الأحد 20 / ربيع الآخر / 1442 - 06 / ديسمبر 2020
(138) الدعاء بعد التشهد الأخير قبل السلام تتمة حديث اللهم بعلمك الغيب "وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب..." [2]
تاريخ النشر: ١٣ / جمادى الآخرة / ١٤٣٥
التحميل: 2807
مرات الإستماع: 2028

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

لا يزال الحديثُ متَّصلًا -أيّها الأحبّة- في الكلام على حديث عمَّار بن ياسر في تلك الدَّعوات التي تُقال في الصَّلاة، وذلك قوله: اللهم بعلمك الغيب، وقُدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشَّهادة[1]، سبق الكلامُ عن هذا القدر من الحديث، وسيكون الحديثُ عمَّا تضمّنه هذا الدُّعاء من الهدايات والمعاني.

فقوله: وأسألك كلمةَ الحقِّ في الرِّضا والغضب، أي: في حال رضا الخلق، وفي حال غضبهم، على أحد الاحتمالين، يعني: رضي الناس أم غضبوا، وهذا المعنى إن حُمِلَ الحديثُ عليه فلا شكَّ أنَّه يدلُّ على كمال الإخلاص من جهة أنَّه لا يُبالي برضا الناس من سخطهم إذا كان يقول الحقّ، وإلا فإنَّ مَن كان ناقص الإخلاص فإنَّه يُراعي الناس، ولربما لم يتكلم في الأحكام أو في غيرها -حتى الأحكام الشَّرعية- بشيءٍ ربما يجعل الكثيرين من أصحاب الأهواء ينقبضون منه، فهو يحسب حسابات قبل أن يتكلم في تلك الجماهير، ولأولئك المشاهدين، أو المتابعين في هذا الحساب، أو غيره، فهو لا يُريد أن يقول: "هذا حرامٌ" في أمرٍ يُزعجهم فيه؛ لأنَّ الكثير من هؤلاء لا يُريد أن يسمع كلمة "حرام"، فتجد الإجابة هُلامية -كما يُقال-، لا تتضح، لا تأخذ منه حقًّا من باطلٍ، فضلًا عن أن يقول: هذا بدعة، هذا كفر. فإنَّه يُجيب بإجابات تُرضي هؤلاء المستمعين، أو المشاهدين، أو المتابعين، فلا يسمعون ما يُزعج مشاعرهم، ويُخالف أهواءهم.

فلو سُئل مثلًا: ما حكم المعازف؟ تكلم أنَّ هذه مسألة فيها خلافٌ معروفٌ بين أهل العلم؛ فمنهم مَن يرى المنع، ومنهم مَن يرى الجواز، ولكلٍّ وجهةٌ. ويتكلم بهذه الطَّريقة.

سُئل مثلًا عن الصُّوفية، أو عن غيرهم من الطَّوائف المنحرفة، فيتكلم بكلامٍ لا تأخذ منه حقًّا ولا باطلًا.

فهذا لا شكَّ أنَّه خللٌ وخطأٌ وخلافُ منهج الأنبياء -عليهم الصَّلاة والسَّلام- في الدَّعوة والتَّعليم، يُبَيِّنون الحقَّ: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187]، لا بدَّ من بيان الحقِّ واضحًا، بصرف النَّظر عن زيدٍ وعمرو، يعني: لا يشترط أن يكون الكلامُ على الأشخاص الذين أخطأوا بأسمائهم، فالنبي ﷺ كان يقول: ما بال أقوامٍ[2]، لكن لا بدَّ أن يعرف الناسُ الحقَّ فلا يضيع، ولا يبقى مُلتبسًا على الناس؛ ثم بعد ذلك يركب الناسُ الضَّلالة، ويعتقدون أنَّ ذلك هو الحقّ الذي جاء به الرسول ﷺ، وذلك إذا سكت مَن يعلم، فمتى يتعلم الجاهل؟!

فهذا معنى: أسألك كلمةَ الحقِّ في الرِّضا والغضب يعني: رضي الناس أم غضبوا.

ويحتمل معنًى آخر: أسألك كلمةَ الحقِّ في الرِّضا والغضب، أي: في حال غضبي أو رضاي؛ فإنَّ النفسَ في أحوالٍ ترد عليها نجد أنَّ الكثيرين لا يستطيعون أن يضبطوا ما يصدر عنهم من الأقوال والأفعال: الفرح الشَّديد، وفي حال الغضب، وذلك أنَّ العقلَ يكون عليه مثل الغشاوة، يكون عليه ما يغشيه.

ونحن لا نتحدَّث عن الغضب المفرط الذي لا يعقل معه الإنسانُ ما قال، لكن الغضب عمومًا يُشوش الفكر؛ ولذلك نهى النبيُّ ﷺ أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان[3]؛ لأنَّ فكرَه مُشوش، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- ذكر الفرح الشَّديد، كذلك أيضًا –يعني- كلّ ما يُشوش الفكر.

فهنا إذا كان الإنسانُ في حال الغضب، أو في حال الفرح الشَّديد، أو نحو ذلك؛ قد لا يتَّزن، ومن الناس مَن تكون هذه حاله ولو لم يكن في حال غضبٍ أو فرحٍ، لكنَّه إذا رضي عن أحدٍ أعطاه من الأوصاف والألقاب والكمالات فوق ما يستحقّه، يعني: جعله مُكمّلًا من كل وجهٍ، وأضاف إليه أوصافًا لا يتَّصف بها، ولا يدَّعيها لنفسه، يعني: يُضيف إليه أوصافًا من التَّحصيل العلمي، والحفظ، فيقول: هذا يحفظ كذا، ويحفظ كذا. وذاك لا يدَّعي هذا أصلًا، وما قاله، ولا يحفظه، لكن عين الرِّضا، ويُعطيه من الألقاب في العلم المراتب العالية من التَّحقيق، وإذا سخط عليه قلب الحالَ؛ فأضاف إليه أوصافًا ليست فيه، واتَّهمه بأمورٍ ليست ثابتةً، ولا تصحّ بحالٍ من الأحوال؛ لأنَّه سخط، فبعد أن كان عالـمًا، إمامًا، من فحول العُلماء، صار جاهلًا، صاحب هوًى، ضالًّا، وصار لا يفقه في دين الله شيئًا، وأجهل من كذا وكذا.

هذا يحصل أحيانًا من الإنسان نفسه الذي كان يمدح هذا المعين، صار يذمّه؛ ولذلك أقول: الغالب أنَّ الذي يمدحك بما ليس فيك، ويُبالغ في مدحك والإطراء والثَّناء عليك؛ أنَّه إن سخط يومًا من الدَّهر سيتحوّل، وسيُضيف إليك من المذام والمعايب والنَّقص ما ليس فيك، يعني: يُبالغ: أنت تستحقّ مثلًا أن تكون طالبَ علمٍ، فيجعلك علَّامةً إذا رضي، فإذا سخط جعلك أجهل الجاهلين، وأنَّ جهلَك مُركَّبٌ، وأنَّك لستَ من العلم في شيءٍ: لا في قليلٍ، ولا كثيرٍ، ما الذي تغيّر؟!

والرجل الذي جاء للنبي ﷺ وقال: "إنَّ حمدي زينٌ، وذمِّي شينٌ"[4]، الرجل الذي تكلَّم بأحسن ما يعرف من الأوصاف في المدح، ثم قلب الحال وتكلّم بأقبح الأوصاف، وعلل ذلك بأنَّه لما رضي قال أحسن ما يعلم، ولما سخط قال أسوأ ما يعلم، وهذا من الأمور الدَّاخلة في قوله -تبارك وتعالى- في حقِّ أولئك الشُّعراء: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۝ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ [الشعراء:225-226]، إلا مَن استثنى الله -تبارك وتعالى-، فهؤلاء الشُّعراء في الأغلب -وليس الكلّ- أنَّ الواحدَ منهم إذا رضي أعطى من الأوصاف أكثر مما يقتضيه المقام ويستحقّه هذا الممدوح، وإذا سخط جعله لا يُساوي شيئًا -نسأل الله العافية-.

فهذا أيضًا من جملة الفجور في الخصومة، ولكن الذي ذكره العُقلاء والحُكماء والعُلماء، ويدلّ عليه الاستقراء: أنَّ الذين يُبالغون في المدح قد يتحوّلون في يومٍ من الأيام فيُبالغون في الذَّم؛ ولذلك لا تفرح بمُبالِغٍ.

وكون الإنسان يُبالغ في هذا الطَّرف، أو في هذا الطَّرف؛ هذا يدلّ على اختلالٍ في العقل، أنَّ وزنَ الأمور عنده والنَّظر العقلي فيه إشكال، فيأتي دائمًا في هذا الطَّرف، أو في هذا الطرف، ولا يعتدل في الأمور.

فهذا معنى صحيحٌ يُعين أن ألزم كلمةَ الحقِّ إذا غضبتُ وإذا رضيتُ، حينما يقع الإنسانُ بينه وبين آخر خُصومة، ثم بعد ذلك يُسأل عنه، تُطلب شهادته: ما تقول في فلانٍ؟ مثلما قالت أمُّ المؤمنين زينب -رضي الله عنها-، وتقع بين الضَّرائر أشياء، لما رُميت عائشةُ -رضي الله عنها- بالإفك، فلمَّا سألها النبيُّ ﷺ ماذا قالت؟ مع أنها أكثر مَن يُنافس عائشة -رضي الله عنها-، قالت: "أحفظ سمعي وبصري"[5]، كلمة الحقّ، ما قالت: هذه فرصة للانتقام. كما يحصل أحيانًا بين الضَّرائر، هنا نأتْ بنفسها ونزَّهت عائشة -رضي الله عنها- عمَّا اتُّهمت به. فهذان المعنيان صحيحان -والله تعالى أعلم-.

كلمة الحقّ في الغضب والرِّضا، أو في الرِّضا والغضب، يعني: بصرف النَّظر عن حال الناس: أكانوا يرضون ذلك أم يسخطونه؟ وكذلك أيضًا هو في حكمه على الأشياء، وفي قوله وبيانه للحقِّ، سواء كان في حالٍ من الغضب أو الرِّضا، فهو على حدٍّ من الاعتدال، فيلزم الحقّ، وكلمة الحقّ، ولا يصدر منه إلا حقّ.

مَن أراد أن يسير على هذا فلا بدَّ له من مُراعاة بعض الأمور التي من أهمّها: ألا يتكلم في حال الغضب، إذا غضب الإنسانُ وانفعل فينبغي ألا يتكلم: لا بلسانه، ولا بقلمه، لا تكتب ولا تردّ حينما تُستفزّ، ولا تتكلم، كذلك إذا كان الإنسانُ في حالٍ من الغضب؛ لأنَّه غالبًا ستكون ردود الأفعال هذه في حال الغضب غير موزونةٍ، والعاقل قد يندم بعد ذلك، فإذا أراد أن تكون أحكامُه موزونة وصحيحة وعلى الوجه اللَّائق ينبغي دائمًا أن يحمل نفسَه على هذا المسلك: ألا تصدر منه تصرّفات في حال غضبٍ، أو في حال فرحٍ شديدٍ، ثم بعد ذلك يُنتقد ويُعاب ويندم ويُلام، بل هو يلوم نفسَه، وتصدر منه تصرّفات لا تليق بمثله، مثله كان ينبغي أن يترفع عنها ويتنزَّه: إمَّا لسنِّه، أو لمكانته الاجتماعية، أو لعلمه، أو غير ذلك، يستكثر عليه مثل هذه التَّصرفات التي لا تصدر إلا من سُفهاء، لربما ينزل وينحطّ إلى مرتبةٍ دونه بكثيرٍ.

قوله: وأسألك القصدَ في الفقر والغنى الاعتدال في الأمور: الغضب والرِّضا، يلزم كلمةَ الحقِّ في الغيب والشَّهادة، يكون مُلازمًا لمراقبة الله -تبارك وتعالى-، القصد يعني: الاعتدال في الحالين، بين الحالين: بين الفقر والغنى، يعني: يكون على حالٍ من الاعتدال.

بعض أهل العلم فهم منه أنَّ المراد أنَّه يكون على حالٍ من الكفاف، ليس بغنيٍّ، وليس بفقيرٍ؛ لأنَّ الغنى في الغالب يُلهي ويُطغي، والفقر لربما يُقعده عن كثيرٍ من الأمور التي يهمّ بها، أو يتطلع إليها من النَّفقات الواجبة، والصَّدقة، والإحسان، وما إلى ذلك لذوي القرابات، ونحو هذا، بل يبقى قلبُه مُشوّشًا مشغولًا بلُقمة العيش، حيث ينشغل من أول يومه إلى آخره بالتَّفكير فيها، وكيف يُوفِّرها؟ وكيف يكفي هؤلاء الأولاد ما أهمّ من الجوع والحاجة؟ فهذا الفقر يشغل قلبَ صاحبه.

فهنا هذا المعنى الذي ذهب إليه الأكثرُ من أهل العلم: أنَّ المقصود أنَّه يسأل أن يكون على حالٍ من الاعتدال، ليس بصاحب مالٍ كثيرٍ غنيٍّ، وليس أيضًا بفقيرٍ، وإنما متوسط الحال؛ عنده ما يكفيه، ولا يحتاج إلى الناس، ولا يمدّ يده، ولا يذلّ نفسه، فهذا معنًى.

المعنى الآخر: أن يكون على حالٍ من الاعتدال إن كان قد أصابه الفقرُ، أو وقع له الغنى، فإذا أصابه الفقرُ لا يذلّ نفسه، ولا يضيع مروءته، ولا يذهب دينَه؛ فيتحيّل على تحصيل المال بوسائل وطرق ومعاذير غير صحيحةٍ، وإذا كان في حال الغنى فإنَّه لا يكون أيضًا في حالٍ من الطُّغيان والتَّرفع على الناس والتَّعالي، فإنَّ الغنى كثيرًا ما يُوقع في هذا؛ ولذلك تجد الناس حينما يُثنون على الغني يمدحونه بالتَّواضع، وبالمحافظة على الصَّلاة في المسجد، ويقولون: خلف الإمام، لكن هذا لا يُقال في الفقير، ما يُقال في الفقير: ما شاء الله، متواضع، وإذا أذّن جاء إلى المسجد؛ لأنَّه ما عنده إلا أن يذهب ويتواضع، يتكبر على ماذا؟! فإذا تكبّر فهذا أفحش من تكبّر الغني؛ لأنَّ النبي ﷺ أخبر عن أولئك الذين لا يُكلِّمهم الله ولا ينظر إليهم، منهم: وعائلٌ مُستكبر[6]، فقيرٌ ومُتكبّر؛ لأنَّه إذا ضعف الدَّاعي إلى المعصية فوقعت؛ فذلك يكون أعظم جُرْمًا مما لو وقعت مع قوة الدَّاعي.

قال: وأسألك نعيمًا لا ينفد يعني: لا يفنى، ولا ينقص، وهذا النَّعيم الذي لا ينفد لا شكَّ أنَّه نعيم الجنة، وإلا فإنَّ كلَّ نعيمٍ دونه فهو نافدٌ، النَّعيم الذي لا ينقضي ولا يزول هو النَّعيم الأُخروي، أمَّا الدنيا فهي زائلةٌ، مهما تنعَّم الإنسانُ، ومهما مُتِّعَ، ومهما أُعطي، فإنَّ ذلك يتحوّل عمَّا قريبٍ.

وقال: وأسألك قُرَّةَ عينٍ لا تنقطع المقصود بقُرَّة العين ما تقرّ به العين، والقرّ هو البرد، يعني: كما يقولون بأنَّ دموعَ الفرح باردة، ودموع الحزن ساخنة، وإذا دعوا لأحدٍ من الناس قالوا: أقرّ اللهُ عينك، يعني: أقرّ عينك بما تُحبّ، تكون عينُه قريرةً؛ وذلك لكونه قد حصل ما يطلب، ووقع له ما يُحبّ.

وأمَّا إذا دعوا عليه فقالوا للبعيد: أسخن اللهُ عينَه. فهذا يدلّ على الحزن والمصيبة، فتكون دموعُه ساخنةً، هذا أصله، فقرّة العين إنما تحصل مع حصول المطلوب، وتحقيق المرغوب، والالتذاذ والفرح والسُّرور والحبور بما لقي من النَّعيم: أسألك قُرَّة عينٍ لا تنقطع، فما يتلذذ به الإنسانُ الكاملُ هو مما تقرّ به.

فبعض أهل العلم فسَّر ذلك باحتمال كونه مما يُطلب من النَّسل: قُرَّة عينٍ لا تنقطع: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان:74] يعني: ما تقرّ به أعيننا، قالوا: قُرَّة عينٍ لا تنقطع، يكون له نسلٌ من بعده يستمرّ، نسلٌ طيِّبٌ فيستمرّ بعده.

وبعضهم يقول: قُرَّة عينٍ لا تنقطع، المداومة على الصَّلاة؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصَّلاة[7].

والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ قُرَّة العين التي لا تنقطع لا شكَّ أنها تكون في الآخرة بنعيم الجنَّة، لكنَّه ذكر قبله قوله: أسألك نعيمًا لا ينفد، فهذا نعيم الجنَّة، وقُرَّة العين التي لا تنقطع من أجل ألا يكون ذلك تكرارًا مع ما قبله، والتَّأسيس أولى من التَّوكيد، يعني: كوننا نقول: الجملة الجديدة: قُرَّة عينٍ لا تنقطع جاءت بمعنًى جديدٍ، ليس بمؤكِّدٍ للسَّابق الذي هو النَّعيم الذي لا ينفد، فقُرَّة العين التي لا تنقطع إذن هي شيءٌ آخر، ما هو؟

قُرَّة العين: الولد إذا كان صالحًا من قُرَّة العين، لكن ليس من قُرَّة العين التي لا تنقطع، الزَّوجة هي من قُرَّة العين إذا كانت صالحةً؛ تسرّه إذا نظر إليها، وتُطيعه إذا دعاها وأمرها، وتحفظه إذا غاب عنها، فهذا قُرَّة عينٍ: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، لكن هنا قيّدت قُرَّة العين بعدم الانقطاع، فما الذي لا ينقطع ولا يكون تكرارًا مع النَّعيم الذي لا ينفد؟

النبي ﷺ قال: وجُعلت قُرَّة عيني في الصَّلاة؛ لذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية[8] -رحمه الله- والحافظ ابن القيم[9] يذكرون مثل هذه الجُمل في الحديث في موضع الكلام على مُناجاة الله وذكره والالتذاذ بطاعته وعبادته: أنَّ هذه هي قُرَّة العين، تقرّ عينُ المؤمن بالإيمان والعمل الصَّالح، ويدخل في ذلك الذكرُ والصَّلاةُ، وما إلى ذلك من أنواع التَّعبدات، كما قال شيخُ الإسلام -رحمه الله-: "إنَّ في الدُّنيا جنَّة، مَن لم يدخلها لم يدخل جنةَ الآخرة"[10]؛ ولهذا كان بعضُ السَّلف يقول: "نحن في جنةٍ لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف"[11]، يقصد هذا المعنى، لكن هذا إنما يُوصَل إليه بالمجاهدات والصَّبر على الطَّاعات حتى ترتاض النفسُ عليها؛ فيجد لذّته وأُنسه وراحته إذا قام يُناجي الله ؛ ولهذا كان محمد بن المنكدر -من التابعين رحمه الله- يقول: "إني لأدخل في الليل فيهولني، فأُصبح حين أُصبح وما قضيتُ منه أربي"[12]، الليل الطَّويل عنده كأنَّه لحظات، ما شبع من مُناجاة الله وقيام الليل.

ويقول ثابت البناني -رحمه الله-: "كابدتُ الصلاةَ عشرين سنةً، وتلذَّذتُ بها عشرين سنةً"[13]، فيصير ذلك قُرَّة عينٍ له، يحتاج إلى مُجاهدةٍ حتى يصل إلى هذه المراتب العالية الكاملة، أمَّا الذي لم يزل يتبرم بالصَّلاة وبطولها، أو نحو ذلك، فهذا لم يزل في المراتب المتدنية، بعض السَّلف كان يقول: "إني لأفرح بالليل"[14]، ماذا يقصد؟

يعني: إذا جاء الليلُ لمناجاة الله في القيام يفرح بهذا، ما هو من أجل السَّهر والاستراحات، وما إلى ذلك، لا، من أجل الخلوة بربِّه -تبارك وتعالى-، يُصلي ويدعو ويُناجي ويذكر: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذَّاريات:17-18]، نسأل الله  أن يجعلنا وإيَّاكم منهم.

فهذه قُرَّة العين التي لا تنقطع، قُرَّة العين تكون في أمورٍ مُنقضيةٍ: كالزَّوجة، والولد، ونحو ذلك، وتكون أيضًا في أمورٍ لا تنقضي في الدنيا: بذكر الله، ومُناجاته، وعبادته، والإيمان، وطاعة الرحمن، وتكون في الآخرة بالجنَّة والنَّعيم المقيم.

أسأل الله أن يجعلني وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين منهم.

هذا ما يتعلّق بهذه الجُمَل من هذا الحديث.

نتوقَّف عند هذا، وأسأل الله لي ولكم علمًا نافعًا.

  1. أخرجه النَّسائي: كتاب السَّهو، نوع آخر من الدُّعاء، برقم (1305)، وأحمد في "المسند"، برقم (18325)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (1301).
  2. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب مَن لم يُواجه الناس بالعتاب، برقم (6101)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب علمه -صلى الله عليه وسلم- بالله تعالى وشدّة خشيته، برقم (2356).
  3. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يُفتي وهو غضبان، برقم (7158)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، برقم (1717).
  4. أخرجه الترمذي: أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب: ومن سورة الحجرات، برقم (3267)، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ"، وأحمد في "المسند"، برقم (15991).
  5. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الشَّهادات، باب تعديل النِّساء بعضهنَّ بعضًا، برقم (2661)، ومسلم: كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، برقم (2770).
  6. أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق السّلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، برقم (107).
  7. أخرجه النَّسائي: كتاب عشرة النِّساء، باب حُبِّ النِّساء، برقم (3939)، والحاكم في "المستدرك"، برقم (2676)، وقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يُخرِّجاه"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (3124).
  8. انظر: "مجموع الفتاوى" (8/143)، (28/31).
  9. انظر: "طريق الهجرتين وباب السَّعادتين" (ص40)، و"مدارج السالكين" (2/102).
  10. انظر: "مدارج السالكين بين منازل: إياك نعبد وإياك نستعين" (1/452)، و"المستدرك على مجموع الفتاوى" (1/153).
  11. انظر: "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" (2/197)، و"الجواب الكافي" (ص77)، و"الوابل الصيب من الكلم الطيب" (ص48).
  12. "سير أعلام النبلاء" ط. الرسالة (5/358).
  13. "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (2/321)، و"سير أعلام النبلاء" (5/224).
  14. انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (1/85)، و"طريق الهجرتين وباب السَّعادتين" (ص321).

مواد ذات صلة