الثلاثاء 05 / جمادى الأولى / 1444 - 29 / نوفمبر 2022
الحديث على آيات الباب (1-2)
تاريخ النشر: ٢١ / ذو الحجة / ١٤٢٦
التحميل: 709
مرات الإستماع: 2213

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب في الأمر بالمحافظة على السنة، وآدابها، ويدخل تحت ذلك كل ما أثر عن النبي ﷺ من الهدي مما قاله -عليه الصلاة والسلام- أو فعله، أو أقر عليه، فكل ذلك من سنته ﷺ.

ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- جملة من الآيات في صدر هذا الباب على عادته، فمن ذلك قول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا هذه الآية من سورة الحشر، وإن كانت واردة في أصل موضوعها الذي سيقت لتقريره ما أتاكم من المال، والفيء فخذوه وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وذلك أن الله لما فتح على رسوله ﷺ النظير، وجعل ذلك النبي ﷺ مختصًا بالمهاجرين دون الأنصار، ولم يعط إلا رجلين من الأنصار لفاقتهما، وحاجتهما فلم يعط -عليه الصلاة والسلام- منها للأنصار شيئًا، وذلك بعد أن نزعها الله من الجميع؛ لأن الله قال في الفيء: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ بمعنى: الإيجاف هو الإسراع، أي أنكم لم تقطعوا في تطلبه، وتحصيله شقة بعيدة، وذلك على الركاب يعني: الإبل، ولم تغيروا فيه على عدو، وذلك بالخيل، فذكر الخيل، والركاب فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ بمعنى أنه لا يد لكم في هذا المال الذي حصل بهذه الطريقة التي نزل فيها الكفار عن أموالهم من غير قتال، فهذا هو الفيء، فنزعه من أيديهم، وجعل الحكم لله -تبارك وتعالى-.

بخلاف الغنيمة فإن أربعة أخماس الغنائم للمقاتلين، والخمس لله وللرسول، وأما هنا فإن القسمة تختلف، فنزعه من أيديهم، وقسمه النبي ﷺ للمهاجرين خاصة دون الأنصار، فهنا قال: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ يعني: من المال، والفيء وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ما منعكم إياه، وحجبه عنكم فانتهوا عنه.

ولكنه يدخل في عموم لفظ الآية كل ما أمر به النبي ﷺ وكل ما نهى عنه، وبهذا يستدل بها العلماء -رحمهم الله- على هذا المعنى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ أي: تلقوا عنه كل ما أرشدكم إليه، كل ما أمركم به، فهو لا يأمركم إلا بخير، ويدخل في ذلك الآداب، وألوان الشرائع، شرائع الإسلام، ويدخل في ذلك العطايا، والأموال التي من أجلها سيقت هذه الآية.

وكذلك في النهي، فلفظها عام وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وقد كان أصحاب النبي ﷺ في أدبهم المعروف أنهم ما كانوا يفرقون في التلقي بين واجب ومندوب، وإنما يتلقون عن الله، وعن رسوله ﷺ تلقي القبول الكامل، فإذا سمعوا شيئًا أسرعوا إلى تطبيقه، وتنفيذه، وما كانوا يتخيرون.

وقوله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ يفسره قول الله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يفسره أيضًا الحديث ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم[1].

قال: وقال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ما ينطق عن الهوى، أي: عن هواه، أي لا يتكلم -عليه الصلاة والسلام- في الأحكام بالتشهي، وإنما يتكلم عن وحي، ويبين عن علم علمه الله إياه، ولم يكن ذلك من تلقاء نفسه -عليه الصلاة والسلام- وإذا عرف الإنسان هذه الحقيقة فإنه يطمئن إلى الأحكام الشرعية، وإن لم يدرك بعض الحكم التي من أجلها شرع هذا الحكم، قد لا يفهم لماذا يقف في عرفة، ولماذا يقف في مزدلفة، ولماذا يطوف سبعة أشواط ما يطوف ثمانية مثلاً، أو خمسة، ولماذا يرمي الجمار، وقد لا تفهم المرأة لماذا لها نصف الميراث، ولماذا دية المرأة نصف دية الرجل، قد لا تفهم هذا، أو قد لا يفهمه بعض الرجال، وقد يفهمه آخرون، لكن إذا عرف الإنسان أنه وحي يوحى اطمأن إلى أن هذه الأحكام في غاية العدل، وفي غاية الصواب، لا يأيتها الخطأ إطلاقًا، لا من جهة نقص العلم، ولا من جهة تنزيله، وذلك أن منزلها قد جمع بين العلم، فهو عليم، علمه أحاط بكل شيء، والحكمة يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها، فيطمئن قلب المؤمن إلى أحكام الله فهي ليست كقوانين البشر التي تحتاج إلى مراجعة بين حين، وآخر، وتجديد، وإصلاح، ويوجد فيها من الثغرات ما لا يخفى.

أما أحكم الله فهو العالم بكل زمان، ومقتضياته، وما يتطلبه ذلك الزمان، وأنزل هذه الشرائع، وقرر أنها دائمة باقية لا تنسخ، فهي تصلح لهذا الزمان كما كانت تصلح للزمان الأول، زمن النبي ﷺ.

وذكر آية ثالثة، وهي قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فهذه الآية أيضًا آمرة باتباع النبي ﷺ وقد بينت حقيقة كبرى، وهي معيار كبير يوضح حقيقة محبة الله فالذين يدعون محبة الله كثير، كل أحد لربما يدعي أنه يحب الله، حتى الكفار، ولكنه هنا بين أمرًا قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ لأن الله يحب الذين يتبعون نبيه ﷺ لأنه أرسله إليهم، وأمرهم بطاعته، والإئتساء به -عليه الصلاة والسلام- لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة فاتباعه ﷺ ينبؤ عن حقيقة محبة الله فالذي يدعي أنه يحب الله، ولا يتبع النبي ﷺ لا شك أن محبته مدخولة.

وكذلك من زعم أنه يحب النبي ﷺ ولكنه لا يقتدي به في الهدي الظاهر، ولا يقتدي به في الهدي الباطن، فهذا لا يحبه على الحقيقة، الإنسان الذي يقتدي بأعداء الله في مظهره، وإذا رأيته، وصورته، وشكله لا تفرق بينه، وبين أعداء الله ثم يدعي أنه يحب رسول الله ﷺ هذا لا يتأتى إطلاقًا، فهديه ﷺ أكمل الهدي.

ولهذا قال العلماء -رحمهم الله- إن من قصد الإتساء به ﷺ حتى في الأمور العادية غير أمور التشريع، حتى في الأمور العادية التي هي أنه كان يحب الدباء مثلاً، كما كان أنس يتتبع الدباء؛ لأن النبي ﷺ كان يحبه[2].

أو أنه ﷺ كان يعجبه القميص، وهو هذا الثوب، وكان ﷺ يحب الحلوى، ويحب الحلو البارد، وما أشبه ذلك، فمن فعل هذه الأمور، وأحبها؛ لأن النبي ﷺ يحبها؛ فهو مأجور لهذا، مع أن العبد غير مطالب بذلك، ولكن لا شك أن شخصيته ﷺ أكمل شخصية، فله الكمال -عليه الصلاة والسلام- في ذوقه، وفي هديه، وفي عمله، وفي طاعته لربه -تبارك وتعالى- فإذا أردنا أن نكمل شخصيتنا سواء في الصورة الظاهرة، أو في الأمور الباطنة؛ فعلينا أن نتبعه ﷺ في كل ما جاء عنه مما يطلب اتباعه به.

فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ هذه نتيجة اتباع النبي ﷺ يحصل من ذلك أن الله يحبنا فمن أراد أن الله يحبه؛ فليتبع نبيه ﷺ والإنسان أيها الأحبة لربما يفرح إذا علم أن أحدًا من المخلوقين ممن يعظمه، ويجله، ويقدره أنه يحبه، فكيف إذا كان الله هو الذي يحبك، وليس ذلك فحسب، بل ويغفر لكم ذنوبكم، لأن الإنسان لا بد له من تقصير، فإذا كان ديدنه، ووجهته هي الإتساء بالنبي ﷺ والعمل على متابعته فإن الله يغفر له تقصيره، ويغفر له ذنوبه، ويسدد له عمله.

وذكر آية أخرى، وهي قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ هذه الآية نزلت في الأحزاب لما تضعضع من تضعضع، وتزلزل من تزلزل، وكان أقوام يتسللون من معسكر رسول الله ﷺ وبعضهم يستأذنه، يقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ فالله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  أي قدوة حسنة، يحسن الاتباع بها، والإتساء لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ لمن كان يرجو الله، أي: يرجو ثوابه، يرجو لقاءه، واليوم الآخر يؤمن بيوم يعرض فيه الناس على ربهم، ويجازيهم على أعمالهم جميعًا.

فلهم قدوة برسول الله ﷺ كان يحفر معهم، وكان يربط على بطنه حجرين -عليه الصلاة والسلام- من شدة الجوع، وكان -عليه الصلاة والسلام- يجاهد في الله حق جهاده، ثم قال: وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ بقيت آيات أترك هذا لا أطيل عليكم، وأسأل الله أن ينفعنا، وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا، وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره -صلى الله عليه وسلم- وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع، ونحو ذلك، برقم (1337).
  2. انظر: صحيح البخاري (3/61).

مواد ذات صلة