الإثنين 16 / شعبان / 1445 - 26 / فبراير 2024
(3) تعليق الشيخ ابن سعدي على حديث ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر
تاريخ النشر: ٠٧ / ذو القعدة / ١٤٣١
التحميل: 574
مرات الإستماع: 1255

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد كان الحديث عن آداب السفر، وعن حديث "ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلي سفر، كبر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون[1]، رواه مسلم".

وقد تحدثتُ عما تضمنه هذا الحديث من المعاني والفوائد.

وفي هذه الليلة أحببت أن أورد كلامًا في شرحه ليس بالطويل، للشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- فهو مفيد من جهة، ومن جهة أخرى تعريفًا بهذا الكتاب النافع الذي لم يلق عناية لدى أئمة المساجد، وطلاب العلم، وعامة الناس، وهو يحسن أن يُقرأ على الناس في المسجد، وفي البيوت أيضًا، فلو يُقرأ منه حديث، معه شرحه على أهل البيت، فإن هذا من الأمور النافعة، ولو أن الإنسان اجتمع بأصحابه الذين يجتمعون في مكان، أو استراحة، أو نحو ذلك، فقرأوا من هذه الأحاديث الجامعة، مع تعليق الشيخ -رحمه الله- عليها، لكان خيرًا كثيرًا، وهو كتاب (بهجة قلوب الأبرار،  وقرة عيون الأخيار، في شرح جوامع الأخبار) اختار الشيخ مجموعة من الأحاديث الجامعة، وتكلم عليها.

فهذا نموذج يقول: "هذا الحديث فيه فوائد عظيمة تتعلق بالسفر، وقد اشتملت هذه الأدعية على طلب مصالح الدين، التي هي أهم الأمور، ومصالح الدنيا، وعلى حصول المحاب، ودفع المكاره والمضار، وعلى شكر نعم الله، والتذكر لآلائه وكرمه، واشتمال السفر على طاعة الله، وما يقرب إليه"[2].

هذا كلام مجمل فيما تضمنه هذا الحديث من الأمور الجليلة العظيمة.

ثم قال: "فقوله: كان إذا استوى على راحلته، خارجًا إلى سفر، كبّر ثلاثًا، هو افتتاح لسفره بتكبير الله، والثناء عليه، كما كان يختم بذلك، وقوله ﷺ: سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون فيه الثناء على الله بتسخيره للمركوبات التي تحمل الأثقال والنفوس إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة، واعتراف بنعمة الله بالمركوبات، وهذا يدخل فيه المركوبات من الإبل، ومن السفن البحرية والبرية والهوائية، فكلها تدخل في هذا؛ ولهذا قال نوح ﷺ للراكبين معه في السفينة: ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41] فهذه المراكب كلها، وأسبابها، وما به تتم وتكمل، كله من نعم الله وتسخيره، يجب على العباد الاعتراف لله بنعمته فيها، وخصوصًا وقت مباشرته -يعني الركوب- وفيه تذكر الحالة التي لولا الباري لما حصلت وذللت، في قوله: وما كنا له مقرنين أي: مطيقين، ولو رد الأمر إلى حولنا وقوتنا لكنا أضعف شيء علمًا وقدرةً وإرادةً، ولكنه -تعالى- سخر الحيوانات، وعلم الإنسان صنعة المركوبات، كما امتن الله في تيسير صناعة الدروع الواقية في قوله: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [الأنبياء:80] فعلى الخلق أن يشكروا الله إذ علمهم صناعة اللباس الساتر للعورات، ولباس الرياش، ولباس الحرب، وآلات الحرب، وعلمهم صنعة الفلك البحرية والبرية والهوائية، وصنعة كل ما يحتاجون إلى الانتفاع به، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس متنوعة، ولكن أكثر الخلق في غفلة عن شكره، بل في عتوٍ واستكبار عن الله، وتجبر بهذه النعم على العباد.

وفي هذا الحديث التذكر بسفر الدنيا الحسي بسفر الآخرة المعنوي؛ لقوله: وإنا إلى ربنا لمنقلبون -كما أن الإنسان يسافر في الدنيا-، فهنا سفر آخر إلى الآخرة، فكما بدأ الخلق فهو يعيدهم؛ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].

وقوله: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى سأل اللهَ أن يكون السفر موصوفًا بهذه الوصف الجليل، محتويًا على أعمال البر كلها، المتعلقة بحق الله، والمتعلقة بحقوق الخلق، وعلى التقوى التي هي اتقاء سخط الله، بترك جميع ما يكرهه الله من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.

كما سأله العمل بما يرضاه الله، وهذا يشمل جميع الطاعات والقربات، ومتى كان السفر على هذا الوصف، فهو السفر الرابح، وهو السفر المبارك.

وقد كانت أسفاره ﷺ كلها محتوية لهذه المعاني الجليلة، ثم سأل الله الإعانة، وتهوين مشاق السفر، فقال: اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده لأن السفر قطعة من العذاب، فسأل تهوينه، وطي بعيده؛ وذلك بتخفيف الهموم والمشاق، وبالبركة في السير، حتى يقطع المسافات البعيدة، وهو غير مكترث، ويقيض له من الأسباب المريحة في السفر أمور كثيرة، مثل راحة القلب، ومناسبة الرفقة، وتيسير السير، وأمن الطريق من المخاوف، وغير ذلك من الأسباب، فكم من سفر امتد أيامًا كثيرة، لكن الله هونه ويسره على أهله، وكم من سفر قصير صار أصعب من كل صعب، فما ثم إلا تيسير الله ولطفه ومعونته؛ ولهذا قال في تحقيق تهوين السفر اللهم: إني أعوذ بك من وعثاء السفر أي: مشقته وصعوبته وكآبة المنظر أي: الحزن الملازم، والهم الدائم وسوء المنقلب في المال والأهل والولد أي: يا رب نسألك أن تحفظ علينا كل ما خلفناه وراءنا، وفارقناه بسفرنا، من أهل وولد ومال، وأن ننقلب إليهم مسرورين بالسلامة، والنعم المتوافرة علينا وعليهم، فبذلك تتم النعمة، ويكمل السرور.

وكذلك يقول هذا في رجوعه وعوده من سفره، ويزيد: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون أي: نسألك اللهم أن تجعلنا في إيابنا ورجوعنا ملازمين للتوبة لك، وعبادتك وحمدك، وأن تختم سفرنا هذا بطاعتك، كما ابتدأته بالتوفيق لها؛ ولهذا قال: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80] ومدخل الصدق ومخرجه: أن تكون أسفار العبد ومداخله ومخارجه كلها تحتوي على الصدق والحق والاشتغال بما يحبه الله، مقرونة بالتوكل على الله، ومصحوبة بمعونته.

وفيه: الاعتراف بنعمته آخرًا، كما اعترف بها أولاً في قوله: لربنا حامدون فكما أن على العبد أن يحمد الله على التوفيق لفعل العبادة، والشروع في الحاجة، فعليه أن يحمد الله على تكميلها وتمامها، والفراغ منها، فإن الفضل فضله، والخير خيره، والأسباب أسبابه، والله ذو الفضل العظيم[3].

انظروا هذا شرح لطيف وسهل وواضح، ولا يشكل شيء من عباراته على أحد، فمثل هذا لو قرأناه على الأهل يوم في الأسبوع، عشر دقائق، أو سبع دقائق، أو نحو هذا، فهذا فيه خير كثير، فيحسن اقتناء مثل هذا الكتاب، والعناية به.

فأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يفقهنا وإياكم في الدين، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أراد سفرا أو رجع برقم (6385) ومسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره برقم (1342) واللفظ لمسلم.
  2. بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص:195).
  3. بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 195- 196).

مواد ذات صلة