الأربعاء 17 / ذو القعدة / 1441 - 08 / يوليو 2020
18- ومن سفر الهجرتين. القواعد 929-937‏
تاريخ النشر: ١٦ / ربيع الأوّل / ١٤٣٤
التحميل: 3226
مرات الإستماع: 3139

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

اللهم اغفر لشيخنا ولنا وللحاضرين، وارزقنا وإياهم العلم النافع والعمل الصالح.

قال المؤلف -رحمه الله:

ومن سِفر الهجرتين.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا الكتاب وهو المشهور المعروف المُسمى بــ"طريق الهجرتين وباب السعادتين" وهو من الكُتب النافعة، والحديث فيه مُستفيض عن قضيتين:

القضية الأولى: وهي ما يتصل بالتعبد لله -تبارك وتعالى- بأسمائه الحسنى، تحدث عن هذا في مواضع من هذا الكتاب بحديث مُشبع مُفصل.

وإذا تكلم الحافظ ابن القيم -رحمه الله- عن هذه القضايا فلا تسأل عن كلامه -رحمه الله- من عذوبته، وعمقه، وسيلان قلمه، فـرحمه الله رحمة واسعة.

وفي بداية هذا الكتاب تجد التعبد لله بأسمائه: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، وأن هذا يلم شعث التعبد من أوله إلى آخره، ويحمل العبد على الإقبال إلى ربه ومليكه وخالقه في كل حالاته بكلام طويل مُفصل.

والقضية الثانية التي تحدث عنها طويلاً في هذا الكتاب: ما يتصل بالأعمال القلبية، حتى إن من أهل العلم من يعتبر هذا الكتاب أشبه ما يكون بتهذيب لمدارج السالكين، هو ليس بتهذيب لمدارج السالكين، ولكنه يمكن أن يكون متفقاً معه في كثير من القضايا وإن لم يكن بنفس الامتداد والتوسع في المقامات -مقامات ومنازل السائرين، هناك يجعل لكل منزلة من هذه المنازل عنواناً مُستقلاً فيتحدث عن: التوبة، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والفقر، وما إلى ذلك بحديث مُستقل في كل واحدة، تحت عنوان خاص، لكن في هذا الكتاب المؤلف -رحمه الله- ينقلك من قضية إلى قضية بطريقة أخاذة في غاية الترابط والتناسق بين أطراف الكلام فبعضه آخذ بحُجز بعض دون أن تشعر، يعني: تنتقل من قضية إلى قضية دون أن تشعر بالفواصل والفوارق والحواجز بين موضوع وآخر، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

وهذا الكتاب في مُجمله في طريق الهجرتين، ما هما الهجرتان؟

الهجرة الأولى: هي هجرة القلوب إلى باريها ومالكها وخالقها جل جلاله وتقدست أسماءه، تُهاجر إليه بماذا؟ تُهاجر إليه بالإيمان والتوحيد وبطاعته وطاعة رسوله ﷺ ظاهراً وباطناً، فهذه هي الهجرة الأولى وهي أعظم الهجرتين.

الهجرة الثانية: وهي الهجرة بالأبدان، الانتقال من البلاد التي لا يأمن الإنسان فيها على نفسه لإقامة دينه إلى بلد يأمن فيها سواء كانت من بلد الإسلام بلاد الإسلام، أو كانت من بلاد أخرى، فهذه هي الهجرة الثانية كالهجرة إلى المدينة الهجرة إلى الحبشة هي الهجرة إلى الله ورسوله ﷺ بالانتقال من بلد إلى آخر طلباً لما عند الله.

فالكتاب يتحدث عن هاتين الهجرتين، الهجرة الأولى تنتظم المحبة وأنواع العبوديات، والتوكل، والخوف، والرجاء، والافتقار إلى الله -تبارك وتعالى- الذي تحدث عنه طويلاً في هذا الكتاب، وهذا من الكُتب التي تستحق أن يُعتنى بها، وأن تُقرأ، يحتاج إليه طُلاب العلم ويحتاج إليه الجميع.

قال -رحمه الله: فهو تعالى الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها وإيراداتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يُقصد ويُعبد ويُتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ، فكما كان واحداً في إيجادك فاجعله واحداً في تألهك إليه، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء.

في بعض النسخ سقط يُخل بالمعنى، " كما كان واحداً في إيجادك الباطن"، المفروض إنه بعد لفظة في إيجادك يأتي كلام: "فاجعله واحداً في تألهك وعبوديتك"، ثم يأتي الكلام على كونه الظاهر والباطن، تكلم عن الأول والآخر ثم تحدث عن الظاهر والباطن، وحديثه في هذا مُفصل وطويل، ولعلي آتي ببعض الجُمل لتتصور ما تضمنه هذا الكلام من البدائع والنفائس والفوائد؛ لأن هذا الكلام الموجود هنا هو مُلخص لكلام طويل مُتشعب، وهذا التلخيص هو إنما هو كالذي يُبدي شيئاً من نفائس يُبدي لك نموذجاً يسيراً وتحته كنوز عظيمة، فهذا الكلام الذي ذكره هو مُختصر جداً، وفيه أيضاً تصرف من الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي -رحمه الله، ومثل هذه الأشياء أحياناً لا تطاوع النفس على مجاوزة بعض الكلام، فاعذروني في هذا، يعني: لا أستطيع أن أُغالب نفسي حينما أقف على بعض كلام ابن القيم وأحاول أن أترك بعضه ولا أستطيع أن أترك بعض المواضع.

فهو يتحدث عن العبودية باسمه الأول -تبارك وتعالى- فهي تقتضي التجرد من مُطالعة الأسباب، والوقوف عليها، والالتفات إليها وتجريد النظر إلى مُجرد سبق فضله ورحمته، وأنه المُبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، لاحظ الأولية، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، إلى أن يقول: "وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا، فمنه سبحانه الإعداد، ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مُجرد فضله وجوده، لم تكن بوسائل أخرى فمن نزّل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقراً خاصاً وعبودية خاصاً، هو السابق لكل شيء، وكل خير يصل إليك فهو مُبتدئ منه، إذن لا تلتفت إلى غيره، وعبوديته باسمه الآخر تقتضي أيضاً عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية"[1]، فكل شيء يفنى ويزول وفلان الذي تؤمل عليه ويتوجه إليه قلبك ويستند إليه ظهرك هذا يُقال ويُحال ويموت ويتغير.

يقول: "ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها يعني الأسباب تعلق بما يُعدم وينقضي، والتعلق بالآخر تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول فالمُتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع بخلاف التعلق بغير مما له آخر يفنى به"[2]، فكم قُدمت من عبوديات لأُناس ماتوا، أو ذهب سُلطانهم، لربما كان الكثيرون يتمنون أن يعرفون من يعرف من يعرفهم، ويعتقدون أنهم بذلك يحصلون عُرى وثقى في تحديد مصائرهم ومصالحهم وتحقيق ما يأملون في هذه الحياة الدنيا، وفي طرفة عين يُقال: مات، أو يُقال: أُقيل أو يقال زال عنه سلطانه، ثم أصبح هو يبحث عن من ينصره، أو يُخلصه مما هو فيه، والعِبر شاهدة في بلاد الواسعة، فالله هو الآخر فمساكين هؤلاء الذين لطالما بقوا حالمين يؤملون على زيد وعمرو من المخلوقين الضُعفاء، فاجعل قلبك متوجهاً إلى الله وحده دون ما سواه.

يقول: "فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلى وجهه، فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر اُبتدئ منه وإليه يرجع، فهو المُبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهي الأمر حيث تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه فهو إلهه وغاية التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته، كما أنه لا وجود له إلا بكونه وحده هو ربه وخالقه وكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تعالى وحده هو غايته وحده ونهايته ومقصوده، فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يُقصد ويُعبد ويُتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ..."، إلى آخر ما ذكر هنا.

ثم ذكر العبودية باسمه الظاهر، فكما فسره النبي ﷺ بقوله: وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء[3]، فإذا تحقق العبد علوه المُطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء البتة وأنه قاهر فوق عباده يُدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [سورة فاطر:10]، صار لقلبه أملاً يقصده ورباً يعبده وإلهاً يتوجه إليه، بخلاف من لا يدري أين ربه فإنه ضائع مُشتت القلب ليس لقلبه قِبلة يتوجه نحوها، ولا معبود يتوجه إليه"، إلى آخر ما ذكر من هذا الكلام النفيس.

ثم يقول: "والمقصود أن التعبد باسمه الظاهر يجمع القلب على المعبود ويجعل له رباً يقصده، وصمداً يصمد إليه في حوائجه وملجأ يلجأ إليه فإذا استقر ذلك في قلبه وعرفه ربه باسمه الظاهر استقامت له عبوديته، وصار له معقِل ومؤوى يلجأ إليه، ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه"[4].

ثم ذكر التعبد باسمه الباطن وأنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل.

ثم ذكر باب هذه المعرفة والتعبد وهو معرفة إحاطة الرب تعالى بالعالم وعظمته، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السموات السبع والأرضين السبع في يده كخردل في يد العبد، وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ [سورة الإسراء:60]، إلى أن يقول: "فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة، وصفوة الوداد، وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه هذا الباطن مع كونه ظاهراً ليس فوقه شيء"، إلى أن يقول: "فمعرفة هذه الأسماء الأربعة، وهي: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه"، يقول: ابذل ما تستطيع حتى تعرف منها ما أمكنك.

ثم يقول: "واعلم أن لك أنت أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً بل كل شيء فله أول وآخر، وظاهر وباطن حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر، فأولية الله سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء، وآخريته بقاءه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه، وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه وهذا قُرب غير قُرب المُحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية، ومكانية، فأحاطت أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده"[5].

إلى آخر ما ذكر، كلام في غاية النفاسة طويل يُراجع في أول هذا الكتاب، وهذه الفوائد التي ينقلها الشيخ من هذه الكتب هي إنما هي نماذج من جواهر، وأنا أتعجب كيف اختار هذه دون هذه أو هذه دون هذه حينما أقرأ في كلامه الذي قد اختاره.

قال: وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، فالتعبد بها أن يعلم أنه العلي الأعلى، وهو مُحيط بالعوالم كلها وأنه بيده كخردل في يد العبد وأصغر، فظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه وهو مُحيط به حيث لا يُحيط الشيء بنفسه، وكل شيء في قبضته، وليس شيء في قبضة نفسه، فهذا قُرب الإحاطة العامة.

وأما القُرب الخاص من عابدية وسائليه وداعيه فهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن، فأولية الله سابق على أولية ما سواه وآخريته ثابتة بعد كل شيء، وظاهريته فوقيته وعلوه على كل شيء، وبطونه إحاطته بكل شيء بحيث يكن أقرب إليه من نفسه، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والظاهر في بطونه لم يزل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

الحاصل أنه ما حاجة العبد إلى غيره وما وجه ركون قلبه وتوجهه إلى غير باريه وفاطره وتقدست أسماءه، إذا كان هو الأول والآخر والظاهر والباطن إذن لا حاجة لك فيمن سواه، لا حاجة أن العبد يؤمل في أحد من المخلوقين أن ينصره أو أن يؤازره أو أن يقويه، أو أن يُعطيه، لا حاجة إلى شيء من ذلك، وبهذا يستقيم قلب العبد ويستريح من كثير من الأوهام والتعلقات وبذل ألوان العبوديات والذُل للمخلوقين ويجعل ذله لربه .

المعاني شريفة والحاجة ماسة إليها لاسيما في هذه الأوقات التي يضعف فيها اليقين لدى كثير من الناس، ويظنون أن كل شيء بالعلاقات.

قال -رحمه الله:

930- كل من التوحيد والذكر والصلاة وسائر القُرب نوعان:

خاصي: وهو ما بذل فيه العامل نُصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها.

والعامي: ما لم يكن كذلك فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتفاوتهم في معرفة هذه الشهادة وقيامهم بحقها ظاهراً وباطناً أمر لا يحصيه إلا الله.

حينما يقول نوعان: خاصي يقول والعامي يقصد بالخاصي أنه نوعان خاص وعام، فالخاص أن يأتي بذلك على أكمل وجوهه وأحسنها، فهذا الذي يكون له أبلغ الآثار: من قال لا إله إلا الله مُخلصاً من قلبه دخل الجنة[6]، يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله[7]، الحديث، هذه الأحاديث هل هي بمُجرد النُطق بالشهاديتن يحرم على النار؟

الجواب: ليس كذلك، فالناس يتفاوتون في تحقيق لا إله إلا الله، فمن حقق لا إله إلا الله ظاهراً وباطناً فإن ذلك كما يقول الحافظ ابن القيم[8] في بعض كتبه في غير هذا الموضع بأن ذلك يحمله على فعل الطاعات، والتقرب بألوان القُربات، ويزجره عن كل ما يُسخط الله -تبارك وتعالى، فيكون تحقيقه لـ لا إله إلا الله تحقيقاً تماماً بفعل ما أمر واجتناب ما نهى، ومعلوم أن الطاعات متفرعة من الإيمان، وأن المعاصي متفرعة من شجرة الكفر، فكلمة لا إله هذه تنفي كل ما يُعبد من دون الله وما يتفرع من ذلك من موالاة أعداءه، ومحادته، ومحادة رسله، ومقارفة مساخط الله كل ما يسخطه داخل في القسم الأول، إلا الله فيه إثبات لكل ما يكون من محابه -تبارك وتعالى- فأول ذلك الإيمان والتوحيد وألوان العبوديات الظاهرة والباطنة، فالناس يتفاوتون في تحقيق لا إله إلا الله تفاوتاً عظيماً، فمنهم من يُحققها تحقيقاً يحرم معه على النار.

ومنهم من يقولها بلسانه دون مواطأة القلب.

ومنهم من يقولها مع مواطأة القلب ولكن ذلك على حال من الضعف والتضييع، فيحصل له من أضدادها التي قد لا تنقضها من أصلها ولكنها تُنقصها وتُضعفها، فهذا الخاص والعام لتحقيق الشهادتين.

وقل مثل ذلك فيما يتصل بالصلاة والصيام والحج وسائر الأعمال فهذا يُصلي وهذا يُصلي وبينهما كما بين السماء والأرض، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [سورة العنكبوت:45]، تنهى من حققها تحقيقاً خاصاً، من هو الذي حققها تحقيقاً خاصاً جاء بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومُستحباتها مع حضور القلب والخشوع، فهذا صلاته تكون قُرة عين، وجُعلت قرة عيني في الصلاة[9]، بخلاف هذا الذي يُصلي وكأنه في حبس ينتظر متى يخرج منها، ويتضايق ويتململ إذا أطال الإمام وزاد دقيقتين في الصلاة، ويبحث في رمضان الذي يخرج قبل الآخر بعشر دقايق في التراويح مثلاً، فمثل هذا الصلاة بالنسبة إليه سجن وليست بقرة عين، فلا تقر العين بالصلاة إلا إذا أُقيمت على هذا الوجه فتكون باعثة على أنواع من العبوديات؛ لأن ذلك يُنشطه، ويدفعه، ويقويه، ويحفزه إلى فعل الطاعات واجتناب المعاصي؛ لأنه يُناجي ربه، فهذه المناجاة تورثه أحوالاً من القُرب الذي يدعوه إلى فعل ما يُحبه الله ويرضاه، فيكون مُجداً مُشتغلاً بطاعته، يستحي من الله حق الحياء ويُراقبه، كل هذه الأمور تحصل إذا أُقيمت هذه الصلاة، ولهذا تعرفون محمد بن المُنكدر -رحمه الله- يقول: "كابدت الصلاة عشرين سنة وتلذذت بها عشرين سنة"[10]، تلذذ بها، ويقول: "إني لأدخل في الليل فيهولني فينقضي وما قضيت منه أربي"[11]، يقول: يمضي الليل بلحظات ما أشعر، لم أشبع، ونحن نسأل الله أن يرحمنا وأن يلطف بنا لربما الواحد منا إذا قام يوتر يستثقل أن يقنت أو أن يدعوا في سجوده، وهكذا أيضاً الآخر الذي يقول: "إني لأفرح بالظلام"[12]، يعني: إذا جاء الظلام جاء الليل أفرح؛ لأنه هنا الآن عنده مُناجاة وعبادة يُحبها، الآن بعض الناس إذا كان مُعتاد على شيء يفرح به مُعتاد على الدخول في الانترنت في مواقع في منتديات في تويتر في كذا إذا رجع إلى البيت غير ملابسه وجلس في مكانه الذي يجلس فيه واستلم الجهاز وهو متشوق ومُتلهف لقراءة هذه الرسائل الجديدة وما إلى ذلك، هذا يفرح بالظلام لربما من أجل أن يقرأ، وآخر يفرح بالظلام من أجل مُعافسة شهوات مُباحة، وآخر يفرح بالظلام من أجل مُعافسة شهوات مُحرمة، وآخر يفرح بالظلام من أجل اجتماع الأصدقاء في كل ليلة فهم يلتقون ويجتمعون فهو ينتظر هذا اللقاء الذي لا أدري كيف لا يُمل وهو بهذه الصورة المُستديمة، هذا يفرح بالظلام من أجل الصلاة وقيام الليل، هذه مراتب عالية متى نستطيع أن نصل إليها؟ هذا لا يوصل إليها بحال من الإعراض والضعف وإعطاء العبادة فضول الأوقات، "كابدت الصلاة عشرين سنة ثم استمتعت بها عشرين سنة"، تحتاج إلى مُجاهدة والنظر في أحوال العبد مع هذه الصلاة، فهذه الصلاة تفاوت.

والحج أيضاً يتفاوت هذا حاج وهذا حاج لكن هذا لربما يقول لبيك وسعديك ويقال: لا لبيك ولا سعديك، والآخر أحياناً تسمع بعض أحوال السلف عجيبة في الحج، لكن أحياناً تسمع أحوال بعض العوام في الحج يستحي الإنسان من نفسه، أحوال قد لا نُطيقها، ولا الاقتراب منها من الاخبات والضراعة إلى الله، والبذل والصدقة، وأنواع العبادات مع غاية الوجل والخوف، أنا شاهدت من بعض الناس أشياء من هذا القبيل من بعض العامة وتتعجب من أحوالهم مع قلة ما درسوا، ويستحي الإنسان أنه يطلب العلم ثم بعد ذلك لا يقرُب من مثل هذه المراتب، فهذه تحتاج إلى مُجاهدات، ومزاولات حتى يصل الإنسان إلى المطلوب.

وأيضاً الصيام يتفاوت الناس فيه، وكذا قراءة القرآن الناس يتفاوتون فيها، والأذكار الناس يتفاوتون فيها كما بين السماء والأرض، وشتان هذا يقول الأذكار ولكن بقلب حاضر ووعي لمعانيها فتؤثر فيه هذه الأذكار غاية التأثير، وآخر يقولها بطرف اللسان وقلبه غافل مُعرض فضلاً عن معرفة معانيها، فمثل هذا انتفاعه بها يكون أقل، وتأثيرها أضعف، وهذا حتى في الأشياء العادية المحسوسة، حدثني بعض من خرج مع أصحابه يقول: قال لنا أحد ممن معنا: إذا قلت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فهذا يكون سبباً لحفظ الإنسان من المخاوف، ولكن لا بد من حضور القلب مع هذا التلفظ، يقول: قال بيده هكذا اتكأ على يده في الخيمة وفي طرفها -أعزكم الله- تراب ثم جمع رمل وإذا به عقرب مع الرمل فألقاها، ما آذته مع أنها لا تنتظر، وهو يتكلم بهذا الكلام يعني معهم وإذا هذا مثال شاهد يرونه بين أيديهم، وربما من وقع لهم هذا ربما يكونون معنا الآن في هذا أو بعض هؤلاء معنا في هذا المجلس، وأنا لا أستغرب من هذا إطلاقاً عادي، هذا الوضع الطبيعي أصلاً، لكن من الناس من يستغرب هذه الأشياء وتكون بالنسبة إليه مُلفتة للنظر، وأعرف غير هذا أعرف من دخلت الحية في فراش النوم ولم يشعر إلا بحركتها وما ضرته، يُكلم أصحابه يقلهم الحية الحية، وهي داخل الفراش الفراش الذي بسحاب مُغلق عليه وهي داخل، هو لا يدري هل دخلت بعد ما نام أو كانت موجودة أصلاً تنتظره قبل أن يدخل في هذا الفراش، فالأشياء هذه تتفاوت غاية التفاوت هذا القدر الذي نحتاج إلى معرفته فمتى نكون من أصحاب العبودية الخاصة، نحن الآن في مرحلة العبودية العامة فمتى نرتقي بأنفسنا؟!.

قال -رحمه الله:

931- قاعدة شريفة نافعة: اعلم أن كل حي سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه في دينه ودنياه، وإلى دفع ما يضره فيهما، فلا بد من أمرين:

أحدهما: هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع به ويتلذذ به.

والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد وقوعه، فهاهنا أربعة أمور: أمر محبوب مطلوب الوجود، وأمر مكروه مطلوب العدم، ووسيلة إلى حصول المطلوب، ووسيلة إلى دفع المكروه.

يعني عندنا مقصودان: الأول: مقصود لذاته وهو المطلوب الذي يمكن أن نُسميه بالمطلوب الإيجابي، يعني: المطلوب حصوله، والثاني: الغاية الثانية المطلوب الثاني وهو ما يُطلب دفعه، يعني: هذا مطلوب سلبي، وهو ليس بمقصود لذاته وإنما يُقصد انعدامه، وإنما المقصود الأساس هو الأول النوع الأول، وعندنا وسيلتان وسيلة لتحقيق الأول كيف يتحقق المطلوب، وسيلة إلى الثاني وهو كيف يندفع عندك المخوف أو المرهوب أو المكروه، فهي أربعة أشياء لكل أحد في كل مطالبه عنده هدف كما يُعبر الناس اليوم، وعنده وسيلة لتحقيق الهدف، هذا الهدف إما إيجابي وإما سلبي بأمر يطلب حصوله، أو لأمر يطلب انتفاءه، هذا ووسيلة إلى هذا ووسيلة إلى هذا.

قال: فالله هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له وهو المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5]، فإن العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه.

وكأن العبارة فيها شيء من التجوز بحيث إنه قال: فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة، يعني: من جهة أن الأمر المكروه إنما يكون دفعه بيد الله -تبارك وتعالى- وبإعانته وتوفيقه من هذه الناحية، يعني: يريد أن يقول بأن مطالبك والطرائق الموصلة إليها كل ذلك عند الله، فليكن فقرك إلى الله دون ما سواه، هو يريد هذا في النهاية، وتكلم على مسألة الفقر وإن الإنسان له فقر ذاتي إلى الله ، والله هو الغني بذاته عن جميع خلقه فهو يقول: إن مطالبك التي تُريد الوصول إليها سواء كانت مطلوبة الحصول أو مطلوبة الدفع ما تُأمله وما تُحاذره وما يتوصل به إلى هذين كل ذلك بيد الله فإذا كان بيد الله وأنت فقير محتاج إلى تحصيل المطلوب ودفع المرهوب وإلى وسائل توصلك إلى هذا أو هذا، فهذا الفقر توجه به إلى الله، لا يمكن أن يستغني أحد ويقول: أنا لا أحتاج، أنت لا تحتاج ماذا؟ أدنى ما يحتاج الإنسان إلى النوم والطعام والشراب وعافية البدن أقرب ما يحتاج، نعم، هذه المطالب من يملكها؟ من الذي يوصلها؟ ولو اختل به عِرق أو أدنى من ذلك لرأى ضعفه، تتعجب من كل شيء تشاهده، الأسنان إذا ذهبت إلى طبيب الأسنان وقطع العصب قل له: أرني العصب هذا، يُريك خيطاً رفيعاً في غاية الدقة يُخرجه هذا الذي يُسبب لك الآلام ويُنسيك كل اللذات هذا الخيط الرفيع جداً هذا العصب، فكيف بالأشياء التي هي أكبر من هذا وأعظم منه، فكل ما نريده ونرجوه نحن فقراء وفقرنا ذاتي، لا بد أن نعرف هذا، ولهذا من كان فقره من هذا القبيل الفقر الذاتي لا يستطيع أن يشمخ بأنفه إطلاقاً، ولو تبصر بحاله وضعفه بهذا العصب أو غيره لعرف أنه لا يصلح له أن يترفع، أو يتكبر، أو يتعاظم إطلاقاً، ولا أحتاج أن أستفيض في الأمثلة لبيان فقر الإنسان وضعفه، انظر إليه وهو يُغالبه النوم وتعرف حاله، إلى غير هذا من أمثلة قد لا يُحتاج إلى كثير منها يتبين فيها ضعف الإنسان، حتى إنه يستحي من نفسه، كيف يكون الضعف بهذه، إذا بقي مدة لم يأكل ونحو ذلك تبدأ أطرافه ترتعش يبدأ يضعف يشعر بفتور لا يستطيع أن يزاول عملاً، ذهنه ينكمش هذا ضعف، وقل مثل ذلك في سائر حاجاته، أحياناً تقرأ كلام بعض في تفسير قوله تعالى: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [سورة النساء:28]، فتستهجن أحياناً بعض الأقوال وكيف تُفسر الآية بمثل هذا، ولكن إذا تأمل الإنسان أحياناً يقول: فعلاً هذا صحيح، هذا الكلام له وجه وهو أحد المعاني الداخلة في الآية، لكن الإنسان لا يشعر في كثير من الأحيان بهذا إذا كان في حال العافية عافية البدن، عافية من كل ناحية، لكن هذه العافية من الله، فهذا الفقر الذاتي إذن لا يصلح أن يُتوجه به إلى غير الله، لا من حيث تحصيل المطلوب أو دفع المكروه ولا من حيث الوسائل التي يتوصل بها إلى ذلك، فالله بيده الأمر كله، فتوجه إليه بقلبك كله، ولا يتعلق قلبك بأحد سواه.

قال -رحمه الله:

932- وهذا مبني على أصلين:

أحدهما: أن نفس الإيمان.

أنا كنت أتأمل اليوم في أحوال إخواننا في سوريا أتأمل في نفسي أقول: سبحان الله يعني تقطعت بهم الأسباب، وعاداهم وقاطعهم أعداء الإسلام، وهم عند الكفار والمنافقين أخطر من هذا النُصيري الذي لا يخفى حاله وعقيدته ودينه ومذهبه وما هو عليه من الشر حتى كأن الشيطان من جُنده، تقطعت بهم الأسباب لربما كانوا يأملون ويرفعون شعارات وعبارات عاطفية، ويأتون بأطفال يتكلمون للناس لعل العالم يتعاطف معهم ولعل العالم دون جدوى، فهم عند هؤلاء الكفار والمنافقين أخطر وأشد من هذا المُجرم الأثيم، وهو الآن لا يُعتبر إرهابي إلى الآن هو لا يُعتبر إرهابي، مع كل ما فعل هو لا يُعتبر إرهابي، فأقول: هؤلاء تقطعت بهم الأسباب فكنت أتأمل أقول: هؤلاء لم يبقى إلا بابه أن يتوجهوا إليه وحده ويقطعوا كل أمل فيمن سواه أن لا تتعلق قلوبهم ولا تتوجه نفوسهم إلى أحد من المخلوقين، وأن يحققوا ما أمر الله، وأن يرجعوا إليه يحققوا عبوديته ظاهراً وباطناً، وأن تكون وجهتهم وجهة يُحبها ويرضاها، وأن يكون أمرهم واحداً أعني الأخيار وأهل الصلاح، أن يتحدوا وينبذوا التفرق، وأن يتناسوا حظوظ النفس، ويكونوا يداً واحدة، وهذا بإذن الله يُنصرون، ولا يستطيع أن يقف في وجههم أحد، ولكن التفرق والتشرذم وحظوظ النفوس، وضعف الفقه في الخلاف، وإلا فهؤلاء الأعداء يُجمعون على حربهم، ويتفقون على أن هؤلاء يجب القضاء عليهم ويجب استئصالهم ولو ضُربوا بالأسلحة الكيماوية لربما تسمع عبارات هنا وهناك ولكن لن يتحرك لنصرتهم هؤلاء الذين يتبجحون بالشِعارات الزائفة من حقوق الإنسان والحريات وما إلى ذلك، هذه شعارات يرفعونها إذا أرادوا، لكن إذا كان الطرف هم أهل الخير والصلاح والإيمان فهنا شأن آخر -نسأل الله العافية- لا حقوق إنسان ولا حريات ولا شيء كله كذب.

قال -رحمه الله: وهذا مبني على أصلين:

أحدهما: إن نفس الإيمان بالله والتقرب إليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، لا كما يقوله المتكلفون إنه تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته، بل لمجرد الامتحان والابتلاء، بل أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب.

الأصل الثاني: كمال النعيم في الدار الآخرة أيضاً برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه، فلذتهم ونعيمهم في حظهم من الخالق أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان، ويتكلم عليهما العارفون وهما من فطرة الله التي فطر الناس عليها.

قوله: وهذا مبني على أصلين، ما هو المبني على أصلين؟ هذه من الأشياء التي تحتاج أننا نكمل في هذه الاختيارات والفوائد، أحياناً يأتي بكلام له شيء يسبقه قبله لا بد أن يُعرف، ما هو المبني على أصلين؟ فنحتاج إلى الرجوع قليلاً إلى ما ذكره ابن القيم -رحمه الله- قبله، فابن القيم -رحمه الله- ذكر بكلام مُفصل عقبه بقوله: "اعلم أن حاجة العبد"، يعني: إذا عرفت ما سبق، "أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده ولا يُشرك به شيئاً في محبته ولا في خوفه ولا في رجاءه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، -حاجة العبد بأن يوحد ربه بكل أعماله أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، الجسد إذا خرجت الروح انتهى، والعين إذا ذهب نورها أصابه العمى، بل ليس لهذه الحاجة نظير تُقاس به"[13]، -لاحظوا حاجة العبد إلى التعبد لله وأن يوحده وأن يتوجه إليه بكليته- يقول: "فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحاً فمُلاقيته، ولا بد لها من لقاءه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في وقت ثم يُعذب ولا بد في وقت آخر، وكثيراً ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير مُنعم له بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بمُلابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تُدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره وهو يؤثر ذلك لما في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه، ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب"[14]، يحُك ويتدمى ويتلذذ لكن هل هذا ينفعه؟ هو يُدميه ويقشر جلده ولا ينتفع، هكذا تعلق القلب بغير الله يُعذب، اللذات بعيداً عن الله يُعذب القلب بها فينقبض ويحصل له وحشة وألم وتجده في غاية اللذات ومع ذلك يتعاطى المُخدرات، عنده يملك المليارات ويتعاطى المُخدرات، لماذا يتعاطى المُخدرات؟ لأنه يعيش في وحشة يبحث عن الراحة والسعادة والسرور.

يقول: "والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما"[15]، تريد لذلة بعيداً عن الله تتلذذ مثل الذي يحك الجرب أو تريد لذات حقيقية، يقول: "وهو الموفق والمعين، وله الحجة البالغة"، إلى أن يقول: "والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين هو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، والذي أين ما كان فهو معه وضرورته وحاجته إليه لا تُشبهها ضرورة ولا حاجة، بل هي فوق كل ضرورة، وأعظم من كل حاجة ولهذا قال إمام الحنفاء: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [سورة الأنعام:76]"[16]، ثم قال في بيان هذين الأصلين، يُبين هذين الأصلين، هذا الكلام الذي قبل هذا بيان مبنى هذا وهذا مبني على أصلين: الأول: أن نفس الإيمان بالله والتقرب إليه هو غذاء الإنسان، وصلاحه وقوامه، وليس بتكليف ومشقة، طبعاً تسمية العبادات وشرائع الإسلام بالتكاليف هذه لُغة مُستعملة عند العلماء من الفقهاء وغيرهم، يعني: ليست بُمنكر، لكن ابن القيم -رحمه الله- الآن هو يُحلق فوق يُحلق عالياً فيقول: إذا نُظر إليها باعتبار أنها غذاء وأنها أعظم من الروح للبدن، وأعظم من نور العين للعين هنا لا يُقال: إنها تكاليف، وإنما يُقال: لذات وقُرة عيون، فكيف يُقال: إنها تكاليف باعتبار إن التكليف فيه مشقة فهذه التسمية مؤذنة بذلك، مؤذنة بالاستثقال هو لا إشكال أن تُسمى تكاليف، والعلماء تكلموا على هذه القضية والشاطبي تكلم عليها في "الموافقات"[17] لا غضاضة بهذا، لكن حينما تنظر بنظر علوية هنا يقال كيف يُقال تكاليف وهي في الواقع لذة الروح ونعيم القلب فهذه قُرة العيون وليست بتكاليف، من هذه الناحية، يعني: ليست إنكاراً، يعني: إذا سمعنا أحد يقول التكاليف أقسام الحُكم التكليفي أن هذا باطل لا يصح، لا، لا إشكال في هذا بلغة الأصوليين والفقهاء، لكن هو يتحدث عن قضايا إيمانية عالية، لما تُخاطب الناس عامة الناس عامة المُكلفين بمثل هذه العبارات هم لا يصلون إلى قريب منها، فحدثهم بما يعقلون، التكليف والتكليف والمُكلف، بعض الناس إذا سأل يسأل عن المخارج والحيل ما في فتوى أخرى؟!

الآن الأسئلة الجديدة الناس يرسل لك رسالة هل في المسألة خلاف؟ هل فيها إجماع، اليوم واحد مُرسل لي رسالة هل فيها إجماع تكاليف، هو يبحث عن المخارج للأسف، جاء واحد مرة يسأل عن الزكاة وهي قليلة يسأل كأنه شريك شحيح يُمحص ويُدقق يُريد بالملي بالهللة، قلت: عجيب أمرك كأنك كذا، قال: نعم، أنا كذا، ظهر كما ظننت يعني، كما وقع في ظني قال نعم أنا كذلك، في غاية الحرص وهي زكاة هكذا تُعامل ربك، قال أنا أُريد مفاصل الحقوق بالضبط بالملي، هذا كيف يتصدق وكيف؟!

والأصل الثاني قال: كمال النعيم في الدار الآخرة أيضاً برؤيته وسماع كلامه وقُربه ورضوانه، فلذتهم ونعيمهم في حظهم من الخالق أعظم مما يخطر في البال أو يدور في الخيال، فيقول: اللذة في الدنيا من القُرب من الله وعبادته ومُناجاته لا تُقادر بشيء، الحاجة إليها أعظم من حاجة البدن إلى الروح، وفي الآخرة أعظم اللذات هي أعظم لذة هي برؤيته والنظر إلى وجهه الكريم، نسأل الله وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين منهم.

قال -رحمه الله:

933- قاعدة كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من أحد جهتين: إما أن تكون طبيعته قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها، وإما أن تكون لينة منقادة سلسة الانقياد لكن غير ثابتة بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب، فمتى رُزق العبد انقياداً للحق وثباتاً عليه فليبشر فقد بُشر بكل خير وذلك فضل الله.

يعني هذه ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: النفس اليابسة المُتخشبة صعبة الانقياد كثيرة النفور، فهذه تحتاج إلى ترويض ومُجاهدات وتنفع معها هذه المزاولات، فيحصل له من الترويض بقدر توفيق الله له مع وجود هذه المُجاهدات والصبر، فإذا اتخذ الأسباب فإنه يصل بإذن الله تعالى لكنه يحتاج إلى مشقة، ومُجاهدة كبيرة والناس يتفاوتون في هذه المُجاهدات والصبر عليها، فهذه نفس صعبة، وهذا أحياناً قد يُجبل الإنسان عليه؛ لأن الناس خُلقوا خلقاً متفاوتاً في نفوسهم وطبايعهم لا من جهة أخلاقهم ولا من جهة عقولهم، ولا من جهة أيضاً فهومهم، ولا من جهة أيضاً قابليتهم للحق، أحياناً ترى بعض الناس أو بعض البيوت تقول: سبحان الله! كأن الخير فيهم غريزة، حتى إنك تنظر إلى بعض الناس تقول: سبحان الله! كأنه لا يُحسن يعصي الله ، أحياناً يقع في قلب الإنسان هو لا يزكي على الله أحد لا ينطق لكن أشياء في قلبه تقع إذا نظر إلى بعض الناس يقول: سبحان الله! الله خلق للجنة أهلاً نسأل الله حُسن الختام للجميع، يعني: ترى بعض الناس من وجهه من طبيعته من حركاته من تقول: مثل هذا سبحان الله! كأنه خُلق للجنة، وبعض الناس منذ صغره ترى الشر في وجهه، وعلائم التمرد ظاهرة بادية عليه، وترى حُب المُناكفة والشرود وما إلى ذلك من حماليق عينيه من الصِغر سبحان الله، فهذا موجود وهذا موجود، فتكُبر هذه الأشياء مع هذا، وتكبُر هذه الأشياء مع هذا، هذا من أرض صخرية صعبة، وهذا من أرض سهلة، هذا من سِباخ وهذا من طينة صالحة للزراعة في غاية الخصوبة، وهذا بين بين، فتجد هذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحافظ ابن القيم نفس شرود هذا الأول، هذا يحتاج إلى مُجاهدة كبيرة، كل إنسان أعرف بنفسه.

النوع الثاني: عنده انقياد لكن كثير التقلُب كما نُعبر اليوم نقول: إنسان مُذبب إنسان مزاجي كثير التحول لا يثبت على شيء فهذا يحتاج أيضاً إلى تصبير وتثبيت واتخاذ الأسباب التي من شأنها أن يُسدد.

النوع الثالث: هو من كانت نفسه مُرتاضة، وهذا الارتياض تارة يكون جِبلة كأنه خُلق للخير، لا يحتاج إلى مُجاهدات ويحتاج يمكن إلى مُجاهدة لو أراد أن يعصي الله، نفسه مُنقادة هينة طيعة سهلة ثابتة على الخير تنجذب إليه، وتسير فيه بطريقة عادية طبيعية لا تحتاج إلى تكلُف ولا تصبير، والعلماء تكلموا: أيهما أفضل صاحب المُجاهدات أو هذا؟ باعتبار أن الأول يؤجر على المُجاهدة وعلى العمل، أو صاحب النفس المُرتاضة، والمزية لا تقتضي الأفضلية، والذي يتتعتع في قراءة القرآن وهو عليه شاق له أجران، لكن الماهر مع السفرة الكِرام البررة، فهذا الذي ارتاضت نفسه على الطاعة أعلى مقاماً وأرفع كعباً في سُلم الإيمان، وذاك له أجران، أجر المُجاهدات لهذه النفس الشرود الصعبة، وأجر على العمل الصالح الذي يعمله بهذه المُجاهدات، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن المُشكلة في الطرف الآخر الذي لا يُجاهد ولم يُزرق نفساً طيعة فهذا هو الذي قد يخسر كثيراً، فيحتاج الإنسان أن يُفتش عن نفسه وأن ينظر فيها من أي نوع من هذه الأنواع، ولهذا من المُهم جداً أن يكون الإنسان لا يعيش لوحده وإنما يكون معه من إخوانه من يُسدده ويُعينه يكون في بيئة لاسيما الشباب والآن لا نقول الشباب الآن نرى ناس ينحرفون بعد الأربعين كانوا على صلاح وخير وطاعة فينحرفون، فأسباب الشر كثُرت لكن لاسيما الشباب في مُقتبل الأعمار هؤلاء لا بد لهم من محاضن تربوية إيمانية يعيشون في أوساطها، ولا ينفرد الواحد بنفسه بعيداً بحجة أنه يُريد يطلب العلم أو نحو ذلك فينفرد به الشيطان، فكم من نفوس قد حصل لها انتكاسات وكانت الأسباب لربما في البداية أنه يريد أن يتفرغ ليطلب العلم، تطلب العلم لكن كُن قريباً من أهل الخير والإيمان ونحو ذلك تواصل معهم لا تبتعد فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية.

قال -رحمه الله:

934- قاعدة: إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلاء فإن رده إلى ربه وصار سبباً لصلاح دينه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، ولا بد أن تُقلع الشدة وقد عوض عنها أجل عوض، وإن لم يرده ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه فهو علامة الشقاء، وإذا أقلع عنه البلاء رده إلى طبيعته وسلطان شهوته، فبلية هذا وبال، وبلية الأول رحمة وتكميل، والله الموفق.

يعني هؤلاء الناس في حال البلاء يسوق الله إليه البلاء فيتذكر ربه، فيتوجه إليه، ويُظهر فقره، وتذهب عنه أسباب الغفلة حال العافية ويبدأ يُلح على الله بالدعاء والسؤال وإظهار المسكنة ويقوم بما غفل عنه من ألوان العبوديات فهذا صار البلاء له رحمة، ذكره بربه وأعاده إلى الطريق، فصار في حال من الإقبال على الله، فكم من نفوس استقامت واهتدت كانت بعد البلاء أفضل من حالها قبلها وهذا يحصل كثيراً، فيسوق الله إليه البلاء ليُذكره ليُعرفه بنعمته وعافيته التي كانت من أجل أن يرجع إليه وأن يتوب فهذا مطلب.

ومن الناس من يكون البلاء -نسأل الله العافية- يختبره ربه ليرفعه إلى منزلة عنده لا يبلغها بصيام ولا صلاة فما الذي يحصل؟

يحصل له من التسخط على أقدار الله وسوء الظن بربه -تبارك وتعالى- ما يُوبق، -نسأل الله العافية، آخرته ويذهب معه إيمانه، ولربما تلفظ بعبارات لربما خرج بها من الإسلام ولربما تسخط على ربه -تبارك وتعالى- وترك طاعته باعتبار أن هذه الطاعة وهذا القرب من الأخيار والصالحين هو الذي أوجب له هذا البلاء الذي وقع له، وإذا سمعته يكلم كأنما بل هو يُصرح بتوبته من هذا العمل الصالح الذي كان عليه والخير الذي كان يفعله فترك الأخيار، وترك الصلاح وغير لبوسه وانسلخ من جلده كما تنسلخ الحية من جلدها؛ لأنه أبتلي، -نسأل الله العافية- وهذا موجود، ولذلك جاء عن النبي ﷺ بحديث إسناده حسن: ليس للمؤمن أن يُذل نفسه، فسُأل عن هذا؟ فقال: يتعرض من البلاء ما لا يُطيق[18].

فبعض الناس يُبتلى ثم بعد ذلك ينسلخ من جلده، فيقال: ليتك ثم ليتك ما عملت، ما عملت هذا الخير، ولا سعيت فيه، العافية خير لك، ولذلك من الخطأ أن الناس يريدون أن يدفعوا كل يريد أن يدفع الآخرين إلى العمل الذي يرتضيه، هذا مُهتم بأعمال مُتعدية ونفع مُتعدي، وأولئك قد لا يعني يصبرون على البلاء الذي قد يحصل من جراءها، هذا يُحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة فيؤذى، يدفع الناس دفعاً في هذا فيحصل لبعضهم أذى فلا يصبر، فيحصل له بسبب ذلك تراجع وانتكاسة، وهذه مُصيبة في دينه، ليس للمؤمن أن يُذل نفسه، يتعرض من البلاء ما لا يُطيق، فكل إنسان يعرف الحد الذي يستطيع أن يُقدم فيه وأن يعبد ربه وأن يبذل للإسلام، ومن الخطأ أن كل أحد يريد أن يجعل الآخرين جميعاً في قالبه وأن يعملوا عمله وإلا فهم لا خير فيهم مُخذلون مُتخاذلون من هذه العبارات التي للأسف تُقال حثواً بلا كيل ولا ميزانِ -نسأل الله العافية، هذا خطأ كل إنسان مُيسر لما خُلق له، ولن تعدم باباً من أبواب الخير والمعروف وطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، فيحتاج الإنسان إلى فقه في هذه الأمور وكيف يعمل وكيف يُطيع ربه وكيف يخدم الإسلام، أما أن كل إنسان له اهتمام بجانب مُعين ويريد أن يجعل جميع الناس في هذا المجال وإلا فهم فاشلون هذا غير صحيح، لكن المُهم أن لا يتحزب على بعض الحق فيُعادي من لا يفعل هذا أو من لا يكون معه فيه، هذه فروض كفائية هذا يقوم بفرض وهذا يقوم بفرض وهذا يقوم بفرض فهذا هو الذي يحصل به التكامل، وهذا هو الذي يُسمى باختلاف التنوع وهو الاختلاف المُثمر، لكن الكثيرين يأخذ جانباً من الدين ويجعل الدين هو هذا ويجعل ذلك هو المعيار في صلاح الناس وفي فسادهم، وفي قبولهم أو رفضهم فيخسر كثيراً، يخسر إخوانه ويُعادي كثيرين بلا حاجة له إلى هذه العداوات، ولا يوصله رأيه هذا إلى خير، لكن قد لا يكون للإنسان عقل يُسعفه، ولا علم يفتح له الطريق ويُريه علامات الطريق، وأماراتها ويعرف كيف يسلكها.

هذا النوع الأول: الذي اُبتلي صبر وارتفع تذكر ربه، والنوع الثاني: الذي -نسأل الله العافية- يتراجع وينكسر وينحرف، مثل هذا إذا ارتفع عنه البلاء قد يرجع إلى أسوء مما كان وقد يرجع إلى شهواته، قد يحصل له إقبال في البداية، ولكنه يرجع بعد أن نسي ما كان يدعوا إليه من قبل، فيرجع إلى الحال الأولى التي كان عليها.

قال -رحمه الله:

935- قاعدة في الإنابة التي تكرر ذكرها في القرآن أمرًا ومدحًا وترغيبًا وآثارًا جميلة، وهي الرجوع إلى الله، وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمن المحبة والخشية، والناس في إنابتهم درجات متفاوتة.

هذا كلام مُهم في الإنابة والتوبة إلى الله -تبارك وتعالى، يعني: كثير منا يتصور أن التوبة هي أن يعمل الإنسان ذنباً ثم بعد ذلك يندم ويعزم أن لا يرجع إليه ويُفارق هذا المنكر إن كان مُقيماً عليه، هكذا إذا ذُكرت التوبة تصور هذا، لا، الناس أنواع، ومراتب في هذه التوبة، وهناك توبة جُزئية، وهناك توبة شاملة والتوبة الحقيقية ما هي؟

أن يُنيب العبد إلى ربه بقلبه بكُليته إلى الله -تبارك وتعالى- وليس في جانب مُعين ثم بعد ذلك هو لا يُبالي بحدود الله -تبارك وتعالى- في غير هذا الجانب، لاسيما بعض الذنوب كما ذكرت في بعض المُناسبات، يعني: مثل المُخدرات مثلاً قد يتوب من المُخدرات لكنه يُدخن ولا يُصلي، أو يُفرط في الصلاة ويفجر ويفعل أنواع الفواحش مثل هذا غالباً كما هو الواقع يدل عليه في الإحصائيات يعرفها أهل الاختصاص يرجعون إلى حالهم من جديد بعد علاج، ومُدة نقاهة، وبرامج بعد المُستشفى ثم يرجعون؛ لأنه ما تاب توبة حقيقية، لكن إذا رأيت هذا كما يُعبر العامة التوبة التي يعبرون عنها يقولون: طايح على ربه، هذه عندنا مُستعملة فلان طايح على ربه، يعني: أقبل عليه بكليته، هذا يُرجى أن يُسدد ولا يرجع مرة أخرى، ولهذا الناس يسألون عن الزواج أحياناً يقولون: كان عنده مُخدرات وتعالج في مُستشفى ثم بعدين مدة برنامج وكذا وقضاها والآن يقول إنه، نقول لهم: انظروا إن كان هذا الإنسان ظهرت عليه دلائل التوبة فصلحت أحواله جميعاً وأقبل على ربه فيُرجى، وإذا كان فقط من المُخدرات برنامج ومُستشفى لكنه لا زال مُفرط للصلاة، لا زال يُدخن، لا زال مع قُرناء السوء، لا زال يعني لا يُبالي بحدود الله فهذا يرجع غالباً يبقى مدة شهر أو لشهرين أو لثلاثة أشهر أو نحو ذلك ثم يرجع إلى حاله الأولى، فهذه التوبة الشاملة هي التي يُركز عليها ابن القيم -رحمه الله- وقد ذكرت كلامه في هذه التوبة الحقيقية: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [سورة الزمر:54]، في الكلام على التوبة من الأعمال القلبية، هذا مُهم جداً في موضوع التوبة، نحن نفهم التوبة مفهوماً محدوداً ضيقاً فنرجع إلى المعاصي من جديد.

قال -رحمه الله: والناس في إنابتهم درجات متفاوتة، فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي والحامل عليها الخوف والعلم.

الخوف والعلم، يعني: يعلم جزاء هذه المعاصي وأنها تُعرضه لسخط الله.

قال: ومنهم المنيب إلى الله في أنواع العبادات فهو ساع بجهده ومصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب، وهؤلاء أبسط نفوساً من الأولين وكل منهما منيب بالأمرين، ولكن يغلب الخوف على الأولين والرجاء على الآخرين، ومنهم المنيب إليه بالتضرع والدعاء وكثرة الافتقار وسؤال الحاجات كلها مع قيامهم بالأمر والنهي، ومنهم المنيب إلى الله عند الشدائد فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار، وأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها إليه.

إنابة الاضطرار يعني تقطعت به السُبل: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [سورة العنكبوت:65]، لا يوجد غير الله ، فهذه إنابة اضطرار، واللائق بالعبد أن تكون إنابته قبل ذلك، قبل أن يأتيه البلاء والشدة، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، هذا هو الطريق، لكن إذا كان العبد لا يعرف ربه في الرخاء وجاءت الشدة وقال يا رب يا رب، فهذا إنابة اضطرار.

قال: وأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم، وحين أنابت إليه لم يتخلف منهم شيء عن الإنابة، فإن الأعضاء كلها رعيتها وأدت وظائفها كاملة، فساعة من إنابة هذا أعظم من إنابة سنين من غيره وذلك فضل الله.

يعني: هذه إنابة الروح بجملتها فالأعضاء من جنود الروح، فإذا الروح استقامت لربها ومليكها الجوارح اشتغلت بطاعته، واستسلمت له وأذعنت، هذه إنابة الأرواح، فالأجساد والجوارح تبع لها، هذه الإنابة العُظمى.

قال: 936- قاعدة في ذكر طريق قريب يوصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأفعال وهي شيئان.

يعني كيف الإنسان يُحافظ على إيمانه يُحافظ على استقامته، يُحافظ على دينه، يُحافظ على سلوكه الطريق فلا يعتوره الآفات، يعني: لا يحصل له انتكاسة، كيف يكون يقظاً حذراً؛ لأن أغلى ما يملك إيمانه، واللص هو الشيطان، والشيطان لا يمكن أن يأخذ إجازة أو يتخلى عن المُهمة لحظة، وما بين عينيه إلا هذا الإيمان يريد أن ينتزعه بكل طريق، وكل ما يأخذ منه فهو مكسب بالنسبة إليه يُطمعه في المزيد، صراع مُستمر فكيف يسلم الإنسان، كيف نُحافظ على استقامتنا.

قال: أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها من الأفكار والإيرادات الضالة حياء من الله وإجلالاً له وخوفاً من سقوطه من عينه وحذراً من تولد الخواطر بالشرور.

هو هذا، لماذا؟ لأن المعصية والجرائم والكفر وكل شيء مبدأه خاطرة ثم بعد ذلك إن لم تُدفع تتغلغل فتكون فكرة، ثم بعد ذلك تتعمق أكثر فتدفعه إلى العمل فتكون عزيمة، ولذلك فالناس أسرى لأفكارهم ومُعتقداتهم، الأفكار هي التي تقودهم، البداية خاطرة هذه الخاطرة قد يُلقيها الشيطان من الجن وقد يُلقيها شيطان من الإنس، فإن لم تُدفع تعمقت واستقرت فقد يُلقي عليه أخرى وقد تمنوا كبذرة وتعظم فيحصل بسببها الانحراف والبداية كانت فكرة، ولو سألت بعض من ابتلي بجرائم وأمور عظيمة هل كانت البداية هكذا؟ يقول لك: كانت البداية بسيطة، البنت التي فقدت عفتها وشرفها وصارت تبيع عرضها وما إلى ذلك لو سُألت هل كانت البداية هكذا؟ قالت: لا، كانت خاطرة ثم بعد ذلك كانت أمور من قبيل تزجية الأوقات من غير جد، ثم تحولت شيئاً فشيئاً، خاطرة ثم فكرة ثم عزيمة كما قيل، ابتسامة ثم سلام ثم موعد ثم لقاء، هي هكذا تتدرج، يُلقي الشيطان الخاطرة افتح هذا الموقع السيء اقرأ في هذه الشُبهات خاطرة فإذا دفعها وقام واستعاذ من الشيطان وصلى ركعتين انتهى، إن استرسل معها صارت فكرة يتحين تحقيقها فتضغط عليه فتتحول إلى عزيمة فتدفعه فيقع فيتحرك إيمانه النفس اللوامة، فتُعاتبه على هذا الفعل، ثم يندم، ثم بعد ذلك يقذف الشيطان، وقد يقذفها شيطان من شياطين الإنس يُلقي له الكلمة فتقع موقعاً إن لم يدفعها ثم ما يلبث هذا الإنسان أن يتكلم بكلام تستغرب كيف اقتنع فيه وكيف أصبح يُفكر بهذه الطريقة السقيمة، وكانت كلمة أُلقيت عليه استمتع بشبابك، سمعت من يقول: هذا الكلام، وكان في غاية الإقبال وحافظ لكتاب الله ومُتقن كلمة قيلت له: استمتع بشبابك فانتكس انتكاسة كبيرة، فلما سُأل عن هذا أعاد نفس الكلمة الأولى: استمتع بشبابك، وأين اللذة التي كنا نتكلم عنها في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، ولذلك فإن الكثيرين للأسف هو في الواقع يعني لربما يكون مع الأخيار لكنه محمول، يعني: لم يصل الإيمان يُخالط القلب، فهو محمول فلو انتقل أو تُرك أو غاب في إجازة أو نحو ذلك رجع بعد ذلك بوجه آخر:  كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [سورة النحل:76]، فهذا يحتاج دائماً إلى أنه لا يبتعد.

قال: والثاني: إشغال القلب بخواطر الإيمان التي هي أصل الخير ومادته من المحبة والإنابة والتوكل ومحبة الخير للمسلمين ونحوها، ومن أبلغ ما تحصل به الاستقامة صدق التأهب للقاء الله.

الشيخ: يعني الآن هذا الآن تخلى دفع الخواطر السيئة التي لا بد أن يُلقيها شياطين الإنس والجن في قلبه، ألقاها لكن المشكلة إذا بقي القلب فارغاً بطالاً تسللت إليه هذه الوساوس ولا بد والتعلقات بغير الله ، إذا رأيت أحد يعلق بأحد وقلبه يتألم وينعصر ويرسمون بعضهم رسومات تدل على أنه مجروح، وأنه إلى آخره وأنه معذب بسبب حب فلانة، وما إلى ذلك، تتعجب من هذا، هي قلوب بطالة فارغة كيف يحصل للقلب مثل هذا؟! هذا ما يحصل إلا بالفراغ فارغ القلب من الإقبال على الله ومحبته، فيملأ بمحبة مخلوق فيتعاظم هذا المخلوق في القلب فيُعذب ولا بد؛ لأن هذا القلب لا يصلح إلا أن يُعبد لله ، فإذا عُبد لغيره تعذب ويبدأ الألم والانشغال والقلق والضيق والعصرة كل هذه الأشياء يجدها، ثم بعد ذلك يوهن بدنه، فهي تبدوا عليه كما قال الشاعر:

وللحب آيات تُبين بالفتى شُحوباً وتعرى من يديه الأصابع[19].

فيبدوا شاحب الوجه، الكلام الذي قاله الشعراء، وبعضهم مات واقرءوا في أخبار هؤلاء، بعضهم مات من العشق والحب، ما هذا القلب المُتيم لغير الله لامرأة تذهب إلى الخلاء -أعزكم الله، يُعقل هذا! هذا عرف الله معرفة صحيحة بجماله وجلاله ومجده وعظمته؟! ولهذا نقول: من أهم الأشياء معرفة معاني أسماء الله الحسنى والعناية بهذه الأعمال القلبية، فإذن: لا يكفي دفع الخواطر بل لا بد من ملئ القلوب بمحبة ربها وباريها وخالقها وإشغال هذه القلوب بالأفكار، طبعاً هذه الخطوة رقم واحد وإلا هناك أعمال أخرى تُحافظ على الاستقامة لكن الخطوة الأولى التي هي دفع الخواطر السيئة، وإشغال القلب بالأفكار النافعة المُثمرة الإيجابية؛ لأن القلب لا يتوقف، يعني الإنسان يمكن يكون في غرفة مظلمة يمكن يُغلق عينيه يمكن يضع سدادات في أُذنيه، يمكن لا يوجد أصوات، القلب لا يتوقف ولهذا قيل له: الفؤاد، قيل: سُمي بالفؤاد لكثرة تفؤوده وتوقده بالخواطر والأفكار والإيرادات لا يتوقف، أنت جالس في مكان لا تسمع ولا ترى تريد تنام القلب يشتغل يُعيد ما كان في يومك وساعاتك الماضية، يُعيد الشريط يُفكر في أشياء مُستقبلية، يُجنح يُسافر يذهب بعيداً ينتقل من بلد إلى بلد، هذا القلب يتوقد بالأفكار والإيرادات والخواطر فلا بد إذن من إشغاله بالخواطر الجيدة النافعة المُثمرة وإلا فقد يُبتلى بأنواع من العِلل أياً كانت شُبهات، شهوات، وساوس، هموم، أوهام، فيُصيبه الخوف أو يُصيبه الحزن أو يُصيبه الشك أو يميل إلى الشهوات فيتطلبها، ويتمنى تحققها، والحصول عليها، هذا شأن الإنسان، ولا أحد يستطيع أن يقول: أنا ليست كذلك؛ لأنه لا يستطيع أن يُسيطر على هذه، ولذلك من لُطف الله أن الإنسان لا يؤاخذ على هذا الخواطر ما لم يتحدث أو يفعل، إن الله تجاوز لأمتي عن ما حدثت به أنفسها[20].

قال -رحمه الله:

937- قاعدة شريفة: الناس قسمان عِلية وسُفلية.

ليست بسُفلية، كذا سُفلية عندك، قسمان عِلية وسفِلة، ويقال أيضاً: سفلة وسِفلة، يعني الأراذل من الناس أعزكم الله الأسافل، يقال: فلان البعيد سِفلة من سِفلة الناس، سفِلة.

قال: قاعدة شريفة: الناس قسمان عِلية وسفِلة، فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصداً للوصول إليه، والسفِلة من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها والطريق إلى الله واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه إلى الله.

إذن المتوجهون إلى الله هم العِلية، وسِفلة الناس هم من لا يعرفون الله، ليس المعيار بالأموال، وليس المعيار بالشهادات التي يُحصلها الإنسان، فقد كما جاء في الحديث: يُقال: ما كذا ما كذا، ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان[21]، ليس هذا المقياس بشكل الإنسان وبجمله أو طوله أو نسبه وأُسرته أو بأمواله، لا، لا، بلزومه الصراط المستقيم هؤلاء هم العِلية ويتفاوتون، وهذا هو العز الحقيقي العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فبقدر طاعتهم لربهم -تبارك وتعالى- يكون لهم من العز فيحصل عليهم من البهاء والأنوار ويحصل لهم من المهابة ما لا يُقادر قدره، ولذلك الله قال عن المنافقين: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ[سورة الحشر:13]، هذه في المنافقين وليست في اليهود، أتنم أشد رهبة في صدورهم من الله، واليهود والكفار كذلك؛ لأنهم ليس لهم عِزة حقيقية، لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [سورة الحشر:13]، فتتعاظم الرهبة من هؤلاء بقدر ما عندهم من طاعة الله والإخلاص، والصدق معه، قدر ما عندهم من خشيته بالسر والعلانية، وليست العزة كما يقول القُرطبي: تباً لهمة تعلو وترتفع بثوب يلبسه أو بنعل أو بمركب يركبه[22]، يعني: بعض الناس غاية الهمة والآمال والطموح مركب جيد سيارة جيدة، أو لباس أنيق، أو نحو ذلك من هذا الحُطام الفاني، وتجد الآخر لربما في: البذاذة من الإيمان[23]، لا يظهر عليه، أي: شيء من هذه الشارة وهو يكسوه من الجلال والبهاء والمهابة ما لا يكون لهؤلاء.

قال: فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه إلى ربه طريق العلم والتعليم.

هذه أعمال للسالكين، أعمال للعلية، الله خلقهم خلقاً متفاوتاً من الخطأ أن يأتي من يُضاد هذه السنة الكونية فيريد أن يجعل الناس جميعاً في مسلك واحد يعني من العمل والتخصص، يريد جميع الناس يكونون مثلاً طلبة علم؛ لأن اهتماماته علمية، هذا خطأ، لكن لا ينقطعون من العلم حتى يعرفون الله ويعبدونه، لكن لا يتحولون إلى متخصصين في العلوم الشرعية، وآخر كما سبق له اهتمامات في الجوانب مثلاً الدعوية يريد كل الناس يكونون دعاة، لا يمكن، هذا اهتمامات جوانب إغاثية يريد كل الناس يشتغلون بهذا المجال، هذا وهكذا، لا ليس كذلك.

قال: فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه إلى ربه طريق العلم والتعليم قد وفر عليه زمانه مُبتغياً به وجه الله فلا يزال عاكفاً على طريق علمه حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويُفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيُرجى له الوصول إلى مطلبه.

يعني حتى لو ما حصل من العلم كثيراً هي عبادة من أجل العبادات يكفيه شرفاً أنه يلقى الله وهو طالب علم، هذه عبادة شريفة أفضل من الصيام والقيام، يكفي هذا إذا وجدت له نية، قد لا يُحصل من العلم كثيراً.

قال: ومنهم من يكون سيد عمله الذكر، ومنهم من يكون سيد عمله الصلاة، ومنهم من يكون طريق.

سيد عمل يعني له أعمال أخرى لكن هذا الشيء الذي تميز به، وأكثر منه الذكر، وقراءة القرآن والأذكار ويستغرق آناء الليل والنهار بهذا.

قال: ومنهم من يكون طريقه الإحسان والنفع المُتعدي، ومنهم من يكون طريقه الصوم، ومنهم من يكون طريقه كثرة تلاوة القرآن، ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم من طريقه الحج والاعتمار، ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق، وتجريد الهمة، ودوام المراقبة، وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة، ومنهم الجامع الفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قِبلة قلبه ونصب عينيه وقد شارك أهل كل عمل وذلك فضل الله.

يعني هذا الذي أخذ الإسلام والدين بشموله وهذا الأخذ على نوعين أخذ من جهة العمل والامتثال والسلوك فهذا لا يتأتى لأكثر الخلق، وشرائع الإسلام كثيرة، وهذه الشريعة كما شبهها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بالشرائع المُتعددة[24]، فهذا باب لأهل الصيام، وهذا باب لأهل الصدقة، وهذا باب لأهل الصلاة وما إلى ذلك، وأخذ بالدين بشموله من جهة التصور، والفهم والدعوة فهذا يعني أن يفهم الإسلام فهماً صحيحاً بشموله وأن ذلك جميعاً من الدين وأن الله يحبه ويرضاه، فلا يأخذ ببعضه دون بعض ثم بعد ذلك يكون هذا الأخذ بطريقة غير مشروعة، كيف يكون بطريقة غير مشروعة؟ كما أشرت قبل قليل يكون بذلك العمل ضيق العطن يوالي من دخل معه فيه ويُعادي من لم يدخل معه فيه، وهذا الذي أوقع الفُرقة التي ترون في المسلمين، هذا عنده اهتمامات في الجهاد من لم يُشارك في الجهاد ولم يكن اهتماماته وكلامته وخطابات وكتاباته ودعوته في هذا الأمر فلا يراه شيئاً ولو كان من العلماء، وهذا خطأ، هذا عالم ينشر العلم، وهذا يُغيث الناس في النكبات وإلى آخره، وقد تكون اهتماماته في العلم فلا يرى الذين لا يشتغلون بالعلم لا يراهم شيئاً وقد يعملون أعمالاً لا يعملها ولا يقترب منها، وهكذا، أولئك الذين يدفعون عنا عذاب الله بأمرهم بالمعروف بنهيهم عن المنكر تُدفع العقوبات العامة بسب هذا العمل الشريف فمثل هؤلاء عملهم جليل لكن من الخطأ أيضاً أن يحتقروا أعمال غيرهم، فهم لا يمكن أن يتوظفوا بجميع هذه الأعمال والوظائف الشرعية فيقوم بإغاثة المنكوبين والملهوفين، وأن يقوموا بالعلم والتعليم، وأن يقوموا بالجهاد، وأن يقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك لا يمكن.

فهذه من فروض الكفايات تقوم بعض الأمة بهذا، وبعض الأمة بهذا، وبعض الأمة بهذا، وكل مُيسر لما خُلق له، وهذه أبواب للجنة يصل منها الإنسان إذا كان عمله صحيحاً وقصده صحيحاً، فمن الناس من يصلح في هذا الباب ولا يصلح في هذا الباب، فالخطأ الذي يحصل أن يضيق العطن فيتصور الإنسان أن هذا العمل هو الإسلام، يضيق الإنسان بمنزلة الشرائع فمن لم يكن معه كذلك يعمل بنفسه عمله ينظر إليه بانتقاص واستصغار وهذا غلط، وتجد هؤلاء قد اجتمعوا على أمر اجتماعاً غير مشروع يعني بمعنى أنه بتعصب ومُنابذة لغيرهم، هذا خطأ بسبب هذا العمل الشرعي في أصله، فهذا هو المذموم يعني: لما قال الصحابة في القصة في بني المُصطلق لما قال هذا: يا للأنصار، وهذا قال: يا للمُهاجرين، مع أنها عبارة شرعية مذكورة في القرآن، ألقاب مشروعة الأنصار والمُهاجرين، لكن لما اُستعملت استعمالاً على وجه العصبية قال النبي ﷺ: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم[25]، صارت الآن النخوة يا للأنصار، والثاني يقول: يا للمُهاجرين صارت دعوى جاهلية، يعني: ما دعا قبيلته دعا بالاسم الشرعي أشرف الأسماء صار ذلك دعوى الجاهلية، فكذلك إذا فعل المسلمين ما من شأنه أن يُمزق وحدتهم ويُشتت شملهم، ويُفرق جمعهم بسبب قضايا أصلها شرعية ولكن المأخذ غير شرعي، فهذا يكون من دعوى الجاهلية، نعم، وقد ترى الرجل من أشد الناس إنكاراً لهذا وهو من أوقع الناس ومن أوغلهم فيه.

ومن الناس من يُبصر عيوب الناس ويُحسن توصيفها ولكنه لا يُبصر الجذع في عينه نسأل الله أن لا يجعلنا من هؤلاء وأن لا يمقتنا، العبرة ليست بالكلام، تجد الرجل أحياناً من أكثر الناس إزراءً على هذه الأمور وعلى التعصب والتقليد والتحزب، وما أشبه ذلك، وهو من أشد الناس، وأمقت الناس يستحل من خالفه، ويستحل دينه وعرضه، اختلاف واجتهادات يستحل منه كل شيء ولا يراه إلا شيطاناً مريداً، ولربما قال: أشد على الإسلام من اليهود والنصارى، هذا العالم أو طالب العلم أو الخيّر إذا كان هذا أشد من اليهود والنصارى أجل من أهل الصلاح! من أجل أنه خالفه، هذا خطأ، لا يجوز، والإنسان قد يتخلص من بعض المعاصي الظاهرة ويتوب منها لكنه يقع في أمور قد تكون أعظم منها، وهو لا يشعر، فلا بد أن يعرف الإنسان حقيقة التدين وحقيقة الصراط المستقيم وكيف يصل إلى الله، لا يطلع ما حفرة ويقع في حفرة أخرى، يخرج من انحراف سلوكي ويقع في انحراف آخر، -والله المستعان.

  1. انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:19).
  2. طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:19).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم (2713).
  4. انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:21).
  5. انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:24).
  6. أخرجه الطبراني في الدعاء، برقم (1475)، وابن خزيمة في التوحيد (2/ 792)، وصحح إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (2355)، وفي صحيح الجامع، برقم (6433).
  7. أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، برقم (425)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، برقم (32).
  8. انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 163).
  9. أخرجه النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، برقم (3940)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3124).
  10. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (5/ 224).
  11. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (5/ 358).
  12. انظر: في سير أعلام النبلاء ط الرسالة (18/ 36).
  13. طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 57).
  14. طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:57، 58).
  15. طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:58).
  16. طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 58).
  17. انظر: الموافقات (2/ 233).
  18. أخرجه الترمذي، أبواب الفتن عن رسول الله ﷺ، برقم (2254)، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وابن ماجه، أبواب الفتن، باب قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، برقم (4016).
  19. انظر: أمالي القالي (2/ 316)، والعذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (1/ 356).
  20. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب، إذا لم تستقر، برقم (127).
  21. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، برقم (6497)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، برقم (143).
  22. انظر: تفسير القرطبي (18/ 142).
  23. أخرجه أبو داود، في أوائل كتاب الترجل، برقم (4161)، وابن ماجه، أبواب الزهد، باب من لا يؤبه له، برقم (4118)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2879).
  24. انظر: مجموع الفتاوى (19/ 121).
  25. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ [سورة المنافقون:6]، برقم (4905)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، برقم (2584).

مواد ذات صلة