الجمعة 13 / شوّال / 1441 - 05 / يونيو 2020
47- أصول منقولة من كتبه وفتاويه المتفرقة ومطاوي كتبه شيئا فشيئا. القواعد 704-731
تاريخ النشر: ٠٩ / جمادى الآخرة / ١٤٣٤
التحميل: 2204
مرات الإستماع: 1577

الحمد لله، والصلاة، والسلام على رسول الله، أما بعد:

أمور الغيب علينا أن نؤمن بما أخبر الله به، ورسوله منها، وما زاد على ذلك من التعريض لكيفياتها، وصفاتها، فإنه من باب القول بلا علم، ومن باب التكلف الضار، ويدخل في هذا صفات الملائكة، والجن، وهيئتها، وكيفياتها، بل نؤمن بما في النصوص منها، ونعلم أنه حق على حقيقته، ونسكت عما سوى ذلك، وبهذا يحصل الإيمان الصحيح، والعصمة.

فلما كانت أمور الغيب مبناها على السماع، والنقل، ولا مجال للعقل فيها، فإن ذلك يوقف فيه مع ما ورد في السمع دون خوض بالعقول متأولة، أو طالبة للكيفية، والكنه، والحقيقة، وهذا الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام هو مذهب أهل السنة، ولكن لا يلتبس هذا مع م ورد في بعض النصوص في ذكر الأمور الغيبية، من بيان صفاتها على التعيين، والتحديد، أو ما ورد مما يتصل بذلك، يعني: حينما يقول النبي ﷺ كما في الحديث في اللؤلؤة المجوفة التي هي ستون ميلاً في ارتفاعها[1] وستون ميلاً في عرضها[2] تكون للمؤمن، له فيها أهلون، كما جاء في الحديث، فمثل هذا حينما يبين بالكيلو متر مثلاً، هذا لا إشكال فيه؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنها ستون ميلاً، وحينما يذكر النبي ﷺ مثلاً أن ضرس الكافر كجبل أحد ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد[3] فنحن نعرف أن جبل أحد سبعة كيلو مترات، وعرضه يتفاوت ما بين اثنين كيلو متر إلى ثلاثة كيلو متر، فإذا قلنا: معنى ذلك أنه بالكيلو المربع، أخرجنا المسافة من متوسط العرض مع الطول، فمثل هذا لا يقال: إنه خوض في هذه الغيبيات، وحينما يذكر النبي ﷺ بأن كذا، وكذا، مسيرة كذا، فالمسيرة التي خاطبهم بها، أو كما بين مكة، والمدينة[4] أو مكة، وحمير[5] أو نحو ذلك مما ورد في الأحاديث، أو الشجرة التي في الجنة يسير الراكب الجواد المضمر -السريع- في ظلها مائة عام ما يقطعها[6] فحينما يذكر معدل سير الجواد المضمر السريع بهذه الصفة، فيقال: هذا يقدّر بكذا، وكذا، ومع ذلك لا يقطعها؛ لأن النبي ﷺ أحال إلى أمور معلومة، فليس ذلك من الخوض بالغيب إنما الكلام في كنه الحقائق الغيبية مما لم يرد، كيف يد الله، كيف وجهه، الملائكة ما حجم الملك، أجنحته ما صفتها، وحينما يقال: الحور العين، من أي شيء خلقن، ما طول الحورية، إلى غير ذلك من هذه الأمور، فإن مثل هذا لا يصح، ولا يجوز الخوض فيه.

وهكذا الروح فهي من أمور الغيب، وهي بين جوانحنا، ومع ذلك وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] فهي أمر غيبي، فالخوض في الروح، ما حقيقة الروح، ما كنهها؟ هذا لا يصح.

محبة الإنسان للأمور الدنيوية لا يلام العبد عليه، ولا يعاقب، إلا إذا دعا إلى معصية الله، أو تضمن ترك واجب، وجمع المال إذا قام فيه بالواجبات، ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب عليه، لكن إخراج الفضل، والاقتصار على الكفاية أفضل، وأسلم، وأفرغ للقلب، وأجمع للهم، وأنفع للدنيا، والآخرة.

نعم، يعني أن الإنسان في هذه الحياة جُبل على محبة هذا الحطام، وإن كان الناس يتفاوتون في محبة هذه الأشياء، يعني الله يقول: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران:14] وكذلك قال: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20] وقال: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ يعني المال لَشَدِيدٌ [العاديات:8] فمثل هذه الأمور جُبل الإنسان عليها، ولا شك أن من كانت محبته متوجهة إلى محاب الله وطاعته فإن هذا أفضل، وأكمل، لكن الأول لا يلام.

وهذه المحبة لهذا الحطام ينبغي ألا تزاحم محبة الله فتكون دافعة له على فعل الحرام، أو ترك ما أمره الله به؛ لتعلقه بهذه الأمور المحبوبة من هذه الدواب، والمراكب، أو الدور، أو التجارات، أو نحو ذلك، فهذا هو المذموم، أن يكون ذلك صارفاً له عن طاعة، أو موقعاً له في معصيته.

ما تشتهيه النفوس من المحرمات جعل له الشارع حدوداً، وزواجر معينة، وما لا تشتهيه النفوس اكتفى بالزاجر الطبيعي، واقتصر فيه على التعزير في عقوبة فاعله.

نعم، وهذا حتى في المأمورات، فهنا في المنهيات، المحرمات ما تشتهيه النفوس، جعل له حدوداً، وزواجر، الآن الذي تشتهيه النفوس ما هو؟ الخمر، فرتب عليه الحد، الزنا، رتب عليه الحد، وكلما كان الداعي إلى ذلك، والدافع إليه أعظم كان الزجر أغلظ، فالزنا هذه الغريزة متوقدة في نفس الإنسان، والدافع قوي، فعندها تكون عقوبته أشد، والزواجر التي جاءت في الاحتياط للزنا أعظم من الزواجر التي جاءت في الاحتياط من الخمر، ولذلك تجد غض البصر، الأمر بغض البصر، ونهي النساء عن الخضوع بالقول، وإظهار الزينة، والتبرج، وما إلى ذلك، كل ذلك احتياطاً لهذه القضية.

وأعظم عقوبة، وأعظم الحدود هو ما يكون للزاني المحصن، وقد علل ذلك بعض أهل العلم بتعليلات منها: أن من اعتاد النساء، قالوا: فإنه لا يكاد أن يصبر عنهن، فيحتاج إلى زاجر عظيم جداً، هذا الإنسان المتزوج غير الإنسان الذي لم يتزوج، فهذا الذي تزوج، واعتاد الوقاع فإنه قلَّ أن يصبر عن ذلك، ومن ثم فهو بحاجة إلى عقوبة شديدة، زاجرة، رادعة تكفه عنه عن مواقعة ذلك، ولكن لاحظوا الأشياء التي لا تطلبها النفوس، وهي محرمة، لم يرتب عليها الحدود، مع أنها محرمة، ويأثم من تعاطاها من غير ضرورة، أكل الميتة، ما حكمة؟ حرام حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3] لكن هل رتب عليها حد، هل جاء في الاحتياطات لذلك كما جاء في الزنا مثلاً؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن النفوس تعافها.

وكذلك ما يتعلق بالمأمورات، كما يقول الشاطبي في الموافقات[7] فهذه المأمورات إذا كان هذا الشيء مما تتطلبه النفوس فهو لا يحتاج إلى الحث عليه، فلذلك لا تجد الحث في القرآن مثلاً على الأكل، والشرب، والنكاح، اللهم إلا إذا جاء ذلك في سياق الامتنان فقط وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ [المائدة:88]، كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا [البقرة:168]، كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، فهذا في سياق الامتنان.

وهكذا فيما يتعلق بالمباشرة للنساء فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة:187] هذا في نسخ التحريم الذي كان في أول الأمر، أنه يحرم الوقاع ليلة الصوم، لكن ما تجد نصوصاً مثل: واقعوا النساء، كلوا الطعام، لا تفرطوا في ذلك، لماذا؟ لأن الدافع أصلاً موجود، وقوي، لكن الأشياء التي النفوس قد تحتاج إلى مجاهدات حتى تباشرها، وتقوم بها، مثل الجهاد، والصلاة، ونحو ذلك، تجد كثيراً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ تارة بالأمر، وتارة بمدح القائمين بهذا، ونحو ذلك، فهذا لوجود الدافع.

وهكذا فيما يتعلق بما يترتب على ذلك في الدنيا، والآخرة، يعني إذا كان الدافع قوياً فكف الإنسان عن مواقعة الحرام، الدافع إلى الحرام قوي، فإن أجره يكون أعظم ورجل دعته امرأة ذات منصب[8] بل كل السبعة الذين يظلهم الله في ظله[9] هنا الدافع قوي، ومع ذلك يمتنع، وإذا كان الدافع ضعيفاً، فوقع في المعصية -الدافع إلى المعصية- فوقع فيها؛ كان وزره أعظم، الثلاثة الذين لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، هؤلاء من هم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم؟ شيخ زان، عائل مستكبر، ملك كذاب[10] الدافع ضعيف، فذنبه أعظم من غيره، ومن هنا جاء الاختلاف بين أهل العلم في بعض القضايا المشهورة، مثل: أيهما أفضل الغني الشاكر، أو الفقير الصابر، يعني الآن: ما حكم أكل النجاسات؟ حرام، هل تجدون نصوصاً متكاثرة، أو ترتيب حدود على من أكل النجاسات؟

الجواب: لا؛ لأن النفوس تعافها، لكن مال اليتيم، أولاً الناس يحبون المال، ثم أيضاً هذا ضعيف لا يستطيع أن يدفع عن حقه، فهو مظنة للجراءة عليه، فتجد النصوص مشددة في هذا.

الألعاب المباحة، والعوائد المباحة إذا اشتملت كثيراً على محرمات، أو تفويت واجبات؛ حرمت، ووجب اجتنابها، والنهي عنها؛ لما اقترن بها من هذه المفاسد التي لا تخلو هذه المباحات منها.

نعم، يعني هو الأصل الإباحة في مثل هذه القضايا ما لم يرد فيه دليل، لكنه إذا كان يلابس منكرات، ككشف العورات، أو تضييع الصلوات، أو إيغار الصدور، وتسبيب العدوات بين الناس، أو إضاعة الأموال، فإنه قد يحرم لهذا السبب، لا يحرم الجنس، يعني من تعاطى هذه الأشياء المباحة من العوائد، أو الألعاب، ونحو ذلك على وجه لا يصاحبه هذه المنكرات؛ فإن ذلك يكون مباحاً، لكن إذا صاحبها، ولابسها هذه المنكرات؛ فإنها تكون محرمة، كما لو جعل ذلك على سبَق، يعني على مقابل، على عوض، في غير ما ورد فيه النص، فهنا يقال: إنها محرمة.

لا يحل لأحد أن يحضر مجالس المنكرات باختياره لغير ضرورة، وعليه أن ينكر، ولو بقلبه.

نعم، عليه أن ينكر، ولو بقلبه إذا لم يستطع المفارقة، وإلا فإن الإنكار بالقلب يقتضي مفارقة المنكر، ومن هنا نقول لأولئك الذين يذهبون إلى بلاد تظهر فيها المنكرات بحجة السياحة، والنزهة، وما إلى ذلك، ولربما ذهبوا بأهلهم معهم في بلاد تظهر فيها المنكرات، والعري، والتبرج، وأنواع الشرور، وهو لا يستطيع أن يغير، ولا يستطيع أن ينكر، فمثل هذا يذهب إليها باختياره، ويرى هذه المنكرات، فمثل هذا السفر لا يجوز، لماذا؟

لأنه لا يجوز له أن يقصد أماكن المنكر، بل إن الإمام مالك -رحمه الله- أوجب الهجرة من البلد التي تظهر فيها المنكرات، ولا يستطيع أن يغير، فإنه يفارق تلك البلاد، فكيف بمن يقصدها برجله، ويسافر[11] ويبذل الأموال حتى يصل إليها، وتكون بغيته، ونزهته، ومتعته في الأماكن التي يتجمع فيها الناس، وتظهر فيها أنواع المنكرات من التعري، والاختلاط، وأنواع الشرور، والآثام، هذا لا يجوز.

ولكن على كل حال قد توجد مصالح كلية، فهنا يقدر، مثل من ذهب للدعوة إلى الله وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220] فقد يذهب الإنسان يقول: للدعوة، وهو يريد السياحة، والذي يذهب إلى الدعوة لا يذهب إلى أماكن المنكر للفرجة، وإنما يشتغل بدعوته في مجامع الناس التي يقصدها، وعلى كل حال لا شك أن هذا يؤثر، ويضر، ويرقق المنكر في قلب الإنسان.

لا تحل الغيبة إلا عند الحاجة إليها لمصلحة دينية، أو تعريف بالشخص بشرط أن يكون القصد النصيحة، وتلك المصلحة، لا قصد الغيبة، وكل ما قيل في تجويزه منها فإنه داخل في هذا الضابط.

هو هذا، بمعنى الآن مثل المستشار، مثل مقام الشكاية، فهذه مقامات تجوز، مقام الفتيا إن أبا سفيان رجل شحيح[12] فيكون المقصود بذلك طلب النصيحة، لا التشفي، فهذا هو الضابط الأساس.

والأمر الثاني: أن يكون ذلك بقدر الحاجة، يعني لا يجوز له أن يتوسع في هذا، فيذكر أكثر من الحاجة، فلو أنه سئل من أجل التزويج عن زيدٍ من الناس؛ فإنه يذكر القدر الذي يكفي لهذا الغرض، دون أن يتوسع، يعني: قد يكتفي بذكر صفة واحدة، يعلم أن هؤلاء لن يزوجوه بوجود هذه الصفة، فلا يحتاج أن يتوسع في عرضه، ويكون هذا العرض كلأً مباحاً، يتكلم فيه بما شاء، لا، وإنما يكون بقدر الحاجة، هذه الأعراض بمنزلة الميتة أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ[الحجرات:12] فيكون ذلك بقدر الضرورة، لا يتجاوز ذلك، ولا يتوسع فيه، فإذا كان يعرف عشر صفات واحدة تغني عن الباقي؛ فإنه يذكر واحدة، ولا يذكر الباقي.

كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، المتواترة؛ وجب قتالهم، حتى يلتزموا ما خرجوا منه، حتى يكون الدين كله لله.

نعم، يعني شرائع الإسلام الظاهرة مثل ماذا؟ مثل الأذان، لو امتنعوا من الأذان، امتنع أهل البلد، وليس مسجد معين؛ لأنه يجب أن يؤذن في البلد، لكن لا يجب أن يؤذن في كل مسجد، فلو امتنع أهل البلد، قالوا: ما يؤذن في البلد، هذا فيه إزعاج، ونحن عندنا ساعات في أيدينا، ونأتي وقت الصلاة، فهؤلاء يقاتلون، وفرق بين المقاتلة، وبين القتل، هم يقاتلون حتى يقروا بهذه الشرائع، ويلتزمون بها، ولكن القتال غير القتل، فإذا التزموا بها؛ كف عنهم.

وقل مثل ذلك في كون هؤلاء مثلاً يغلقون المساجد، لا يصلون الجماعة، وما أشبه ذلك، فهذا من شعائر الإسلام، من شرائع الإسلام الظاهرة.

يجب على جميع المسلمين أن يكونوا يداً واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا، ويقاتلوا على طاعة الله، ورسوله، والجهاد في سبيله، ويدعو المسلمين إلى ما كان عليه سلفهم من الصدق، وحسن الأخلاق، فإن هذا من أعظم أصول الإسلام، وقواعد الإيمان، التي بعث الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، أمر عباده عموماً بالاجتماع، ونهاهم عن التفرق، والاختلاف.

على كل حال هذه القضايا الثلاث التي ذكرها هي التي للأسف نحن أحوج ما نكون إليها في هذا العصر، والمسلمون بحاجة إليها في كل عصر، ولو نظرت إلى بلاء المسلمين في هذا الزمان؛ لوجدته دائراً على هذه القضايا الثلاثة.

القضية الأولى: يجب على جميع المسلمين أن يكونوا يداً واحدة على الكفار، واقع الأمة ليس كذلك، واقع الأمة أنه لا يوصل إلى بعض هؤلاء المسلمين إلا عند طريق بعض المسلمين للأسف، وأن يجتمعوا، ويقاتلوا... إلخ، يجتمعوا، ويقاتلوا على طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ والتفرق على قدم، وساق، والعدو يجد أوسع الأبواب في هذا، فيدعو المسلمين إلى ما كان عليه السلف الصالح، لا الأهواء، ولا البدع، ولا، ولا، لاحظ، من ماذا؟

من الصدق، وحُسن الأخلاق، أو حَسن الأخلاق، هذا مع الاعتقاد، لكن يكون الناس على منهج السلف الصالح في كل شيء، بما في ذلك الصدق، وحسن الأخلاق؛ لأن ذلك مما يؤلف النفوس، ويجذبها، ولا يكون المسلمون فتنة لغيرهم، قال: فإن هذا من أعظم أصول الإسلام، وقواعد الإيمان التي بعث الله بها رسوله ﷺ وقد تجد الرجل من أكثر الناس لهجاً بالدعاء إلى منهج السلف، وطريقتهم، وهو أبعد ما يكون عن هذه الأمور، فهذه أصول ينبغي العناية بها، وأن يعرض الإنسان نفسه عليها، فنحن لا نتكلم عن قوم آخرين، نحن نتكلم على أنفسنا، وننظر في أعمالنا، وهنا الأمر بالاجتماع، والنهي عن الافتراق، والاختلاف.

هذه ثلاث قضايا، بلاء الأمة يدور عليها، ويرجع إليها، والأصل طبعاً الكبير الذي هو اختلاف العقائد، هذا أمر لا ينكر، لكن هذه القضايا الثلاث للأسف تجد ذلك واقعاً بين أصحاب العقيدة الواحدة.

وإذا كان اليهودي، أو النصراني، ونحوهما خبيراً بالطب، ثقة عند الإنسان؛ جاز له أن يستطبه، كما يجوز له أن يودعه المال، وأن يعامله، وإذا وجد طبيباً مسلماً فهو أولى، وأما إن لم يجد إلا كافراً؛ فله ذلك، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسناً.

نعم، معلوم أن أكثر الأطباء منذ بعث النبي ﷺ وقبله لم يكونوا من المسلمين، كانوا من اليهود، والنصارى، وهذا أمر معلوم، ولهذا حث العلماء على تعلم الطب من أجل أن يستغنى عن هؤلاء اليهود، والنصارى، بل إن أحد أهل العلم لما أراد أن يتطبب عند رجل من أهل الكتاب، وقال له كلمة، هذا الطبيب، يعني: لولا أن مهنته تأبى لفعل، وفعل، مما يضره، فهذا حملته هذه الكلمة على دراسة الطب، وتعلمه حتى صار حاذقاً فيه، وهو عالم، فالمقصود أن الأمة بحاجة أن تستغني عن هؤلاء، ولكن الحاجة إذا كانت قائمة؛ فلا مانع من التطبب عندهم، إما لأن هذا أحذق، وكذا لو سافر إلى بلادهم من أجل أن يتطبب عندهم، فهذه كله لا إشكال فيه.

وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسناً، وهذا كما سبق بأن إظهار البراءة من المشركين لا يقتضي إعلان ذلك، لا يقتضي أن يقابلهم بهذا، ويقول: أنتم أعداء لي، وأنا عدو لكم، كما يقوله بعض أهل العلم، ويجعلونه شرطاً في السفر إلى بلاد الكفار، وأنه داخل في جملة إظهار الدين، ما معنى إظهار الدين عند بعض أهل العلم؟ أن يقول لهم: أنتم أعدائي، وأنا عدو لكم، فالراجح أن هذا ليس بشرط، وأن هذا ليس هو معنى إظهار الدين.

الدين الصحيح: هو عبادة الله وحده بما شرع الله، ورسوله ﷺ والدين الفاسد: هو عبادة غير الله، أو عبادة الله بعبادة فاسدة ابتدعها بعض الضالين، فالأول مشرك، والثاني مبتدع.

هذا، واضح.

الأعمال التي تكون بين اثنين فصاعداً يطلب كل منهم أن يغلب الآخر ثلاثة أصناف، صنف أمر الله به، ورسوله ﷺ كالسباق بالخيل، والرمي بالنبل، ونحوه من آلات الحرب؛ لأنه مما يعين على الجهاد في سبيل الله، وصنف نهى الله، ورسوله عنه، كالميسر من النرد، والشطرنج، ونحوهما، فإن كانت بعوض؛ تضاعف التحريم، والنهي عنها، ويدخل في هذا بيوع الغرر لما فيه من أكل المال بالباطل، وصنف مباح كالمصارعة، والمسابقة على الأقدام، فهذا مباح باتفاق المسلمين، إذا خلى عن العوض، وعن مفسدة راجحة، وقد يؤمر به إذا ترتب عليه مصلحة شرعية.

نعم، هذا مضى في كلام ابن القيم -رحمه الله- من المفاسد التي قد تصاحبه هذا الصنف الثالث المباح، كتضييع الصلوات، أو كشف العورات.

مداخلة... [20: 34]

هو التقوي على الجهاد، لكن النبي ﷺ كان ذلك في زمانه، وقد سابق عائشة -رضي الله عنها-[13] والمصارعة كانت موجودة، وقد صارع ركانة[14] ولكن لم يجعل على ذلك العوض، وحصر ذلك، مع أن هذه أمور معلومة في زمانه، وما كانوا يفعلون ذلك إلا للتقوي على الجهاد، والنبي ﷺ سابق عائشة -رضي الله عنها- في الغزو، يعني في طريقه حينما قفل من الغزو، فكل أعماله، وأنفاسه ﷺ كانت في هذا، ومع ذلك لم يجعل العوض الذي هو السبق في هذا، بل قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر[15] ولم يذكر هذه الأمور مع أنها موجودة، ومعروفة في عصره، وإلا فإن هذا السباق، الثلاثة المذكورة، قد لا يكون للجهاد، لكن لما كان هذا من أنواع القوة المعتبرة في ذلك الزمان في الجهاد؛ قيل فيه ذلك -والله تعالى أعلم- يعني: وإن لم يقصد المتسابقون في ذلك، يعني: لو كان المتسابق بطالاً، لا يحدث نفسه بالجهاد، ولا تسمو همته له، وعنده فرس جيدة، ويسابق فيها، يجوز أن يأخذ العوض، أو ما يجوز؟

يجوز، وهو لا يقصد الجهاد، لكن لما كانت هذه من أعظم آلات الحرب، فالقوة الرمي، كما قال النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] وذلك الجهاد يكون على المراكب قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة:92] وقال الله في الفيء: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ [الحشر:6] والركاب: هي الإبل.

والاجتهاد يقبل التجزؤ، والانقسام، فيكون الرجل مجتهداً في مسألة، أو صنف من العلم دون غيره.

نعم، هذه المسألة كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في تجزؤ الاجتهاد، وهذا هو الراجح، فلا يشترط في الاجتهاد أن يكون الإنسان قد بلغ مرتبة المجتهد المطلق، وإنما قد يكون مجتهداً في فن من الفنون، قد يكون مجتهداً في نوع من العلم، وقد يكون مجتهداً في باب منه، أو في أبواب، يعني: قد يكون مجتهداً في المعاملات المالية، وليس بمجتهد في العبادات، قد يكون مجتهداً في نوع من المعاملات المالية، المعاملات المالية البنكية المعاصرة، يكون مجتهداً فيها، وليس بمجتهد في كل أنواع المعاملات، وقد يكون مجتهداً في باب من الأبواب، باب العبادات مثلاً، هو مجتهد في باب الحج، ويفتي فيه، ودرسه، ويعرفه، وبلغ فيه مرتبة، ولكنه ليس كذلك في الأبواب الأخرى كالصلاة، والزكاة، والطهارة، ونحو هذا، قد لا يكون يحسن الفرائض، ولكنه يحسن باباً آخر، مثل البيوع، والمعاملات.

فالاجتهاد يتجزأ، وهذا يحتاج إليه اليوم مع قصور الهمم، وضعف العلم، فصار الناس يتخصصون، وصاروا يحاكون أهل الفنون الأخرى، يعني: أهل الفنون الأخرى تجد الطب تخصصات في أجزاء دقيقة من هذا الفن، من هذا العلم، فكذلك العلوم الأخرى صار الناس يتخصصون فيها، في علوم النبات قد يتخصص في نبات معين، أو في بلد معين، أو فصيلة معينة، وهكذا في الحشرات، وفي غيرها عند أرباب هذه العلوم.

وهنا لا شك أن الأكمل أن يكون -لأن العلوم الشرعية مترابطة- فيكون حاذقاً في الفقه، والأصول، والعربية، والحديث، وما إلى ذلك، وإذا نظرتم إلى شروط الاجتهاد التي يذكرها كثير من الأصوليين، هم في الواقع يتحدثون عن المجتهد المطلق، ولكن ما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله- هو الأقرب، والناس في ذلك على مراتب، فيكون مرجعاً للناس في هذا الجانب الذي تخصص فيه، لكن من الخطأ أن الناس أيضاً هم يسيئون الفهم، فمن برز في جانب معين؛ جعلوه في كل الجوانب، هذا غير صحيح.

والقياس الذي يسوغ مثل رد القضايا إلى نظيرها الثابت بالكتاب، والسنة بعلة تجمع بينهما.

القياس هذا هو قياس الفقهاء، قياس التمثيل؛ لأن هناك أنواع من القياس لا تعتبر، مثل قياس ماذا؟ قياس الشبه، هذا لا يعتبر، مثل إلحاق الخيل بالحمير بجامع الصورة الظاهرة، الشبه، في أحكام تتعلق بها، مثلاً ما يتعلق بأكلها، أو ما يتعلق بالزكاة، هل تزكى، أو لا تزكى مثلاً، أو نحو ذلك، فهذا يسمونه غلبة الأشباه، أو يسمى قياس الشبه، هذا غير معتبر.

لكن قياس الفقهاء هذا، إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، هذا لا إشكال فيه.

وأفضل الخلق النبيون، ثم الصّدّيقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وأفضل كل صنف أتقاهم، وأفضل الخلق في الطبقات القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.

نعم، بناءً على الآية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] فذكر هؤلاء الأصناف بهذا التدريج، فأخذ منه أن هذا بناءً على الأفضلية، طبعاً نحن عرفنا في مناسبات سابقة أن الصّدّيقين: يعني من كمل في صدقه، وتصديقه.

يقول: وأفضل كل صنف أتقاهم، يعني: أن هؤلاء يتفاوتون، فالصّدّيقون يتفاوتون، يعني لماذا؟

لأن الكمال يتفاوت، وإبراهيم ﷺ حينما قال: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260] ذكرنا في بعض المناسبات: أنه أراد أن ينتقل من مرتبة من مراتب الكمال إلى مرتبة أعلى منها، يعني: هو بلغ مرتبة اليقين، أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، فهذه مراتب في الكمال، وهكذا، فتجد هؤلاء من الصّدّيقين، والشهداء، ومن الصالحين هم يتفاوتون، فمن الأفضل؟ الأفضل هو الأتقى، الصّدّيقون يتفاوتون، والشهداء يتفاوتون، فقد يكون شهيداً لكنه قليل العمل، ضعيف العبادة، عنده إسراف على نفسه، عنده ذنوب، عنده معاصي، وآخر من أتقى الناس.

قال: وفي الطبقات: القرن الذي بعث فيهم النبي ﷺ ثم الذين... بناءً على الحديث المشهور في ذلك، خير الناس قرني[16] لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كلام سيأتي إن شاء الله تعالى في "منهاج السنة" وقد مضى الكلام على كلامه في، قد مضى الكلام على كتاب "منهاج السنة" لكنه سيأتي لواحق، فشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: هذا في الجملة، يعني: أن القرن مفضل في الجملة، ولا يقتضي ذلك تفضيل جميع الأفراد، بمعنى: أنه قد يوجد في القرن الثاني، يعني: في زمان التابعين من هو أفضل من أفراد يعني: أفضل من بعض من وجد في قرن النبي ﷺ وإن كان فضل الصحبة لا يلحقهم فيه أحد، لا يدركهم فيه أحد، فهذه مزية، لكن يقول: قد يوجد في زمان بعدهم ليس أفضل من الخلفاء الراشدين، والعشرة، وكبار الصحابة، لكن كم عدد الصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ؟ أكثر من مائة ألف، فشيخ الإسلام يقول: إنه قد يوجد في زمان التابعين مثلاً بعض الأفراد أفضل ممن وجد في زمن النبي ﷺ لكن لا يعني بذلك كبار الصحابة، وعلماء الصحابة، وخيار الصحابة.

يقول: وكذلك قد يوجد في القرون من هو أفضل من بعض من وجد في زمان التابعين، وهذا صحيح؛ إذ أن المزية لا تقتضي الأفضلية، هذا له مزية أنه من خير القرون، ولكن قد يوجد في زمان بعده، يعني: الآن مثل الإمام أحمد، والشافعي، ومالك، وأمثال هؤلاء من علماء الأمة، وفضلائها، قد يوجد في هؤلاء من هو أفضل من بعض من وجد في زمان التابعين، هذه طبقة مليئة بالناس، فيهم الأخيار، وفيهم الفجار، وفيهم الفسقة، في زمان التابعين، أليس كذلك؟ بل فيهم بعض أهل البدع.

"وتنازعوا في الفقير الصابر، والغني الشاكر أيهما أفضل، والصواب أن أفضلهما اتقاهما، قال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

نعم، هذا من أفضل ما قيل في هذه المسألة، وقد مضى الكلام على شيء من ذلك، فمن قال: إن الفقير الصابر، نظروا إلى ما جاء في الفقر، والنصوص التي في الغنى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] قالوا: وهذا متخفف، وأول زمرة تدخل الجنة[17] وفقراء المهاجرين يدخلون قبل غيرهم كما جاء في الحديث، الأحاديث الواردة في هذا[18] فمثل هذه الأحاديث احتج بها من فضَّل الفقير الصابر.

والذين فضلوا الغني الشاكر قالوا: لأن الدواعي إلى المعصية، والطغيان متوفرة، ومع ذلك يكون شاكراً، فهذا أفضل، والواقع أن الغني هذا الذي يكون شاكراً، لا يكون شاكراً إلا بصبر عظيم، فهو صابر أيضاً في الوقت نفسه، وهذا الفقير قد يكون صابراً، وشاكراً إذا استشعر أن الله فطمه عن كثير من الدنيا؛ من أجل أن يبتليه؛ من أجل أن يرفعه؛ من أجل أن يمحصه، فيكون شاكراً بهذا الاعتبار، وقد يقول قائل لأول، وهلة: بأن هذا الفقير ليس أمامه إلا الصبر، ماذا يفعل، ولذلك كما ذكرنا في الدوافع إذا كانت قوية عائل مستكبر[19] ما قال: غني مستكبر؛ لأن الغنى مظنة لذلك، فاستكبار الفقير أشد من استكبار الغني.

وعلى كل حال كلام شيخ الإسلام بأن الأفضل هو الأتقى هذا هو الصحيح؛ لأن الله قال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

أعمال القلوب التي تسمى المقامات، والأحوال، وهي من أصول الإيمان، وقواعد الدين، مثل محبة الله، ورسوله ﷺ والتوكل على الله، وإخلاص الدين له، والشكر له، والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له، وما يتبع ذلك، كل ذلك واجب على جميع الخلق المأمورين بأصل الدين، باتفاق أئمة المسلمين، والناس فيها على ثلاث درجات كما هم في أعمال الأبدان: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.

هنا يقول: أعمال القلوب التي تسمى المقامات، والأحوال، ما الفرق بين المقامات، والأحوال عندهم؟ هذه العبارات تكثر عند الصوفية، المقامات عندهم، يعني: حاصل كلامهم يرجع -وإن تفرع، وشققوه، وذكروا فروقات متعددة- لكن حاصله يرجع إلى أن المقامات مكتسبة، ومن ثم فهي تتطلب مجاهدة؛ من أجل أن يروض الإنسان نفسه عليها، وأن يحصلها، وتستقر في قلبه، ومن ثم فهي أمور مستقرة.

أما الأحوال فهي عندهم وهبية، يعني: من الله مواهب، يوفق إليها من شاء من عباده، فهي أمور ترد على قلب الإنسان، وتقع فيه من غير اكتساب، وهذه يقولون: غير ثابتة، يعني: تعرض، وتزول، مثل: الشوق، هذا الشوق عندهم من الأحوال، الشوق إلى لقاء الله، الدار الآخرة، اللذة، السرور، الحزن، مثل هذه الأشياء هي من قبيل الأحوال، هكذا يقولون، وهكذا يفرقون، فهي حال تعرض، وتزول.

أما المقام فهو ثابت، ومن ثم يختلفون في بعض الأعمال القلبية، هل مقامات، أو أحوال، يعني مثلاً: المحبة هل هي من المقامات، أو من الأحوال، يعني: هل هي تقع في قلب الإنسان من غير إرادة، أمر يلقيه الله في قلب من شاء، أو أنه شيء يكتسب؟ وقل مثل ذلك الندم، الذي هو من شروط التوبة، هل هو من المقامات، أو من الأحوال؟

هذا من الأحوال؛ لأنه أمر عارض، وهو يقع في قلب الإنسان من غير كسب، ولا إرادة، ولكن التقوى على هذا من المقامات، وليست من الأحوال، وقل مثل ذلك: كثير من الأعمال القلبية، التوكل، والخوف، والرجاء، فكل ذلك من المقامات.

فهم يقولون: إنها مكتسبة، ومستقرة، ومن ثم تحتاج إلى مجاهدات؛ من أجل أن تحصل، وتستقر في النفوس، أما الأحوال فهي عارضة كالندم، والحزن، يعني: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34] هذا يقوله أهل الجنة إذا دخلوا الجنة، ولهذا قال بعض السلف: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأن أهل الجنة قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34] والمقصود بالحُزن هنا فسر بالخوف من الله، فإن الحزن هو في الواقع قلق من أمر مضى، والخوف قلق من أمر مستقبل، لكنه قد يستعمل الحزن بمعنى الخوف، ومثل عليه بهذا المثال كما سبق الكلام على هذا في الأعمال القلبية.

وعلى كل حال لعل الفرق واضح، والناس يتفاوتون في فهذه الأعمال القلبية التي جنسها أفضل من أعمال الجوارح، فالناس مثلاً في التوبة، والإنابة، فيما يتعلق بالمحبة، فيما يتعلق بالخوف، الرجاء، التوكل، بين ظالم لنفسه، يعني: ما أتى بالقدر الواجب.

كذلك الصبر، والشكر، والرضا، ظالم لنفسه، أو مقتصد، أو سابق بالخيرات، وجنسها أعظم من جنس أعمال الجوارح، وأفضل، الجنس لا الأفراد.

والناس فيها على ثلاث درجات كما هم في أعمال الأبدان: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، فالظالم: العاصي بترك مأمور، وفعل محظور، والمقتصد: المؤدي للواجبات، والتارك للمحرمات، والسابق بالخيرات: المتقرب بما يقدر عليه من واجب، ومستحب، والتارك للمحرم، والمكروه، وكل من السابقين، والمقتصدين من أولياء الله الذين قال الله فيهم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: 62-63] فحد أولياء الله هم المؤمنون المتقون.

إي نعم، يعني، وهم يتفاوتون في هذه الأوصاف، يعني: أن ولاية الله تتفاوت، ويكون للعبد منها بقدر ما عنده من هذه الأوصاف؛ لأن الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه، من هم أولياؤه الذين لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] على قدر الإيمان، والتقوى يكون للعبد من ولاية الله فالناس يتفاوتون في هذا، فالمؤمنون أولياء الله، ولكنهم في هذا على درجات، ومراتب.

وأما الظالم لنفسه فهو من أهل الإيمان، فمعه ولاية بقدر إيمانه، وتقواه، كما معه من ولاية الشيطان بقدر فجوره، إذ الشخص الواحد يجتمع فيه الحسنات، والسيئات، وأصل الدين هو الأمور الظاهرة، والباطنة من العلوم، والأعمال، فإن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدون العقائد الصحيحة، كما في الحديث: إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله[20] الحديث. قال: كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إما أن يرفع يده عن الولاية، ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب.

إي نعم، يعني أي ولاية من الولايات، فإن الولايات تتفاوت بحسب مقاصدها، وما وضعت له، فالولاية العظمى تكون لإقامة الدين، والدنيا -كما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فإذا ضيع الدين، والدنيا ذهب معنى الولاية، ومقصودها، وكذلك الولايات الخاصة، يعني: هذا وضع بولاية خاصة، ما هذه الولاية الخاصة، مثلاُ: ولاية الحسبة، أو ولاية تتعلق الحرب، أو ولاية تتعلق بالمال، فإذا ضيع هذه الولاية، ولم يقم بها القيام الواجب؛ فإنه تكف يده، أو يوضع معه من يقوم بذلك على الوجه المطلوب.

فهذه الولايات ليست بتشريف لأحد من الناس، وإنما هي أمانة، وهي داخلة في عموم قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] فهذا من جملة الولايات، ولذلك لا معنى لأن يهنأ أحد بولاية، يهنأ بماذا؟ هو ليس بتشريف، هو تكليف، ولذلك كانوا يُسمَّون في الزمن الأول في عصر النبي ﷺ وعصر الصحابة، عصر الخلفاء، يُسمَّون بالعمال، يقال له: عامل، استعمل النبي ﷺ رجلاً، كان هذا من عمال عمر، كان عاملاً لعمر، وهو والي على بلد، يقال له: عامل، فمثل هذا أمانة كبيرة، سيحاسب على هؤلاء جميعاً، فيهنأ على ماذا؟

ولذلك كان بعض العلماء مثل: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- لما عيِّن رئيساً للجامعة الإسلامية، بعد الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- لما جاء، وقابله قال له: نهنيك أم نعزيك؟

نعزيك يقصد: أن هذا سيشغلك عن العلم، وأنا لا أفهم كيف يفرح بعض الناس بالولاية، ويستقبل التهاني، وكأنه زواج، أو تحصيل محبوبات دنيوية، أو أخروية، يهنأ على ماذا؟

يعاقب غير المكلَّف؛ لتقويمه، وتهذيبه، أو لدفع عدوانه، أو للاقتصاص من اعتدائه، ولذلك أمثلة كثيرة.

نعم، يعني: الآن مثل الصغير، قد يؤدب الصغير، قد يمنع، قد يحبس إذا لم يكف شره إلا بهذا، ولهذا كما هو الواقع الآن سجون للأحداث، تليق مثلهم، من أجل أنه لا ينكف شر هذا إلا بالحبس، يعني: كأن يكون هذا الإنسان عنده عدوان على الناس، هذا الإنسان فاجر، يواقع الفواحش، أو نحو هذا لا ينكف شره إلا بهذا، فهذا يعاقب، ولهذا قال النبي ﷺ: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر[21] فهذا الضرب هو عقوبة، فيعاقب غير المكلف، لاحظ، يضرب، وهو لم يبلغ سن التكليف، لكن لماذا؟ لا للتشفي، والانتقام، وإنما لتقويمه، وتهذيبه، أو لدفع عدوانه، أو للاقتصاص من اعتدائه.. إلخ.

من ابتلي ببلاء قلبي أزعجه، فأعظم دواء له: قوة الالتجاء إلى الله، ودوام التضرع، والدعاء، بأن يتعلم الأدعية المأثورة، ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة.

إلى هنا من أول الكلام إلى هذا الموضع ضعوه بين معقوفين، هذا ليس من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- لأن الكلام في هذا الموضع فيه بياض في الأصل، بياض، يعني لعله انطمس من المخطوط، فهو بياض في الأصل، الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- فهم من السياق، الكلام الذي بعده، فهم المراد فقدَّم له بهذا الكلام من عنده، هذا كلام الشيخ عبد الرحمن، إلى هنا، إلى قوله: [الإجابة] وبعد ذلك يأتي كلام شيخ الإسلام: مثل آخر الليل.

مثل آخر الليل، وأوقات الأذان، والإقامة، وفي سجوده، وأدبار الصلوات، ويضم إلى ذلك الاستغفار، وليتخذ ورداً من الأذكار طرفي النهار، وعند النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع، والصوارف، فإنه لا بد أن يؤيده الله بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه، وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه، وظاهره، فإنها عمود الدين، وليكن هجيراه (لا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) فإنه بها يحمل الأثقال، ويكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال، ولا يسأم من الدعاء، والطلب، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل، وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، ولم ينل أحد شيئاً من عميم الخير إلا بالصبر، والله الموفق.

نعم، يعني مثل هذه القضايا -نسأل الله العافية- لا يعرفها إلا من جرب، ووقع له شيء من البلاء المزعج الذي يقلقه، ويقض مضاجعه، ففي هذه الحال من الناس من يتعلق قلبه بالمخلوقين، ومنهم من يلجأ إلى أمور محرمة، يذهب إلى العرافين، والمشعوذين، والسحرة، ومن هؤلاء من يضيع في الأوهام، فيتقلب بين الرقاة، وغيرهم، وهذا يقول له: فيك كذا، وهذا: فيك كذا، وهذا: فيك كذا، ويبقى في متاهة، ومن الناس من يغلب عليه اليأس، والقنوط، وأن هذا هو نهاية المطاف، هذه المصيبة، هذا الحزن، هذا الأمر المزعج، المقلق، هذا الاكتئاب الذي وجده في قلبه فجأة، يظن أن هذا هو نهاية المطاف، وأن هذه لا مخرج منها، وهذا الكلام غير صحيح، فيحتاج إلى حسن ظن بالله، وأن يدرك أنه كما قال الله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا لن يغلب عسر يسرين[22] فهي سحابة صيف، وستمضي، ويغلب جانب الفأل، ويلجأ إلى الله، ويتضرع إليه، ويصلح صلته بربه -تبارك وتعالى- فإن الله لا يرد من التجأ إليه، وتضرع إليه، وتاب، وأناب، فهذا أمر معلوم.

قبل أيام إحدى النساء في كرب، وفي شدة، وفي ضيق، وعندها من المعاناة كما وصف هنا، ابتليت ببلاء أزعجها، وأقض مضاجعها مما تجده في نفسها، لا تدري ما هو، هل هو سحر، هل هو شيء آخر، الشاهد أنها في كرب، في شدة، فقررت أن تذهب إلى الحرم، فذهبت، وكانت تجد صعوبة، وتبكي، صعوبة في الدخول، وتتحسر ما الذي جاء بها، ولم تستطع أن تطوف، وأن تسعى كما كانت تفعل من قبل، وإنما كانت تمشي، وتجلس كثيراً، ولكنها صارت تتضرع إلى الله بالسجود، وتبكي، وتدعو، وتقول: أتيت بيتك، وأنت لا تردني، ولا تخيبني، ولا تخيب من رجاك، وتتضرع، وتجلس، يعني: في أوقات طويلة من الليل ساجدة، وتدعو الله هذه المرأة زال كل ما بها من كرب، يعني هي أرسلت رسالة بعد الكرب، والشدة تقول: حصل كذا، وما كنت أظن أن هذا الأمر الذي لازمني هذه الملازمة أنه سينكشف في ليلة، ورأت في هذا رؤيا، وسألت المعبر قال: كان بك شدة، وكرب، ثم بعد ذلك قيض الله سبباً رفعها.

هذه ما ذهبت إلى طبيب، ولا، هذا الكلام البارحة يا إخوة، أرسلت رسالة تذكر فيها ما الذي حصل لها، وأن ذلك جميعاً قد ذهب، وزال، وهذا مثال من أمثلة كثيرة، لكن ذكرت هذا المثال؛ لأنه قريب جداً البارحة، وتذكر أنها تجد من الراحة، والسرور، والسعادة، والغبطة ما لا يقادر قدره.

فالله لا يخيب من رجاه، إذا ضاقت النفس، فليس هذا معناه أن هذا هو نهاية المطاف، لا، بل على العبد أن يحسن الظن بالله، وأن يلجأ إليه، ويتضرع إليه، هذه سحابة صيف، وتمضي، كما أن الأبدان تتعب، ويصيبها المرض، ونحو ذلك، ثم تتعافى كذلك النفوس، لكن المحروم، والشقي هو من أمعن في معصية الله والإعراض عنه مما يزيد في علاته، هذه هي المشكلة، آخر ما يتذكر الضراعة إلى الله، والانكسار بين يديه، والصلة به، يعني يبقى معرضاً، يبقى بعيداً، يبحث عن الشهوات لعله يسلو عن هذه البلية، وبعضهم قد يلجأ إلى المخدرات، ومن هنا تتلقفه الشياطين.

لم ينفرد أحد من أهل البدع بقول لم يقل به أهل السنة إلا كان خطأً قطعاً، وقد يكون الحق مع طائفة من أهل البدع، مختلطاً بباطل، وطائفة من أهل البدع تقابلها كذلك، والحق الخالص الذي لا باطل فيه مع أهل السنة، والجماعة، وهذا معروف بالتتبع في كثير من العقائد، والأصول.

هذا ينبغي أن يكون مقرراً، وأن يثق الإنسان، النبي ﷺ لما كان بيد عمر صحيفة من التوراة، قال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني[23].

فهنا كل خير يرتجى من القراءة في هذا الكتب المحرفة، لاحظ هي كتب منزلة في أصلها، فهو موجود فيما أوحى الله به إلى نبيه ﷺ وأهل السنة هم الذين يمثلون الإسلام الصحيح، والأعداء يعلمون بذلك، ويقرون به، ولذلك ينشطون الفرق، ولما جاء الاستعمار اشتغل بإظهار الفرق، وإبرازها، ولما جاء المستشرقون، صاروا يحققون، ويخرجون، ويطبعون كتب المعتزلة، والفلاسفة، والصوفية، الصوفية الفلاسفة، فهم يعلمون ذلك جيداً.

على كل حال كل خير عند هؤلاء المبتدعة، وكل صواب، وكل حق فهو موجود عند أهل السنة، ولكن عندهم من الانحرافات، والأخطاء ما قد لا يدركه كثير ممن يطالع في كتبهم، إذا تقرر هذا المعنى فما الحاجة لأن يبحث الإنسان هنا، وهناك، ويقال ليغرر بالشباب، ويقال لهم تحت عنوان الثقافة: حتى تكون تحت لواء المثقفين اقرأ في كل شيء، ولا تؤجر عقلك، ولا يحجر أحد عليك، اقرأ، اقرأ لهؤلاء، وهؤلاء، اقرأ للفلاسفة، اقرأ للمعتزلة، اقرأ للرافضة، الحق موجود عند هؤلاء، وهؤلاء، وهؤلاء، هذا من يقوله إلا من كان متهوكاً، لا يعرف حقيقة ما جاء به الرسول ﷺ.

فهؤلاء يقولون: نحن نقرأ لكل أحد، حتى السحرة، حتى الفلاسفة نقرأ لهم، من أجل أن نأخذ ما عندهم من حق، الذي عندهم من الحق موجود هنا، الله جعل القرآن تبياناً لكل شيء إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ فما الحاجة إذن للرجوع إلى كتب مترجمة، وثقافات فاسدة، وفلسفات معاصرة، قد لا يميز هؤلاء القراء كثيراً مما فيها من الانحرافات، والأباطيل، فهذا للأسف ثقافة تروج الآن، وإذا ذهبت إلى معرض الكتاب؛ وجدت التهافت من قبل هؤلاء الشباب الصغار، أو من هؤلاء النساء بالذات على دور معروفة بانحرافاتها، وضلالات المواد التي تنشرها، يتهافتون عليها، وتعجبهم العناوين البراقة، والأغلفة الجذابة، وتجد زحاماً، لكن ليس على شيء، زحام على ضلال.

وعلى كل حال دعوى أن أهل السنة لا يملكون الحق، وإلا فأنت معنى ذلك أنك تحتكر الحقيقة، وتدعي أنك تحتكر الحقيقة كما يقولون لهم في دورات البرمجة العصبية، وأنك تقول: بأن هؤلاء على ضلال، فأنت إقصائي، وأنت تنظر إلى نصف الكأس الفارغ، ولا تنظر إلى نصف الكاس المليان، نقول: النبي ﷺ قال: أومتهوكون فيها والله قال عن هذا الكتاب: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ قال: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين[24] من هؤلاء إذا لم يكونوا أهل السنة، والجماعة، فما الحاجة للقراءة في كتب الضلال، والطوائف المنحرفة، فلا تضللون أيها الإخوان، ولا يتلاعب بكم هؤلاء بين جاهل مغموص في الجهل، أو صاحب هوى مغموص في هواه، مثل هذا لا يستحق أنه يوجه، ولا يستحق أنه يتصدر، ولا يستحق أنه يتفلسف، إذا نظرت إليه قد لا تجد له عمق، ولا معرفة في العلوم الشرعية، ولكنه يتكلم فيما لا يحسن، ويتكلم في مثل هذه الأمور العظام، بل قد يحرج على حدود الله وعلى ثوابت الدين، ومحكماته، من يؤيد قطع يد السارق، فهؤلاء يصوتون، من يرفع يده من هذا الصف، ومن يرفع يده من هذا الصف، أهكذا يكون المؤمن؟

ثم يقال للناس: لا يصح أن تدعي أنك تحتكر الحقيقة، لا يوجد لا أهل السنة، ولا غير أهل السنة، أهل السنة عندهم حق، وغيرهم عندهم حق، فاجمع الحق من هؤلاء، هذا يقوله المتهوكون، لا يقوله من عرف حقيقة ما جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام والله المستعان-.

كم يضلل بهذا من أناس وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ۝ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ۝ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام:112-114] فمثل هذه الأمور لا يحتاج الإنسان معها إلى النظر إلى ما عند أهل الباطل.

تجب طاعة النبي ﷺ لكونه رسول الله في حياته، وبعد مماته، فكما يجب على الغائب عنه في حياته طاعة أمره، ونهيه يجب ذلك على من يكون بعد موته، وهو ﷺ أمره شامل عام لكل مؤمن شهده، أو غاب عنه في حياته، وبعد مماته، وإذا أمر أناساً معينين بأمور، أو حَكَم بأعيان معينة بأحكام لم يكن حكمه، وأمره مختصاً بتلك المعينات، بل كان ثابتاً في نظائرها، وأمثالها إلى يوم القيامة، بل بعد مماته أوكد؛ لأن الدين كمل، واستقر بموته، فلم يبق فيه نسخ؛ ولهذا جمع القرآن بعد موته لكماله، واستقراره بموته، فطاعته شاملة لجميع العباد شمولاً واحداً، وإن تنوعت طرقهم في البلاغ، والسماع، والفهم، فهؤلاء يبلغهم من أمره ما لم يبلغ هؤلاء، وهؤلاء يسمعون من أمره ما لم يسمعه هؤلاء، وهؤلاء يفهمون من أمره ما لم يفهمه هؤلاء، وكل من أمر بما أمر به الرسول ﷺ وجبت طاعته طاعة لله، ورسوله لا له، وأحق الناس به أقربهم إلى معرفة دينه، واتباعه.

لاحظ، وجبت طاعته طاعة لله، ورسوله لا له، يعني: هؤلاء الذين يضللون اليوم جموع الشباب، يقولون لهم: أنتم لا تأجرون عقولكم لهؤلاء. يقصدون من؟ يقصدون العلماء، يقول: فكِّر بعقلك، اعرض كل شيء على عقلك، يعني اعرض آيات الله القرآن على عقلك، ما قبله عقلك تقبله، اعرض الأحاديث على عقلك، اعرض أقوال الصحابة، كبار الصحابة، أقوال الخلفاء، بل اعرض الإجماع، إجماع الأمة على عقلك، يقول: الله أعطاك عقل هو المحكم، إذاً صار العقل هو المتبوع، صار طاغوتاً، صار هو الحاكم على نصوص الكتاب، والسنة، هل هذا يعقل؟ هل هذا هو الدين الصحيح؟

فهؤلاء حينما يقولون: لا تأجر عقلك لهؤلاء يعنون العلماء، الواقع أنه حينما تطيع هذا الذي أمر بطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ يقول: قال الله، قال رسوله، فأنت مطيع لله، ومطيع لرسوله، لست بمطيع له، ولم تأجر عقلك له، هؤلاء يريدون منك أن تأجر عقلك للشياطين، فيتلاعبون بك، فتكون النفس متبعة لأهوائها، وهذا العقل الذي يتفاوت فيه الناس تفاوتاً كبيراً كما سبق الكلام على هذا، فعقل هذا غير عقل هذا، وعقل هذا؛ ولذلك أرباب العقول من المعتزلة، وغيرهم، ممن يدعون اتباع العقل، وتحكيم العقل صاروا فرقاً يُكَفِّر بعضها بعضاً، فأي عقل هذا المتبع، والمحكَّم، حتى القواعد العقلية سبق الكلام عليها، أنهم يعتقدون أنها قواعد عقلية، وأنها قواطع عقلية، والواقع أنها في نظرهم هم، حتى التي يعارضون بها النصوص، والواقع أنها نظريات، أو مقدمات، أو أدلة عقلية فاسدة.

وعلى كل حال كلامه السابق أن النبي ﷺ أنه إذا حكم في قضية، أو لشخص معين، أو خاطب شخصاً معيناً، قال: أعتق رقبة، أو كذا، فهذا ليس بمختص به، وإنما حكمه ﷺ على واحد يكون حكماً للجميع، ولهذا قالوا في الأصول: بأن خطاب الواحد خطاب لجميع الأمة، بل حتى الخطاب للنبي ﷺ الأصل أنه متوجه لجميع الأمة؛ لأن النبي ﷺ قد يتوجه إليه الخطاب باعتبار أنه مقدَّم الأمة، وقدوتها ﷺ إلا ما دلَّ الدليل على تخصيصه.

الله تعالى عم عباده بخلقه، ورزقه، وأعطاهم كل ما يحتاجونه لقيام دينهم، ودنياهم، وهداهم النجدين، طريقي الخير، والشر، وبيّن لهم ما يتقون، ولكن خص بفضله بمزيد علم، وإيمان، ومزيد عافية، ورزق، وقوة، قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32] وإذا خص أحد الشخصين بقوة، وطبيعة تقتضي غذاء صالحاً خصه بما يناسب ذلك من الصحة، والعافية، وإن لم يعط الآخر؛ نقص عنه، وحصل له ضعف، ومرض، وكذلك إذا خص أحداً بالأمور الدينية خصه، ووفقه للأسباب التي يدرك بها العلم، والإيمان، ولوازمه، وأعماله.

هو هذا، يعني الآن اعتبر بالجنين الذي في بطن أمه كيف يكون غذاؤه، ونماؤه؟ بحسب ما يصلح له؛ ولذلك تجد هذا الغذاء يأتيه عن طريق هذا الحبل، ويأتيه من الغذاء ما يصلح له، ويناسبه، وهو ليس بحاجة إلى أن يتنفس، وهو في الرحم، بل لا يوجد ذلك في الرحم، كما أنه ليس بحاجة إلى الإبصار، وما إلى ذلك، مع ذلك جعل الله له العيون ... إلخ، لكنه لا يستعملها، وهو في بطن أمه، فجعل له من الغذاء ما يناسبه في بطنها، لكن إذا خرج من بطنها فإن الله يهيئ له ما يناسبه من الأسباب، فيكون اللبن في أول أيامه غير اللبن الذي يكون بعد ذلك؛ لأنه يحتاج إلى هذا في الأيام الأولى.

وقل مثل ذلك بعد الحولين، فإنه أول ما يخرج من بطن أمه ليس عنده استعداد للأكل، ولكنه بعد ذلك يستطيع أن يأكل، وما إلى ذلك، فالله يهيئ له من الأسباب، هذا في الأمور، في النماء، في الأمور الحسية، وقل مثل ذلك في الأمور المعنوية.

إذا أعطى الله الإنسان حباه، وجعله من أهل التقوى، أو الإيمان، أو العلم، هيأ له من الأسباب، فهذا العلم يحتاج إلى فهم، يحتاج إلى حفظ، يحتاج إلى فطنة، يحتاج إلى نباهة، وما إلى ذلك، فيعطيه من هذه الأسباب ما يكون سبباً لاستجماع هذا العلم، وأهل العلم يتفاوتون فيه تفاوتاً كبيراً "جالست أصحاب رسول الله ﷺ فكانوا كالإخاذ يروي الراكب والإخاذ يروي الراكبين والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم"[25] وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء على كل حال، والله عليم حكيم، يهيئ للإنسان ما تقتضيه، انظر إلى المخلوقات التي تعيش في أقطار المعمورة، كل نوع من هذه المخلوقات يهيئ له من أسباب المعيشة ما يوجد في تلك الناحية، ويهيئ له من الأمور الأخرى ما يكون بحسب تلك البيئة، يعني: إذا كانت باردة؛ هيأ الله له ما يكون سبباً للدفء، إذا كان هذا يعيش في الجبال؛ هيأ له من الأظلاف، وما إلى ذلك ما يصلح للجبال، إذا كان يعيش في الأماكن الرملية، والصحراء؛ هيأ له من الأسباب المناسبة لذلك.

وهكذا إذا كان يعيش في مناطق شديدة البرودة فضخامة الأجسام، حتى الآدميين تجد أن ذلك ليس كالأماكن الأخرى، الناس الذين يعيشون في المناطق الجبلية أجسامهم ليست كأجسام أولئك الذين يعيشون في مناطق سهلية، فهذا من حكمته -تبارك وتعالى-.

والله تعالى قد وسَّع طرق الهدى لعباده، فيعلم أحد المستدلين المطلوب بدليل، ويعلمه الآخر بدليل آخر، ومن علم صحة الدليلين معاً؛ كان كلٌ منهما يدله على المطلوب، وكان اجتماع الأدلة يوجب قوة العلم، وكلٌ منهما يخلفه الآخر إذا غاب الآخر عن الذهن.

يعني أقرب مثال الآن لو قلنا لكم مثلاً: ما حكم الصلاة؟ تقولون: واجبة، هات دليلاً؟ هذا يأتي بدليل، وهذا يأتي بدليل آخر، وهذا يأتي، من الأدلة الظاهرة، وهناك أدلة بطرق أخرى قد تكون من قبيل الإشارة، دلالة اللزوم، الإيماء، والتنبيه، وما أشبه ذلك، حينما نقول مثلاً: ما حكم إطلاق البصر إلى الحرام؟ تقول: حرام، فهذا يأتي بدليل، وهذا يأتي بدليل آخر، وذاك يأتي بدليل ثالث، لكن الذي يستطيع أن يورد جميع الأدلة، أو كثيراً من الأدلة، هذا أكمل في علمه، هذا في مسائل واضحة، وقل مثل ذلك في المسائل الأخرى التي قد يستنبطها العلماء، ويستخرجونها بدقيق، وثاقب الفهم.

دلت جميع نصوص الأنبياء، واتفق على ذلك أتباعهم، أن الله خالق كل شيء من الأعيان، والصفات، والأفعال، فخلق الأعيان بصفاتها، وأفعالها بأفعاله الاختيارية القائمة بنفسه، فهو الذي يلهم العباد أن يدعوه، فيدعونه فيستجيب لهم، ويلهمهم أن يطيعوه فيطيعونه فيثيبهم، فهو سبحانه الفاعل للإجابة، والإثابة، كما أنه أولاً جعل العباد داعين مطيعين، ولم يكن في شيء من ذلك مفتقراً إلى غيره البتة، بل هو الغني الحميد.

نعم، وهذا يوجب الشكر على العباد؛ أن الله هو الذي وفقهم للهدى، والعبادة، والطاعة، فلا يحصل العجب، ونظر العبد إلى عمله، وجهده، وقوته.

كل من أقر بشيء من الحق من المنكرين كان ذلك أدعى له إلى قبول غيره، وكان يلزمه من قبوله ما لم يلزم من لم يعرف ذلك الحق، ولهذا كل من كان أقرب إلى الحق من أهل البدع، والكفار أولى بهذا الوصف المذكور.

نعم، يعني: الآن مثلما قلنا في الكلام على "قواعد التدمرية" أنه من أقر ببعض الصفات، هذا أقرب من الجهمي الذي لا يقر بشيء من هذا، وهذا الذي يقر ببعض الصفات يمكن أن يلزم بهذا الذي أقرب به ليقر بما أنكره، ونفاه، فيقال له: هذه الصفات التي تقر بها تقول: إنها لا تشبه صفات المخلوقين فإذن قل فيما نفيته كقولك فيما أثبته، هكذا الذي يثبت النبوات، هذا أقرب من الذي لا يثبت النبوات أصلاً، فمثل هذا يمكن أن يلزم، يقال: إذا كنت تقر بنبوة عيسى، وموسى -عليهم الصلاة والسلام- مثلاً، فعليك أن تقر بنبوة محمد ﷺ لأن دلائل الحق معه، والدلائل التي تدل على صحة نبوته أعظم من الأدلة التي كانت عند هؤلاء، وما تقوله في القوادح في نبوته ﷺ يرد على ما تقوله في.

وهكذا سبق الكلام على قضايا كهذه، في الكلام على أصحاب النبي ﷺ فيمن يثبت فضل بعضهم، وينكر بعضاً، فإنه يقال فيمن يثبت فضل علي وينكر فضل أبي بكر، وعمر، وعثمان مثلاً، طريقة المحاجة مع هذا سبقت، وأنه يقال له: كل ما تقوله في فضائل علي يلزمك أن تقول كذلك في فضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان؛ لأنهم أفضل من علي كل ما تقدح به في هؤلاء فإن ذلك يرد على من تفضله، أو تعتقد فضله، وسيأتي كلام أيضاً يتعلق بهذا في نفس هذا الكتاب "منهاج السنة".

والنص، والعقل دل على أن كل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن.

كل فرد فرد، يعني أن يكون ذلك في المعينين.

ولكن لا يلزم من حدوث كل فردٍ فردٍ، مع كون الحوادث متعاقبة الحدوث النوع، فلا يلزم من ذلك أنه لم يزل الفاعل المتكلم معطلاً عن الفعل، والكلام، ثم حدث ذلك بالسبب، كما لم يلزم مثل ذلك في المستقبل، فإن كل فردٍ فردٍ من المستقبلات المنقضية فانٍ، وليست النوع فانياً كما قال تعالى: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا [الرعد:35] وقال: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص:54] والدائم الذي لا ينفد أي: لا ينقضي هذا النوع، وإلا فكل فرد من أفراده نافد، منقض ليس بدائم، وذلك أن الحكم الذي توصف به الأفراد إن كان لمعنىً موجود في الجملة؛ وصفت به الجملة، مثل وصف كل فرد بوجود، أو إمكان، أو بعدم، فإنه يستلزم وصف الجملة بالوجود، والإمكان، والعدم؛ لأن طبيعة الجميع طبيعة كل واحد واحد، وليس المجموع إلا الآحاد الممكنة، والموجودة، أو المعدومة بخلاف العكس.

نعم، هذه المسألة سبق الكلام عليها، وهي مسألة تسلسل الحوادث، فتسلسل الحوادث كما سبق في الماضي، وفي المستقبل، فيقول: بالنسبة للأفراد المعينين، الفرد المعين فهذا حادث بعد أن لم يكن، وهكذا كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26] فكل هؤلاء الأفراد سيكون مصيرهم الفناء، لكن يقول: الحكم على الأفراد غير الحكم على النوع، فنوع الحوادث في الماضي، يقول: الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال، فهو لم يزل متصفاً بالخلق، والرزق، وما إلى ذلك، وهكذا في المستقبل، فإن الله -تبارك وتعالى- لم يزل متصفاً بصفات الكمال، مضى الكلام على كل حال على هذه الجملة.

فالدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي، والسيف الناصر، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25] فالكتاب يبيّن ما أمر الله به، وما نهى عنه، والسيف ينصر ذلك، ويؤيده.

إي نعم، بمعنى أنه ما كل الناس ينقاد إلى الكتاب، والوحي، وإنما يحتاج إلى القوة، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فمن الناس من يحتاج إلى ردع، وإلى قوة في إقامته على الحق، وإلزامه بما أمر الله به، فلا بد من اجتماع الأمرين، وبهذا يكون قيام الدين، وسيأتي له كلام -إن شاء الله تعالى- يتصل بهذه القضية في أُولي الأمر، وأن ذلك يرجع إلى العلماء، والأمراء، وأنه لا قيام للدين إلا بهذا.

"وفي الجملة فكل ما ذكر في القرآن من خطاب المؤمنين، والمتقين، والمحسنين، ومدحهم، والثناء عليهم فالصحابة أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة، كما استفاض عنه ﷺ من غير وجه أنه قال: خير القرون قرني الذي جئت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم[26] وما تواتر في الكتاب، والسنة من فضائلهم، ومناقبهم، والشهادة لهم بعلو الدرجات، وكما الصفات أمر معلوم من الدين بالضرورة، فلا يناقضه شيء مما قاله الضالون المفترون من الرافضة، وغيرهم، قال: والأقوال إذا حكيت عن قائلها، أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذاك على سبيل التعريف، والبيان، وأما المدح، والذم، والموالاة، والمعاداة فعلى الأسماء المذكورة في القرآن كاسم المسلم، والكافر، والمؤمن، والمنافق، والبر، والفاجر، والصادق، والكاذب، والمصلح، والمفسد، وأمثال ذلك، وكون القول صواباً، أو خطأً يعرف بالأدلة الدالة على ذلك، المعلومة بالعقل، والسمع، والأدلة الدالة على العلم لا تتناقض، وهو أن يكون أحد الدليلين يناقض مدلول الآخر.

بمعنى: أنه لا يكتسب القول قيمة، فيكون حقاً إذا نسب إلى فلان من الناس لكونه في اعتقادك من أهل الصلاح، والتقوى، وما إلى ذلك، وكذلك قد يضاف القول إلى إنسان من أهل الانحراف، أو البدع، أو نحو ذلك، ويكون صواباً، وذكر الطوائف بأسمائها، أو نحو ذلك هذا كله من أجل تعريف، لكن لا يتعلق القدح، والمدح إلا بما علق الله عليه المدح، أو القدح من الإيمان، والتقوى، والعمل الصالح، والبر، والإحسان، وما أشبه هذا، ومن ثم ينبغي أن تكون المحبة، والموالاة، والقرب، أو المعاداة، والبراءة، وما إلى ذلك بحسب هذا الأصل، نقرب من قربه الله، ونبعد من أبعده الله، تحت أي لقب كان، تحت أي اسم كان، ولا يكون هناك تنازع بين المسلمين، وتفرق تحت أسماء، وشعارات، وما إلى ذلك، إنما ولي الله من كان محققاً للإيمان، والتقوى تحت أي اسم كان، يعني: كانت نسبته، وإن كنا لا نقر الأسماء غير الشرعية.

ولا يتصور عند أهل السنة تعارض الأدلة الصحيحة العلمية، لا السمعية، ولا العقلية، والكتاب، والسنة يدل بالإخبار تارة، ويدل بالتنبيه تارة، والإرشاد، والبيان للأدلة العقلية تارة، وخلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلة اليقينية، والمعارف الإلهية قد جاء به الكتاب، والسنة مع زيادات، وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه الله بخطابه، فكان ما جاء به الرسول ﷺ من الأدلة العقلية، والمعارف اليقينية فوق ما في عقول جميع العقلاء من الأولين، والآخرين، وهذا الجملة لها بسط عظيم، قد بسط من ذلك ما بسط في مواضع متعددة.

نعم، مضى الكلام على هذا كثيراً، وأن الدليل الشرعي ينتظم النوعين، يعني: الدليل النقلي، والعقلي؛ ولهذا قلنا: إنه لا يقابل، يقال: دليل الشرع، ودليل العقل، هذه المقابلة غير صحيحة؛ لأن الدليل العقلي الصحيح هو من جملة أدلة الشرع، فيقال: الدليل الشرعي من العقل، والنقل، وهذه لا يمكن أن يحصل بينها التناقض، والتعارض، ويقول: والكتاب، والسنة يدل بالإخبار تارة، ويدل بالتنبيه تارة، وبالإرشاد، يعني: أن دلالته قد تكون صريحة، وقد تكون غير صريحة، وكما سبق في المنطوق الصريح دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، وأما دلالة الالتزام فكما مضى في كلام ابن القيم: أن هذا باب، واسع، وأنه لو أعمل على حقيقته لما احتاج الناس -عند ابن القيم– إلى القياس أصلاً [27] حتى قياس الفقهاء، ولكن يقول: الناس يتفاوتون في هذا تفاوتاً كبيراً، فهناك، هذا دلالة اللزوم يدخل تحتها الأنواع الأخرى مثل الإيماء، والتنبيه، ودلالة الإيماء، والتنبيه لو نظرتم في كتب الأصول المطولة فإنهم يذكرون تحت الإيماء، والتنبيه أنواعاً مما يقال له: دلالة الإيماء، والتنبيه، يعني: دلالة الإيماء، والتنبيه تحتها أنواع يعرف بها مقصود الشارع، ومراده، وكذلك أيضاً دلالة الإشارة، وسبق التمثيل عليها، ودلالة الاقتضاء، فكل هذه الدلالات لو أعمل لظهرت أنواع المعاني، والهدايات، والحِكم، والأحكام -والله أعلم-.

  1. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم (3243)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين، برقم (2838).
  2. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ [الرحمن:72]، برقم (4879)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين، برقم (2838).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (2851).
  4. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة جهنم عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في عظم أهل النار، برقم (2577)، قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الشيخين، إلا عباس بن محمد الدوري، وهو ثقة. انظر: الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، للوادعي (1397).
  5. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، برقم (4712).
  6. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، برقم (6552).
  7. انظر: الموافقات، للشاطبي (1/ 89).
  8. أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، برقم (1423)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم (1031).
  9. أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، برقم (660)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم (1031).
  10. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، برقم (107).
  11. انظر: مناهج التحصيل، ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة، وحل مشكلاتها، (7/ 77).
  12. أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم: في البيوع والإجارة والمكيال والوزن، وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة، برقم (2211)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند، برقم (1714).
  13. أخرجه أبود داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل، برقم (2578)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (3251).
  14. أخرجه معمر بن راشد في الجامع، باب قوة النبي ﷺ، برقم (20909)، وحسنه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، برقم (378).
  15. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الجهاد عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الرهان والسبق، برقم (1700)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (3874).
  16. أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم (2652)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، برقم (2533).
  17. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم (3246)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم، برقم (2834).
  18. أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب بيان صفة مني الرجل، والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما، برقم (315).
  19. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، برقم (107).
  20. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، برقم (52)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم (1599).
  21. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، برقم (495)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (572).
  22. أخرجه الحاكم في مستدركه عن الحسن مرسلاً، كتاب التفسير، تفسير سورة ألم نشرح، برقم (3950)، وضعفه الألباني في الجامع الصغير، برقم (10254).
  23. أخرجه أحمد في مسنده، برقم (15156) وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (177).
  24. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الأئمة المضلين، برقم (2229)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (5406).
  25. أخرجه أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي في كتابه العلم برقم (59)
  26. أخرجه ابن كثير في جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن بدون لفظ: الذي جئت فيهم برقم (1840)، وهو متفق عليه بلفظ: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم (2652)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، برقم (2533).
  27. انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم (1/ 203).

مواد ذات صلة