تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
حديث «إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل..»
تاريخ النشر: ١٤ / رجب / ١٤٢٨
التحميل: 1426
مرات الإستماع: 4368

إن الله تعالى إذا أحب عبدا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "علامات حب الله تعالى للعبد، والحث على التخلق بها، والسعي في تحصيلها" أورد المصنف  -رحمه الله-:

حديث أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض[1].

إذا أحب الله تعالى العبد هذا كما سبق فيه إثبات صفة المحبة لله -تبارك وتعالى- أن الله يُحِب كما أنه يُحَب، فالله يحب بعض الأعمال، كما أنه يحب بعض عباده -بعض الذوات- محبة تليق بجلاله وعظمته، ليس كمحبة المخلوقين، "إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلانًا فأحببه"، وما قال: إن الله أحب فلانًا، بل "إن الله يحب"، والفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار، إن الله يحب فلانًا فأحببه فلا تبقى محبة الله للعبد محبة تختص به بل يكون من نتيجة ذلك وأثره أن عظيم الملائكة وكبير الملائكة وهو جبريل ﷺ يحبه بأمر الله -تبارك وتعالى- فصار الله يحبه، وأعظم الملائكة وهو جبريل يحبه، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:5-6] هذه في جبريل ﷺ قال: فيحبه جبريل؛ لأن جبريل يحب ما يحبه الله -تبارك وتعالى.

فينادي في أهل السماء يعني: جبريل ينادي في أهل السماء وهم الملائكة إن الله يحب فلانًا، والسماء هنا جنس تشمل السموات السبع الطباق، كل أهل السموات "فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء"، وأهل السماء هنا هذه تدل على العموم كل أهل السماء؛ لأن "أهل" أضيفت إلى معرفة فكان ذلك عامًّا كل الملائكة يحبونه ولا يُستثنى من هذا أحد.

قال: ثم يوضع له القبول في الأرض يوضع له القبول أي: أن قلوب العباد تحبه، إذا رآه أحد أحبه كما قال الله وهو أحد التفاسير المشهورة في الآية، في قوله تعالى عن موسى : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] ما رآه أحد إلا أحبه، فوضْعُ القبول للعبد في الأرض دليل على محبة الله -تبارك وتعالى- له، والمقصود بوضع القبول له عند أهل الإيمان، وإلا فإن أهل الكفر لا يحبونه، فرعون لا يحب موسى قطعًا، والملأ من قوم فرعون ما كانوا يحبون موسى ، وإنما القبول عند أهل الإيمان.

قال: متفق عليه، وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ: إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبْغِضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض[2]، -نسأل الله العافية-.

أقول: مثل هذه الأمور الله يحبه؛ لأنه تحلى بالأوصاف التي يحبها الله ، وقد ذكرنا طرفًا منها من قبل، فهذا الإنسان حقق الإيمان، وعبّد نفسه لله ولم يكن شيء أحب إليه من الله  ، ومن محاب الله ، فهذا يحبه الله -تبارك وتعالى- ويحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وأما الذي يكون على خلاف ذلك فإن الله يبغضه، ويبغضه أهل السماء، ويوضع له -نسأل الله العافية- البغضاء في الأرض، إذا كان الإنسان حصلت له الأولى أن الله يحبه، وأهل السماء يحبونه، فماذا عسى أن يخسر بعد ذلك لو خسر كل ما في الدنيا من أموال ومتاع وحطام؟

هذا رابح، وفي غبطة وسعادة لا يعدلها سعادة، وإذا كان الإنسان بغيضًا لله -تبارك وتعالى- بغيضًا للملائكة بغيضًا لأهل الإيمان فماذا عسى أن يحصّل؟ وكيف يهنأ بطعام أو شراب أو نوم أو نحو ذلك، والله يبغضه؟ يتقلب في هذه الأرض وقد أبغضه ربه وملائكته ووضع له البغضاء في الأرض، هذا أمر ينبغي أن يقف الإنسان عنده طويلاً.

وهناك أمر آخر وهو أن مثل هذه القضايا إذا آمن بها الإنسان وعرف الحقائق على ما هي عليه محبة الله، وآثار هذه المحبة، وبغض الله أن العبد لا يتكلف شيئًا، لا يتكلف للناس إطلاقًا، ولا يظهر بخلاف ما يخفي ولا يتصنع لهم بشيء من الأشياء إطلاقًا، يعني الإنسان إذا كان يغفل عن هذه الحقائق ما الذي يحصل له؟، قد يتزين للناس بأعمال ليست خلقًا له في الواقع، يتزين لهم بأشياء يقول لهم ويخبر عنها إما صراحة وإما بطريق غير مباشر، هو يريد أن يترفع عند الناس، وأن يتزين عندهم فلربما يُظهر لهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أنه هو الذي سعى في الأمر الفلاني من أمور الخير، وأنه على يده تحقق المشروع الفلاني، وأنه صاحب فكرة المشروع العظيم الذي انتفع به الناس هنا وهناك، وأنه هو الذي كان السبب في هداية فلان وفلان وفلان من كذا، يعني ويذكر أشياء كثيرة ليقول للآخرين: أنا صاحب فضائل، وصاحب أعمال جليلة، وأنا جرت على يدي كثير من أعمال البر والخير والصدقات، والمسجد الفلاني بني عن طريقي، والمدرسة الفلانية بنيت عن طريقي، وأنا تبرعت بالمشروع الفلاني، وأقمت المؤسسة الفلانية، وبنيت المسجد في الناحية الفلانية كل هذه الأشياء، الله -تبارك وتعالى- يعلم بهذا كله، فإذا كان الله قد أحب العبد واللهِ لو لم يتكلم فإن قلوب الخلق تنقاد إليه، بل حتى لو لم يروه بمجرد سماع اسمه يحبونه، وإذا رأوه أسرهم بمحبته، وانقادت القلوب له، وإذا كان الله قد أبغض العبد واللهِ لو طار، واللهِ لو عمل ما عمل، لو أنفق ما في الأرض جميعًا في أعمال البر والخير واللهُ يبغضه ما يزداد بهذه الأعمال إلا بغضًا في قلوب الخلق، وإذا جاء الناس يشكرونه، أو يحاولون كذا فهو من باب: شر الناس من يُحسن إليه اتقاء لشره، أو نفاقًا له أو نحو ذلك، يعرفون أن هذا الموظف إن لم يقولوا له ذلك وإن لم يشكروه وإن لم يكافئوه ويذكروه في الاحتفال الفلاني والمناسبة الفلانية أنه سيقف لهم ويعرقل أعمالهم، فيضطرون مرة يعطونه درعًا، ومرة شهادة شكر، ومرة يذكرونه في الافتتاح، ومرة يجعلونه يلقي كلمة، من أجل أنهم يعرفون أن هذا الإنسان لا تطيب نفسه إلا أن يكون مقدمًا في كل شيء، فيضطرون تصنُّعًا له، لكن قلوبهم بمنأى عن هذا تمامًا، قلوبهم لا تحبه.

ولهذا ذكر ابن الجوزي -رحمه الله- في كلام ذكرته في الأعمال القلبية هو يدور حول هذا المعنى أن الإنسان لا داعي لأن يتعب ويتصنع، ويظهر أشياء أو يحنق على الآخرين، لماذا لا يحبونه؟، ولماذا لا يقدرون جهوده العظيمة؟، ولماذا لا يعرفون له حقه وقدره ومنزلته وقد بذل وفعل وفعل؟، فتش عن قلبك، فمثل هذا يقول ابن الجوزي فيه: تجد الإنسان الناس لا يعرفون له أحيانًا أعمالا ظاهرة صالحة مثل غيره ولكنهم يجدون محبة له، ويُظهر الله أعماله، وإن حاول إخفاءها، يعرف الناس أن هذا إنسان غير عادي، ما هو مثل الناس، ومهما حاول الإنسان أن يخفي أعماله السيئة فإن الله يظهرها أو يظهر رائحتها، فتكرهه القلوب، تجد بمجرد ما يرونه أو حتى سماع اسمه فقط قبل ما يرونه تنقبض القلوب منه، تقول لهم لماذا؟ يقولون: ما ندري، لا أطيق أنظر إليه، أجد في نفسي نفرة من هذا الإنسان، طيب هذا الإنسان يتكلم كلامًا طيبًا، هذا الإنسان كلامه فيه ذكر لله ، يقول لك: أنا أجد قلبي ينقبض من مجرد سماع صوته، أو رؤيته، هل تعرف عليه أعمالا سيئة؟ يقول: لا أعرف شيئًا، لكن هذا الإنسان أنا لا أجد قلبي إطلاقًا ينشرح له، وما هو فقط هذا، ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع، والنبي ﷺ يقول: أنتم شهداء الله في الأرض[3]، فمن الناس من لا تستطيع النظر إلى وجهه، ومن الناس من إذا نظرت إلى وجهه ارتفع الإيمان، وأقبلتَ على الأعمال الصالحة، وإذا سمعت كلامه كان ذلك نورًا على نور.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أحبابه وأوليائه، وأن يعيننا وإياكم على طاعته، وأن يغفر لنا ولكم، اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم (3209).
  2. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه لعباده، برقم (2637).
  3. رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، برقم (1367)، ومسلم، كتاب الجنائز، باب فيمن يُثنَى عليه خير أو شر من الموتى، برقم (949).

مواد ذات صلة