[15]، وهذا مُشاهد الإنسان إذا كان في حال من الجوع الشديد لا يستطيع التفكير بصورة صحيحة، لكن أيضاً الشِبع والامتلاء يُسبب له خمول في التفكير، فالاعتدال في الأمور هو المطلوب.

كذلك السهر يهدم البدن ويظهر آثار ذلك تظهر آثاره على وجه الإنسان وفي بدنه فيكون فيه من الإرهاق والتعب وما إلى ذلك الشيء الكثير ليس كمن ينام الليل.

قال: وأربعة تُفرح: النظر إلى الخُضرة، وإلى الماء الجاري، والمحبوب والثمار.

قال: وأربعة تُظلم البصر: المشي حافياً، والتصبح والمساء بوجه البغيض والثقيل والعدو، وكثرة البكاء، وكثرة النظر في الخط الدقيق.

هذا صحيح يعني تضر البصر لاسيما كثرة النظر إلى الثقيل، فلا شك أنها من أعظم ما يضر القلب والبصر الذي هو حُمى الروح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-[16]، وقال غيره أيضاً مثل هذا.

قال: وأربعة تقوي الجسم: لبس الثوب الناعم، ودخول الحمام المُعتدل، وأكل الطعام الحلو، والدسم وشم الروائح الطيبة.

لبس الثوب الناعم ودخول الحمام المُعتدل، الحمام المقصود به هذه الحمامات التي فيها حرارة التي الآن المغربي والحمام الشامي والحمام والآن يسمونه السونا وغيره، المقصود به هذا الذي يكون فيه يعني يكون مُعتدل يعني ما يكون حاراً جداً، فهذه الحرارة تُضعف البدن ويفتر معها بدن الإنسان، ولذلك الإنسان إذا أراد أحياناً أن ينام ليس به نوم فإنه يغتسل بماء أقرب إلى الحرارة يعني فيه دفء زائد حار فيفتر البدن وينام، لكن إذا أراد أن يتنشط فإنه يغتسل بالماء البارد فما يُحتاج معه إلى نشاط لا يصح أن يُستحم معه بالماء الحار، وما يُطلب فيه الفتور فالاغتسال بالماء الحار.

قال: وأربعة تُيبس الوجه وتُذهب بهاءه وبهجته وطلاقته: الكذب، والوقاحة، وكثرة السؤال عن غير علم، وكثرة الفجور.

لا شك، فوجه الإنسان مرآة عن ما يصدر أو ما يعتلج في داخله، -نسأل الله العافية، فالكذاب لربما يُعرف من وجهه ويُعرف من حركة لسانه، أول ما يبدأ لسانه حركة اللسان يُعرف منها أنه كذاب، أو أنه على الأقل يتخفف في الكلام يأتي بكلمة صحيحة من الصدق، وكلمات من التوسع الذي لا حقيقة له.

قال: وأربعة تزيد في ماء الوجه وبهجته: المروءة، والوفاء، والكرم، والتقوى.

وأعظمها لا شك التقوى، وأما المروءة فمضى الكلام عليها في درس مُستقل غير هذه المجالس، وجماع ذلك هو تحقيق الصفات الإنسانية الكاملة، جمع هذه الصفات والتحقق بها يحصل به المروءة.

قضايا المروءة منها ما يرجع إلى اللباس، بعض الناس يتساهل ويترخص ويتخفف في اللباس فيخرج إلى المسجد أو غير المسجد بألبسة لا تليق، فيقال: ليس هذا من المروءة، قل: ما هي المروءة؟ فله من ذلك ما يصلح لمثله، فمن تخفف خفت مروءته، ولذلك من الناس من يكون صغير السن حديث السن ولكن فيه من البهاء والمروءة ما الله به عليم، وتجد الآخر لربما من طلاب العلم فتذهب مروءته، إما لأمر يرجع إلى أمور ظاهرة من اللباس ونحوها، أو إلى أمور أخرى تتصل بقضايا الحِشمة أو نحو ذلك أو ما يتصل بكثرة الضحك أو المزاح فإنه هذا كله يُذهب المروءة، أو لقلة التقوى، فيذهب رونق المرء فيذهب بهاء الوجه، وتذهب مهابته، فإذا كان الإنسان مُتحققاً بتقوى الله يكون له من البهاء والمهابة ما لا يُقادر قدره بحسب ما عنده من الإيمان والتقوى لله -تبارك وتعالى.

قال: وأربعة تجلب البغضاء والمقت: الكبر والحسد، والكذب والنميمة.

هذه التي تجلب البغضاء والمقت تجلب البغضاء والمقت من قبل الناس يكرهونه هذا الإنسان المُتكبر لا يُحبه أحد ولو كان عالماً، إنما يحبون المتواضع، وكذلك الحسد من عُرف أنه حسود أن قلبه أسود لا يُحبه الناس ولا يريدون القرب منه، ويُحسنون إليه اتقاء شره، وكذلك أيضاً من عُرف بالكذب أو كان يمشي بين الناس بالنميمة فسيجد أن النتيجة هي مُعاداة الناس وعدم الاحتمال.

قال: وأربعة تجلب الزرق: قيام الليل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد الصدقة، والذكر أول النهار وآخره.

وأربعة تمنع الرزق: نوم الصبيحة، وقلة الصلاة، والكسل، والخيانة.

يعني جُلت البركة في البكور اللهم بارك لأمتي في بكورها[17]، فهذا النوم في أول النهار هو نوم في أشرف أوقات اليوم، سواء كان ذلك فيما يتصل بالعلم وهو رزق، أو كان يتصل ذلك بالمال وتحصيل الأموال، وطلب الأرزاق المحسوسة في معايش الناس، ولهذا ابن مسعود لما جاءه بعض أصحابه فكأنهم جاءت الجارية فما دخلوا، فسألهم بعد ذلك؟ فقالوا: ظننا أن بعض أهل البيت يعني في نوم، قال: "ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة"[18]، هذا بعد الفجر، أظننتم بآل عبد الله غفلة"، يعني: أن هذا الوقت هو وقت غفلة، النوم في مثل هذا الوقت -والله المستعان فأنا أقول: نحن نجربه جميعاً ونُشاهده الذي يجلس في أول النهار يستطيع أن يُحقق ويُنجز ويُحصل من قراءة القرآن والذكر وطلب العلم والاستفادة ما يعدل سائر اليوم، أنا إذا استطعت أن أستثمر أول النهار لم أُبالي بآخره، وإذا فات أول النهار لم أُدرك، وللأسف نحن نحرص على السهر، ونقرأ إلى أوقات مُتأخرة من الليل مع أن هذا حُثالة الذهن، يعني: الذهن يكون في حال من الضعف والتشويش بسبب كثرة المُشاهدات والمُخالطة في سائر اليوم، والتعب، والعناء، فيكون الذهن كالاً فنجعل هذا الوقت هو وقت التحصيل مع أن الذهن يكون مُجهداً مُشتتاً، والأصل أن البكور لكن هذا البكور لا يكون لمن يسهر، ثم يُصبح وهو في حال من عدم التركيز ومُغالبة النوم والنُعاس مثل هذا لا يستطيع أن يُحصل شيئاً، هو يجلس ولكنه لم يزل يُردد الذكر الأول من أذكار الصباح إلى الضُحى لم يجاوزه، ما الفائدة؟

قال: وأربعة تضر بالفهم: إدمان أكل الحامض والفواكه، والنوم على القفى والهم والغم.

أربعة تضر بالفهم إدمان أكل الحامض والفواكه، الحامض يضر بالحفظ، ولهذا كانوا ينهون عن التفاح الحامض[19]، واللبن الحامض، وجميع الحوامض، الشافعي نقل شيء من هذا، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي يقول بعض أولاده: كلما وجد مع أحد منا لبناً حامضاً غضب وأخذه منه؛ لأنه يضر.

والنوم على القفى والهم والغم، أما الهم والغم هذا لا شك، لما سُأل الشعبي كيف حصلت هذا العلم؟ ذكر أموراً من البكور وكذلك أيضاً دفع الغم[20]، والكتب التي تحدثت عن طلب العلم والتحصيل وأسباب التحصيل يذكرون هذا دفع الغم، لكن الذي يعيش دائماً في مشاكل فمثل هذا يؤثر على تحصيله.

قال: وأربعة تزيد في الفهم فراغ القلب.

فراغ القلب يعني ليس هنا مشوشات هم وغم وأمور معيشية ولهذا كان سفيان يقول: "من تزوج فقد ركب البحر، ومن ولد له فقد خُرقت به السفينة"[21]، يقولون: المرأة تفكر قبل الزواج كثيراً هل سيتقدم لها أحد وله سيتقدم لها من يكون مُناسباً، الرجل لا يُفكر كثيراً قبل الزواج، لكنه إذا تزوج صار يُفكر الآن ويُحاسب على نفقاته، وكيف سيُحصل ،وهذه الزوجة، والمسئوليات والأولاد والبيت وقبل ذلك لا يُبالي، والمرأة إذا تزوجت استراحت، ألقت عنها وعن عاتقها هذا الهم والتفكير الذي كانت تُفكر به فراغ القلب.

قال: فراغ القلب، وقلة التملي من الطعام والشراب.

يعني لا يأكل إلى حد الامتلاء والشِبع.

قال: وحُسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدسمة، وإخراج الفضلات المُثقلة للبدن.

ومما يضر بالعقل: إدمان أكل البصل، والباقلاء، والزيتون، والباذنجان، وكثرة الجماع، والوحدة، والأفكار، والسُكر، وكثرة الضحك، والغم.

المقصود الإكثار الإدمان يُدمن هذا، وإلا الزيتون نافع ومُبارك لكن هو يتحدث عن الإدمان بكثرة، والشيء إذا زاد عن القدر المطلوب فإنه يؤثر، والباذنجان، وكثرة الجماع، والوحدة ليس المقصود الوحدة الإيجابية الوحدة النافعة، يعني: الإنسان كونه ينفرد وينشغل بالعلم، وينشغل بأمور من العمل وما إلى ذلك، لا، يجلس وحده ويضع كفه على خده، ثم بعد ذلك تأتيه الأفكار والخواطر والوساوس والواردات السيئة، ولذلك تجد الإنسان أحياناً المرأة مثلاً أحياناً قد يتأخر الزواج وقد تُطلق فيحصل لها شيء من الانفراد، الأخوة تزوجوا الأخوات تزوجن هي بقيت وحدها فتبدأ تُفكر، فإذا بدأت تُفكر تبدأ تأتيها العِلل فمرة تتوهم أنها مسحورة، ومرة أن بها عين، وهذه مياه ذاهبة مقري فيها، وهذه مياه جاية، وهذه زيوت، وهذا كذا، من أين جاء هذا؟ من الفراغ، وتجد أن هذا الفارغ ربما يتلمس نفسه ما هذا ما هذه الغُدة، ما هذا الانتفاخ؟ وما به بأس، ولربما بقي الأسابيع وهو يُعاني وصامت ويظن به الأدواء التي لا طب لها، وليس به بأس.

فالفراغ يضر من وجوه كثيرة، فهنا هذا المقصود بالوحدة، وهذا المقصود بالأفكار الأفكار السلبية وليس الأفكار الإيجابية، وإلا الإنسان يحتاج يخلو بين الحين والآخر يُفكر، وينظر في حاله، وفي إنجازاته، وينظر العمر قصير وماذا قدم وماذا عمل لآخرته، ماذا أنجز في هذا المُشوار، وماذا بقي وماذا يمكن أن يفعل فيما تبقى من أيامه إن كان له مُدة.

وهكذا كثرة الضحك والغم هذا كله يضُر بالعقل.

قال -رحمه الله: ومن إغاثة اللهفان.

إغاثة اللهفان هذا الكتاب مطبوع في مُجلدين هذه أفضل الطبعات، وهي طبعة دار عالم الفوائد، هذا مُجلد المجلد الأول من هذا الكتاب، "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، هكذا طُبع "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" وبعض المطبوعات "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان"، وهذا تصرف من بعضهم، وإلا فاسم الكتاب الصحيح "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، يعني كأن هؤلاء الذين غيروا في العنوان توهموا أنه يُغاث هذا اللهفان من كذا، نُغيثه من مصايد الشيطان، لا، هذا إغاثته في مصايد الشيطان، فنُعطيه من الحلول والعلوم والمعارف ما يكون سبباً لدفع هذه الوساوس والمصايد حتى لا يقع بشيء من ذلك، والمؤلف -رحمه الله- سماه في المُقدمة "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، وهكذا أيضاً النُسخ الخطية، وفي بعض النُسخ "إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان" ذكره بعض من ترجم لابن القيم -رحمه الله- بهذا العنوان.

وهذا الكتاب مشهور في أوساط أهل العلم بالإغاثة الكُبرى، هناك إغاثة كُبرى وهناك إغاثة صُغرى، الإغاثة الصُغرى ماذا يُقصد بها؟ "إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان" لابن القيم كتاب ليس بالكبير طلاق الغضبان، هذا الكبير في مُجلدين يسمونه الكُبرى تمييزاً له عن الكتاب الآخر، وهذا الكتاب في غاية النفع، تكلم فيه المؤلف عن قضايا ذات صلة بهذا الموضوع.

رتبه على ثلاثة عشر باباً تكلم في الأول عن أقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت بكلام بديع، وتكلم أيضاً عن حقيقة مرض القلب، وعن انقسام أدوية أمراض القلوب إلى طبيعية وشرعية، وأن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه، وأن موته وظُلمته مادة كل شر وفتنة فيه.

وتكلم عن حياة القلب وعن صحته أنها لا تحصل إلا بأن يكون مُدركاً للحق مُريداً له مؤثراً له على غيره، وأنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه هو معبوده وأحب إليه من كل ما سواه.

وتكلم عن القرآن وأنه متضمن لأدوية القلب ولعلاج علله.

وتحدث عن زكاة القلب، وعن طاهرة القلب من أدرانه وأنجاسه، وعن علامات مرضه وصحته.

وتحدث عن قضية مرض القلب حينما تستولي النفس عليه كيف يُعالج وكيف الخلاص من هذا؟

ثم تحدث عن علاج مرض القلب بالشيطان إذا أصابه الشيطان بالوساوس، ونحو ذلك، وفي مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم وعددها ونوعها بكلام في غاية النفاسة، وهذا الباب الأخير هو الذي وضع الكتاب من أجله، ولهذا توسع فيه كثيراً واستقصى مكايد كثيرة مما يكيد به الشيطان لابن آدم، والمصايد التي يصيد بها الناس، والأبواب السابقة هي يعني أشبه ما تكون بالمُقدمات لهذا الباب الذي قصده، وداخل هذا الباب ذكر تفاصيل ذكر أنواعاً من مكايد الشيطان لابن آدم، يُراجع الكتاب فستجدون فيه مادة نفيسة لا يستغني عنها أحد.

قال -رحمه الله:

927-القلوب ثلاثة: صحيح وهو الذي قد سلم من كل شهوة تُخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شُبهة تُعارض خبره فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله.

هذا الصحيح سلم من الشهوات والشُبهات.

قال: والقلب الميت ضد هذا، وهو الذي لا حياة به فلا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره.

يعني هو مُبتلى مُصاب غارق إما في الشهوات أو أنه مطموس البصيرة، -نسأل الله العافية، بسبب الشُبهات فلا يعرف الحق من الباطل، وقد يجتمع عليه هذا وهذا، والآن كثير من الانحرافات أصبحت تجتمع فيها الشهوات مُغلفة بلبوس الشُبهات للأسف الشديد، ويروج لهذا في مواقع كما تعلمون ودعاة على أبواب جهنم، فصار الإنسان ينحرف ويتفلسف ويتبجح ويكتب ثم يخرج للناس على القنوات أنه خبير في المنظمات الإسلامية، والحركات الإسلامية وما إلى ذلك، وهو في الواقع من جُند إبليس ومن حزبه الذين: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [سورة المجادلة:19]، -نسأل الله العافية، فيتبجح ويُخرجه الأعداء على أنه خبير في الحركات الإسلامية، وهو مُنتكس أعمى القلب، أعمى البصيرة، فما عاد يستحي هذا المُنتكس وأمثاله من انحرافهم وانتكاستهم، بل يتبجحون بهذا، ويرون أن هذا هو الحق الذي ينبغي أن يكون عليه الناس، وأن أولئك الأخيار من الصُلحاء أن هؤلاء يُعانون من ضيق الأُفق والفهم السقيم للإسلام وما إلى ذلك من الكتابات المأفونة التي يتفوهون بها: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [سورة الكهف:5]، نسأل الله العافية.

فكثير أيها الأحبة! الآن من هذه الشهوات أصبحت تُلبس بلباس الشُبهات، فيبدأ التخفف شيئاً فشيئاً، أول ما يبدأ باللحية وأن إعفاء اللحية أن هذا خلاف الشرع، وأن هذا خلاف مقصود الشارع، وأن هذا خلاف السنة أصلاً وأنتم لا تفهمون الإسلام، ثم يبدأ شيئاً فشيئاً في استباحة المقاطع الموسيقية في نشرات الأخبار كمقاطع سهلة هذه، وليست مقصودة لذاتها، وهكذا الأغاني التي لا تورث رخاوة القلب وضعفه وما إلى ذلك، وإنما هي أغاني يعني وطنية، أو أغاني لا بأس بها، ثم شيئاً فشيئاً حتى ينسلخ من دين الله -تبارك وتعالى، الشيطان هو ركب مركباً وأبحر فما يلبث بعد مُدة أن تراه دونه السراب، -نسأل الله العافية، قد أبعد وفي البداية كانت قضايا لربما يسيرة، وقد يُذكي ذلك ويُنميه في قلبه -نسأل الله العافية- شنئان قوم، مُنافرات، مُنافسات، عداوات سواء كانت بسبب أمور حزبية، أو أمور مناطقية، أو أمور قبلية، أو أمور يتوهمها من الحرمان بأي نوع من أنواعه، أي: نوع من أنواع الحِرمان وأبحر في ذهنك لا حاجة للتفصيل.

فهذا الشنئان شيئاً فشيئاً نكاية بهؤلاء يصدر منه في البداية أشياء يعلم أنه يكذب وهو غير مؤمن بها في البداية، ثم ما يلبث شيئاً فشيئاً، -نسأل الله العافية، حتى يُصدق كذبه ويركبه الشيطان فيصير مطية له، فيجتمع عليه شياطين الإنس والجن ويهتفون له، ويقدمونه ويشجعونه على هذا، فلا يزال ينغمس حتى يغرق في الوحل ولا يستطيع أن ينهض أبداً -نسأل الله العافية، والبداية لربما كان يكذب ويعلم أنه يكذب، ثم بعد ذلك يبدأ، اليوم قرأت أحد الإخوان أرسل لي برسالة جوال تغريدات لشخص أول ما قرأت قبل ما أنظر إلى اسمه ظننت أنه يسخر أنها كتابة ساخرة من الغرب ومن احتلالهم لمالي ولغير مالي، كنت أظن إنسان يكتب كتابات ساخرة يسخر منهم فلما نظرت الاسم وقرأت مرة أخرى عرفت أنه كما قال الله: وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [سورة النور:26]، الخبيثون من الذوات للخبيثات من الذوات، ومن الصفات، ومن الأقوال والأفعال، لكن لو صدر منه كلام حسن جيد جزل لاستغرب الناس قالوا: أفاق، غريب أن يصدر هذا الكلام الطيب من هذا الإنسان المُنحرف، لكن لا يُستغرب الشيء من معدنه، إذا كان يصدر منه الانحراف فهو أهل له: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [سورة الأنعام:113].

قال -رحمه الله: والقلب الثالث: قلب له حياة وبه عِلة، ففيه من محبة الله، والإيمان به، والإخلاص له، والتوكل عليه ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها، والأخلاق الرذيلة ما هو مادة عطبه وهو مُمتحن بين هذين الداعين.

يعني هذا يكون مُبتلى هذا القلب الثاني إما بشهوة، أو بشُبهة، فيكون فيه اعتلل لا يكون كالقلب الأول المريض ولم تقض هذه الشهوات أو الشُبهات فيتحول إلى القلب الثالث وهو القلب الميت، القلب الميت هو الثاني الذي ذكره.

قال: فالقلب الأول: حي مُخبت لين واع، والثاني: يابس ميت، والثالث: مريض، فإما إلى السلامة وإما إلى العطب، وأمراض القلوب ترجع كلها إلى أمراض الشُبهات والشهوات، وحياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه، وموته وظُلمته مادة كل شر فيه، ولا يكون صحيحاً حياً إلا بمعرفة الحق وإيثاره، ولا سعادة له ولا نعيم ولا صلاح.

يعني بمعرفة الحق، لا يكفي معرفة الحق، إنسان يعرف الحق لكن إذا كان لا يؤثره على غيره ولا يعمل به فإنه لا ينتفع لا بد من عمل بهذا العلم الذي عرفه، وأن يؤثر الحق على غيره من الباطل، لكن يعرف الحق ثم يعمل بالباطل، يؤثر الباطل على الحق فهذا لا يحصل له حياة القلب، بل يكون كذاك الذي آتاه الله آياته: فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [سورة الأعراف:175]، فالفاء للتعقيب المُباشر وتدل على ترتيب ما بعدها على ما قبلها وهي التي يسمونها الأصوليون: بدلالة الإيماء والتنبيه، اقتران وصف بحكم، آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [سورة الأعراف:175]، فالذي ينسلخ من آيات الله النتيجة أنه -نسأل الله العافية- الشيطان يركبه، ويتولاه، فتكون حاله إلى الغواية: فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [سورة الأعراف:175]، هكذا كل من انسلخ من آيات الله وأعرض عنها بعدما عرفها، وليس الحل أن يقول الإنسان: لا أتعلم العلم فيكون أيضاً مركوباً للشيطان ابتداء، المؤمن لا يرضى أن يركبه الشيطان لا ابتداء ولا في النهاية والمآل، وإنما يكون عبداً لله.

قال: ولا سعادة له ولا نعيم ولا صلاح حتى يكون الله وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، ولا يتم له ذلك إلا بزكاة قلبه وتوبته واستفراغه من جميع المواد الفاسدة والأخلاق الرذيلة، ولا يحصل له ذلك إلا بمُجاهدة نفسه الأمارة بالسوء ومُحاسبتها، ومُجاهدة شياطين الإنس والجن، شياطين الإنس بالإعراض ومُقابلة الإساءة بالإحسان، وشياطين الجن بالاعتصام بالله منهم، ومعرفة مكائدهم، وطُرقهم والتحرز منها.

في جميع المواضع في القرآن في مسألة شياطين الإنس: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة المؤمنون:96]، كما يقول ابن كثير: "لأن شيطان الإنس لطيب أصله تنفع معه المُصانعة والمعروف"[22]، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [سورة فصلت:34]، فيؤثر فيه الإحسان، أما شيطان الجن فلا سبيل إلى ذلك، وإنما يُدفع بالاستعاذة منه، فلا تفتح نافذة إلى الشيطان كما ذكرت في بعض المُناسبات، إذا فتحتها ألقى عليك جبلاً من الوساوس والأفكار الردية والأوهام والمخاوف بجميع أنواعها، مخاوف من الأمراض، مخاوف من أمور أخرى، لا تفتح هذه النافذة، وأعرض عن هذا.

ومن الناس من لا يصلح له إلا أن يشغل نفسه بشيء، لا بد أن يشغل نفسه بشيء وإلا تُسرع إليه مثل هذه الأمور، وهذه المُجاهدات سواء لشياطين الإنس والجن هي على الدوام حتى يقلى الإنسان ربه، مُجاهدة دائمة، والكل يحتاج إلى هذه المُجاهدة، لكن من الناس من تكون مُجاهداته العظيمة في جانب المال، ومنهم من يكون في جانب النساء والنظر، من تكون مُجاهداته العظيمة بسبب أمور أخرى من مما يحتاج إلى دفعه عن نفسه، يعني: الآن مثلاً العالم أو طالب العلم إذا كان لم يتلقى هذا العلم بطريق صحيح يعني مع التربية فماذا يحصل له؟ قد تأتيه أنواع الآفات التي لا توجد عند العوام: الكبر، رؤية النفس يرى الناس كأنهم لا شيء، هل هذا هو المطلوب من العلم؟ المطلوب من العلم أن يزيد الإنسان تواضعاً وإخباتاً لله ولعباده، فإذا كان هذا العلم سيورثه هذا الزهو، والتعاظم، والتعالي، لا يستطيع أن يتكلم معه أحد ولا يستطيع أن يقترب منه أحد، ولا يستطيع أن يستدرك عليه أحد، -نسأل الله العافية، فهذا خلاف المقصود، فهذا يحتاج إلى مُجاهدات يعني طالب العلم يحتاج إلى مُجاهدات لربما أعظم من مُجاهدات هذا العامي؛ لأن أدواءه من نوع آخر.

فالكل يحتاج إلى مثل هذا المُجاهدات حتى يلقى الله لا يسلم أحد، والشيطان لا يترك أحد ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [سورة فاطر:6]، الحافظ ابن كثير[23] يقول: اتخذوه عدواً، يعني: عاملوه معاملة العدو الذي يتربص بكم، الحذر والفطنة والمُجاهدة الدائمة، مثل الذئب يأتيك من كل ناحية، ويأتيك من هنا ثم إذا دفعته وطردته وحملت عليه جاءك من الناحية الثانية، ثم يأتيك من الخلف ثم يأتيك من الأمام ثم من كل ناحية، الشيطان بهذه الطريقة، عدو فلا يصح أن تركن إلى هذا العدو، وتقبل نصائحه، وأنا أتعجب -نسأل الله العافية للجميع، يعني الذين يعانون مثلاً من الوساوس وإعادة الطهارة أو الصلاة مِراراً كثيرة نقول: متى كان الشيطان ناصحاً لكم تقبلون منه هذه النصائح وتستجيبون هذه الاستجابة العظيمة إلى هذا الحد من الإرهاق فتُكرر الطهارة من العصر إلى الساعة الثانية عشرة بالليل، كيف يكون هذا؟!.

قال -رحمه الله:

928-وتمام الكلام في مسائل المصائب والمحن يتبين بأصول نافعة جامعة:

الأول: أن ما يُصيب المؤمنين من الشرور دون ما يُصيب الكافرين.

الثاني: أن ما يُصيب المؤمنين.

يعني هذه الأشياء التي تهون على الإنسان المُصيبة، يحتاج أن يتملى وأن يُفكر فيها، وقد تكلمت في مجلس أو مجالس في الكلام على الصبر في الأعمال القلبية[24] عن أشياء من هذا كثيرة، ثم أيضاً تكلمت بدرس مُستقل عن بعنوان: "وصيتي لكل محزون"[25]، ذكرت أشياء من هذا القبيل، فهنا ابن القيم يسرد هذه الأشياء ولا حاجة لشرحها؛ لأنها مضى الكلام عليها في الأعمال القلبية وهي واضحة إن شاء الله.

يعني كيف تدفع كيف تُخفف الحزن والمصيبة إذا وقعت؟ كيف تتعامل معها؟.

الأول: أن ما يُصيب المؤمنين من الشرور دون ما يُصيب الكافرين.

يعني في كل وادٍ بني سعد، يعني: كل مكان الناس يُصيبهم إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ [سورة النساء:104]، فما يحصل للمؤمنين دون ما يحصل لغيرهم.

الثاني: أن ما يُصيب المؤمنين مقرون بالرضا والاحتساب فإن فاتهم فمعولهم على الصبر وعلى الاحتساب وذلك يُخفف البلاء بلا ريب.

الثالث: أن المؤمن محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه ووجود حقائق الإيمان في قلبه بحيث لو كان شيء منه على غيره لعجز عن حمله، وهذا من دفع الله عن عبده المؤمن.

ولهذا قال النبي ﷺ: أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على قدر دينه[26]، فهذا الذي يكون إيمانه قوياً ثابتاً يكون البلاء عليه أشد؛ لأن قُدرته على الاحتمال أعظم فالله -تبارك وتعالى- يورثه من الصبر والراحة والسرور بمعرفته ما يصل معه العبد أحياناً إلى مرتبة ليس فقط الرضا بل الشكر على المصيبة، يعتقد أنها نعمة، كما ذكرت في الأعمال القلبية مُعاذ يُقبل بثرة الطاعون على المنبر فرحاً بها[27]، وبعض الناس لو ظهرت بثرة في وجهه عادية لربما ظن الظنون وأصابه من حرارة من جسمه وأصابه من الخواطر والوساوس يأكل الطعام كأنه يعلك الحصى من شدة الهم، أين هذا من هذا!، الطاعون يُقبلها أمام الناس على المنبر فيحصل له الشكر على المُصيبة، إن لم يحصل الشكر فالرضا فيخف عنه، ولذلك تجد كثير من هؤلاء لربما في حال المصيبة يقول: ألهمني الله من الراحة والطُمأنينة وربط على قلبي ما لم أحتسب، يعني: كان يتوقع مثلاً أن هذه المرأة تنهار، أن هذه البنت تنهار لما مات أبوها مثلاً، لكن تجد أنها ثابتة، وهي التي تُثبتهم كيف حصل هذا تُسأل بعد ذلك، فتقول: أنزل الله عليّ من السكينة وربط على قلبي ما لم أحتسب أو ما لم أتوقع، هؤلاء أهل الإيمان، ولهذا جاء في بعض الآثار عن خالد بن الوليد وعن غيره: "بأن المعونة على قدر المؤنة"[28]، الله ينزل من الألطاف بقدر ما ينزل من الشدائد، وانظروا إلى إخواننا في سوريا وفي غزة ماذا كانوا يقولون في غزة؟ أشياء عجيبة، مُقابلات في المستشفى، حالات إسعاف صعبة جداً ويتكلمون بكلام في غاية الرضا، ولا يمكن أن يكون هذا مُتصنعاً أو مُلقناً في الإسعاف، حالات تدخل ثم يُقابلون من معهم، يقول: الحمد لله، الحمد لله، ما عند الله خير والله عليم حكيم، ونحن نرضى بما قدر الله لنا، ولا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، حالات الكوارث ومع ذلك يقولون هذا، فهذا ما يُنزله الله من السكينة على أهل طاعته ومحبته والقُرب منه.

الرابع: أن محبة الله إذا تكنت في القلب كان أذى المُحب في رضا محبوبه مُستحلى غير مسخوط.

كما يقول بعضهم يذكر هذا شعراً ونثرا أنه يعني يقول: إنه يستحلي هذا أن ذكره محبوبه ولو كان ذلك بأن ساق له هذا المكروه.

الخامس: أن ما يُصيب الكافر والفاجر من العز وتوابعه مقرون بضده.

هم هذه الأشياء التي تحصل لهم من ألوان اللذات والنعيم هي مقرونة بمُنغصات كثيرة جداً، ولذلك تجد أن أكثر هذه الشعوب والأمم ترفاً هم أكثرهم تعاسة، الإخصائيات التي في هذه الأيام، أكثر الوفيات أكثر سبب في الوفيات في الأمريكيين الانتحار، لماذا؟ هذه إحصائياتهم هم، من أجل الضيق الذي يعيشونه، تجد هؤلاء في الحروب يفتكون ويُفسدون إلى آخره، ولكن نسب الانتحار بين جنودهم في ازدياد، لماذا ينتحرون؟ المصحات النفسية، المرضى العقليين، أصحاب العقول التي اختلت وأصابتها الأمراض والأوجاع، لماذا؟

هؤلاء لو نزل بهم الكوارث التي تنزل على المسلمين في سوريا نسأل الله أن يُنزلها بهم، وأن يُقر أعيينا بما نراهم به نتفرج عليهم كما يتفرجون على المسلمين، ويُشاركون فيها، ننظر ونرى مآسيهم، فأقول: هؤلاء لو نزلت بهم مثل هذا الذي ينزل بسوريا ما الذي يحصل؟ إذا كان قصف بصواريخ بسيطة في غزة جعل الإسرائيليين في حالة يُرثى لها هلع لا تراهم إلى مُدبرين مولين، الوزير والحقير، لا ترى إلا من هو مول الأدبار، يفرون من ماذا؟ بينما إخواننا في سوريا يُقابلون الأطفال، ويقولون: الحمد لله نحن لا نخاف إلا من الله، هذا ممكن تصدر عن واحد لا يعرف ربه -تبارك وتعالى-؟! أبداً، فهذه التي ترون عندهم من القوة الزائفة أو النعيم الزائف أو نحو ذلك هو مقرون بأمور عظيمة معه من الآلام التي يجدونها في نفوسهم، وقلوبهم والخوف والقلق.

السادس: أن ابتلاء الله لعبده المؤمن كالدواء يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه.

السابع: أن ذلك من الأمور اللازمة للبشر.

هذه أمور تهون مصيبة، هذا أمر لابد أن يقع لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [سورة البلد:4]، هذه طبيعة الحياة، يدخل الإنسان إليها باكياً يخرج من بطن أمه ويخرج منها مبكياً عليه، فمن ظن أن الراحة في الدنيا فهو مُخطأ، الراحة في الجنة وليست في الدنيا.

الثامن: أن لله في ذلك حِكماً عظيمة معروفة.

ولذلك نحن نسأل عادة: أنت أحكم أم الله؟ يقول: الله أحكم، تدبير الله خير أما تدبيرك؟ يقول: تدبير الله خير، طيب لماذا إذن هذا القلق والضيق، الله دبر لك واختار فلماذا أنت بهذه المثابة من الجزع والقلق الضيق؟! تدبير الله خير من اختيارك وتدبيرك؟! إذن هذا تدبير الله، لماذا تقلق وتنزعج وأنت تعترف أن تدبيره أفضل، ولو خُيرت أن يُدبر الله لك أو أن تُدبر لنفسك؟ يقول: الله يُدبر لي، طيب دبر لك، بعضهم يستخير ثم يتسخط، إذا ما جاءت النتائج على ما يُريد، هذه الاستخارة ليس هناك إلا راحة البال تماماً.

التاسع: أن ذلك من الابتلاء والامتحان الذي يظهر به الصادق من الكاذب.

العاشر: أن الإنسان مدني بالطبع ولابد من الاختلاط واختلاف التصورات والإيرادات التي تنشأ عنها كثير من الأكدار، والمؤمن مأمور أن يقوم بوظيفته فيها وذلك مما يهون المُصيبة.

الحادي عشر: أن البلاء الذي يُصيب العبد لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن يكون في نفسه، أو في ماله، أو في عرضه، أو في أهله ومن يُحب، والناس مشتركون في حصولها فغير المؤمن التقي يلقى منها أعظم مما يلقى المؤمن كما هو مُشاهد.

لكن المُصيبة العظمى حينما تكون المصيبة في دينه أن يُبتلى في دينه في إيمانه -نسأل الله العافية، فهذا هو البلاء والمُصيبة الحقيقية التي ينبغي أن يبكي على نفسه طويلاً معها.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، برقم (2276).
  2. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ [سورة الشعراء:215] ألن جانبك، برقم (4770)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء:214]، برقم (208).
  3. أخرجه البخاري، في أوائل كتاب التيمم، برقم (335)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، برقم (521).
  4. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، برقم (153).
  5. انظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 143).
  6. شرح ديوان المتنبي للعكبري (3/ 169).
  7. التذكرة الحمدونية (2/ 449)، والصبح المنبي عن حيثية المتنبي (1/ 357).
  8. أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب ذم من مات، ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، برقم (1910).
  9. جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب (2/ 437)، ومجاني الأدب في حدائق العرب (4/ 94).
  10. انظر: الموافقات (1/ 161).
  11. انظر: الموافقات (2/ 58).
  12. انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 244).
  13. انظر: مجموع الفتاوى (10/ 325).
  14. مجموع الفتاوى (10/ 403).
  15. انظر: صيد الخاطر (ص: 79).
  16. انظر: مجموع الفتاوى (15/ 395).
  17. أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الابتكار في السفر، برقم (2606)، والترمذي، أبواب البيوع عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في التبكير بالتجارة، برقم (1212)، وابن ماجه، أبواب التجارات، باب ما يرجى من البركة في البكور، برقم (2236)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (2345)، وفي صحيح الجامع برقم (1300).
  18. أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ترتيل القراءة، واجتناب الهذ، وهو الإفراط في السرعة، وإباحة سورتين فأكثر في ركعة، برقم (822).
  19. انظر: روح البيان (5/ 434)، والمقاصد الحسنة (ص: 691)، وقال: "لا يصح مرفوعاً"، وكشف الخفاء ت هنداوي (1/ 512)، برقم (1461)، وقال بوضعه ابن الجوزي في تذكرة الموضوعات للفتني (ص: 167).
  20. انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (25/ 355).
  21. المجالسة وجواهر العلم (2/ 237)، برقم (366)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 103)، برقم (67)، عن إبراهيم بن أدهم.
  22. انظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 114).
  23. تفسير ابن كثير (6/ 534).
  24. على الرابط: https://cutt.us/PdVgo.
  25. على الرابط: https://cutt.us/CIKvY.
  26. أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم (2398)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه، أبواب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم (4023)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (992).
  27. انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (22/ 476).
  28. أخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك، برقم (273) من حديث أبي هريرة مرفوعا: إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤنة، والقضاعي في مسنده، برقم (992)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (9483)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1952).

مواد ذات صلة