السبت 01 / صفر / 1442 - 19 / سبتمبر 2020
(73) تتمة حديث الخروج من المنزل والتعليق على حديث " اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل ..."‏
تاريخ النشر: ٢١ / صفر / ١٤٣٥
التحميل: 2644
مرات الإستماع: 2523

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

في هذه الليلة -أيّها الأحبة- نتحدَّث عن معنى ما ذكرنا في الليلة الماضية مما يُقال من الذكر إذا أراد الخروجَ من المنزل، يقول: بسم الله، توكلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وعندها إذا قال ذلك يُقال له: هُدِيتَ، وكُفِيتَ، ووُقِيتَ[1].

هو يقول ثلاثةَ أشياء كما قد سمعتُم: بسم الله، توكلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، يقول ثلاثَ جُمَلٍ، ويُجاب بثلاثٍ: كُفِيتَ، وهُدِيتَ، ووُقِيتَ. مَن الذي يقول له ذلك؟

قد يكون القائلُ مَلَكًا من الملائكة، وقد جاء ذلك في إحدى الرِّوايات، أو في بعض شواهده، ولكن ذلك لا يصحّ من جهة الإسناد، أعني: ذلك الشَّاهد.

وبعض أهل العلم يقولون: ويحتمل أن يكون القائلُ هو الله -تبارك وتعالى-، يقول لعبده: هُدِيتَ، وكُفِيتَ، ووُقِيتَ.

هُدِيتَ بالبناء للمجهول، مَن الذي يهديه؟

هو الله ، هُدِيتَ إلى ماذا؟

هُدِيتَ إلى الكلام الحقِّ الذي يُقال في هذا المقام، هُدِيتَ إلى طريق الحقِّ والصَّواب بسبب ذكرك لربِّك -تبارك وتعالى- عند الخروج، واستعانتك به على سلوك ما أنت بصدد سلوكه، أو القيام به، ومَن حصلت له الهدايةُ والكِفايةُ ووُقِيَ فلا تسأل عن حاله: مَن يهده اللهُ فلا مُضلَّ له[2]، هُدِيتَ.

إذن هذه الهداية تدخل فيها الهداية التَّوفيقية، بمعنى أنَّه وُفِّق إلى ما ينبغي أن يُقال في هذا المقام، إذ إنَّ الكثيرين يعلمون ذلك، ولكنَّهم لا يُوفَّقون لقوله، ينسى، يكسل، يُهْمِل، يغفل، فما كلّ مَن عرف وحفظ قام بذلك وقاله عند خروجه، فهذه هداية توفيقٍ.

ووُقِيتَ يُوقى من ماذا؟

وُقِيتَ يعني: حُفِظْتَ، أن يكون بينه وبين ما يتخوّفه من الشُّرور والآفات وقاية، فيُحفظ من شرور الإنس، ومن شرور الجنِّ والشَّياطين، ومن شرور غيرهم ممن قد يصل إليه منه الضَّرر بإذن الله -تبارك وتعالى-: كالهوام، والدَّواب، والسِّباع، إلى غير ذلك من الأشياء التي يتخوَّفها الإنسانُ، أو قد يناله الضَّرر بسببها، قد يكون هذا الضَّررُ من هذه المركبة التي يركبها، قد يعدوا عليه مَن يُؤذيه، قد يُصيبه مكروهٌ في طريقه، في سيارته، ولو كان يسير في طريقه الصَّحيح، فقد يأتي مَن يُبتلى به، وتكون نفسُه في ذلك، فهنا يُقال له: "هُدِيتَ ووُقِيتَ"، فهذا سبيل الوقاية، وما أحوج العبد إلى الوقاية والحفظ! أن يكون في كنف الله -تبارك وتعالى.

وكذلك الكِفاية: يُقال له: "كُفِيتَ"، كُفيتَ من ماذا؟

من كلِّ ما أهمَّك من أمور الدنيا والآخرة كُفيتَ، فيكون العبدُ مكفيًّا، والإنسان جُلّ الهمِّ بسبب أمورٍ يتوقَّعها ويتحسَّبها، يقلق ماذا سيكون في المستقبل؟ ماذا سيكون لأولادي؟ ماذا سيكون لي؟ ماذا سيكون في الغد؟ فإنَّ الله -تبارك وتعالى- يكفيه ذلك، فيخرج وهو مُطمئنٌّ، مُستريحٌ، واثقٌ بكفاية الله وهدايته ووقايته له، فهذا لا شكَّ أنَّه نتيجة عظيمة مُرتَّبة على هذا الذكر اليسير.

ثم هذه الجُمل الثلاث التي يقولها العبدُ في هذا الذكر: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، النَّتائج انظروا إلى ترتيبها، النَّتائج ما هي؟

يُقال له: هُدِيتَ، ووُقِيتَ، وكُفِيتَ، بعض أهل العلم يقولون: هذا لفٌّ ونشرٌ مُرتَّبٌ، بمعنى: أنَّ هذه الجُمَل الثلاث: "بسم الله" و"توكلت على الله" و"لا حول ولا قوة إلا بالله".

النَّتائج الثلاث: "هُدِيتَ، ووُقِيتَ، وكُفِيتَ"، كل واحدةٍ تتعلق بجُملةٍ من الجُمَل الثلاث على نفس التَّرتيب: الأولى للأولى، والثانية للثانية، والثالثة للثالثة. هذا يُسمَّى: لفّ ونشر، ما معنى: لفّ ونشر؟

اللَّف بمعنى أنَّك تضمّ هذه الأشياء جميعًا، يعني: هذه الجُمَل الثلاث الآن تذكر ذلك جُملةً، يعني: تذكر ذلك تباعًا، ثم تذكر النَّتائج بعد، تُؤجّل النَّتائج، هذا اسمه: النَّشر، فتجعل هذه النَّتائج مُترتبةً على الأمور التي أجملتها سابقًا، من غير أن تقطع ذلك بحكم كلِّ واحدةٍ.

يعني: إذا قال مثلاً: "بسم الله" يُقال له: "هُدِيتَ"، وإذا قال: "توكلتُ على الله" يُقال له: "وُقيت"، وإذا قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، يُقال له: "كُفيت"، فإذا جاء بها على نسقٍ مُتتابعةً هذا يُقال له: لفٌّ، جمعها، فقال: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله ضمَّ بعضَها إلى بعضٍ، فجاءت النَّتائج بعدها مُرتبةً بحسب ترتيب الجُمَل الثلاث الأولى، فتكون النَّتيجة الأولى: هُدِيتَ للجُملة الأولى، وهي قوله: "بسم الله"، والجملة الثانية: وُقِيتَ للجملة الثانية: "توكلتُ على الله"، و"لا حول ولا قوة إلا بالله" تكون لها كُفِيتَ. فهذا يُقال له: لفٌّ ونشرٌ.

فالعبد إذا استعان بالله وباسمه: بسم الله أخرج، قلنا: إنَّ "الباء" للاستعانة، فإنَّ الله يهديه، استعان بربِّه -تبارك وتعالى- على مطلوبه ومُراده، فالله يهديه، يُقال له: "هُدِيتَ"، ويُرشِده ويُعينه في أموره الدِّينية والدّنيوية، فإذا فوَّض أمرَه إلى الله وتوكَّل عليه قال: "توكلتُ على الله" كفاه، فالله مَن توكَّل عليه كفاه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]، فانظر الآن هذه الجُمَل الثلاث، يُقال له: "هُدِيتَ، وكُفِيتَ، ووُقِيتَ"، فالذي يتوكَّل تكون له الكِفاية، والذي يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" تكون له الوقاية، لا تحوّل من حالٍ إلى حالٍ إلا بقوة الله -تبارك وتعالى-، فهذا الذي يُقال له: "هُدِيتَ، وكُفِيتَ، ووُقِيتَ.

بعض أهل العلم يربط هذه الجُمَل الثلاث والنَّتائج الثلاث بالجُمَل الثلاث الأولى، فيقيه الله إذا قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، يقيه شرَّ الأشرار من شياطين الإنس والجنِّ، وغير ذلك.

قال: "فيتنحَّى عنه الشَّيطانُ"؟

الآن هذا الذي حصلت له الهداية والكِفاية والوقاية الشَّيطان لا يجد سبيلاً إليه، فيتنحَّى عنه الشَّيطان، يتنحَّى هذا يدل على أنَّ الشَّيطانَ يطمع في العبد إذا خرج من بيته، من أجل أن يُوقعه في منكرٍ، أن يُوقعه في عدوانٍ على الناس، يُغريه بأذاهم، فهنا إذا رأى منه ذلك تنحَّى، لا سبيلَ له عليه، يبتعد الشَّيطانُ عن هذا الذي قال هذا الذكر، فمَن كان هذا شأنه فلا سبيلَ للشَّيطان عليه، لماذا؟

لأنَّه صار في منعةٍ وحصنٍ وحرزٍ يحتمي به من الشَّيطان، فيقول شيطانٌ آخر، يعني: هؤلاء الشَّياطين يسمعون ويُراقبون العبد حينما يخرج من بيته، هذه أمور لولا أنَّ الوحي أخبرنا بها، وإلا فلا علمَ لنا بذلك ولا دِراية، فيأتي شيطانٌ ويقول للآخر: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟!، هذا شيطانٌ سمعه، فيقول للشَّيطان الذي أراد إغواءه، لربما يكون هو الـمُوكَّل به، ولربما يكون هذا الشَّيطانُ الذي يتنحَّى عنه وييأس منه يكون هو إبليس مثلاً، وقد يكون هذا الشَّيطان ممن قابله وواجهه أول ما خرج، فهمَّ به، أراد إغواءه، فلمَّا قال ذلك تنحَّى عنه، فيأتي شيطانٌ آخر ويقول له هذا الكلام: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟!، يعني: هذا لا سبيلَ إليه، لماذا يقول له هذا الكلام؟

يقول له ربما تسليةً لهذا الشَّيطان الذي يئس وتنحَّى، وجبرًا لخاطره يقول هذا، أو قطعًا للطَّمع به فيقول: هذا قد قال هذا وصار في حصنٍ وحرزٍ ومنعةٍ، كيف لك به؟! تُريد إغواءه؟ لا سبيلَ لك عليه.

فهذا كلّه يدل على أهمية هذا الذكر، ولربما كان هذا الشَّيطان يقول لصاحبه: "كيف لك برجلٍ ..؟!" من باب التَّعجب من حاله، وامتناع وسوسة الشَّيطان عليه، هذا أمرٌ يسيرٌ، ويحصل به هذا الاحتراز، والحفظ، والهداية، والكلاءة، والكِفاية، والوقاية: هُدِيَ، وكُفِيَ، ووُقِيَ من الشَّياطين، ومن الشُّرور، لكن الشَّياطين تدخل في ذلك دخولاً أوَّليًّا، أعني: كيدها ووسوستها وما تُلقيه من الخواطر؛ لأنَّه مذكورٌ في هذا الحديث.

وقد يقول قائلٌ: كيف عرف هذا الشَّيطان القائل: إنَّه كُفِيَ ووُقِيَ وهُدِيَ؟

يمكن أن يكون ذلك بالممارسة، أو بأنَّهم تلقوا ذلك وعرفوه بطريقٍ سمعوه: إمَّا أنَّهم سمعوه مما جاء في النُّصوص، أو أنَّ ذلك كان مما استرقوا فيه السَّمع، المهم أنَّ هذا من الأمور المستقرّة عندهم، يعرفونها، أو لما رأوا مما يحصل من الكفاية والهداية والوقاية.

الآن هذا القدر جاء من حديث أنسٍ ، ومن حديث أبي قتادة السّلمي، وجاء أيضًا عن عون بن عبدالله بن عتبة مُرسلاً دون قوله: فيتنحَّى عنه الشَّيطان، يعني: يُقال له: "هُدِيتَ وكُفِيتَ، ووُقِيتَ"، هذا جاء بحديث أنسٍ، وصحَّحه الشيخُ ناصر الدين الألباني[3]، وأعلَّه بعضُ أهل العلم: كالبخاري[4] -رحمه الله-، لكن الزِّيادة الآتية، وهي قوله: اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِم أو أُظْلَم، أو أَجْهَل أو يُجْهَل عليَّ، جاءت من حديث أمِّ سلمة[5]-رضي الله عنها-، وهو حديث الباب، ومن حديث بُريدة بن الحصيب[6] -رضي الله تعالى عن الجميع-.

إذن هذه الزيادة أيضًا ثابتةٌ، أنَّه يقول إضافةً إلى ما سبق: اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، "أعوذ بك" يستعيذ بالله، بمعنى: أنَّه يلتجئ إليه، ويعتصم به مما يخافه ويُحاذره، أعوذ بالله، ألتجئ وأعتصم بالله -تبارك وتعالى- مما أتخوّفه.

وتُلاحظون في مثل هذه الجُمَل: أعوذ بالله، أو اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، اللهم يا الله إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ.

فهنا يتعوَّذ بالله من الضَّلال الذي هو ضدّ الهداية، وحينما يستعيذ بالله من الضَّلال أن يضلَّ أو يُضلّ، فإنَّ ذلك يتضمّن طلب التَّوفيق للهداية، يستعيذ بالله أن يضلَّ: أن أَضِلَّ، يعني: في نفسي، يعني: بأن أفعل ما شأنه الإضلال، أو أن يُفضي بي إلى الضَّلال، أن يصدر مني ما يُفضي إلى الضَّلال من قولٍ أو فعلٍ: اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ، أو أرتكب من القبائح ما يجنح بي عن سبيل الهداية.

أو أُضلَّ يعني: أن يصدر ذلك من غيري فيحصل لي الضَّلال بسبب كلمةٍ أسمعها، أو مشهدٍ يُغري بالمنكر أو الفاحشة والانحراف: أو أُضلَّ، فإنَّ الإنسان قد يحصل الإضلالُ له من غيره من شياطين الإنس وشياطين الجنّ، فهو يستعيذ بالله من هذا ومن هذا؛ ليبقى مُسدَّدًا مُلازمًا للصِّراط المستقيم.

اللهم إني أعوذ بك أن أَضلَّ أو أُضلَّ، أو أَزلَّ أو أُزلَّ، "أزل" من الزَّلة التي هي العثرة، وذلك بأن يحصل للإنسان اضطرابٌ في سيره وخللٌ ومُجانبةٌ للحقِّ وطريقِ الاستقامة، يقول: زلَّت قدمُه، وهذا طريق مزلَّة، يعني: تزل عليه الأقدام ولا تثبت، بعض أهل العلم فسَّر هذا بأنَّ "أزل" يعني: أن يقع في الخطأ، أن يقع في المخالفة وهو لا يشعر، هذه الزَّلة، فيكون الضَّلال على علمٍ وقصدٍ، والزَّلل يكون دون ذلك. ولكن لا دليلَ على هذا القيد.

أن أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَم "أُزل" يعني: أن يزلني غيري، أن يُوقعني غيري في الزَّلل.

أسأل الله أن ينفعنا وإيَّاكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإيَّاكم هُداةً مُهتدين، والله أعلم.

وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أبو داود: أبواب النوم، باب ما يقول إذا خرج من بيته، برقم (5095)، والترمذي: أبواب الدَّعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما يقول إذا خرج من بيته، برقم (3426)، وابن ماجه: أبواب الدُّعاء، باب ما يدعو به الرجلُ إذا خرج من بيته، برقم (3886)، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (499)، وذكره الشيخ مقبل الوادعي في "أحاديث مُعلَّة ظاهرها الصحّة" (ص43)، برقم (27).
  2. أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (867) من حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-.
  3. صححه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (499).
  4. انظر: "العلل الكبير" للترمذي (ص362)، برقم (673).
  5. أخرجه أبو داود: أبواب النوم، باب ما يقول إذا خرج من بيته، برقم (5094)، والطَّبراني في "الكبير"، برقم (726)، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح" (2/754)، برقم (2442).
  6. انظر: "الجامع الصغير وزياداته" للسيوطي (9862)، وعزاه للطبراني ولم أجده، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (ص635)، برقم (4381).

مواد ذات صلة