الجمعة 06 / ربيع الأوّل / 1442 - 23 / أكتوبر 2020
(286) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
تاريخ النشر: ٠٤ / ربيع الآخر / ١٤٣٦
التحميل: 1817
مرات الإستماع: 1888

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

هذا باب "فضل الصَّلاة على النبي ﷺ"، وقد أورد فيه المؤلفُ أربعةَ أحاديث أو خمسة:

الأول: حديث أبي هريرة : أنَّ رسول الله قال: مَن صلَّى عليَّ واحدةً صلَّى اللهُ عليه عشرًا. رواه مسلم[1].

فقوله: مَن صلَّى عليَّ واحدةً أي: صلاةً واحدةً؛ وذلك يصدق فيما لو قال المسلمُ: "اللهم صلِّ على محمدٍ"، فإنَّ الله يُصلي عليه بهذا عشرًا، فتلك صلاةٌ عليه -عليه الصَّلاة والسلام-، وأكمل ذلك أن يقول: "اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم"، إلى آخر ما جاء من الصيغ التي تُقال بعد التَّشهد؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حينما سُئِل: كيف نُصلي عليك؟ أرشدهم إلى هذه الصِّيغة، فهي أكمل الصيغ.

ولكن لو أنَّه قال ذلك مُختصرًا، كقوله: "اللهم صلِّ على محمدٍ"، أو "ﷺ"، أو "اللهم صلِّ وسلم عليه"، فإنَّ ذلك يصدق عليه أنَّه صلَّى على النبي ﷺ.

وقوله: صلَّى اللهُ عليه بها أي: بسببها، عشرًا أي: عشر صلوات، وصلاة الله -تبارك وتعالى- على عبده أن يذكره في الملأ الأعلى، والله -تبارك وتعالى- يقول: إن ذكرني في نفسه، ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرتُه في ملأ هم خيرٌ منهم[2].

فذكره -تبارك وتعالى- لعبده في الملأ الأعلى هذا شرفٌ للعبد، وأيضًا رفعةٌ ومنزلةٌ وهدايةٌ، فلا تسأل عن حال عبدٍ ذكره الله -تبارك وتعالى- في ملئه الأعلى، كما قال الله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[الأحزاب:43]، فهذا أثرٌ من آثار صلاته -تبارك وتعالى- على عبده؛ بأن يُخرجه من الظُّلمات إلى النور: ظُلمات الجهل، وظلمات الهوى، وظلمات البدعة، وظلمات الكفر، إلى نور الإيمان، ونور الهداية، ونور السُّنة، ونور العلم، فينقله من هدايةٍ إلى هدايةٍ.

فإذا صلَّى الله -تبارك وتعالى- على عبده عشر صلوات، فذلك شرفٌ ليس بعده شرفٌ.

وكذلك أيضًا يحصل له بسبب ذلك من الألطاف الربانية والهدايات ما لا يُقادر قدره، فإذا زاد وصلَّى عليه مرتين؛ صلَّى اللهُ عليه عشرين، فإذا صلَّى عشرًا؛ صلَّى الله عليه مئةً، وهكذا، فهذا فضله -تبارك وتعالى-.

ولو أنَّ أحدًا من الناس قيل له: إنَّ فلانًا ممن يعظم في الدنيا، ممن له منزلةٌ وجاهٌ، أو مُلكٌ وسلطانٌ؛ يذكرك في مجلسه، ويُثني عليك بين كبار جُلسائه؛ لاغتبط بهذا، وفرح، واستبشر، واشتاق إلى لقائه، أليس كذلك؟

فكيف بذكر الله -جلَّ جلاله- لعبده؟!

والمسألة سهلة: إن ذكرني في نفسه، ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرتُه في ملأ هم خيرٌ منهم[3]، لاتحتاج إلى وسائط، ولا تحتاج إلى تزين للمخلوقين بأعمالك من أجل أن يُثنوا عليك،وإنما تُصلي على النبي ﷺ، وأن تذكر الله، فيكون ذلك سببًا لذكر الله -تبارك وتعالى- لك في ملئه الأعلى.

قد يقول قائلٌ: إنَّ الحسنةَ بعشر أمثالها، كما قال الله مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[الأنعام:160]، فما الفائدةُ الزائدةُ في قوله:مَن صلَّى عليَّ صلاةً، صلَّى اللهُ عليه بها عشرًا، هذا تحصيل حاصلٍ في كل الأعمال؟!

يقال: هناك فرقٌ بين الأجر والثَّواب والحسنة؛ فمَن صلَّى على النبي ﷺ واحدةً، كانت له بعشر حسنات، إلى سبعمئة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ، هذا في الثواب والأجر.

لكن هنا الحديث في شيءٍ آخر، ليس في الحسنة بعشرٍ، وإنما في ذكر الله لعبده في ملئه الأعلى، وهذا المعنى أورده بعضُ أهل العلم: كابن العربي المالكي -رحمه الله-، وذكر أنَّ صلاته -تبارك وتعالى- على العبد عشر مرات أفضل من عشر حسنات، الحسنة بعشر أمثالها، إذا تصدّقت فهي بعشرٍ، وإذا صمتَ يومًا فهو بعشرٍ، وإذا قلتَ: "سبحان الله" فبعشرٍ، لكن حينما يذكر اللهُ عبدَه في الملأ الأعلى فهذه أفضل من مجرد عشر حسنات، فهذه مزية. هذا هو الحديث الأول.

والحديث الثاني: هو أيضًا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-، قال: قال رسولُ الله ﷺ:لا تجعلوا بيوتَكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليَّ، فإنَّ صلاتَكم تبلغني حيث كنتم.

أخرجه أبو داود[4]، وأحمد[5]، وقد سكت عنه أبو داود، وعرفنا أنَّ ما سكت عنه أبو داود فهو صالحٌ للاحتجاج عنده.

وصحح إسنادَه جمعٌ من أهل العلم: كالإمام النَّووي[6]، وشيخ الإسلام -رحمه الله- حسَّن إسنادَه، وقال: إنَّ رواته مشاهير وثقات. وقال: له شواهد[7].

وكذلك الحافظ ابن القيم-رحمه الله-، فإنَّه قد حسَّن إسنادَه[8]، وقال نحوًا مما قاله شيخُ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-.

كما حسَّن إسنادَه ابنُ عبدالهادي[9]، والحافظ ابن حجر[10]، والحافظ الحكمي[11].

والشيخ ناصر الدِّين الألباني-رحمه الله- حسَّن إسنادَه في بعض المواضع[12]، وصححه في مواضع أخرى[13]، وقال مرةً:بأنه صحيحٌ لغيره[14].

وقال سماحةُ الشيخ عبدالعزيز بن باز-رحمه الله-: ثابتٌ. وقال في موضعٍ آخر: إسناده جيدٌ[15].

إذًا هذا الحديث حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ عن النبي ﷺ، وتضمّن هذه الجُمل الثلاث، والثالثة مُعللة، ذكر معها العِلّة:

الأولى: لا تجعلوا بيوتَكم قبورًا.

والثانية: ولا تجعلوا قبري عيدًا.

والثالثة: وصلّوا عليَّ ....

يقول:لا تجعلوا بيوتَكم قبورًا مضى الكلامُ على هذه الجملة في مناسبةٍ سابقةٍ، فما المقصود بها؟

كأنَّه شبّه المكان الخالي عن العبادة، الذي لا يُذكر الله -تبارك وتعالى- فيه، ولا يُصلَّى على النبي ﷺ، ولا يُصلَّى فيه النَّوافل، ولا يُقرأ فيه القرآن؛ شبّهه بالقبور، وشبَّه الغافل عن ذكر الله -تبارك وتعالى- وعبادته بالميت: لا تجعلوا بيوتَكم قبورًا.

فبعض أهل العلم يقول: المعنى: أي: كالقبور الخالية عن ذكر الله وطاعته، بل اجعلوا في بيوتكم نصيبًا من العبادة، من صلاة النَّافلة، وقراءة القرآن، وذكر الله .

وبعضهم يقول -وهذا فيه بُعْدٌ-: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا أي: لا تدفنوا موتاكم في بيوتكم؛ فتجعلوها مقابر. ولكن هذا بعيدٌ.

وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّ المعنى: لا تجعلوا القبورَ مساكنكم، يعني: لا تسكنوا في المقابر، بأي اعتبارٍ؟

وجّهه بعضُ أهل العلم باعتبار أنَّ ذلك يُورِث شيئًا من التَّبلد؛ فيذهب الاعتبارُ من زيارة القبور، ومن ذكر الآخرة.

وبعض أهل العلم قال: من أجل ألا يكون ذلك سبيلًا إلى اليأس من الدنيا، والانقطاع عنها، فإذا كان يعيش بين القبور معنى ذلك أنَّه سيكتئب، ويُعرض عن الدنيا، وينصرف عنها بالكُليّة. ولكنَّ هذا بعيدٌ -والله تعالى أعلم-، وكذلك الذي قال: بأنَّ ذلك يكون سببًا للتَّبلد في الحسِّ.

وبعضُهم وجَّهه فقال: المعنى:أي: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا؛ لأنَّ العبدَ إذا مات، وصار في قبره؛ لم يُصلِّ. وهذا له وجهه.

وذهب آخرون إلى أنَّ المعنى: لا تجعلوا بيوتَكم وطنًا للنوم فقط، فلا تُصلون فيها، فإنَّ النوم أخو الموت، والميت لا يُصلي، يعني: تأتون للنّوم، والنوم وفاةٌ فقط، تُتّخذ هذه البيوت للنوم، أمَّا العبادة فهي خاليةٌ منها.

وبعضهم قال: لعلّ المراد أنَّ مَن لم يُصلِّ في بيته فقد جعل نفسَه كالميت، وجعل بيته كالقبر. وهذا له وجهٌ قريبٌ، والله تعالى أعلم.

وقد ورد ما يُؤيد هذا، كما في "صحيح مسلم": مثل البيت الذي يُذكر اللهُ فيه والبيت الذي لا يُذكر اللهُ فيه مثل الحيّ والميت[16]، وقد مضى الكلامُ على هذا في أوائل شرح هذا الكتاب المبارك.

فالمعنى: لا تكونوا كالموتى الذين لا يُصلون في بيوتهم، وهي القبور، أو لا تتركوا الصَّلاةَ فيها حتى تصير كالمقابر، وتصيرون أنتم كالموتى في هذه المقابر.

وقد ذكرنا من قبل أنَّ المقابر ليست محلًّا للعبادة، باعتبار أنَّ أهلها قد انقطعت أعمالهم، هذا من جهةٍ.

ومن جهةٍ أخرى: فإنَّ الأحياء إذا جاءوا إلى المقبرة لا يُشرع لهم قصد العبادة فيها، إلا السَّلام على الموتى، فزيارة القبور للاعتبار والاتِّعاظ، أمَّا أن يقصد الصلاةَ في المقبرة فلا، أو أن يقصد قراءةَ القرآن فيها، أو أن يقصد الصدقةَ؛ تقربًا إلى الله في المقبرة، يعني: يعتقد أنَّ المقبرة لها مزيّة، أو نحو ذلك مما قد يفعله قصدًا في هذه البقعة؛ اعتقادًا أنَّ لها مزيّة؛ فهذا غير صحيحٍ، ولا مشروع، فالمقبرةليست محلًّا للتَّقرب والعبادة، وما إلى ذلك.

اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتَّخذوها قبورًا[17]، هذه الرِّواية تُوضح هذا المعنى الذي ذُكِرَ، والله تعالى أعلم.

لا تتخذوها قبورًا القبور لا يُصلَّى فيها، والمقابر ليست محلًّا للصلاة والعبادة.

قال: ولا تجعلوا قبري عيدًا العيدُ ما يُعتاد ويتكرر: إمَّا في كل أسبوعٍ، فالجمعة عيدُ الأسبوع، أو يتكرر في كلِّ شهرٍ، أو يتكرر في كل سنةٍ، أو يتكرر في كل عشر سنوات، أو يتكرر في كل خمسينسنةً، أو يتكرر في كل مئة سنة، أو غير ذلك، يعني: ما يعتاد ويتكرر يُقال له: عيد.

فالإنسان الذي ربما يتّخذ اليوم الذي وُلِدَ فيه وقتًا للاحتفال، فيما يُسمّى: عيد الميلاد، فهذا لا يجوز؛ لأنَّه قد جعله عيدًا، وإنما يُشرع الاحتفاء والفرح وماإلى ذلك بأعياد المسلمين المعروفة: الفطر، والأضحى، وما عدا ذلك فلا يُشرع الاحتفاء به.

فهذا الذي يتكرر، ولو أنَّه قدّم ذلك يومًا، أو يومين، أو أيامًا، فإنَّه كما قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "اقتضاء الصِّراط المستقيم": "وكذلك حريم العيد: هو وما قبله وما بعده من الأيام التي يُحدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله، أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال؛ حكمها حكمه، فلا يُفعل شيءٌ من ذلك"[18]، مثل: الذين يحتفلون مثلًا برأس السنة الميلادية، أو بالمولد النبوي، أو يحتفلون بالتاريخ الهجري، أو غير ذلك من البدع والمحدثات.

فبعضهم قد يقول: أنا لا أعمل حفلةً مثلًا بنفس اليوم الذي تزوّجتُ فيه، أو نفس اليوم الذي وُلدتُ فيه، أو نفس اليوم الذي وُلد فيه النبيُّ ﷺ، وإنما أُقدّم قبل ذلك بأسبوعٍ، أو أُؤخّر بعد ذلك أسبوعًا.

فشيخ الإسلام يقول: حريم الشَّيء منه، ما معنى: حريم الشَّيء منه؟

يعني: ما يحتفّ به؛ الأيام التي تكون قبله، والأيام التي تكون بعده، لا فرق.

فبعض الناس يُريد أن يخرج من هذا الإشكال، ويقول: أنا ما أحتفل بنفس اليوم، لكن سأُقدّم هذا بيومين، أو ثلاثة أيام، أو أسبوع، أو أُؤخّر ذلك أيامًا. يُقال: حريم الشَّيء منه.

أمَّا الذي يفعل مرةً واحدةً فهذا لا إشكالَ فيه، مثل: لو أنَّ أحدًا من الناس حفظ القرآنَ، فأراد أن يفرح ويعمل حفلةً لهذا، أو جمعية تحفيظ القرآن أرادوا أن يعملوا حفلةً للحُفَّاظ، ويفعلون هذا كل سنةٍ لحفَّاظٍ جُددٍ آخرين، فهذا لا إشكالَ فيه.

وعمر لما حفظ البقرةَ نحر جزورًا[19]، وأطعم الناس؛ فرحًا واستبشارًا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[يونس:58]، فهذا لا شكَّ أنَّه مما يُفرح به.

لا تجعلوا قبري عيدًاهذا الذي يتكرر، سواء كان زمانيًّا، أو مكانيًّا؛ المكاني هو الذي اعتاد الناسُ المجيء إليه بصورةٍ مُستمرةٍ مُتكررةٍ، فعرفة عيد مكاني، والفطر عيد زماني: "لا تجعلوا زيارةَ قبري عيدًا"، بمعنى: أنَّه لا يُتَّخذ قبرُ النبي ﷺ موضعًا يعتاد الناسُ تكرار الذَّهاب والمجيء إليه، ويُكررون ذلك، ويترددون عليه.

وقد ذكر شيخُ الإسلام -رحمه الله- هدي الصَّحابة في هذا،حيث يقول: بأنَّ الصحابة كانوا إذا جاءوا من غزوٍ، أو من سفرٍ صلَّى الواحدُ منهم في مسجد رسول الله ﷺ ركعتين، ويُصلِّي على النبي ﷺ من موضعه[20]. يعني: الذي صلَّى فيه في المسجد النَّبوي، ولا يذهب إلى القبر.

يقول: أمَّا ابن عمر فكان إذا أراد سفرًا، أو قدم من سفرٍ، أتى قبرَ النبي فسلَّم عليه، ثم أتى قبرَ أبي بكرٍ فسلَّم عليه، ثم قال: السَّلام عليك يا أبي[21]. يعني:عمر ، ثم ينصرف، يعني: كالمودّع، وإذا جاء من سفرٍ أتى إلى القبر وسلَّم على النبي وصاحبيه. هذا فعلابن عمر عند السَّفر، وهم أعظم الناس محبةً للنبي .

أما باقي الصَّحابة فيقول شيخُ الإسلام: ما كانوا يأتون إلى القبر، حتى حال القدوم من السَّفر، أو عند إنشاء السَّفر، أمَّا وهم في المدينة فإنهم ما كانوا يأتون إلى القبر ويترددون عليه من أجل السَّلام على النبي ، وهم أشد الناس محبةً له.

وهذا علي بن الحسين، زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم وأرضاهم- رأى رجلًا يأتي إلى فرجةٍ كانت عند قبر النبي ، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أُحدثكم حديثًا سمعتُه من أبي، عن جدِّي، عن رسول الله ؟ قال: لا تتَّخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلّوا عليَّ؛ فإنَّ تسليمكم يبلغني أين كنتم[22].

فأنكر عليه هذا التردد على قبر النبي ، في الوقت الذي نقول فيه: لا بأس أنَّ الإنسان إذا جاء إلى المدينة أن يأتي قبرَ النبي ويُسلّم عليه، وعلى صاحبيه، لا إشكالَ في هذا، لكن أن يتّخذ ذلك بصورةٍ وبصفةٍ مُكررةٍ؛ يأتي كلّ يومٍ وهو في المدينة! أو يأتي صباح مساء! ومن الناس مَن يأتي كلّ اثنين وخميس! أو يأتي في كلِّ اثنين! أو يأتي في كل جمعةٍ! أو نحو هذا، فإنَّ هذا لا يُشرع.

وصلاة المصلِّي على النبي ﷺ عند قبره كصلاة المصلِّي عليه وهو بعيدٌ عن قبره آلاف الأميال، لا فرق؛ فإنَّ النبي يقول: وصلّوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلغني، فلا فرقَ بين القريب والبعيد من هذه الحيثية، وكما سيأتي في أحاديث أخرى.

ولذلك من الخطأ ما يفعله بعضُ الناس إذا رأوا أحدًا يريد الذَّهابَ إلى المدينة قالوا: سلِّم على النبي ، وهذا لا معنَى له؛ فإنَّ صلاتهم على النبي وسلامهم عليه يبلغه -عليه الصلاة والسلام-، ولا يحتاجون إلى مثل هذا.

وابن القيم -رحمه الله- يقول: "أي: لا تتكلَّفوا المعاودة إليَّ، فقد استغنيتم بالصَّلاة عليَّ"[23].

وشيخ الإسلام يقول: "الحديث يُشير إلى أنَّ ما ينالني منكم من الصَّلاة والسَّلام يحصل مع قُربكم من قبري، وبُعدكم عنه، فلا حاجةَ بكم إلى اتِّخاذه عيدًا"[24].

ويقول في موضعٍ آخر: بأنَّ من الأمكنة ماله خصيصة -يعني: له مزيّة-، لكن لا يقتضي اتّخاذه عيدًا، ولا الصَّلاة، ونحو ذلك من العبادات. يقول: "فمن هذه الأمكنة قبور الأنبياء والصَّالحين"[25]، وقد جاء عن النبي ﷺ والسَّلف النَّهي عن اتِّخاذها عيدًا.

ويقول الحافظُابن القيم أيضًا: بأنَّ من مفاسد اتِّخاذها أعيادًا الصَّلاة إليها[26]. يعني: والطَّواف بها، وتقبيل هذه القبور، والاستلام لها، وتعفير الخدود على ترابها، كما يفعل أهلُ البدع، وعبادة أصحاب القبور، والاستغاثة بهم، وسؤال هؤلاء النَّصر والرزق والعافية، وقضاء الدُّيون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللَّهفات، وغير ذلك من أنواع الطَّلبات التي كان عُبَّاد الأوثان يسألونها أوثانهم، وللأسف هذا كثيرٌ في عُبَّاد القبور في مشارق الأرض ومغاربها.

وهذا الحديث أخذ منه أهلُ العلم -كالحافظ ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله- منع السَّفر لزيارة قبر النبي ﷺ، يعني: هناك فرقٌ بين أن يُسافر ليُصلِّي في مسجد رسول الله ﷺ، أو أن يُسافر من أجل زيارة القبر؛ فإنَّ النبي ﷺ يقول: لا تُشدّ الرِّحال إلا لثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى[27]، لكن لا تُشدّ الرِّحال من أجل القبور، ولكنَّه إذا جاء من أجل الصَّلاة في مسجد رسول الله ، وزيارة المدينة، فإذا جاء المدينة أتى قبرَ النبي وسلَّم عليه، لكن لا يكون شدّ الرّحل من أجل زيارة القبر.

وفرقٌ بين هذا، وبين أن يُسافر الإنسانُ من أجل أن يُصلي على جنازةٍ، فإنَّ هذا من الأعمال المشروعة: الصلاة على الجنائز، وحضور الجنازة، ونحو ذلك، فرقٌ بين هذا وهذا.

وعلى كل حالٍ، الصَّلاة على النبي القريب والبعيد فيها سواء، ولا حاجةَ لشدّ الرّحل، ولا ينبغي أن يفعل ما يمكن أن يُفضي إلى شيءٍ من الغلو، أو اتِّخاذ قبر النبي عيدًا.

ويذكر أيضًا في موضعٍ آخر في قوله: لا تتخذوا بيوتكم قبورًا يقول: هذا نهيٌ لهم أن يجعلوه بمنزلة القبور التي لا يُصلَّى فيها، وكذلك نهيه لهم أن يتَّخذوا قبره عيدًا؛ نهيٌ لهم أن يجعلوه مجمعًا، كالأعياد التي يقصد الناسُ الاجتماعَ إليها للصَّلاة، بل يُزار قبره كما كان يزوره الصَّحابة على الوجه الذي يُرضيه ويُحبّه -صلوات الله وسلامه عليه[28]-.

هذا ما يتعلّق بهذا الحديث، والعجيب أنَّ الجدلَ لا يعجز عنه أحدٌ، فالذي يُريد أن يُجادل ويكون مُبطلًا، ويدفع الحقَّ بالشبهات، لن يعجز عن هذا، فمع هذا الحديث الواضح الصَّريح: لا تجعلوا قبري عيدًا بعض أهل البدع ممن ينتسبون إلى العلم، ولهم مُؤلفات، يقولون عكس المقصود تمامًا، حيث يقولون: لا تأتوا لقبري بين أحيان مُتباعدة، كما هو الحال في العيد؛ ما يأتي إلا في السَّنة مرةً، أو مرتين، وإنما تعاهدوا القبر، وأكثروا من الزيارة، والتردد عليه، فلا تجعلوه كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرة واحدة، أو مرتين!

فقلبوا المعنى تمامًا!

فالجدل لا يعجز عنه أحدٌ، وإنما العبرة بلزوم الحقِّ، وليس بصنع الشُّبهات واتِّباعها، وإلقاء الشُّبهات، وتلبيس الحقّ بالباطل.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هُداةً مُهتدين.

والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

 

 

  1. أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد التَّشهد، برقم (408).
  2. أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحثّ على ذكر الله تعالى، برقم (2675).
  3. أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحثّ على ذكر الله تعالى، برقم (2675).
  4. أخرجه أبو داود:كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم (2044)، وصححه الألباني.
  5. أخرجه أحمد في "المسند" ط. الرسالة، برقم (8804)، وقال مُحققو "المسند": "إسناده حسنٌ".
  6. "الأذكار" للنووي، ت: الأرناؤوط (ص115).
  7. "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2/170).
  8. "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان"ط. المعرفة (1/191).
  9. "الصارم المنكي في الرد على السبكي" (ص158).
  10. "فتح الباري" لابن حجر (6/488).
  11. "معارج القبول بشرح سلم الوصول" (2/530).
  12. "مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي، ت: الألباني (1/291)، برقم (926).
  13. "صحيح وضعيف سنن أبي داود" (5/42)، و"صحيح وضعيف الجامع الصغير" (27/254).
  14. "أحكام الجنائز" للألباني (ص219).
  15. "مجموع فتاوى ابن باز" (2/386).
  16. أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، برقم (1299).
  17. أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، برقم (777).
  18. "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2/5).
  19. "شرح الزرقاني على الموطأ" (2/22).
  20. "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2/242).
  21. "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2/243).
  22. أخرجه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (2/49)، برقم (428)،وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (1/361)، برقم (469)، وضعَّف إسناده حسين سليم أسد، وقال الألباني في "تخريج أحاديث فضائل الشام" (ص52): "في إسناده رجلٌ من أهل البيت مستورٌ، وبقية رجاله ثقات، وهو صحيحٌ بطرقه وشواهده".
  23. "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان"ط. المعرفة (1/194).
  24. "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2/173).
  25. "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2/169).
  26. "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان"ط. المعرفة (1/194).
  27. أخرجه أحمد في "المسند" ط. الرسالة، برقم (7736)، وقال مُحققو "المسند": "إسناده صحيحٌ على شرط الشَّيخين".
  28. "تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته" (1/276)، و"حاشية ابن القيم على سنن أبي داود" (6/23).

مواد ذات صلة