تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
الحديث على آيات الباب
تاريخ النشر: ٢٢ / ربيع الآخر / ١٤٢٣
التحميل: 6628
مرات الإستماع: 5434

مقدمة باب الإخلاص وإحضار النية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب الإخلاص وإحضار النية، في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية.

الباب: هو طائفة من مسائل العلم الداخلة في الكتاب، تحته فصول أو مسائل، أو نحو ذلك، مما جرى عليه التأليف، فهذا يقال له الباب، وهو يُدخل به إلى مسائل هذا الفن، أو مسائل هذا الباب، كما يتوصل ويُدخل من الباب، باب الدار، أو باب المسجد، أو نحو ذلك، إلى داخله.

باب الإخلاص، الإخلاص: هو إفراد الله بالقصد، أن يتوجه المكلف إلى ربه وخالقه -تبارك وتعالى، فلا يلتفت إلى أحد سواه، أن يريد الله وحده، والدار الآخرة.

والالتفات إلى الدار الآخرة ذلك لا ينافي الإخلاص، يعني: إذا أراد ما عند الله من الجنة، أراد الثواب، أراد الخير، أراد الدرجات العلى، فهذا لا ينافي الإخلاص، فإن توحيد الوجهة أن يريد الإنسان بعمله الآخرة، هذا يعتبر من التوحيد والإخلاص.

فلواحد كن واحداً في واحد أعني سبيل الحق والإيمان

وإحضار النية، النية: هي القصد، توجه القلب إلى العمل، وإحضار النية مطلوب، وواجب في العبادات من حيث إنه يميز بين العادة والعبادة، يعني: هذا الإنسان الذي يتوضأ الآن، إن كان يفعل ذلك على سبيل التبرد فإن هذا لا يجزيه للصلاة، وإن كان يفعل ذلك من أجل أن يستحل به ما يمنع منه كالصلاة، أو ما يستحب له كقراءة القرآن، فإن ذلك يكون طهارة شرعية.

الغسل، إن اغتسل للتنظف أو للتبرد، فمثل هذا لا يجزيه عن غسل الجنابة، ولا يجزي المرأة عن غسل الحيض أو النفاس، لكن لا بد فيه من النية.

فالنية تميز، هي قصد القلب وتوجهه، فتميز بين العادة والعبادة، وتميز بين أنواع العبادات، هذا صلى ركعتين، هل يقصد بها السنة الراتبة، أو يقصد بها صلاة الفجر الفرض مثلاً؟

وهذا إنسان صلى ثلاث ركعات، هل يقصد بذلك الوتر، أو أنه نسي صلاة المغرب فصلاها بعد ذلك مثلاً وهكذا، فهذه النية تفرق بين أنواع العبادات، يعني: هذه تفرق بين العادة والعبادة، وتفرق بين أنواع العبادات، هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا.

الأصل أن النية واجبة في العبادة في مبدئها، يعني: لو أنه جاء وكبر وهو لا يشعر ولم ينوِ الصلاة ثم تذكر بعدما كبر، فإن صلاته لا تصح، لا بد من النية في أولها، من إحضار النية في أول الصلاة.

هل يصح عمل بلا نية؟

هل كل الأعمال تطلب فيها النية؟ الأقرب أنه ليس كذلك، ليس كل الأعمال تطلب فيها النية، العلماء -رحمهم الله- ذكروا صورة لا تطلب فيها النية، ولكنها أيضاً ليست على إطلاقها، قالوا: ما لا يلتبس أو يشتبه بالعادة، فلا يحتاج إلى نية، مثل ماذا؟ الذكر، وقراءة القرآن، قالوا: هذا لا يقع إلا على وجه التعبد، والصحيح أنه يقع على غير وجه التعبد، ما إذا أراد به غير الله -تبارك وتعالى، يعني: الرياء والسمعة، يعني: لم يفعل ذلك لله، فعمله هذا مردود، فلا بد فيه إذن من نية الإخلاص.

لكن ما الذي لا يحتاج إلى نية؟ الذي يظهر -والله أعلم- على الأرجح أن الإنسان إذا أحسن إلى الناس، أحسن إلى الخلق، وجد محتاجاً فأعانه، وجد من يحتاج إلى الماء فسقاه، أطعم زوجته، أطعم أولاده، أو نحو ذلك، ولو لم ينوِ، فإنه يؤجر على هذا، ويدل على هذا حديث المرأة التي سقت الكلب[1]، لم يذكر أنها أرادت ما عند الله، وكذلك أيضاً يدخل في هذا من الصور أشياء، المرأة التي ذكرت في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- لما تصدقت عليها عائشة بثلاث تمرات، فأعطت ابنتيها كل واحدة تمرة، فبقيت واحدة، فلما رفعتها إلى فيها مدت كل جارية يدها تريد هذه التمرة، فشقتها بينهما نصفين، فذكر النبي ﷺ أنها بهذا العمل أدخلها الله الجنة[2]، فهذا يعني أنه يؤجر.

والنبي ﷺ قال: وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أما يكون عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في حلال[3]، فمثل هذه الألوان من الإحسان لا يحتاج إلى نية، لكن لا يقصد به قصداً سيئاً كالرياء والسمعة، فإن أحضر النية فيه، فهذا أكمل، وأفضل والله تعالى أعلم.

قال: في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية.

البارزة، مثل الصلاة، والأذان، والحج، والخفية مثل الصيام، لا يظهر هذا للناس، لكن لو أنه بقي من الفجر إلى المغرب، ولم يأكل ولم يشرب، هل يكون صائماً؟ يقال: بحسب نيته، إن نوى الصوم فإنه يكون صائماً، وإن لم ينوِ الصوم، ولهذا قال النبي ﷺ: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل[4].

  1. أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار(4/ 173)، رقم: (3467)، ومسلم، كتاب الآداب، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها (4/ 1761)، رقم: (2245).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (8/ 7)، رقم: (5995)، ومسلم،  كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الإحسان إلى البنات (4/ 2027)، رقم: (2630).
  3. أخرجه مسلم،  كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (2/ 697)، رقم: (1006).
  4. أخرجه النسائي، كتاب الصيام (4/ 196)، رقم:(2331)، والبيهقي في السنن الكبرى، كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ بِالنِّيَّةِ (4/ 340)، رقم:(7909)، والدار قطني، كتاب الصيام، (3/ 128)، رقم: (2213).
قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله..}

ثم ذكر قوله -تبارك وتعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، يعني: هذا الأمر الذي بعث الله به المرسلين، إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء، والحنيف: هو المائل.

فهؤلاء يميلون عن الشرك، فهم مائلين عن الشرك إلى التوحيد، حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وهذا يدل على عظم شأن الصلاة والزكاة، وأنهما قرينان للتوحيد والشهادتين.

وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وذكرت في بعض المناسبات وجه الاقتران بين الصلاة والزكاة، وحاصله: أن سعادة العبد دائرة بين أمرين: الإحسان مع الخالق، ورأسه الصلاة، والإحسان إلى المخلوقين ورأسه الزكاة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه[1]، وكذلك أيضاً أن العبادات مالية وبدنية، فرأس البدنية الصلاة، ورأس المالية الزكاة.

قال: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ، يحتمل أن يكون المعنى دِينُ الْقَيِّمَةِ يعني: الجماعة القيمة، دين الرسل الكرام، دين أتباع الرسل، دين أهل الهدى والتقى، وكذلك أيضاً دِينُ الْقَيِّمَةِ دين الملة القيمة، يعني أن القيمة يكون صفة للدين والملة، يعني الدين القيم، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (8/ 105)، رقم: (6502).
قوله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها..}

وقال تعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ [الحج:37]، هذه الهدي، وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ.

لما شرع الله الهدايا تنحر وتذبح يتقرب بها إلى الله -تبارك وتعالى- كما ذكر ذلك في سورة الحج، وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]، فهذه الذبائح التي يتقرب إلى الله -تبارك وتعالى- بها، لن يصل إلى الله شيء من لحومها ولا دمائها، الله هو الغني، فالله -تبارك وتعالى- قال: كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج:36]، هو الذي سخرها، وهو الذي أنعم بها، وهو الذي خلقها، فلن يصل إليه شيء من هذه اللحوم، وهذه الدماء، فهو غني عن ذلك كله، لكن قال: وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ، الذي عليه عامة المفسرين، أنه يصل إليه إخلاصكم وعملكم الصالح، وتقربكم، وقصدكم رضاه ، فهذا الذي يرتفع إليه، يقول -تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، فلا ترتفع إليه اللحوم والدماء، والله ليس بحاجة إليها، ولكن يرفع إليه التقوى، يرفع إليه النيات، والمقاصد التي يتقرب بها إليه، ويراد بها وجهه ، هذا الذي يصل إلى الله، فحينما شرعها شرعها من أجل التقرب بها، فقد يصل هذا التقرب إلى الله، هذا العمل الصالح يرفع فيثيبكم على ذلك.

قوله تعالى: {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه..}

وقال: قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ [آل عمران:29]، يعني: أن الله يعلم ما في مكنونات النفوس، يعلم النيات والخواطر والمقاصد، ويعلم توجهات القلب، إلى أين يتجه، وماذا يريد، ومن يقصد، وهل فيه أدنى الالتفات إلى غير الله -تبارك وتعالى، فحينما يسجد الإنسان أو يركع أو يقرأ، وحينما يحرك قلبه بذكر الله ، وما الذي يخطر في نفسه، وما الذي يتوجه إليه قلبه، وكيف يلتفت هذا القلب، وإلى من يلتفت، فإذا كان الإنسان قد يحرك شفته بالذكر، وهو يلتفت إلى مخلوق يراه، فإن يعلم مكنونات الصدور.

وحينما يكون هذا الإنسان يطيل الركوع والسجود، وقلبه يلتفت إلى مخلوق، فإن الله يعلم ذلك تماماً، وحينما يبقى هذا الإنسان في حال من الخشوع والتضرع، ويرفع يديه يدعو الله، يعلم ما الذي يدور في قلبه، وماذا يريد، هل يريد ما عند الله، أو يريد شيئاً آخر.

وحينما يتصدق، وحينما يتكلم، وحينما يعظ الناس، فهذه أمور يحتاج العبد أن يلاحظها، وأن ينظر إليها؛ لأن الله يقول: إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ [آل عمران:29] ، ومعنى تبدوه: تتحدثون به، فالله يعلم هذه الخفايا والخبايا، ولهذا فهو عليم خبير، يعلم كل شيء، فعلمه محيط، وهو خبير يعلم بواطن الأشياء وخفاياها، لا يخفى عليه منها خافية، الناس يخفى عليهم، يجهلون ما في قلب الإنسان، والله هو الذي يتولى السرائر، وإنما يحكم الناس بالظاهر، وما يغني الإنسان أن يثني الناس عليه، وأن يطروه، وأن يحبوه، وأن يعظموه، وأن يقدموه، والله -تبارك وتعالى- يعلم ما تنطوي عليه نفسه، ويمقته، ولا يزيده ذلك العمل الذي في ظاهره أنه عمل صالح إلا بعداً من الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، وأسأل الله لي ولكم علماً نافعاً.

مواد ذات صلة