الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
(2) حديث ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر
تاريخ النشر: ٠٦ / ذو القعدة / ١٤٣١
التحميل: 607
مرات الإستماع: 1306

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي كتاب آداب السفر، باب ما يقول إذا ركب الدابة للسفر، أورد المصنف -رحمه الله- الآية، وقد سبق التعليق عليها، وهي قوله في سورة الزخرف: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ۝ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ۝ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف:12-14].

فهذا كما سبق يدل بظاهره على أن الإنسان إذا ركب الدابة يقول ذلك، وقد جاء ذلك مفسرًا عن النبي ﷺ، والأحاديث التي جاء فيها ذلك عن رسول الله ﷺ على نوعين:

نوع مقيد بالسفر، ونوع مطلق، ولعل ذلك يأتي -إن شاء الله-.

ثم قال المصنف -رحمه الله-:

"وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلي سفر، كبر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون[1]، رواه مسلم".

حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- هذا مقيد بالسفر.

"كبر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون" يعني: كما جاء في الآية.

"كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر" بمعنى: أنه إذا ركب الدابة، فإذا ركب الإنسان السيارة وهو يريد السفر، فإنه يقول ذلك، وهل يشترط أن يفارق البنيان؟

الجواب: لا، وإنما بمجرد ركوب السيارة.

طيب إذا كان يريد السفر بالطائرة، فالظاهر أنه يقول ذلك حينما يركب سيارته، ويريد الذهاب إلى المطار؛ لأن ذلك هو ابتداء الركوب.

فتغير الدواب، وتحوله من دابة إلى دابة، ومن مركب إلى مركب، لا يعني شيء من ذلك أن يؤخر هذا الذكر إلى أن يركب آخر ما يركب من هذه الدواب، لا فرق بين السيارة والطائرة من هذه الحيثية.

"كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفره" يعني: بمجرد هذا الركوب الذي يريد به السفر، بهذا الاعتبار، وعلى هذا فلا يؤخر ذلك حتى يركب في الطائرة مثلاً، أو لا يؤخر هذا حتى يركب في القطار، أو لا يؤخر هذا حتى يفارق البنيان، فإن ذلك ليس مما يتصل بأحكام السفر المتعلقة بمفارقة البينان، كالقصر والجمع والفطر، وما أشبه ذلك.

قال: "كبرنا ثلاثًا" وهذا التكبير ثلاث مرات إذا استشعره المرء، فإن ذلك يحمله على تعظيم المعبود في قلبه، فهو أكبر من كل شيء، فلا يقدم عليه شيئًا من مطالب الناس، ومطالب النفوس، والهوى، والشيطان، فلا يشتغل عن طاعة الله بغيره.

"ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا" فهو ينزه الله -تبارك وتعالى- الذي سخر له، بمعنى ذلل هذه المراكب.

وما كنا له مقرنين يعني: مطيقين، فما كنا لنطيق ذلك، لولا أن الله -تبارك وتعالى- هيأه وسخره ووطأه، فصار مذللاً للركوب.

وإنا إلى ربنا لمنقلبون يعني: كما سبق في التعليق على الآية: أنه يستشعر حينما يتفرق الناس في الأسفار، ويفارق أهله، وينفض الجمع: أن المرجع والاجتماع عند الله -تبارك وتعالى- وإنا إلى ربنا لمنقلبون نصير إليه، كما في قوله -تبارك وتعالى- بما أشرت إليه في المرة الماضية؛ لما ذكر الله الحج، وما يحصل من تفرق الحاج بعد أيام التشريق: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203] هؤلاء الحجيج يتفرقون من كل وجه، ثم يكون جمعهم وحشرهم إلى الله -تبارك وتعالى- بعد تفرقهم، وهنا إذا اعترف العبد بفضل الله ونعمته، وخرج العبد من حوله وطاقته وطوله وقوته، فإن هذا هو من كمال العبودية، وكثير من الناس إذا ركب هذه المراكب الجديدة الحديثة الفارهة، فإنه ربما أخذه شيء من العزة والرفعة والتعاظم، وبخاصة إذا كان المركب فارهًا، ربما يرتفع الإنسان بذلك، وربما يتصور الناس أو يصور إليهم أحيانًا بأن الإنسان صار قويًا، استطاع أن يحلق في الهواء، وأن يختصر المسافات البعيدة في الأوقات اليسيرة، وما إلى ذلك، لكن المؤمن يتواضع لربه، ويدرك أن هذا من تيسير الله وتسخيره، وأنا لا نطيق ذلك لولا أن الله سخره لنا، وليس الإنسان هو الذي يقهر الطبيعة كما يقال، ويذلل الصعاب، وإنما ذلك بعون الله .

ثم يقول: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى هذا أول ما يقر به بعد الاعتراف لله بنعمه، والخضوع له، وذكر آلائه، والاعتراف بالتقصير والضعف والعجز، يسأل ربه ما هو بحاجة إليه في هذا السفر، وما تمس إليه حاجته، وإن كان يحتاج إليه في أحواله وشؤونه كلها، فأول ما يبدأ به أن يسأل ربه في سفره هذا البر والتقوى، والبر: اسم جامع لكل محاب الله -تبارك وتعالى- من الأعمال الصالحة، والتقوى: أوسع من البر، فالبر هو العمل الصالح، فكل ما يحبه الله، فهو من البر، والتقوى: تشمل طاعته، كما أنها أيضًا تتضمن النوع الآخر، وهو اجتناب ما يسخطه، ولا يكون الإنسان تقيًا، إلا بهذا، فهذا يكون من قبيل عطف العام على الخاص.

نسألك في سفرنا هذا البر يعني: العمل الصالح، والتقوى: أن نلتزم طاعته، وأن نجتنب مساخطه.

ومن العمل ما ترضى فيكون هذا أيضًا من عطف الخاص على العام؛ وذلك أن الإنسان في حال السفر غالبًا ما يحصل له غفلة، وتخفف من الأعمال الصالحة، وشيء من التفريط، حيث يختل عليه الحال، ويتغير عليه المحل، ويتغير عليه الطعام والشراب غالبًا، ويتغير عليه المنزل، ويتغير وقت نومه ويقظته، فلربما يفرط في الأعمال الصالحة، وربما يقع في شيء من المعاصي؛ لأنه غريب، والغريب قد لا يبالي، ولا يراعي المروءات، وما ينبغي أن يحافظ عليه، فلا يكون في حال ٍكما يكون في بلده، فهو بحاجة إلى مثل هذا.

وكما ذكرت سابقًا أن ذلك جاء أيضًا في قول النبي ﷺ فيما علمنا حينما نودع أحدًا يريد أن يسافر، نقول: استودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك[2]؛ لأنه قد يحصل له تضييع وتفريط ومواقعة ما لا يليق في السفر.

فالشاهد هنا: أن المسافر يحتاج أن يراعي هذا، وهذا من كمال الشريعة، وبعض الناس يسأل فيقول: كيف الطريق إلى الثبات؟ وكيف الثبات على الحق وعلى دين الله وعلى الصلاح وعلى الاستقامة؟

نقول له: لو تأملت هذه الشريعة فقد جاءت بذلك كله وبأسبابه، فمن أسبابه هذا، فالسفر مظنة للضعف والتفريط والقعود، حتى عن الوتر أحيانًا، فهنا من البداية يسأل ربه البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، طيب الذي أول ما يركب وهو مشغل شريط أغاني، وإلا جاهز العرض، يعرض صور تمثيليات ونساء كاسيات عاريات وأغنيات، هل هذا يصدق عليه قوله: نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ويناقض نفسه بهذه الحال، نسأل الله العافية، فأين البر والتقوى من هذا؟ فهذه أمور يقولها الإنسان أحيانًا بلسانه، ولكنه لا يستشعرها.

اللهم هون علينا هذا المطلب الثاني، الذي يأتي بعد الأول، وهو الأعظم، حفظ الدين، والاستقامة على أمر الله ، ثم بعد ذلك تأتي قضية الأمور الدنيوية، وما يحتاج إليه المسافر من عون الله ومدده.

اللهم هون علينا سفرنا هذا لأن السفر قطعة من العذاب، ومشقة، فيسأل ربه أن يهونه؛ ولذلك الإنسان أحيانًا يسافر ولا يشعر -مع طول المسافة- بالتعب، وكأنها مسافة قصيرة، وأحيانًا يسافر سفرًا ليس بالبعيد، ويجد فيه من العناء ما يبقى معه ربما أيامًا.

قال: واطو عنا بعده تُطوى الأرض، والله على كل شيء قدير، فقد تطوى له الأرض، وقد يكون ذلك بإعانة الله له، حيث لا يشعر بطول المسافة، ويبارك له في ذلك كله.

اللهم أنت الصاحب في السفر يعني: أن الله يحفظه ويكلأه ويرعاه.

والخليفة في الأهل يصحبه في سفره برعايته وحفظه، ويخلفه في أهله، بحفظهم وتوليهم؛ لأن الإنسان قد يفارق أهله، فيحصل لهم من أسباب الضياع في أمور الدين، أو في أمور الدنيا، ربما يحصل لهم بعض المكروه، ويحصل لهم ضعف في التعبد، فيضيع الأولاد الصلاة مثلاً، فينامون عن صلاة الفجر، وربما لا يجدون كفايتهم لطول سفره، وربما يعتورهم بعض ما يكره، أو يكرهون، ونحو ذلك، فيقول: والخليفة في الأهل فهو الذي يحفظهم بعده. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر يعني: المشقة والشدة.

قال: وكآبة المنظر الكآبة معروفة، وهي الحزن الشديد، وتغيير النفس، بسبب ما يعرض لها من حزن، أو هم، أو غم، فيكتئب الإنسان، وقد يكون اكتئابًا عارضًا لسبب هكذا، ونحوه وقد يكون اكتئابًا مستديمًا نسأل الله العافية، فالنفس تمرض ويعرض لها ما يعرض للبدن، وهذه الأمراض كما تكون في الأبدان عارضة، وقد تكون ملازمة.

الشاهد: أنه قال: وكآبة المنظر وكآبة المنظر يعني أنه يرى ما يسوؤه، وما يكرهه، وما يحصل له بسببه الحزن والكآبة، والإنسان بحاجة إلى إجمام النفس، وتقوية القلب، ورفع الهمة؛ ولهذا لاحظ أعوذ بك يستعيذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنظر فبعض الناس يبحث عن المشاهد التي تسبب له الكآبة، وربما يتتبع هذا في الإنترنت، وقد يُكتب عليها: "لا يدخلها أصحاب القلوب الضعيفة" ويدخلها، وكأنه يقول: أنا أدخلها، أنا صاحب القلب القوي، هات، لكن هل هذا صحيح؟

هل الإنسان بحاجة إلى أنه يتألم، ويرى مناظر لا يستطيع أن يدفع ولا ينفع ولا يرفع، فقد يجلب لنفسه الكآبة، فهذا خطأ، وهكذا بعض الناس الذين يفكرون في هذه الأمور، أو يوردونها على أنفسهم، أو على غيرهم، فمجلسه مع أبيه، أو مع أمه كله أخبار سيئة، يقرأ من الجريدة خبر سيئ، وحادث شنيع، وهذا تقطّع، وهذا احترق، وهذا سقط من الدور السابع عشر، ولا يُدرى ما حصل له، ما المقصود من هذا؟ لماذا الإنسان يجلب لنفسه الكآبة؟

قال: وسوء المنقلب في المال والأهل والولد سوء المنقلب يعني إذا رجع وجدهم في حالة تسوؤه، إما وجدهم في مرض، أو فقدهم، أو فقد بعضهم، أو فقد ماله، أو وجدهم في حال من ضعف الدين، ومواقعة المعاصي وانتكاسة، أو تغيرت الأحوال، فلم يكونوا كما كانوا حينما فارقهم، فوجد الأولاد متغيرين، أو وجد الزوجة متغيرة، ووجد أهله في حال غير مرضية، إما في دينهم، وإما في دنياهم.

قال: "وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" آيبون: الأوبة هي العودة، وبعضهم فسره: بالتوبة، فالأواب الذي يرجع إلى الله ، تائبون من الذنوب، وعابدون، فهذه المعاني تلازمه في ذهابه، وفي مرجعه، فهو ملازم لطاعة ربه ومليكه .

فمن كان يستشعر هذه الأشياء غالبًا فإن قلبه يكون حيًا، ويكون ملازمًا للعمل الصالح، الذي يرضي الله -تبارك وتعالى-، ولكن الغفلة غالبة، فيردد الإنسان ذلك بلسانه دون أن يستشعر شيئًا منه، ومن ثم يضعف في السفر، ويضعف بعد السفر في الرجوع، والله المستعان.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أراد سفرا أو رجع برقم (6385) ومسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره برقم (1342) واللفظ لمسلم.
  2. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات، باب ما يقول إذا ودع إنسانًا برقم (3443) وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في الدعاء عند الوداع برقم (2600) وابن ماجه في كتاب الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم برقم (2826) وصححه الألباني.

مواد ذات صلة