تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 14 / صفر / 1441 - 13 / أكتوبر 2019
حديث «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» ، «ابغوني الضعفاء..»
تاريخ النشر: ١٣ / ذو القعدة / ١٤٢٧
التحميل: 660
مرات الإستماع: 4653

هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين" أورد المصنف -رحمه الله-:
حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: رأى سعد أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي ﷺ: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟[1].

يقول: عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنهما، يعني عن سعد وعن ابنه مصعب، ومصعب من التابعين وليس من الصحابة وقد جرى عرف العلماء وعادتهم على الترضي على الصحابة والترحم على من بعدهم، ولكن ذلك ليس بلازم، فالترضي هو طلب الرضا والترحم هو طلب الرحمة، لكن هذا الذي عليه عامة أهل العلم في الاستعمال جرى عرف العلماء وعادتهم على الترضي على الصحابة والترحم على من بعدهم.

ولكن ذلك ليس بلازم، فالترضي هو طلب الرضا والترحم هو طلب الرحمة، لكن هذا الذي عليه عامة أهل العلم في الاستعمال، والنووي -رحمه الله- له رأي في هذه المسألة، وهو أن ذلك لا يختص بالصحابة، بل يقال في الصحابة وفي غير الصحابة، ولهذا قال هنا: -رضي الله تعالى عنهما، أمّا الصلاة والسلام فإن ذلك يكون للأنبياء والملائكة، ولو قيل في غير الأنبياء والملائكة فإن ذلك ليس بمنكر، ولكن لا يتخذ عادة، ولا يتخذ شعاراً على أحداً بعينه، فيكون ذلك مضاهاة لأهل البدع أو لبعض أهل البدع كقولهم: عليٌّ -عليه السلام، أو فاطمة -عليها السلام، أو نحو ذلك.

فالمقصود أنه قال: رأى سعد أن له فضلاً على من دونه، جاء في رواية مرسلة -والمرسل من أنواع الضعيف- ما يوضح هذا، وهو أنه قاله في مقام يتعلق بتوزيع الفيء أو الغنيمة، حيث إنه ذكر للنبي ﷺ الرجل الذي يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه يكون كواحد منهم يعني في سهمه في الغنيمة؟، فالمعركة يحضرها الشجعان الأبطال الأقوياء، الذين لربما الواحد منهم يعدل ألفاً، ويحضرها ضعفاء الناس، يحضرها كبير السن، ويحضرها الضعيف خلقة، ويحضرها الجبان ويكون في آخر الصفوف، يحضرها من يكثر السواد، بل لربما حضرها الأعمى طلباً لما عند الله -عز وجل، فهذا يقول: هل يُعطَى هذا كهؤلاء؟، وسعد كان من شجعان الصحابة ، فقال النبي ﷺ: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟، فالنصر ليس بمجرد شجاعة الشجعان، وإنما النصر يتحقق من عند الله إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع.

ومن الأسباب التي يتهيأ بها النصر بإذن الله -تبارك وتعالى- دعاء هؤلاء الضعفاء، وصلاحهم، وحسن مقاصدهم، وسلامة قلوبهم، فغالباً مثل هؤلاء يكون أمرهم لله، وتكون مقاصدهم سليمة، ونياتهم صحيحة، ويكون الواحد منهم أقرب إلى التواضع وأبعد عن الكبر، وذلك يحبه الله ، وهو أقرب إلى استجابة الدعاء، هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟، بدعائهم وتضرعهم وعبادتهم، فلا يتحقق الرزق والكسب والبركات وما إلى ذلك، والانتصار على الأعداء بمجرد قوة الأقوياء، سواء كانت تلك قوة عقلية أو فكرية أو علمية أو قوة بدنية، بل إن ذلك يتكون من مجموع هذه الأمور بعد توفيق الله وإرادته.

وبهذا نعرف أن ما يتحقق للأمة من مصالح وما يتنزل عليها من ألطاف الله -تبارك وتعالى- أن ذلك لا يحصل بمجرد حذق ومهارة الماهرين، وإنما هؤلاء الضعفاء من الخاملين المساكين الذين لا شأن لهم في نظر كثير من الناس، هؤلاء أيضاً من أسباب قوة الأمة وتمكينها، لا يكون ضعفهم اختياريًّا، بمعنى يركنون إلى الكسل لا، فهذا مذموم، هذا من أسباب ضعف الأمة، وإنما قصدت بذلك من كان ضعيفاً لم يعطه الله قوة، ففيه ضعف في خلقته، فيه ضعف في رأيه، فيه ضعف في عقله، مسكين من هؤلاء المساكين، فمثل هؤلاء يكونون سبباً للرزق وسبباً أيضاً للنصر.

والمعنى الذي قصده المصنف -رحمه الله- من إيراد هذا الحديث هو أن لا يحقر الإنسان هؤلاء ويعرف قدرهم، وأن هؤلاء قد يكونون عند الله بمنزلة، فيتواضع لهم، ويوفي حقوقهم، ويدنيهم ويقربهم ويحبهم ويُكْبرهم.

لا يحقر الإنسان هؤلاء ويعرف قدرهم، وأن هؤلاء قد يكونون عند الله بمنزلة، فيتواضع لهم، ويوفي حقوقهم، ويدنيهم ويقربهم ويحبهم ويُكْبرهم.

ثم أورد حديثاً آخر وهو آخر حديث في هذا الباب، وهو حديث أبي الدرداء عويمر -ويقال: عامر- الخزرجي الأنصاري ، المتوفى بالشام بدمشق في حدود سنة نيف وثلاثين للهجرة، وهو من علماء الصحابة وحكمائهم، ومن أهل العقل الرجيح، وروايته عن النبي ﷺ تزيد على مائة وسبعين حديثاً، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أَبْغُوني في الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم[2]، هذا ضبطه بعضهم بالكسر، وبعضهم عدها همزة وصل ابغوني ضعفاءكم يعني: هاتوا لي ضعفاءكم، هاتوهم لماذا؟ يمكن أن يكون قصد بذلك أن يشعرهم بقيمتهم، هاتوا هؤلاء فإنهم من أسباب النصر، قربوا لي هؤلاء الضعفاء، ويحتمل أن يكون قال ذلك؛ ليجعلهم في جملة المجاهدين، هاتوا الضعفاء؛ ليلحقهم بالسرايا والجيوش التي كان يبعثها -صلى الله عليه وسلم، ويحتمل غير ذلك، يحتمل أنه أراد أن يعطيهم من الفيء أو نحو ذلك؛ لئلا يتوهم أحد أن هؤلاء لا حق لهم إذا لم يخرجوا في المعركة من الغنيمة، لكن الفيء يعطى للفقراء والمساكين، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم، لاحظ الجملة الحديث الأول قال: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ هذا استفهام مضمن معنى النفي، والإنكار، يعني لا ترزقون ولا تنصرون إلا بضعفائكم، وهنا جاء مصرحاً به بصيغة الحصر، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم، فالأمة وحدة متكاملة منتظمة، ليس هناك أحد لا شأن له ولا حظ ولا قيمة لحظه ولقلة حيلته، أقل ما يأتي منه -وهو عظيم جدًّا- الدعاء والاستغفار، وفي أخبار فتوح الصين  قتيبة بن مسلم الباهلي سأل عن محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إبراهيم التيمي عابد كما وصفه بعض من عرفه، يقول: ما أتينا إبراهيم التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً مريضاً، أو مشيعاً جنازة، أو قاعداً في المسجد، فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله ، سأل عنه قائد المعركة قائد الجيش، وهي جيوش كالجبال، أين هو؟ فقيل: ها هو على ميمنة الجيش يُبصبص بأصبعه، يحركها -يعني يدعو  بها، فقال: والله إن هذه الأصبع لتعدل عندي ألف فارس"[3]، رجل دعوته تستجاب، من صالحي الأمة وخيارهم وأتقيائهم.

فيحتاج الإنسان أن ينظر إلى هذه المعاني ويلتفت إليها، ولا يحقر أحداً من إخوانه ويقول: هذا مسكين، هذا لا شأن له، هذا ما عنده شيء، هذا ما يستفاد منه شيء، الميزان عند الله -تبارك وتعالى، وهو يختلف تماماً عن موازين أهل الدنيا المادية.

أسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، برقم (2896).
  2. أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة، برقم (2594)، والترمذي، كتاب الجهاد عن رسول الله ﷺ، باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة، وبرقم (1702)، والنسائي بلفظ: ابغوني الضعيف،...، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، برقم (3179)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (2335).
  3. انظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (12/ 11)، وسير أعلام النبلاء (6/ 324).

مواد ذات صلة