السبت 14 / ربيع الأوّل / 1442 - 31 / أكتوبر 2020
(291) إفشاء السلام - تكملة حديث " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار"
تاريخ النشر: ١٢ / ربيع الآخر / ١٤٣٦
التحميل: 1740
مرات الإستماع: 2337

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

نواصل الحديث -أيّها الأحبّة- في هذه الليلة في الكلام على قول عمَّار -رضي الله تعالى عنه-: "ثلاثٌ مَن جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار"[1].

وقد كان الكلامُ في الليلة الماضية عن الجملة الأولى، وإنما يحول بين المرء والإنصاف من نفسه هواه، فإذا كان الهوى هو الغالب على الإنسان؛ فإنَّه يغفل عن نفسه، وعن عيوبه وآفاته، وينصرف إلى غيره مُطالبًا بإيفاء حقوقه، أو مُتحدِّثًا عن عيوبهم وأخطائهم وزلَّاتهم وعِللهم وأدوائهم، وقد يكون ذلك حقيقةً فيهم، وقد يكون مُتوهمًا، أو مُفترًى، وإذا مُكِرَ بالعبد، ولم يُوفّق إلى ما ينفعه ويرفعه؛ فإنَّه يصير إلى حالٍ كهذه.

وقد قال الإمامُ الذهبي -رحمه الله-: "كفى بها مصيبةً أن يكون رأسًا في نقد الرِّجال، ولا ينقد نفسَه"[2]، يغفل عن نقد نفسِه، وهذا كثيرٌ، ربما رأيتَ الرجلَ ينتقد في المجالس كلَّ ما يُشاهد، وكلَّ شيءٍ، ولا يُعجبه شيء، وإذا نظرتَ إلى حاله تجد خللًا ظاهرًا، ينتقد تدبير الأمور، والتَّصرف في الأموال، ونحو ذلك، ويطعن في الذِّمَم، ويُطلق عبارات يُعمم فيها الأحكام، فهو نُقَدَة -كثير النَّقد-.

وإذا نظرتَ إلى حاله -وهو في إدارته لأسرةٍ صغيرةٍ- تجد بيتًا مُضيَّعًا، وتجد إهمالًا واضحًا، لا تُخطئه العين، فكيف لو كان هذا يُدير قريةً، أو يُدير مدينةً، أو يُدير بلدًا أكبر من ذلك؟!

وقل مثل ذلك أيضًا حينما يتحدث في الذِّمم والتَّضييع ونحو ذلك، وإذا نظرتَ إليه فإنَّ ما يقع تحت يده فإنَّه عنوان الحلال، إن وقعت تحت يده سيارةٌ للعمل، فإنَّه يتصرف فيها تصرّف مَن لا يرقب في شيءٍ إلًّا ولا ذِمَّةً، ويشعر أنَّ هذا أحلّ من ماله الخاصّ، وأنَّ عليه أن يُحلله، وإذا عِيبَ عليه، أو نُقِدَ في هذا؛ أطلق بعض العبارات التي تعرفون وتسمعون!

وهكذا تجد الذِّمَّة في الأموال؛ فما حلَّ باليد فهو الحلال،وربما كان الأبناءُ والبنات ممن يدرسون في الجامعات، أو نحو ذلك، ويُسجل كلُّ واحدٍ منهم في هذه البرامج لمن يبحثون عن العمل، حافز، ويستحلّ هذه الأموال، وإذا قيل له: كيف تستحلّ هذا؟! هذا ليس لك،ولا يجوز، ولا يحلّ! فكيف لو كانت بيدك الخزائن؟! ماذا ستفعل؟! وهو ينتقد كل شيءٍ، فالإنصاف من النفس عزيزٌ.

وقل مثل هذا فيمَن ينتقد أهلَ العلم باعتبار أنَّهم لا يقومون بما يجب، وإذا نظرتَ إليه، فإنَّه يقعد عن الاحتساب والإنكار في أمورٍ مقدورةٍ له على مَن هو دونه في قارعة الطَّريق، أو في مجلسه، أو في السوق، أو في المستشفى، أو عند الحلَّاق، أو في المطعم، أو غير ذلك، يعجز أن يقول لهذا: اتَّقِ الله. أو لهذه المرأة: لا تتبرجي. أو يقول لهذا: لا تفعل هذا، فإنَّه لا يحلّ. يصمت صمت القبور، ثم يُطالب الآخرين أن يقوموا قيام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ونُظرائه، هذا ليس من العدل.

الإنصاف من النفس أن يرجع الإنسانُ لنفسه، ويبحث عن ضعفه، وعيوبه، وعجزه، وما قعد فيه عن أمر الله ، وهو مقدورٌ له، قبل أن يُوجّه ذلك إلى الآخرين، فيسلق بلسانٍ حديدٍ أعراضَ أهل العلم، هذا ليس من الإنصاف من النَّفس.

وقل مثل ذلك فيما يطلبه الإنسانُ من استيفاء الحقوق من الآخرين، ثم بعد ذلك إن كان عليه حقٌّ فالمطل والتَّأخير والبخس، وصور كثيرةٌ جدًّا تدلّ على قلّة ذمّةٍ، وغفلةٍ عن النَّفس، وقلّة إنصافٍ.

فهذا الإنصاف من النَّفس -أيّها الأحبّة- كما ذكرنا في الليلةالماضية يكون فيما يتّصل بحقوق الله وبحقوق المخلوقين، ويكون ذلك أيضًا مع الإنسان في خاصَّة نفسه، ولا يرفع نفسَه فوق قدرها، ولا يُعطيها ما لا تستحقّ من المنزلة، أو الأوصاف، أو المقامات، أو نحو ذلك، فيكون بذلك ظالـمًا لها، فإن طالب الآخرين بمثل هذه الأمور فهو ظلمٌ فوق ظلمٍ، هذا لا يحقّ، ولا يحلّ.

وهكذا حينما يدخل الهوى في نفس الإنسان في كثيرٍ من المزاولات، لو أنَّ الإنسان تأمّل حاله، نحن قد نجد مَن يبيع ويشتري في وقت الصَّلاة، فقد نُنكر عليه بألسنتنا، وقد نُنكر ذلك بقلوبنا حينما نكون مجتازين بهذا المكان، ونجد أنَّ هذا التَّصرف غير مُبررٍ، لكن حينما يأتي الواحدُ منا لحاجةٍ في هذا المتجر أو ذاك، ثم يُغلق الباب في هذه اللَّحظة من أجل الصَّلاة، تجد الإنسان يُحاول أن يُقنع هذا البواب أن يفتح، فإن لم يفعل ربما ضاق ذرعُه به، هذا هوًى، ليس هذا من الإنصاف، أن يُنصف الإنسانُ من نفسه، حينما يُطالب هؤلاء أن يقفلوا هذه المحال، ويبقى الناسُ خارج المحلّ، ثم إذا كانت له حاجةٌ جاء وتقحم وأصرّ، وصار يُحاول ويُلحّ في الدُّخول،فأين الإنصافُ من النفس؟! وهكذا.

وقد ذكر شيخُ الإسلام -رحمه الله- أنَّ من الناس مَن يكون قيامُه لغير الله -تبارك وتعالى-، يعني: في الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، ونحو ذلك، فإذا أُعطي شيئًا من الرئاسة، أو المال، أو نحو ذلك، تحوّل إلى مُعينٍ لهذا الذي كان يُنكر عليه؛ فيكون جزءًا من هذا العمل، وهذا شيءٌ لا شكَّ أنه خلاف إنصاف المرء من نفسه.

الأمر الثاني: وهو "بذل السلام للعالَم"، بمعنى: أن يجود الإنسانُ بالسلام، فذلك بذله، بمعنى: أنَّ ذلك يكون منه كثيرًا، بلا حسابٍ، ولا يكون سلامُه مُقتصرًا على معارفه، أو على مَن يُحبّ، أو على مَن يُعظّمه، وإنما يكون سلامُه على الكبير والصَّغير، والغني والفقير، ومَن يُحبّ، ومَن لا يُحبّ.

وحينما يقول: "للعالَم" ليس المقصودُ بذلك الكفَّار، فإنَّ هذا تُخرجه أدلةٌ أخرى عند العلماء القائلين بأنَّ الكافرَ لا يُبدأ بالسلام مطلقًا، وقد قال النبي ﷺ: لا تبدؤوا اليهود ولا النَّصارى بالسلام[3].

والمقصود أن يُبذل السلامُ للعالَم، يعني: ممن يستحقّ أن يُبدأ بالسلام، وأن يُبذل له السلام، فيكون ذلك من قبيل العامّ المراد به الخصوص، أو العامّ المخصوص إذا نظرنا إلى الأدلة المخصصة، وإذا نظرنا إليه من غير هذا الاعتبار؛ لأنَّ النصوص قد تكون خصصت نوعًا من الكفار، ولكنه قد يلحق بهم غيرهم باعتبار نفي الفارق عند مَن يقول بهذا، فيكون من قبيل العامّ المراد به الخصوص، وقد يكون من الأول.

فهذا مثل قوله ﷺ: وتقرأ السلام على مَن عرفتَ، ومَن لم تعرف[4]، فهذا من مكارم الأخلاق.

وهكذا في قوله  في الحديث السَّابق: ألا أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحاببتُم؟ أفشوا السلامَ بينكم[5]، "أفشوا" فهذا بمعنى بذل السَّلام، فالإفشاء أن تقرأ السلامَ على مَن عرفتَ، ومَن لم تعرف، كما سيأتي في حديثٍ آخر -إن شاء الله تعالى-.

وهذا يدلّ لا شكَّ على التواضع؛ فإنَّ المتكبر لا يبذل السلامَ على الآخرين، وإنما يشمخ بأنفه، ولا يرى الناس شيئًا،وإنما قد يُسلم على الكُبراء، ونحو ذلك، بل قد لا يردّ السلام –أعني: هذا المتكبر- كبرًا وتيهًا، فضلًا عن بدء الناس بالسلام، فالمتواضع هو الذي يبذل السلام.

وأقبح من هذا كلّه- يعني: هذا البخيل الذي يبخل بالسَّلام أقبح من هذا- ذاك الذي يُوهم الناس بالسلام، وهو لا يُسلّم، وهو من فعل السُّفهاء، وفعل مَن لا خلاقَ له، فإذا أتى على إنسانٍ يمشي في الطَّريق، أو واقف، أو نحو ذلك، قال بيده هكذا؛ ليُوهمه أنَّه يُسلّم عليه، ثم هو يتناول بيده شيئًا في أعلى مركبته، أو نحو ذلك، ثم يضحك، مع أنَّه ليس هناك ما يدعو للضَّحك، وإنما يضحك على سفهه، وسُوء تصرفه، فإنَّ ذلك لا يفعله إلا سفيه، فهذا فعل السُّفهاء والحمقى من الناس، ولا يليق بأهل الإيمان، فضلًا عن أهل المروءات.

والجملة الأخيرة: "الإنفاق من الإقتار"، يعني: الافتقار،فهذا الإنسان الذي لا يجد شيئًا تكون نفقتُه أعظم من نفقة الواجد، كما قال الله -تبارك وتعالى- عن الأنصار وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[الحشر:9]، والخصاصة: شدّة الحاجة، فهذا لا شكَّ أنه أعظم الإيثار، وأكمل فيه، بخلاف مَن يُنفق وهو يجد الكثير، مع أنَّه لا يضيع عند الله -تبارك وتعالى- شيء، لكن كما ذكرتُ في بعض المناسبات: أنَّ العمل يتفاوت باعتبارات مُتعددةٍ، منها: ما يقوم في قلب العبد، ومنها: ما يكون بمُقتضى الحال، ومنها: ما يكون متَّصلًا بالمكان أو الزمان.

فمما يتعلّق بالحال هنا: الذي يُنفق وهو في حالٍ من الشّدة والفقر، ومع ذلك يُنفق، فنفقته أعظم من نفقة الغني الواجد، كذلك أيضًا في حال النَّفقة، كما قال الله -تبارك وتعالى-: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[المؤمنون:60]، فهذا مما يتعاظم به المعروف والأجر المرتّب عليه: رجلٌ أنفق نفقةً فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه[6].

ولاحظ: أنه بقيام هذه الأمور صار العملُ فيها أعظم؛ من الإخفاء، أو الإخبات، أو الإقلال، فهذا كلّه مما يُلابس العاملين، أو الأعمال، فيعظُم به العمل.

ولاحظوا ما يُقابله: الأُشيمط الزَّاني الذي قد ضعفت قُواه، وتلاشت غرائزه، ثم بعد ذلك يزني، هذا أعظم من زنا الشَّاب، مع أنَّ الزنا قبيحٌ في حقِّ الجميع.

وهكذا أيضًا العائل المستكبر؛ فإنَّه لا يدخل الجنةَ مَن كان في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كبرٍ، لكن العائل الفقير حينما يتكبّر هذا أشنع؛ لأنَّه لا يوجد من دواعي الكبر شيءٌ، فيدلّ على فساد الباطن.

فهذا الذي يُنفق في الإقتار يدلّ على غاية السَّخاء والكرم والبذل، وإيثار الغير على النفس، وهذا الإنفاق مع الإقتار يدخل فيه دخولًا أوَّليًّا: النَّفقات الواجبة على الزوجات والعيال، فإنَّ هؤلاء النَّفقة عليهم يُؤجَر عليها الإنسان، وهي واجبةٌ عليه، والتَّقرب إلى الله -تبارك وتعالى- بما يجب أولى، وأثقل في الميزان، والنبي ﷺ أخبر: إنَّك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجرتَ عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك[7].

فالإنفاق على الأهل والأولاد يُؤجَر عليه الإنسانُ، والأقرب -والله أعلم- ولو لم تكن له فيه نيةالتَّقرب إلى الله ، وهذه من الصور التي تكون خارجةً عن نيّة التَّقرب إلى المعبود ، فلا يُشترط ذلك في الأجر في كل عملٍ، لكن لا تكون له نيّة فاسدة.

وقد ذكرتُ في بعض المناسبات أمثلةً لذلك: كقوله: وفي بُضع أحدكم صدقة، ولم يقل: إذا قصد بذلك التَّقرب إلى الله، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجرٌ؟! قال: أرأيتُم لو وضعها في حرامٍ، أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ[8].

ولما رأى أصحاب النبي ﷺ من جلد رجلٍ ونشاطه ما أعجبهم، قالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسولُ الله : إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يعفّها فهو في سبيل الله...[9]، ولم يقل: إذا احتسب ذلك عند الله.

وكذلك في المرأة الفقيرة السَّائلة التي أعطتها عائشةُ ثلاث تمرات، فأعطت ابنتيها كلّ واحدةٍ تمرةً، فلمَّا رفعت الثالثةَ إلى فيها،صاحت البناتُ بها، يُردن هذه التَّمرة؛ فشقّتها بينهنَّ شقّين[10].

وقال النبيُّ ﷺ في المرأة البغي من بغايا بني إسرائيل،التي سقت الكلبَ؛ فغُفِرَ لها[11]، ولم يقل: إنها احتسبت عند الله، لكن ذكر أنها قالت: "إنَّ هذا قد بلغ به العطشُ ما بلغ بي"، فكان ذلك سببًا.

فكلّ هذا ما لم يكن فيه نيّة فاسدة، فإنَّ الإنسان يُؤجَر عليه، فإن وُجدت نيّة التَّقرب إلى الله فذلك أكمل وأعظم، فهذه الأشياء حتىفي جانب المشاقِّ والآلام والأمراض، ما لم يصير الإنسانُ إلى حالٍ من التَّسخط والجزع؛ فإنَّه يُؤجَر على ذلك، ولو لم يحتسب، حتى الشَّوكة يُشاكّها؛ فإنه يُكفّر بها من خطاياه.

فهذا الإنفاق من الإقتار -أيّها الأحبّة- كما يقول الحافظُابن القيم -رحمه الله-: لا يصدر إلا عن قوة ثقةٍ بالله ؛ لأنَّ الغنيَّ يحسب حسابات هذه النَّفقة: كم ستنقص من الرصيد؟ فهذا الفقير الذي لا يجد شيئًا، ثم يُنفق؛ يدلّ على قوة ثقته بربِّه -تبارك وتعالى-، وأنَّ الله يُعوّضه جرَّاء هذه النَّفقة، ويدلّ على قوة اليقين والتَّوكل، ويدلّ على رحمةٍ بهؤلاء الناس، ويدلّ على زهدٍ في الدنيا، وسخاءٍ في النَّفس،ووثوقٍ بوعد الله بالمغفرة والعوض، وتكذيبٍ بوعد الشَّيطان:الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا[البقرة:268][12].

فهذا وعد الله -تبارك وتعالى-، وذاك وعدُ الشَّيطان، فهذا يُصدِّق بوعد الله ؛ فيُنفق مع الإقتار، والشّح إنما يكون في النفوس؛ ولهذا قال الله وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ[النساء:128]، وقال:وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ[الحشر:9]، فأضافه إليها، فذلك شيءٌ مُلازمٌ لها، وينبعث منها، سواء كان الإنسانُ مُكْثِرًا، أو كان مُقِلًّا، إذا وجد الشّح، ولو كانت بيده الأموال الطَّائلة، فهو شحيحٌ، لا يخرج شيءٌ من نيّته، وهذا شيءٌ مُشاهَدٌ.

وإذا كان الإنسانُ أيضًا فقيرًا، وهو شحيحٌ؛ فلا تسأل عن حاله، يُحارب ويُعارك ويُقاتل من أجل ربع ريالٍ، فإذا بايع واشترى، أو نحو ذلك، وجد الناسُ عنتًا منه على مبلغٍ يسيرٍ تافهٍ في مُطالباته، واستيفاء حقوقه، واستنطاف ما يتوهمه أنَّه له.

هذا لا يختلف فيه الغني والفقير، لكن إذا وجد سخاء النَّفس، ووجد الإنفاق والبذل، مع الحاجة والفقر؛ بأن كانت النفسُ سخيَّةً، والرجل سخيًّا، إذا أتيتَه قدَّم لك ما عنده، ولو كان خبزًا بزيتٍ، بنفسٍ سخيَّةٍ مُحبَّةٍ، وهو لا يملك غيره.

والغني قد تأتيه، وربما لا يُقدّم شيئًا أصلًا؛ لأنَّه شحيحٌ، فإذا قدَّم فربما يشعر أنَّ ذلك من قبيل المغرم الذي لا عائدةَ فيه، ولا عوضَ؛ ولذلك قالت العربُ بأنَّ اللِّئام ينزلون الأسافلَ من الأرض؛ من أجل ألا يراهم أحدٌ، فلا يصل إليهم ضيفٌ، ولا يرى لهم نارًا، والكِرام ينزلون الأعالي؛ فيراهم الضِّيفان في الليل، ويرون نيرانهم.

فهذا سواء كان غنيًّا، أو كان فقيرًا، المشكلة هي شيءٌ في النفس، تجد الرجل في غاية الغنى، ومع ذلك ربما لم يحجّ، ولا يُحجج أهله، ولا أولاده، باعتبار الحملات غالية، وتجد الفقير يجمع الريالَ على الريال، ويأتي من خلف البحار، ويجمع أكثر من ثلاثين سنةً من أجل أن يحجّ، وأول ما يدخل يخرّ ساجدًا، ويبكي أنَّ الله بلَّغه بيته الحرام.

وهذا في أكناف الحرم، ومع ذلك يُجاوز الستين والسبعين والثمانين ولم يحج، ويستكثر هذا المال على فريضةٍ وركنٍ من أركان الإسلام.

فهذه الكلمات -أيّها الأحبّة- جامعة لخصال الإيمان كلّه؛ لأنَّ خصال الإيمان: إمَّا مالية، أو بدنية، أو ما يرجع إلى القلب.

ولو تأمّلت هذه الأمورالثلاثة لوجدت أنَّ ذلك يرتبط بها كل الارتباط، والإنفاق هنا يرجع إلى القضايا المالية، فإذا كان مع الإقتار فكيف يكون حاله حينما يكون غنيًّا؟ هل يكون شحيحًا بالزكاة –بإخراجها-؟! لا يمكن، هذا يبذل مع الإقتار.

وأكثر الذين يسألون عن الزكاة في شهر شعبان ورمضان -وهو الوقت الذي يُسأل فيه عادةً عن الزكاة- هم الذين زكواتهم سبعمئة ريال، وثلاثمئة ريال، وخمسمئة ريال، وألف ريال، وألف ومئتي ريال، ونحو ذلك، هذا الذي يشغل مَن يظنون أنَّه يُجيبهم عن أسئلتهم.

وهذه امرأة تسأل عن الذهب الذي تلبسه: عليها سبعمئة ريال، أو خمسمئة ريال، وهذا عنده قليلٌ من المال يسأل عن زكاته، سبعمئة ريال، وبقي من العام الماضي مئة وخمسون ريالًا، وأسئلة من هذا، لكن أصحاب المليارات حينما يحسب قدر الزكاة يجد أنَّه كثيرٌ، فنفسه قد تضعف، إلا مَن رحم الله .

فأقول -أيّها الأحبّة-: هي هذه النَّفس، فإذا كان الإنسانُ يبذل مع القلّة، فلا تسأل عن حالهفي أداء حقوق الله وحقوق الخلق والبذل والإنفاق تطوعًا إذا كان غنيًّا، يعني: أنَّ ذلك يكون من باب أولى، وهذا يتضمن ثقته بربِّه،والإيمان بالله ، وباليوم الآخر، وبالثواب والعقاب، والقضاء والقدر، كلّ ذلك يُنبئ عنه هذا الصَّنيع، والأعمال البدنية مع الله -تبارك وتعالى-، وما يتّصل أيضًا بالقلوب من تعظيمٍ لأمر الله ، والإنصاف، وكلّ ذلك يتفرع عنه أعمال بدنية -كما لا يخفى-: الشَّفقة على الناس، والإحسان إليهم، وبذل السلام والمال، فهذا كلّه يرجع إلى مكارم الأخلاق في البذل والسَّخاء والكرم والتواضع، هذا الذي يحصل به التَّآلف والمحبّة بين الناس.

وقد ذكر النووي -رحمه الله- أنَّ قوله ﷺ: السلام على مَن عرفتَ، ومَن لم تعرف، وإفشاء السلام، كلّ ذلك يُوافق قوله: "بذل السلام للعالم"، وذكر لطيفةً فيه، وهي: أنَّ هذه الأمور تتضمن رفع التَّقاطع والتَّهاجر والشَّحناء، وفساد ذات البين التي هي الحالقة، فإذا كان العبدُ يُسلّم على الناس حصلت المحبّة، ومن ثم فهو يترفع عن هوى النفس، فلا يخصّ السلام بقومٍ دون قومٍ؛ فيكون الوفاقُ والمحبّة شائعة وذائعة بين المسلمين[13].

والإمام أحمد -رحمه الله- سُئِل عن مسائل دقيقةٍ في هذا الباب، وهي التَّطفيف في الكلام، والإنصاف من النفس، وبذل العلم بالشَّفاعات، فكان يقول عن بعضهم -وسمَّاه-: كان يفعل في الحديث ما لا يحلّ له. يعني: في الشَّفاعات، يقول: نحن نتضور على الباب. يعني: طلاب الحديث يقفون على الباب طويلًا، وهذا المحدِّث في الدَّاخل إنما يدخل عليه الدَّاخل ليسمع منه بالشَّفاعات[14]، يعني: يحتاج إلى شفاعةٍ وواسطةٍ حتى يُحدِّث غيره.

وجاء عن الإمام أحمد أنه قال: كان لا يُنصفهم بحديثٍ. يعني: هذا الذي يذكره -رحمه الله-، فقيل: كيف كان لا يُنصف؟ قال: كان يحدّث بالشَّفاعات. فقيل له: فإن كان رجلٌ له إخوان يخصّهم بالحديث، لا ترى ذلك؟ قال: ما أحسن الإنصاف[15].

يعني: لا تخصّ بالعلم قومًا دون آخرين، مع أنَّ هذا لا إشكالَ فيه؛ فقد يكون أولئك لا يفهمون، ولا يُنزلون الكلام تنزيلًا صحيحًا، فهنا يُخصّ بالعلم بعضُ القوم.

فقال الإمامُ أحمد -رحمه الله-: ما أحسن الإنصاف. وقال: ما أرى أنَّ أهل الحديث يسلمون من هذا. فقيل له: وإن كان رجلٌ يُقرئ رجلًا مئتي آية، ويُقرئ آخر مئة آيةٍ، ما تقول فيه؟ فقال: ينبغي أن يُنصف بين الناس. فقيل له: إنَّ هذا يأخذ عليه مئتي آية؛ لأنَّه يرجو أن يكون عاملًا به، أمَّا الآخر أقلّ؛ لأنَّه لا يبلغ مبلغ الأول، ما ترى فيه؟ قال: ما أحسن الإنصاف في كل شيءٍ[16].

وقد قيل: ثلاثٌ من حقائق الإيمان: الاقتصاد في الإنفاق، والابتداء بالسَّلام، والإنصاف من نفسك[17].

وقد قال مالكُ بن دينار -رحمه الله-: أقلّ شيءٍ في الناس الإنصاف[18].وصدق.

وجاء عن جعفر بن سعد: ما أقلّ الإنصاف! وما أكثر الخلاف!وانظروا إلى هذه العبارة، يقول: والخلاف مُوكل بكل شيءٍ، حسبنا الله ونعم الوكيل. يقول: الخلاف مُوكل في كل شيءٍ، حتى القذاة في رأس الكوز، فإذا أردتَ أن تشرب الماء حارت إلى فيك، وإذا أردتَ أن تصبّ عن رأس الكوز لتخرج رجعت[19]. يعني: هذا الإناء فيه قذاة.

يعني: يقول: المخالفة موجودة، تتسلّط عليك فيكل شيءٍ، ولن تكون عادمًا لمن يُخالفك من الناس، يقول: حتى يبلغ الأمرُ إلى أتفه الأمور في الماء تكون فيه القذاة، فإذا أردتَ أن تشرب جاءت إلى فيك القذاة، وإذا أردتَ أن تصبّ من هذا الكوز؛ من أجل أن تُخرج هذه القذاة،رجعت إلى آخره، لا تخرج، فإذا أردتَ أن تشرب لا ترجع هي إلى آخره، وإنما تأتي إلى فيك، فتتعب معها، وتُعاني عند الشُّرب.

فهو يقول هنا: ما أكثر الخلاف! والخلاف مُوكل بكل شيءٍ، حتى القذاة في رأس الكوز، فإذا أردتَ أن تشرب الماء حارت إلى فيك، وإذا أردتَ أن تصبّ عن رأس الكوز لتخرج رجعت، والله المستعان.

أمَّا في هذا الوقت، وفي هذه الوسائل، فحدِّث ولا حرج، وقد تكلَّمتُ على هذا طويلًا في مجالس بلغت ثلاثة عشر مجلسًا في الكلام على الخلاف، والتَّعامل معه.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هُداةً مُهتدين.

والله أعلم، وصلَّى الله على نبينامحمدٍ، وآله، وصحبه.

 

 

  1. "صحيح البخاري": كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام، (1/15).
  2. "سير أعلام النبلاء" ط. الرسالة (10/679).
  3. أخرجه مسلم: كتاب السلام، باب النَّهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يردّ عليهم، برقم (2167).
  4. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب إطعام الطَّعام من الإسلام، برقم (12)، ومسلم:كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام، وأيّ أموره أفضل، برقم (39).
  5. أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أنَّه لا يدخل الجنةَ إلا المؤمنون، وأنَّ محبّة المؤمنين من الإيمان، وأنَّ إفشاء السلام سبب لحصولها، برقم (54).
  6. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب مَن جلس في المسجد ينتظر الصلاةَ، وفضل المساجد، برقم (660)، ومسلم:كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصَّدقة، برقم (1031).
  7. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ما جاء: إنَّ الأعمال بالنية والحسبة، ولكلِّ امرئٍ ما نوى، برقم (56)، ومسلم:كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم (1628).
  8. أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أنَّ اسم الصَّدقة يقع على كل نوعٍ من المعروف، برقم (1006).
  9. أخرجه الطَّبراني في "المعجم الأوسط"، برقم (6835)، و"الصغير"، برقم (940)، و"الكبير"، برقم (282)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (1428).
  10. أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الإحسان إلى البنات، برقم (2630).
  11. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، برقم (3467)،ومسلم:كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها،برقم (2245).
  12. "زاد المعاد في هدي خير العباد" (2/375).
  13. "شرح النووي على مسلم" (2/36).
  14. "الآداب الشرعية والمنح المرعية" (2/106)، و"سير أعلام النبلاء" ط. الرسالة (9/111).
  15. "الآداب الشرعية والمنح المرعية" (2/106).
  16. "الآداب الشرعية والمنح المرعية" (2/106).
  17. "بهجة المجالس وأنس المجالس" (ص97).
  18. "الآداب الشرعية والمنح المرعية" (ص97).
  19. "الآداب الشرعية والمنح المرعية" (ص97).

مواد ذات صلة