تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 16 / ربيع الآخر / 1441 - 13 / ديسمبر 2019
حديث "لم أتخلف عن رسول الله إلا في غزوة تبوك.." (6-7)
تاريخ النشر: ١٨ / شعبان / ١٤٢٥
التحميل: 3004
مرات الإستماع: 3324

تابع حديث كعب بن مالك رضى الله عنه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا زلنا في حديث كعب بن مالك في ذكر توبة الله عليه حينما تخلف عن غزوة تبوك.

يقول كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ، أي: بعدما رجع من تبوك، وجلس للناس في المسجد، قال: وهو يبرق وجهه من السرور، وهذه عادته ﷺ، كان أصحابه يعرفون ذلك بوجهه، فكان إذا سُر استنار وجهه ﷺ حتى كأنه فلقة قمر.

فقال: أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك وهذا يدل على رأفة رسول الله ﷺ ولطفه، وأنه يعيش مع أصحابه بمشاعره ﷺ، فيسر لما فيه نفعهم، ومصلحتهم، ويغتم   ﷺ إذا حصل لأحد منهم شيء من المكاره.

وهذا يدل أيضا على مشروعية البشارة، ويدل على أن ذلك اليوم أفضل يوم على الإطلاق، فهل هو أفضل من يوم إسلامه، ومعلوم أن الله ما أنعم على عبد نعمة أعظم من نعمة الإسلام والهداية لهذا الدين، فكيف قال النبي ﷺ: أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك؟

يمكن أن يقال: إن هذا اليوم مكمل ليوم إسلامه؛ لأن يوم إسلامه إنما هو يوم توبة مما كان يتعاطاه من الشرك والبعد عن الطريق المستقيم، والتوبة مكملة له؛ لأن الإخلال بسلوك الطريق إنما هو خروج عن إسلام الوجه لله -تبارك وتعالى، فإن تمام إسلام الوجه: أن ينقاد العبد انقياداً، فإذا حصل له شيء من الخطل والشطط والانحراف فإن جبر ذلك يكون بالتوبة، وتكون متممة لإسلامه، ولهذا نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: في كل يوم أجدد إسلامي، بمعنى: أنه يراجع نفسه، ويحاسبها، ويتوب إلى الله ، وينظر في سلوكه وعمله، وحاله مع الله -عز وجل، فيرى أنه في حال غير مرضية، فلم يرضَ عن نفسه وهو شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، فيقول ذلك للذين مدحوه، وأثنوا عليه، وأطروه: أنا في كل يوم أجدد إسلامي.

يقول: "فقلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ هل هذه التوبة والعفو هو شيء منك، مبتدأ منك يا رسول الله، أم أنه شيء تفضل الله به وأوحى به إليك؟ فقال:  لا، بل من عند الله .

"وكان رسول الله ﷺ إذا سُر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر" بعض العلماء يقول: "لأن بعض القمر فيه سواد، والنبي ﷺ أبهى وأجمل، وفي حديث جابر بن سمرة أنه قال: رأيت النبي ﷺ في ليلة أضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه، وإلى القمر، فلهو كان أحسن في عيني من القمر[1].

فبعض أهل العلم يقول: القمر فيه هذا السواد، فلا يشبه به رسول الله ﷺ وإنما يشبه ببعضه المستنير، فهذا أكمل، والعرب تشبه الشيء بقطعة القمر للدلالة على إضاءته، وإشراقه، واستناره، وبهائه، تقول: فلان قطعة قمر، كأن وجهه قطعة قمر، وهذا هو المراد، والله تعالى أعلم.

يقول: وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة.

أنخلع، يعني: أن أخرج من مالي، ويعني بذلك: كل ما أعطاه الله من الأموال بجميع أنواعها، لأن "مال" مفرد أضيف إلى الياء، فهذا للعموم.

أن أنخلع من مالي: من كل مالي، وهذا يدل على أنه قد أقر ذلك وبذله وفعله، لكن رسول الله ﷺ قال له: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.

والنبي ﷺ نهاه عن ذلك، والنبي ﷺ نهى سعدا أن يتصدق بأكثر من الثلث في حجة الوداع[2].

وكنت أشرت إلى مسألة، هل يكون التبذير والإسراف والتوسع في النفقة في سبيل الله أو لا؟

لماذا النبي ﷺ نهى كعب بن مالك، ونهى سعد بن أبي وقاص ؟ وجاءه رجل بقطعة من ذهب صدقة، فأعرض عنه النبي ﷺ، فعرضها عليه، فأعرض عنه، ثم عرضها فأخذها النبي ﷺ ورماه بها، كأنه مغضب، وقال: يأتي أحدكم بماله ثم يتكفف الناس[3].

وأبو بكر جاء بكل ماله، فسأله النبي ﷺ ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، وعمر جاء بنصف المال، فقبل ذلك منه النبي ﷺ[4].

والله يقول: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67]، ويقول: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا [الإسراء: 29].

فلماذا قبل النبي ﷺ من أبي بكر وعمر، ولم يقبل من كعب وذلك الرجل؟ الجواب: هو ما ذكره الشاطبي، وبعض المحققين بأن ذلك يختلف باختلاف الناس، فمن الناس من يكون بمنزلة أبي بكر وعمر، وثقته بالله عظيمة جداً، وتوكله عليه بأكمل الأحوال، فمثل هذا لا يُمنع أن يتصدق بكل ماله، فيُقَر على هذا، ومن الناس من يكون دونهم في المرتبة، فيمنع من ذلك؛ لئلا يتلفت قلبه إلى الناس، أو ينتظر من أحد كرسول الله ﷺ، أو غير النبي ﷺ أن يعطيه من بيت المال أو من غير ذلك.

فالمقصود أن هذا لا يحكم فيه بحكم واحد، فمن الناس من يقال له كذا، ومن الناس من يقال له كذا، بحسب معرفته بحالهم، كما أن النبي ﷺ حينما يسأله رجل يقول: أوصني، فيقول له: لا تغضب[5]، فكان ﷺ يجيب كل واحد على حسب حاله.

إن الحسنات يذهبن السيئات

ويشرع للإنسان في حال الإساءة أن يبذل شيئاً من الإحسان والمعروف، ليقابل ذلك، كما قال الله : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114]، وذلك في خبر الرجل كما في حديث معاذ وغيره لما قبل امرأة، ووقع منه بعض ما لا يليق معها، إلا أنه لم يقارف ما يوجب الحد، فسأل النبي ﷺ فأنزل هذه الآية[6].

فهذا يدل على أن الإنسان إذا وقع منه تقصير وإساءة فإنه ينبغي أن يعوض ذلك بألوان من الإحسان، وكان ابن عمر إذا فاته ورده من الليل يصوم ذلك اليوم الذي يليه؛ ليعوض هذا النقص الذي وقع عنده، وهكذا نقل عن جماعة من السلف، أحدهم جعل على نفسه أنه إذا اغتاب إنساناً أن يصوم يوماً، وهو معتاد على الصيام، فلم ينقطع عن الغيبة، يقول: فجعلت على نفسي إذا اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، والمال حبيب إلى النفوس، فترك الغيبة، فيمكن للإنسان أن يحمل نفسه على طاعة الله ، ويردها عن المعصية بهذه الطريقة.

هذا، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2/ 150)، رقم: (1417).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (3/ 1006)، رقم: (2591)، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (3/ 1250)، رقم: (1628).
  3. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة عن ظهر غني يفضل عمن يعول المتصدق (4/ 98)، رقم: (2441)، وأبو يعلى (4/ 65)، رقم: (2084)، والدارمي (1/ 479)، رقم: (1659).
  4. أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة (2/ 54)، رقم: (1680)، والترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله ﷺ، في مناقب أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- كليهما (5/ 614)، رقم: (3675)، عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر -إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك؟. قلت مثله.
    قال وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك؟، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا.
  5. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب (5/ 2267)، رقم: (5765).
  6. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة هود (4/ 1727)، رقم: (4410).

مواد ذات صلة