السبت 14 / ربيع الأوّل / 1442 - 31 / أكتوبر 2020
(158) الأذكار بعد السلام من الصلاة (اللهم إني أسألك علماً نافعاً وعملاً متقبلاً...)
تاريخ النشر: ١٥ / رجب / ١٤٣٥
التحميل: 2061
مرات الإستماع: 2017

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

نواصل الحديث -أيّها الأحبّة- في هذه الليلة عن الأذكار الواردة بعد الصَّلاة المكتوبة، فمن ذلك: ما جاء من حديث أمِّ سلمة -رضي الله عنها-: أنَّ النبي ﷺ كان يقول إذا صلَّى الصبحَ حين يُسلِّم: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيِّبًا، وعملاً مُتقبَّلاً.

هذا الحديث أخرجه ابنُ ماجه[1]، وقد تكلّم العُلماء -رحمهم الله- في صحّته وحكمه، كما في الحديث السَّابق:

فمن أهل العلم مَن حسَّنه: كالحافظ ابن حجر[2]، كأنَّه حسَّنه لشواهده، والشيخ ناصر الدِّين الألباني -رحمه الله- صححه[3].

وبعض أهل العلم ضعَّفه لجهالة راويه عن أمِّ سلمة -رضي الله عنها-، فهو مولًى لها، فقالوا: إنَّه مجهولٌ، وإلا فإنَّ رجالَه ثقات لولا هذا الرَّاوي، كما قال الشَّوكاني: "ورجاله ثقات لولا جهالة مولى أمِّ سلمة"[4].

وكما ذكرنا من قبل بأنَّ الحكم على الرِّوايات يدخله الاجتهاد، فهو مسألةٌ اجتهاديَّةٌ، كما في الأحكام المستنبطة في الفقه؛ فكما أنَّ العُلماء يجتهدون في الأحكام واستنباطها، ويختلفون في ذلك، كذلك أيضًا يختلفون في الحكم على الرِّوايات، فمَن كان له بصرٌ في هذا، أو يجد سَعةً مع بصرٍ في هذا الباب؛ فيُخرج كلّ حديثٍ على حدةٍ، ثم بعد ذلك يحكم على هذه الأحاديث بمقتضى الصِّناعة الحديثية، فهذا مأجورٌ، أصاب أم أخطأ.

وأمَّا مَن لم يكن له بصرٌ في ذلك، أو لم يُسعفه الوقتُ فقلَّد غيرَه من أهل العلم بهذا الشَّأن؛ فإنَّه يكون بذلك معذورًا، فإنْ عَمِلَ بمُقتضى حديثٍ صححه بعضُ أهل العلم، فتابعه في ذلك، وإن ضعَّفه آخرون؛ فإنَّه يكون مأجورًا، ولا يُقال: إنَّه عَمِلَ بشيءٍ لم يُشرع، أو أنَّه وَاظَبَ على ذكرٍ مُبتدَعٍ، فهذا هو ضابط هذه المسألة.

وكما قلتُ لكم: بأنَّ اللَّائق بمَن لا بصرَ له في هذا الباب أن يُقلِّد مَن يعتقد أنَّه الأعلم، ومَن قضى عمره في هذا العلم الشَّريف، ولكن كما أشرتُ سابقًا لربما الإغراب يدفعنا أحيانًا إلى التَّعلّق ببعض أقوال طلبة العلم التي يُضعِّفون بها أحاديث لربما تتابع العلماءُ على تصحيحها، أو شاع وذاع عند أهل العلم وطلابه، وتلقَّى ذلك العامَّةُ عنهم أنها صحيحة، ثم يُفاجؤون بمَن يقول: هذا الحديث لا صحَّةَ له! فيحصل بسبب ذلك اضطرابٌ كثيرٌ، وإن لم يكن هذا الحديثُ من هذا القبيل، لكن هناك أحاديث اشتُهرت عند أهل العلم، وتُلقّيت عندهم بالقبول، وعملوا بها، ثم يأتي مَن يفجأهم بأنها ضعيفة، سواء كان ذلك ببعض الأذكار، ويدخل في ذلك قراءة القرآن، أو كان ذلك من قبيل العبادات والأعمال في صلاةٍ، أو حجٍّ، أو غير ذلك.

فهنا "كان يقول إذا صلَّى الصُّبحَ حين يُسلِّم" هذا واضحٌ وصريحٌ أنَّ ذلك بعد الصَّلاة، وأنَّه مُقيدٌ بها: "حين يُسلم"، فيحتمل أنَّه كان يقول ذلك مُباشرةً، ولكن ذلك ليس بنصٍّ فيه، فالعبارة ليست بنصيةٍ في أنَّ ذلك يُقال بعد السَّلام مُباشرةً، لكن حين يُسلِّم قد يقول قبله شيئًا من الأذكار، وقد يبدأ به، ولكنَّه جاء بمثل هذه الصِّيغة غير هذا الحديث كما سبق، فدلَّ على أنَّ المقصود -والله أعلم- أنَّه من جملة ما يقوله بعد السَّلام، ويكون ذلك بعد صلاة الصُّبح فحسب، وعرفنا أنَّ هذه الصيغة: "كان يقول" تدلّ على المداومة والاستمرار.

اللهم قلنا: إنها بمعنى: يا الله، إني أسألك علمًا نافعًا، والعلم النَّافع هو الذي يُورث العمل، فإنَّ العلمَ الذي لا يعمل به صاحبُه لا يكون نافعًا، بل يكون حُجَّةً عليه، والنبي ﷺ قد استعاذ بالله من علمٍ لا ينفع، فالعلم إنما يُقصد به العمل، فهو وسيلة.

وهذا التَّقييد: علمًا نافعًا لاحظوا أنَّه لم يقل: علمًا صحيحًا، وإنما قال: علمًا نافعًا، وهذا أبلغ؛ لأنَّ العلم الصَّحيح قد لا يعمل به صاحبُه، فلا ينتفع به، أمَّا العلم النَّافع فإنَّه لا يكون نافعًا إلا بأمرين:

الأمر الأول: أن يكون صحيحًا؛ لأنَّ العلم الفاسد لا ينفع.

والثاني: أن يعمل به.

فهذا الحديث دلَّ على أنَّ العلمَ منه ما هو نافع، ومنه ما ليس بنافعٍ، فالعلم النَّافع: هو ما يُقرّبه إلى الله -تبارك وتعالى- والدَّار الآخرة، وهو ما يُعْرَف به المعبود ، ويُعْرَف به أسماؤه وصفاته وأفعاله، ويعرف الإنسانُ ربَّه -تبارك وتعالى- بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.

وكذلك أيضًا يعرف الطريق الموصل إلى الله، وهي تفاصيل الصِّراط المستقيم، ويعرف الدار التي يصير إليها، فهذه ثلاثة أمورٍ، وما عدا ذلك فتوابع: كالكلام في الترغيب والترهيب، والقصص، والأخبار، والأمثال، فكلّ ذلك إنما هو في مساقٍ يُورث الامتثال والعمل والجدّ والاجتهاد في طاعة الله ، هذا المقصود به، فإذا عرف العبدُ هذه الأمور الثلاثة يكون قد كمل العلم من جوانبه الأصلية التي هي الأسس الكبار.

ونقول: بأنَّ هذا العلم النَّافع يختصّ بهذا الجانب، مع أنَّ العلم النافع أعمُّ من ذلك، فهناك علوم دنيوية، وهي التي يتوصّل بها الناسُ إلى طب الأبدان، وألوان الصِّناعات، وما يتعلّق بمعايشهم من أمور الاقتصاد، أو الحرث والزِّراعة، أو العلوم الرياضية، وما إلى ذلك، فهذه علوم نافعة على تفاوتٍ بينها، ولكن هل هذا هو المراد هنا في هذا الحديث؟

الظاهر أنَّ هذا غير مرادٍ؛ فالنبي ﷺ حينما يقول حين يُصبح بعد صلاة الصُّبح ذلك، ويسأل ربَّه علمًا نافعًا، ثم يذكر بعد هذا العمل الرزق الطَّيب، والعمل المتقبّل، فهذا يدلّ على أنَّ المقصود هو العلم الذي يكون هو الأنفع والأكمل مما يُوصله إلى الله والدار الآخرة.

والله -تبارك وتعالى- لا يُعبد إلا بما شرع، فهذا العلم النَّافع، ثم ذكر بعده هنا الرزق الطَّيب، وجاء في بعض الرِّوايات بعد العلم النَّافع: وعملاً مُتقبلاً، فإنَّ العلم النافع هو الذي يُورث العمل كما سبق، ولكن القبول له شأنٌ آخر، كما ذكرنا في ليلةٍ مضت.

فالعلم النَّافع يمكن أن يكون سببًا للعمل الصَّالح، أو العمل الصَّحيح، والعمل الصَّالح ما استوفى شرطي القبول: الإخلاص، والمتابعة للنبي ﷺ، لكن -كما ذكرنا سابقًا- أنَّ العبدَ قد يعمل العمل، ويكون العملُ صحيحًا، ولكنَّه قد يقوم به مانعٌ يمنع من القبول، لكن هذا العمل يكون مُجزئًا، فالصحة هي مُوافقة العمل للشَّرع، إذا وافق الشرع فهذه هي الصحّة، ولكن القبولَ أرفع من ذلك؛ فقد يقوم به مانعٌ -كما ذكرنا- فيمَن يأتي الكهنة والعرَّافين فيسألهم؛ فإنَّه لا تُقبل له صلاة أربعين يومًا، وهذا الإنسان قد يُصلِّي مخلصًا، وصلاة يُوافق بها العمل المشروع المنقول عن النبي ﷺ، فالقبول عند الله؛ ولهذا كان بعضُ السَّلف كابن عمر يقول: "لو علمتُ أَنَّ الله تقبَّل مني سجدةً واحدةً أو صدقة دِرْهَم لم يكن غائِبٌ أحبَّ إليَّ من الموت، تدرِي ممن يتَقَبَّل الله؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]"[5].

ولهذا بعضُ الناس يسأل: صيام عرفة يُكفِّر سنةً ماضيةً وسنةً آتيةً، وصيام عاشوراء يُكفِّر سنةً ماضيةً، وهي قد كُفِّرت في عرفة؟

نقول: وما يُدريك؟ أولئك الذين يتعلَّقون بالأحاديث الواردة بكون الصَّلاة إلى الصَّلاة مُكفِّرات، وهكذا ما جاء في الوضوء، ونحو ذلك، نقول: وما يُدريك أنَّ هذه الصَّلاة قُبِلَتْ فحصل هذا الأثر ورُتِّب عليها؟! فالإنسان لا يدري.

وكذا قوله: والحجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة[6]، ومَن حجَّ هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق؛ رجع كما ولدته أمُّه[7]، لكن وما يُدري الإنسان أنَّ حجَّه قُبِلَ؟! فالعبد يجدّ ويجتهد، لكن القبول عند الله، لا أحدَ يستطيع أن يعلم ويعرف أنَّ عمله قد تُقُبِّل أو لا: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.

فهنا قال: عملاً مُتقبلاً ولم يقل: عملاً صالحًا، أو عملاً صحيحًا، مع أنَّه جاء في روايةٍ: وعملاً صالحًا[8]، ولكن القبولَ لا يكون إلا للعمل المستوفي للشُّروط وزيادة؛ وذلك لأمورٍ تقوم بقلب صاحبه، يحصل معها القبول، أو يحصل معها الردّ، فأكل الحرام مثلاً قد يكون سببًا لردّ العبادة؛ فهذا الذي يحجّ، أو يدعو ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، ومركبه حرام، فهذا أنَّى يُستجاب له؟

وهذا الذي حجَّ مثلاً بمالٍ حرامٍ، قد يكون ذلك مانعًا من القبول، وإن كان الحجُّ من حيث الإجزاء صحيحًا، ولا يُطالب بالإعادة، أو قضاء هذا الحجّ.

فهنا قال: وعملاً مُتقبَّلاً، والعمل الصَّالح: هو الخالص الصَّواب، والمقبول: ما تحقق فيه ذلك وزيادة، والله -تبارك وتعالى- يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2]، والفُضيل بن عياض -رحمه الله- قال في هذه الآية: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً: أخلصه وأصوبه[9]. والله يقول: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا، وهذا يشمل المتابعة: وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، يدخل فيه التَّوحيد والإخلاص، فقالوا للفُضيل بن عياض: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصَّواب ما كان على السُّنة[10].

قوله: ورزقًا طيبًا الرِّزق الطَّيب فسَّره بعضُ أهل العلم بالحلال، وهذا لا شكَّ أنَّه من مُقتضيات القبول كما أشرتُ آنفًا، فهذه الأمور مُتلازمة؛ لهذا قد يقول قائلٌ: إذا كان من مُقتضيات القبول لماذا لم يُقدّم الرزق الحلال على العمل المتقبّل والعلم النَّافع؟!

ولا شكَّ أنَّ العلمَ رزقٌ من الله ، والإنسان قد يُحرم العلم بسبب المعصية:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فَأَرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأَخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ ونورُ الله لا يُهدى لعاصي[11]

أين كان قائلُ هذا البيت؟ لكن المعنى صحيحٌ؛ فالعلم من جُملة الرِّزق.

فهنا لماذا لم يُقدّم الرِّزق؛ لأنَّه الأصل والأساس مثلاً حتى يتحقق القبول في الأعمال، وكذلك أيضًا يحصل العلم النَّافع؟

فبعض أهل العلم يقولون: بأنَّ ذلك من باب التَّدرج والتَّرقي، وأجابوا عن ذلك بأجوبةٍ متنوعةٍ، ولكن لعلَّ من أقربها أن يُقال -والله تعالى أعلم-: بأنَّ العلم النَّافع هو المنطلق الذي يُميز به العبدُ بين الحلال والحرام، وما يُحبّه الله، وما يسخطه، ويُميز بين معدن الحقِّ ومعدن الشُّبهات، فيأتي بالعمل على الوجه المشروع الصَّحيح، وهذا لا يتأتَّى إلا بالعلم، فذكر العلم، وأمَّا الرزق فكذلك أيضًا؛ فإنَّه لن يُميز بين الحلال والحرام في المكاسب إلا بالعلم الصَّحيح.

هذا من أوضح ما يُجاب به عن هذا السؤال، مع تنوع أجوبة أهل العلم في هذا؛ ولهذا لربما تجد بعض مَن ينتسب إلى الدِّين أو الدَّعوة أو الصَّلاح، أو نحو ذلك، إذا نظرتَ إلى بعض المزاولات في تجارته ومكاسبه تجد أنها لا تخلو من إشكالات: عقود فاسدة، وعقود باطلة، وعقود غير صحيحةٍ، ويتعاملون بها، ويكسبون الملايين أحيانًا، وتجارات تقوم بأموالٍ تكثر أو تقلّ على عقودٍ غير صحيحةٍ، مثلاً من الأشياء الرَّائجة الكثيرة عقد مُضاربة، هذا العقد بمُقتضاه يلتزم الطرفُ الثاني -الذي هو العامل، وليس صاحب المال- أن يضمن له رأس المال، ولربما أعطاه رهنًا، أو أعطاه شيكًا مصدقًا، والتزم له برأس المال ضمانًا، فأيّ مُضاربة يضمن فيها رأس المال، هذه واحدة.

والثانية أنَّه يضمن له نسبة من الربح من رأس المال، كأن يقول: أُعطيك مثلاً 10% من رأس المال، أو 5% من رأس المال أُعطيك، أو30% من رأس المال، هذا لا يجوز، وليس هناك أرباح إلا إذا قيل: بأنَّ ذلك من صافي الرِّبح، فلا بدَّ من النَّظر في المصروفات، وما إلى ذلك، كما هو معلومٌ، فكيف يُعطى على رأس المال نسبة ثابتة؟!

لكن يمكن أن يُقال: لك كذا من صافي الأرباح، نسبة مُتعيّنة يتَّفقون عليها، هذا إذا وُجِد الربحُ، لكن قد لا يُوجد ربحٌ، وهذا كثيرٌ، هناك عقودٌ بهذه الطَّريقة، وهي عقودٌ غير صحيحةٍ، ويكتسبون منها، ويبقون على هذه الحال العمر، وهذه المكاسب غير صحيحةٍ، والذي يُوقعهم في هذا هو الجهل، تجده مُتدينًا، ولربما يقوم الليل، ويصوم النَّهار، ومكاسبه بهذه المثابة، هذا غير المخالفات الأخرى التي قد تكون من شُبهات وأمور يترخَّص فيها.

وعلى كل حالٍ، لا شكَّ أنَّ الرزقَ يكون سببًا لقبول الأعمال، وتحصيل العلوم، والله  يقول: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172].

يقول يحيى بن معاذ الرَّازي -رحمه الله-: الطَّاعة مخزونة في خزائن الله تعالى، ومفتاحها الدُّعاء، وأسنانه الحلال[12]، ولكن العلم هو المنطلق للأعمال الصَّحيحة، والمكاسب النَّظيفة، السَّليمة، الخالية من الشَّوائب.

الوقت أدركنا، لكن يمكن أن أُشير هنا إلى أنَّ البدء بالعلم يمكن أن يكون فيه هذه الحكمة: وهي التَّمييز، وأن يكون للعبد بصرٌ يُميز بين الصَّالح والضَّار، والعمل الصَّحيح والفاسد، فلا يكون ممن: ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104].

وهذا الدُّعاء لاحظوا أنَّه يُقال بعد صلاة الصُّبح، يفتتح اليوم بهذا، ولا يُقال ذلك في المساء؛ لأنَّ الإنسان في أول يومه يستقبل يومًا جديدًا يعمل فيه أعمالاً، فهو يومٌ جديدٌ يحتاج إلى أن يتَّقي الله فيه، ومولودٌ جديدٌ، أن يكون حالُه فيه مرضيَّة، وأن يكون على طاعةٍ واستقامةٍ، فليست القضيةُ أن يعمل الإنسانُ، ثم بعد ذلك يكون هذا العملُ مردودًا؛ فيكون ممن يجهد ويتعب، وليس له من عمله إلا النَّصب، نسأل الله العافية.

وليست القضيةُ أن يحصل الإنسانُ الأموالَ والمكاسب، لكن الأهم من أين؟ وكيف يكتسب هذه الأموال والأرزاق؟ أيَّها الناس، اتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب، فإنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تستوفي رزقَها، وإن أبطأ عنها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب، خُذوا ما حلَّ، ودعوا ما حرم[13]، فيحتاج إلى تقوى مُطلقًا في أحواله كلِّها، وتقوى في المكاسب، مع عدم التَّهالك على الدُّنيا وحطامها، وأن تكون هذه الدُّنيا هي أكبر همّ الإنسان، فهذا غير صحيحٍ.

فالمؤمن يفتتح يومه، ويُحدد مطالبه ومقاصده، فهو يسأل العلمَ النَّافع، والعمل الصَّالح، والرزقَ الطَّيب، فهذه ثلاثة أشياء يكمل بعضُها بعضًا.

فينبغي على العبد أن ينظر في مُزاولاته في كل يومٍ، وفي اهتماماته، وفي مطالبه ومقاصده، ومن ثم يُصحح مساره وعمله وأهدافه على وفق ما جاء في هذه الأحاديث: العلم النَّافع، والعمل الصَّالح المتقبّل، والرزق الحلال الطَّيب.

ليست القضيةُ أن يُحسِن الإنسانُ ويكون عنده حذقٌ في الاحتيال على الآخرين، وتحصيل الأموال منهم، كما يظنّ البعض، والفرصة المواتية التي لا تُعوّض أن يأتي إنسانٌ إلى هؤلاء وهو لا بصرَ له بهذه المعاملات، فيبيع عقارًا، أو مركبةً، أو نحو ذلك، فإذا كان لا بصرَ له بهذا فيرون أنَّ هذه فُرصة لا تُعوّض، ولربما تفنن هؤلاء في الغشِّ إن باعوا، أو في الاحتيال حينما يشترون، ويظنون أنَّهم ببعض العبارات التي يقولونها أنَّ ذمَّتهم تبرأ، وأنَّهم يكسبون الحلالَ، فيقول مثلاً: أنا بعتُك كومًا من الحديد. هذا لا يُغني عنه شيئًا، وهذه الكلمة يحتفظ بها لنفسه؛ لأنَّه قالها أو لم يقلها لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر في الموضوع، لكنَّهم مساكين، جهلة، يقتاتون على هذا الجهل والحِيَل، ويحسبون أنَّهم بهذا الاحتيال يحصلون مكاسبَ لم يُقدّرها الله لهم، وإذا جاءهم مَن يُصدِّق ويقول: هذه السيارة فيها العيب الفلاني. لو كانت عيوبًا دقيقةً، بدأوا يتغامزون، يعني: أنَّ هذا مُغفل، وأنَّ هذا مسكين، وأنَّ هذا ما يفهم، فرصة للالتفاف عليه.

وكأن يقول: هذه السَّيارة افحصها. ثم بعد ذلك يتبين فيها من العيوب ما الله به عليم، ثم يقول: أنا قلتُ: افحصها. وإذا قلت: افحصها! كلّ ما يتبين فيها من عيبٍ مُؤثِّرٍ فهو على ظهر بائعها، وتُردّ قسرًا عنه، قال أو لم يقل، فكلامه مردودٌ عليه، لكن الجهل يُزري بصاحبه.

وبعض الناس يُردد عبارةً بائسةً وسقيمةً وركيكةً، يقول: القانون ما يحمي المغفَّلين، أو النِّظام ما يحمي المغفَّلين. مَن يحمي إذا كان ما يحمي المغفَّلين؟! يحمي أهلَ الحِيَل من أمثاله؟!

"النِّظام لا يحمي المغفَّلين"، بل يحمي المغفَّلين بالدَّرجة الأولى قبل غيرهم، وهذه الشَّريعة كفلت للناس الحقوق، وهناك يوجد خيار اسمه: "خيار العيب"، ما يعرفونه، ولا سمعوا به.

فهذه من أسوأ العبارات، عبارات رديئة يُرددها بعضُ هؤلاء الحمقى والمغفَّلين، والله المستعان.

والله أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

  1. أخرجه ابنُ ماجه في "سننه": كتاب إقامة الصَّلاة والسُّنة فيها، باب ما يُقال بعد التَّسليم، برقم (925)، وصححه الألباني.
  2. "نتائج الأفكار" لابن حجر (2/411).
  3. "الروض النَّضير" (1199)، و"صحيح سنن ابن ماجه"، برقم (925).
  4. "نيل الأوطار" (2/358).
  5. "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" (3/57).
  6. متفق عليه: أخرجه البخاري: أبواب العُمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، برقم (1773)، ومسلم: كتاب الحجِّ، باب فضل الحجِّ والعُمرة ويوم عرفة، برقم (1349).
  7. متفق عليه: أخرجه البخاري: أبواب المحصر، باب قول الله تعالى: {فَلَا رَفَثَ} [البقرة:197]، برقم (1819)، ومسلم: كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، برقم (1350).
  8. "الدعاء" للطَّبراني (ص213) (669).
  9. "مدارج السالكين" (2/93).
  10. "مدارج السالكين" (2/93).
  11. "ديوان الإمام الشافعي" (ص61).
  12. "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (5/1736).
  13. أخرجه ابنُ ماجه في "سننه": كتاب التِّجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة، برقم (2144)، وصححه الألباني.

مواد ذات صلة