الثلاثاء 03 / ربيع الأوّل / 1442 - 20 / أكتوبر 2020
(86) أذكار الأذان قوله " وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده ... "
تاريخ النشر: ١٠ / ربيع الأوّل / ١٤٣٥
التحميل: 4067
مرات الإستماع: 2808

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: في هذه الليلة -أيها الأحبّة- نتحدَّث عن ذكرٍ آخر مما يُقال عند الأذان، وذلك ما أورده المؤلفُ هنا من أنَّه يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا ....

هذا الحديث أخرجه الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله- في "صحيحه" من حديث سعد بن أبي وقَّاص -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وذلك أنَّ النبي ﷺ صدَّر هذا الحديثَ بقوله: مَن قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ... الحديث، وفي آخره: غُفِرَ له ذَنْبُه[1].

وفي لفظٍ في روايةٍ للحديث: مَن قال حين يسمع المؤذّن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله[2]، إلى آخر ما ورد مما أوردتُه على أسماعكم، بمعنى أنَّه يقول: "وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له"، وما بعده، أو أنَّه يبتدئ ذلك بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله"، ثم يقول: "رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمَّدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا"، فهذا ورد فيه صيغتان، فهو مُخيَّرٌ بينهما.

وقوله ﷺ: مَن قال حين يسمع المؤذّن هذا لو بقينا مع ظاهره فإنَّه يحتمل أن يكون هذا القول حين يسمع المؤذّن، يسمع صوتَه، يسمع أذانه، يسمع قوله، أن يكون حينما يسمع التَّشهد في أوَّله، وهو قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله"، فهنا يقول ذلك، أو حينما يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله"، فيقول: "وأنا أشهد أن لا إله إلا الله" إلى آخر ما ورد في هذا الموضع، فهذا يحتمل.

ويحتمل أن يكون ذلك حينما يقول المؤذّن: "لا إله إلا الله" في آخر الأذان، حينما يتشهد المؤذّن في آخره، فهذا يحتمله ظاهر اللَّفظ.

ولكن يمكن أن يُرْفَع بعض هذا الاحتمال، ويتبين المراد بما جاء من روايةٍ صحيحةٍ ثابتةٍ عند الطَّحاوي لنفس هذا الحديث؛ حديث سعد بن أبي وقَّاص : مَن قال حين يسمع المؤذّن يتشهَّد[3].

فهنا لا حاجةَ للتَّردد فيه، فيُقال: إنَّ "يسمع" أي: يسمع قوله، أو حينما يسمع؛ بمعنى: يُجيب، كما قال بعضُهم، ذكره احتمالاً: أنَّه حينما يسمع المؤذّن أن يُجيب المؤذّن؛ فإنَّ ذلك يُقال له: سماع؛ بمعنى: أنَّه إذا فرغ من الأذان يقول: "وأنا أشهد أن لا إله إلا الله.." إلى آخر ما ورد، ومن ذلك أنَّه يقول: رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا، يعني: بعدما يُجيب المؤذّن، يُردِّد معه، بعدما يسمع المؤذّن أن يقول كقوله، أن يُجيبه بالتَّرديد معه، أو حينما يسمع المؤذّن؛ يعني: حينما يفرغ من أذانه، ولكن هذه الرِّواية حينما يسمع المؤذّن يتشهَّد، حينما يسمع المؤذّن يتشهَّد، ما التَّشهد الذي يطرق سمع السَّامعين للأذان؟

أولاً: هو التَّشهد في أوَّله، فيكون ذلك مما يُقال في التَّشهد الذي في صدر الأذان؛ يعني: إذا قال المؤذّن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله. فيقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا. هكذا يقول.

يرد على هذا أنَّ ذلك يشغله عن التَّرديد مع المؤذّن؛ وقلنا: إنَّ الترديد يكون تبعًا لقوله؛ يعني: لا يتأخّر عنه حتى ينتقل إلى الجملة الأخرى، فيفرغ منها، ثم بعد ذلك يأتي ويستدرك، فيكون قد فات المحلُّ، وكأنَّ هذا هو الذي حمل طوائف من أهل العلم على القول بأنَّه يُقال بعد سماع الأذان بكامله؛ لئلا يشتغل بذلك، ولكن هذا يمكن أن يُجاب عنه بأحد جوابين:

الأول قال به بعضُ أهل العلم: أنَّه يكتفي بذلك، يعني: إذا وصل المؤذّن إلى الشَّهادتين قال ذلك؛ يعني: السَّامع، وعقبه بقوله: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، ولا يُردد باقي الأذان، ويكون له هذا الوعد من قول النبي ﷺ: غُفِرَ له ذنبه.

ويحتمل أن يكون هذا من العذر له في التَّأخر، فيقول ذلك، ثم يُتابع، يُردِّد وراءه.

وعلى كل حالٍ هذا كلّه يحتمل.

وقوله ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله هذا مضى الكلامُ عليه في مناسباتٍ سابقةٍ، كلمة التوحيد، أو الكلام على الشَّهادتين، وما يقتضيه ذلك من توحيد الله ؛ من توحيد العبادة والقصد، وكذلك أيضًا توحيد الرسول -عليه الصلاة والسَّلام- بالتَّلقي، والاتِّباع، والاقتداء، فيكون هو الذي يُتلقَّى عنه -عليه الصَّلاة والسلام-: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7]، وهو محل الأُسوة والقُدوة لأُمَّته، فهو المتبوع -عليه الصَّلاة والسَّلام-.

وقوله: رضيتُ بالله ربًّا يعني: تُعلن أنَّك قد اكتفيتَ، واقتنعتَ، وأذعنتَ بأنَّ ربَّك وخالقَك والمتصرّف في شؤونك وسيدك هو الله -تبارك وتعالى-، تقول: الـمُدبِّر لشؤوني، الـمُربِّي لي بالنِّعَم الظَّاهرة والباطنة سيدي؛ لأنَّ من معاني الربّ: السيد؛ والـمُربي، والمتصرّف في شؤون الخلق، إلى غير ذلك من معاني الربّ التي ذكرناها في الكلام على اسم الربّ في الأسماء الحُسنى، كلّها صحيحة.

فهذا يقول: أنا رضيتُ بالله ربًّا، يعني: إذا أقرّ بهذا فالله هو الذي يتصرّف فيه، هو الذي يُدبّر شؤونه، هو الذي يربُّه؛ يعني: يسوسه، فلا يعترض على أحكامه الشَّرعية، ما يقول: هذا أعرضه على عقلي هذا الأمر أولاً، هذا الخطاب، اقتنع أو لا، عندي عقل، تعرض ماذا؟! وعلى ماذا؟! وما هذا العقل؟! وما قيمته؟! وما وزنه؟! تعرض عليه نصوص الوحي؟!

هذا غلطٌ وانحرافٌ كبيرٌ، وجهلٌ بقدر الوحي، وعظمته، وعصمته، وهو جهلٌ أيضًا بقيمة العقل وضعفه، فيُعْطَى حجمًا أكثر مما يستحقّ، وللأسف هي عبارةٌ يُرددها بعضُ الناس، ويظنّ أنَّ هذا من مُفرزات الثَّقافة الحقيقية: أن يكون له عقلٌ مُفلترٌ لنصوص الوحي، وهذا غلطٌ كبيرٌ، وللأسف بعض الشَّباب يسمعون فلسفات وكلامًا مُنَمَّقًا مُرَتَّبًا، وما تحته شيء، وأحيانًا الإنسانُ يستمع لبعض هؤلاء يتكلَّمون، بعض مَن يُنْظَر لهم، وأضطر أن أسمع إلى آخر البرنامج، أريد أن أعرف مَن هذا المفتري؟ يقول كلامًا مُنَمَّقًا، ينطلي على كثيرٍ من النفوس التي لم تُحصّن بالعلم الصَّحيح، كلامٌ باطلٌ، لكن عليه رونقٌ؛ فأضطرّ أحيانًا أن أستمع البرنامج إلى آخره، أجلس وأترك ما بيدي أريد أن أعرف مَن هو هذا؟

هناك مشكلة كبيرة حقيقةً؛ الوحي ينبغي التَّسليم أمامه التَّسليم الكامل، لا ثقافةَ، ولا غير ثقافةٍ، هنا "رضيتُ بالله ربًّا"، تصور لو كنا نُردِّد هذا مع الأذان، ونستشعر هذه المعاني، هل أحد يعترض؟

وكذلك الأحكام الكونية القدرية: هذا فقيرٌ، وهذا غنيٌّ، هذا مريضٌ، وهذا صحيحٌ، هذا مُبْتَلًى بنفسه، بولده، بزوجته، بماله، ما يقول: لماذا يا ربّ؟! أو يُردّد بعض العبارات التي تُنْبِئ عن سُوء ظنٍّ بالله -تبارك وتعالى- أن الطّيب يُخْذَل، لا يُوفَّق، وأنَّ البطَّال والـمُعرِض أنَّه ينتقل من ظفرٍ إلى ظفرٍ، وهذا غير صحيحٍ، وهو من سوء الظنِّ بالله -تبارك وتعالى-: وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم[4]، وعلى قدر البلاء يكون الجزاء، لكن مَن الذي يعرف ربَّه معرفةً حقيقيَّةً؟ فإذا رضي به ربًّا؛ رضي بتدبيره، وقضائه، وقدره، وهو يقول: يا ربّ، أنا راضٍ بما تُشرع لي، وراضٍ بما تُقدّر عليَّ: عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه له خير[5]، فلا يبقى عنده ضيقٌ، وكآبَةٌ، وحُزْنٌ، وحسرات، ينظر إلى نفسه، وينظر إلى الآخرين، ويُقارن، وما إلى ذلك، إطلاقًا، هذا لا يوجد: رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولاً، رضيتُ به رسولاً إليّ، ورضيتُ به رسولاً إلى الخلق أجمعين، وهذا يقتضي أن يرضى بجميع ما أُرْسِلَ به، وإلا ما معنى الرِّسالة والرسول؟

فهو مُبلغٌ عن الله -تبارك وتعالى-، فالرِّضا به ﷺ رسولاً أن يكون التَّلقي من جهته فقط، توحيد مصدر التَّلقي، لا يكون له تقميشٌ؛ يأخذ من الوحي ما راقَ له، ويأخذ من ثقافاتٍ أُخرى فيها ما فيها من الكدر، ثم بعد ذلك يأتي به خليطًا من الحقِّ والباطل، فتخرج لنا عقولٌ ونفوسٌ وشخصيَّاتٌ تعرف منها وتُنْكِر، والسَّبب: أنهم خلطوا الوحي مع زبالات الأذهان والأفهام مما يُتلقَّى من نظرياتٍ مُنحرفةٍ، وللأسف قد تجد رواجًا كبيرًا عند فئامٍ من المسلمين!

فالإنسان حينما ينظر إلى أشياء من هذا -أيّها الأحبّة- يقول: إذا جاء الدَّجال فكم يا تُرى مَن يتبعه من هؤلاء؟! أشياء الضَّلال فيها واضحٌ، لكن يُؤتى بها بأسماء وعبارات مُنَمَّقة، دورات تُقدَّم في الطَّاقة والتَّأثير، وتسمع أشياء، وتقول: هل هذا حقٌّ؟ يعني: هل هذا حقٌّ؟ أعرف أنَّه باطلٌ، هل هم يتكلَّمون فيه بجدٍّ؟ هل هم حقًّا يعتقدون هذا، أو أنَّ هؤلاء يمزحون ويتكلَّمون بكلامٍ على سبيل الضَّحك والممالحة؟

كلامٌ كلّه انحرافٌ، وغلطٌ، وضلالٌ، وأحيانًا يكون من قبيل الشِّرك: تارةً في الإلهية، وتارةً في الربوبية؛ اعتقاد التَّأثير في أشياء: أحجار، خيوط، معادن، أسورة، خيالات، أوهام، كل هذا يُقلب إلى الناس تحت ألقابٍ جديدةٍ، وهي الوثنيّات القديمة، تُصاغ صيغًا أُخرى، وتُصبغ بصبغةٍ عصريَّةٍ، فتُقدَّم لأهل التوحيد والإيمان على أنَّها معارف وقدرات، وتُحصّل من خلالها ما شئتَ من العافية إن كنت مُعْتَلاً، أو الثَّروة إن كنت فقيرًا، يمكن أن تمزج كذا وكذا، ثم بعد ذلك ضع في محفظتك كذا، أشياء مُضحكة، ثم بعد ذلك تكون ثريًّا.

هذه الآن دورات تُقدَّم للنِّساء، وتُقدَّم للرِّجال، وتجد مَن يحضر، وتجد مَن يسمع، وتجد مَن يُصَدِّق، وتجد مَن يُطَبِّق، فما حال هذا الإنسان الذي قد ملأ محفظته من هذا الوهم الكبير الذي لا يعود عليه إلا بالإفلاس؟! وهؤلاء يحصّلون أموالاً وشُهرةً بهذا الباطل الذي يروجونه، فإذا رأيتَ أحوالاً كهذه قلتَ: ما أسعد الدَّجال بهؤلاء وأمثالهم! -نسأل الله العافية-.

فهنا: رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولاً كلّ ما أُرسل به إلينا من الأمور العلمية والعملية، وهذا هو الدِّين، قال: وبالإسلام دينًا، رضيتُ بالإسلام دينًا، لا أبتغي غير طريق الإسلام شريعةً ومنهاجًا، ولا يمكن أن أسلك سبيلاً وصراطًا سواه، الإسلام الذي شرعه الله -تبارك وتعالى-، وبلَّغه رسولُه ﷺ، وهذا الإسلام يشمل جميعَ ما جاء به الرسولُ ﷺ: رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا.

الدِّين يشمل جميعَ ما جاء به الرسول ﷺ، فيشمل الأمور العملية التي يُطْلَق الإسلامُ ويُراد بها أحيانًا بإطلاقٍ ضيقٍ، ويشمل الأمور العلميَّة والاعتقاديَّة التي يُطْلَق الإسلامُ أحيانًا ويُراد به الأمور العلميَّة، والعملية: العقائد، والأحكام؛ ولهذا في حديث جبريل لما سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، قال في آخره: هذا جبريلُ آتاكم يُعلِّمكم أمرَ دينِكم.

فسمَّى ذلك جميعًا الدِّين: الإسلام، والإيمان، والإحسان، والله يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، فهذا الإسلام الذي لا يُقْبَل منه يشمل: التوحيد، وهو الأساس والأصل الكبير الذي اتَّفق عليه جميعُ الأنبياء، حيث كان دينُهم الإسلام.

ويعقوب وصَّى بنيه: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132].

وهي وصية أيضًا إبراهيم ، يُوصون ذُريتهم، وأولادهم، وأحفادهم بهذا: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يعني: وصَّى أيضًا يعقوب : يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

فيدخل فيه الأصل الكبير الذي هو الإيمان، الذي يشمل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر، كل هذا، ويشمل الدِّين والإسلام، يشمل الأمورَ أيضًا العملية، والرُّسل يتفاوتون في هذا، وإذا أُضيف ذلك إلى النبي ﷺ أو إلى هذه الشَّريعة فإنَّ ذلك ينتظم شرعه ﷺ الذي شرعه الله على لسانه لأُمَّته، كل هذه الأمور داخلةٌ فيه.

والله يُقرر هذا بصورةٍ أكيدةٍ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، ومن ثَمَّ فإنَّ مَن اختار ديانةً أُخرى غير الإسلام: كاليهودية، والنَّصرانية، والبوذية، والعلمانية، والليبرالية؛ فلن يُقْبَل منه، فالدِّين عند الله هو الإسلام، ولا يقبل دينًا من أحدٍ سواه، والذي يأخذ الإسلام يأخذه بكامله، من أوَّله إلى آخره، لا يأخذ منه جانبًا مُعينًا: كالعبادات مثلاً، ويترك المعاملات، وإنما في جميع شؤون الحياة.

هنا قدّم ذكر الرسول ﷺ: وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا، بأيِّ اعتبارٍ؟

أنه إنما يتحقق الإسلامُ بعد تحقيق الشَّهادتين، لا يتحقق الإسلامُ إلا بعد تحقيق الشَّهادتين.

إنسانٌ لا يُؤمن بالله ربًّا، لا يرضى به ربًّا، أو لا يرضى برسوله ﷺ نبيًّا ورسولاً، فهذا لا يمكن أن يتحقق له الإسلامُ دينًا، والله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، إكمال دعائمه العِظَام؛ لأنَّ هذه الآية -كما هو معلومٌ- نزلت في يوم عيدٍ؛ والنبي ﷺ في حجّة الوداع.

يقول: ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا، أقام لهم دينَهم بإقرار دعائمه الكبار، وأصوله العِظام، ورضيه لهم دينًا، عند قول المؤذّن: "أشهد أن لا إله إلا الله".

جاء في حديث عائشة بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّ النبي ﷺ كان إذا سمع المؤذّن يتشهّد يقول: وأنا، وأنا[6]، المؤذّن يتشهّد حينما يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله"، فيقول: وأنا، وأنا، فهذه عبارة مُختصرة يمكن الاكتفاءُ بها في هذا الموضع، يعني: يمكن أن يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله.. إلى آخر ما ذكرنا آنفًا، أو يقول: وأنا، وأنا.

هذا، والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم: كتاب الصَّلاة، باب القول مثل قول المؤذّن لمن سمعه ثم يُصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يسأل له الوسيلة، برقم (386).
  2. أخرجه أبو داود في "سننه": كتاب الصَّلاة، باب ما يقول إذا سمع المؤذّن، برقم (525)، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"، برقم (1691).
  3. أخرجه الطحاوي في "شرح الآثار": كتاب الصَّلاة، باب ما يُستحبّ للرجل أن يقوله إذا سمع الأذان، برقم (891)، قال الألباني: وهذا سندٌ صحيحٌ، رجاله كلُّهم ثقات. انظر: "الثّمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" للألباني (1/183).
  4. أخرجه الترمذي في "سننه": أبواب الزهد، باب ما جاء في الصَّبر على البلاء، برقم (2396)، وحسَّنه الألباني في "مشكاة المصابيح"، برقم (1566).
  5. أخرجه الطَّبراني في "المعجم الأوسط"، برقم (3849)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (3978).
  6. أخرجه أبو داود في "سننه": كتاب الصَّلاة، باب ما يقول إذا سمع المؤذّن، برقم (526)، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"، برقم (677).

مواد ذات صلة