تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
(3) شرح حديث أبي هريرة بينما رجل يصلي ، وحديث قيس بن بشر أخبرني أبي
تاريخ النشر: ١٧ / ربيع الآخر / ١٤٣١
التحميل: 1275
مرات الإستماع: 1898

إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة، وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي هريرة قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره، قال له رسول الله ﷺ: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله، مالك أمرتَه أن يتوضأ ثم سكتَّ عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل[1]، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، هذا كلام الإمام النووي، صححه، وقال: على شرط مسلم، وضعفه غيره كالمنذري بجهالة أحد رواته.

"أمرتَه أن يتوضأ ثم سكتَّ عنه؟" -لو صح هذا الحديث، قال: "إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره" حمله بعض أهل العلم على أن الوضوء كفارة، فأراد النبي ﷺ أن يحصل له تطهير بالوضوء، ولكن هذا الفهم الذي فهمه بعض أهل العلم يرِد عليه سؤال، وهو أن الوضوء هل يكفر الكبائر؟ إذا كانت وردت النصوص في الإسبال أن ما أسفل الكعبين في النار فهل يكفره الوضوء؟ أو أن الوضوء، والصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر؟.

وبعضهم يقول: لعله كان في قدمه، أو رجله شيء لم يبلغه الوضوء، فأمره النبي ﷺ بالإعادة، لكن ظاهره لا يدل على ذلك؛ لأنه قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة مسبل، فـ"إنّ" هنا الأولى والثانية تدل على التعليل "إنه"، يعني: لأنه كان يصلي وهو مسبل إزاره.

نعم الرجل خريم الأسدي
ثم أورد حديث قيس التغلبي، قيس بن بشر قال: أخبرني أبي، وهو بشر بن الربيع، وكان جليساً لأبي الدرداء قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له سهل بن الحنظلية، وكان رجلا متوحدا قلما يجالس الناس، إنما هو صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحمل فلان وطعن، فقال: خذها مني، وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره. فسمع بذلك آخر، فقال: ما أرى بذلك بأسا، فتنازعا حتى سمع رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله؟ لا بأس أن يؤجر ويحمد فرأيت أبا الدرداء سر بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه، ويقول: أأنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ؟ فيقول: نعم، فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه، قال: فمر بنا يوما آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: قال لنا رسول الله ﷺ: المنفق على الخيل، كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها، ثم مر بنا يوما آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: قال رسول الله ﷺ: نعم الرجل خريم الأسدي! لولا طول جمته وإسبال إزاره! فبلغ ذلك خريما فعجل، فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه. ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، رواه أبو داود.

أبو الدرداء عويمر، وبعضهم يقول: عامر، وبعضهم يقول: عويمر لقب له، وعامر الاسم، والكنية أبو الدرداء.

قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ ومعلوم أن أبا الدرداء انتقل إلى دمشق يعلم الناس القرآن.

قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: سهل بن الحنظلية، والحنظلية بعضهم يقول: هي أمه، وبعضهم يقول: جدته، وهو رجل من الأنصار.

يقول: وكان رجلاً متوحداً، قلما يجالس الناس، متوحداً: يعني يؤثر العزلة والانفراد، لا يميل إلى الاجتماع بالناس، والخلطة معهم.

فأصحاب النبي ﷺ كغيرهم من الناس كما هي طبائع البشر التي جبلهم الله -تبارك وتعالى- عليها.

فمنهم من يميل إلى الانفراد، وهذا لا عيب فيه، ومنهم من يميل إلى الاجتماع، والخلطة ولا يحتمل غير ذلك، ومنهم من يكون فيه طرفة ودعابة، كان هذا في بعض أصحاب النبي ﷺ، ومنهم من يكون على خلاف ذلك.

فالناس يتفاوتون في كل زمان، قبل زمن النبي ﷺ وفي أصحاب رسول الله ﷺ وبعده، وهذا لا إشكال فيه، ولا عيب ما لم يُفضِ إلى أمر يكرهه الله -تبارك وتعالى.

فإذا كانت الدعابة تحمل على شيء من إضحاك الناس بالكذب، أو أن يغلب الضحك على الإنسان، فهذا مذموم، أو أن يخلط الجد بشيء من الهزل، أو كان الانفراد يؤدي به إلى ترك مجامع الخير مثل حضور صلاة الجماعة، أو العزوف عن مجالس العلم، أو التقصير في الواجب، إجابة الوليمة الواجبة، يجب عليه حضورها، وصلة الرحم، وأداء حقوق الجيران، وما أشبه ذلك، فهذا يكون نقصاً، فإذا أدى الإنسان هذه الحقوق، أدى القدر الواجب عليه فإنه لا يعاب بعد ذلك.

قد يكون هذا الذي يميل إلى العزلة والانفراد أفضل من ملء الأرض من الآخر الذي يميل إلى الاجتماع، وقد يكون ذاك أفضل من كثيرين ممن يميلون إلى الانفراد، العبرة هي ما الذي يحمله هذا الإنسان؟ ما هي المعاني، وما هي الأمور التي ينطوي عليها قلبه؟ وما هي الأمور التي يغلق عليها بابه من العمل؟.

فإن كان هذا الإنسان يشتغل بما ينفع ويرفع فهذا محمود، وإذا كان هذا الإنسان يميل إلى الاجتماع أو إلى الانفراد، ولكنه مضيع مفرط، يميل إلى الانفراد، فيغلب عليه النوم، أو الاشتغال بأمور لا تحمد من معصية الله -تبارك وتعالى- والجلوس أمام القنوات، أو الشبكة، أو غير ذلك في مواقع سيئة، فهذا يكون مذمومًا، وهكذا، وهذه الأمور جبلّية في الناس الله جبلهم عليها، وفاوت بينهم غاية التفاوت فيها.

وأيضاً يكون من ذلك ما هو مكتسب، والمعالجة تؤثر فيه كما لا يخفى، اليوم كثرة الجلوس مثلًا أمام الإنترنت، أو كثرة الاشتغال بهذه الألعاب السوني ونحو ذلك، الطفل منذ ينشأ يشتغل فيها، وليس له هم إلا الاشتغال بها، هذا يورثه فيما بعد أخلاقاً من الانطواء والعزوف عن الجلوس مع الناس، وإذا كان يرى أشياء فيها توتر من الألعاب القتالية، أو سباق السيارات، وصدام وأشياء من هذ القبيل تبقى نفسه دائماً مشدودة، عنده شيء من التوتر، يعني: هو يعيش جو حرب.

وإذا مضى على هذا سنون لربما يفتقد الكثير، وقد جاء مرة أحد الشباب جاوز العشرين، يقول: كان منذ نعومة أظفاره وهو على هذه الأشياء، يقول: الآن وأنا جالس أمامك أشعر أنني في حرب، يقول: وهذا يسيطر علي، وأنا مع الناس، وأنا في العبادة، وأنا في كل الأحوال أشعر أنني في  أجواء حرب. يقول: لأني دائماً أشتغل بهذه الأشياء، وأنظر إليها، فهذه الأمور تؤثر على المدى.

فهذا الرجل كان يؤثر العزلة كان رجلاً متوحداً، قلَّما يجالس الناس، يشتغل بماذا حينما يتوحد؟ إنما هو صلاة، وهو متوحد لكن مشغول بالعبادة، إنما هو صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله.

ولا شك أن هذا من أفضل ما يكون لمن أطاقه، وما أكثر الناس يطيق هذا، ولكن يأخذ بقدر من خلطة الناس ومباسطتهم، وما شابه ذلك.

قال: حتى يأتي أهله، فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، يعني: هذا الرجل يؤثر الانفراد، وأبو الدرداء يريد منه أن يقف معهم قليلاً، أن يجلس معهم قليلاً ليُسمعهم كلمة ينتفعون بها ولا تضره، قدم له بهذه المقدمة؛ لأنه يعرف عادته، وما يؤثره ويميل إليه طبعه؛ لأنه لا يجلس معهم أصلاً، وكان يمر بهم، أبو الدرداء تلطف، قال: كلمة تنفعنا ولا تضرك.

قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمتْ...، السرية هي قطعة من الجيش، مَفرزة من الجيش تذهب؛ لتحقيق هدف استطلاع، أو غير ذلك، وتكون من خيار الجيش، ولهذا قيل: هي مأخوذة من قولهم: فلان سرٍ، وهم قوم سراة، بمعنى: نجباء.

قال: بعث سرية، فقدمتْ فجاء رجل منهم، فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ، ظاهره أنه جلس في نفس المكان الذي يجلس فيه النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون جلس في المجلس الذي  جلس فيه النبي ﷺ للناس، يعني: في ضمنهم، لكن من أهل العلم من فهم الأول، وقالوا: لا بأس أن يجلس الإنسان في مكانٍ اعتاد غيره ممن يعلم الناس، أو غير ذلك أن يجلس فيه، ثم فارقه لا لعذر، مثل لو ذهب ليجدد الوضوء ويرجع، هو أحق به، أو ذهب يشرب ويرجع، هو أحق به، لكن تركه وذهب إلى بيته، فلغيره أن يجلس فيه، وهذا غير "ولا يجلس على أريكته إلا بإذنه"، الأريكة شيء آخر، لكن هذا مكان معتاد يجلس فيه، فهو لا يختص به دون سائر الناس.

فقال لرجل إلى جنبه -هذا الذي ذهب في السرية: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحَمل فلان وطعن، فقال: خذها مني، وأنا الغلام الغفاري، هذا الآن المسلم الذي في السرية، هذا يحدث الآن عن رجل معهم طعن رجلاً، وقال: خذها مني، وأنا الغلام الغفاري، نسبة إلى قبيلة غفار، وهي قبيلة أبي ذر وكانوا يفعلون ذلك في الحروب، يقول: خذها وأنا ابن فلان، يعرّف بنفسه ويعرفه الناس، ويعرفون ضربه ويشتهر، وهذا أمر مألوف في الجاهلية، وفي الإسلام، خذها مني، وأنا الغلام الغفاري، وغلام لا يقصد أنه طفل صغير؛ لأن الغلام يطلق على ما كان دون البلوغ، وقد يطلق على الخادم، وما في معناه كالرقيق والمملوك، ولكنه يطلق أيضا على حقير الشأن، كما قال النبي ﷺ: هلاك أمتي علي  يدي أغيلمة سفهاء من قريش[1].

هم كبار، يعني: حُمل على بعض الخلفاء من بني أمية، ومع ذلك قال: أغيلمة؛ لأنهم ليسوا بمستوى الخلافة أصلاً، أغيلمة.

وقد يقولها الإنسان كقوله: أنا الفتى، أو أنا الغلام الغفاري، أو نحو ذلك، وهو لا يقصد هذا المعنى، وإنما يقصد بها التعظيم، كما في هذا المقام، فقد يطلق الغلام على الكبير.

كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره، بأي اعتبار؟ بطل أجره باعتبار أنه فعل ذلك ليرى الناس عمله، أراد أن يظهر للناس بطولته، وعرّف بنفسه، والإنسان يخفي عمله، هذا الجواب خرج من هذا المخرج، بهذا الاعتبار، يعني: المجيب نظر إلى هذه الحيثية، فسمع بذلك آخر، فقال: ما أرى بذلك بأساً، يعني: لا أرى إشكالا، هذا مقام جهاد، وأراد أن يُري أعداء الله قوة وبأساً، وشدة ونكاية، وهو مقام يحمد فيه فعل الإنسان، حتى مشية الخيلاء قال فيها النبي ﷺ: "إن الله يبغضها إلا في هذا الموطن".

فتنازعا حتى سمع رسول الله ﷺ يعني: سمع كلامهما، فقال: سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد يؤجر بأي اعتبار؟ أنه قصد ما عند الله، ويحمد، يعني: أن يحمده الناس، هو لا يطلب المحمدة بفعله هذا باعتبار أنه مراءٍ، وإنما قصد بذلك النكاية بالعدو، ونحو ذلك، لا ليقال: فلان شجاع، فإن من قصد الرياء والسمعة فإن عمله يكون محبطاً باطلاً، فهذا من المقاصد السيئة.

فرأيت أبا الدرداء سُر بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه، ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ؟، فيقول: نعم، فما زال يعيد عليه، حتى إني لأقول: لَيَبرُكنّ على ركبتيه.

قال: فمر بنا يوماً آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: قال لنا رسول الله ﷺ: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها[2].

الحديث فيه طول، أتوقف عند هذا، وسأتكلم على ما يتصل بصحته، الحديث فيه كلام، لكن يكفي هذا القدر، وسيأتي موضع الشاهد مما يتصل بالإسبال.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ: هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء (9/ 47)، رقم: (7058).
  2. أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (4/ 57)، رقم: (4089).

مواد ذات صلة