السبت 14 / ربيع الأوّل / 1442 - 31 / أكتوبر 2020
(297) ما يقول المسلم إذا مدح المسلم
تاريخ النشر: ٢٠ / ربيع الآخر / ١٤٣٦
التحميل: 1681
مرات الإستماع: 1461

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

هذا باب "ما يقول المسلمُ إذا مدح المسلم"، وذكر فيه حديث عبد الرحمن ابن أبي بكرة، عن أبيه -رضي الله تعالى عنه- قال: مدح رجلٌ رجلًا عند النبي ﷺ، فقال: ويحك! قطعتَ عنقَ صاحبك، قطعتَ عنقَ صاحبك مرارًا، إذا كان أحدُكم مادحًا صاحبَه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أُزكي على الله أحدًا، أحسبه -إن كان يعلم ذاك- كذا وكذا. رواه البخاري ومسلم[1].

قوله: "مدح رجلٌ رجلًا عند النبي "، هذا ما يُعرف بالمبهمات، حيث أُبهم اسمُ المادح والممدوح في هذه الرِّواية.

وقد ذكر الحافظُابن حجر -رحمه الله- أنَّ المقول فيه هو عبدالله ذو البجادين، أثنى عليه رجلٌ خيرًا، كأنَّه بالغ في مدحه، وهذا المادح هو محجن بن الأدرع الأسلمي؛ وذلك أنَّه دخل مع النبي المسجدَ يده بيد النبي ، فرأى النبي رجلًا يُصلي، فقال: مَن هذا؟ فقال محجن بن الأدرع: هذا فلان. وهو عبدالله ذو البجادين، وأثنى عليه[2].

فقال النبي : ويحك!وهذه كلمة تُقال للتَّوجع والرحمة للمقول فيه، بخلاف كلمة: (ويل) فإنها للعذاب والوعيد، مع أنَّ بعضَ أهل العلم يقولون: قد تأتي إحدى الكلمتين مكان الأخرى. وبعضهم يقول: هما بمعنًى واحدٍ. وهذا لا يخلو من بُعْدٍ، ولكنه قد يُقال: ويلك، ولا يُقصد به العذاب ولا الوعيد، يقولون: ويحك! لمن وقع في هلكةٍ، يتوجعون لوقوعه فيها: ويحك! ما الذي أوقعك في هذا؟! وقد يُقال مُرادًا به المدح والتَّعجب منه: ويح فلان! لأمرٍ قد صدر عنه مما يُحْمَد عليه من الكمالات.

قطعتَ عنقَ صاحبك قطع العنق يكون بالقتل، لكن هنا المقصود به: آذيتَه في دينه، وفي نيَّته وقصده وإخلاصه، بسبب هذا الذي قلتَه.

وظاهره أنَّ الرجل لم يسمع؛ لأنَّه دخل مع النبي ﷺ وذاك يُصلي، فأثنى عليه وأطراه باعتبار أنَّ ذلك لو علم به، أو نُقِل إليه، فإنَّ ذلك يضرّه، ويحصل له العجب، وهو داءٌ يُفسِد الأعمال ويُبطلها، فيحصل له الهلاك، كما جاء مُصرَّحًا به في روايةٍ أخرى عن محجن بن الأدرع الذي أثنى على ذي البجادين، يقول: أخذ رسولُ الله بيدي فدخل المسجد، فإذا رجلٌ يُصلي، فقال لي: مَن هذا؟ فأثنيتُ عليه خيرًا، فقال: اسكت، لا تُسمعه فتُهلكه[3].

إذًا إذا كان ذلك لا يبلغ المقولَ فيه فلا إشكالَ، يتحدث الناسُ عن فلانٍ، وعن بلائه ونفعه وبذله لله، وفي سبيل الله، فهذا لا إشكالَ فيه، لكن إن كان ذلك يصل إليه، فينبغي أن يُحتاط لهذا على تفصيلٍ سيأتي -إن شاء الله-.

كيف إذا كان ذلك يُقال في وجهه مُباشرةً؟!

وهذا يكون على نوعين:

الأول: أن يُقال بحضرة الناس، يُخاطبون به، يُقال: فلان يعمل كذا، ويبذل كذا، وقد يُقال له بوجهه مُباشرةً: أنت الذي تفعل، وأنت الذي تقوم هذه المقامات، وأنت الذي تبذل هذا البذل، وأنت الذي بنيتَ المكان الفلاني، والمسجد الفلاني، وأنت الذي أنفقتَ الأموال الفلانية، وأنت الذي...، فهذا لا شكَّ أنه في غاية الخطورة.

أمَّا بحضرة الناس فالنفس تطلب ذلك، فيحصل لها من الانبساط والاسترواح والفرح ما قد يُفسد على الإنسان قلبَه، ولا يستطيع أن يستدرك، وأن يُصحح.

والعبد دائمًا بحاجةٍ إلى مراجعةٍ دائمةٍ لهذا القلب، فكيف إذا جاء مثل هذا الريح العاصف؟! والإنسان وهو لا يُطّلع عليه، الإنسان يحتاج إلى مجاهدةٍ كبيرةٍجدًّا وهو في بيته، فكيف إذا جاءته مثل هذه العواصف، وما تحمله في طيَّاتها مما قد يُؤثر تأثيرًا بليغًا؛ فيقتلع هذا القلب من أصله، ثم بعد ذلك لا يُبالي الله به في أي وادٍ هلك؟!

وقد يقول ذلك له مباشرةً، يلقاه ويتحدّث معه بمثل هذا، فهذا أشدّ من أن يُقال في غيبته لمن يبلغ ذلك له، هذا يُفسد القلب.

فلاحظ كيف حافظ الشارعُ على سلامة القلب، وصحة النّية والقصد؟ كيف بمَن يتزين في المجالس أمام مَن يُعجبه أن يقولوا فيه قولًا حسنًا؟! ثم بعد ذلك يذهب ليسأل: ماذا قال حينما جلس معنا في هذا المجلس؟ ماذا قال عني؟ وماذا قال عن مُناقشاتي؟ وماذا قال عن إيراداتي؟ وماذا قال عن الحوار الذي كان معنا؟ فهذا لا شكَّ أنَّه يدلّ على ضعفٍ، وتسلل هذه المقاصد الفاسدة.

اسكت، لا تُسمعه فتُهلكه هذا قول المعصوم -عليه الصَّلاة والسَّلام-، وعبَّر عن ذلك بقطع العنق، الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك، لكن هذا هلاكٌ في الدِّين، وذاك هلاكٌ في الدنيا، فضرب العنق تنقطع به الحياة، وأمَّا هذا فيحصل به الهلاك الحقيقي الذي قد يخسر به آخرته.

ثم وجَّه النبيُّ ﷺ في مثل هذا المقام، فالناس قد يحتاجون إلى شيءٍ من الثَّناء والمدح؛ لحاجةٍ شرعيةٍ أو دنيويةٍ، قال: إذا كان أحدُكم مادحًا لا محالةَ يعني: لا بدَّ له من هذا لحاجةٍ مُعتبرةٍ: كالاستشارة، أو التزكية؛ كإنسانٍ يحتاج إلى تزكيةٍ، فلا بدَّ أن يذكر بأوصافٍ هي فيه، من: العلم، والعبادة، وحُسن الخلق، ونحو ذلك مما يظهر للناس، ففي هذه الحال فليقل: أحسب كذا يعني: أقول أنا بحسب الظَّاهر: أحسب كذا وكذا، والله حسيبه يحتمل أن يكون: والله حسيبه أي: كافيه، فالحسب هو الكافي.

ويحتمل المعنى الآخر -وكأنَّه الأقرب-: أنَّ الله هو الذي سيتولى عبدَه وسيُحاسبه ويُجازيه على عمله: إن كان صالحًا، أو سيئًا، الذي يعلم حقيقةَ الحال هو الله.

وهذا كما يقول بعضُ الناس في لهجتهم الدَّارجة حينما يذكر أحدًا: "الله ربنا وربّه"، يعني: يقول: نحن نتكلَّم بحسب الظَّاهر، وربنا وربّه الله. يعني: أمره إلى الله، لكن نتكلّم عمَّا نُشاهد، وأمَّا البواطن فإلى الله -تبارك وتعالى-، فهو الذي يعلم سرَّه، وهو الذي يُجازيه؛ ولهذا لا يقول الإنسانُ: أتيقّن أنَّ فلانًا كذا. وبعض أهل العلم استثناه في الأمور الظَّاهرة، لكن في الأمور الخفيَّة يقول: أتحقق أنَّ فلانًا تقيّ، أو أتحقق أنَّ فلانًا من أهل الدَّرجات العالية في العبودية، وأنَّه من أولياء الله.

وأحيانًا يندفع الإنسانُ ويشتطّ، فيذكر أوصافًا يُجازف حينما يصف الآخرين بها، ولكن من طبيعة الإنسان أنَّه إذا أحبَّ أو أعجب صار لسانُه يعمل من غير إرادةٍ في ذكر هذا الذي شاهده وأُعجب به، إن كان من الذَّوات والأشخاص والناس، فيذكره في المجالس بمناسبةٍ وبغير مناسبةٍ، وإن كان من غيره: كأن رأى قصرًا أعجبه، فيبدأ يلهج به،أو رأى ضيعةً ومزرعةً، فيبدأ يلهج بما رأى فيها من المحاسن والزروع والثِّمار، ونحو ذلك مما يستهويه ويُعجبه، فهذه طبيعةٌ في الإنسان، ولو أنه تفكّر وعقل لرأى أنَّ ذلك غير نافعه، وأنَّ الترك قد يكون أكمل وأفضل.

وهنا يقول الإنسانُ: أحسبه، والله حسيبه، ولا أُزكِّي على الله أحدًا، لا أقطعُ في عاقبة أحدٍ، ولا عن باطنه فيما بينه وبين الله ، فهذا مُغيَّبٌ عنا، ولكن أظنّه لوجود ما رأيتُه في ظاهر هذا الإنسان وعمله الذي شاهدتُه.

ولاحظ هنا قال: أحسبه، والله حسيبه، ولا أُزكِّي على الله أحدًا بصيغة الخبر، وهو مُضمن معنى النَّهي، يعني: لا تُزكّوا على الله أحدًا، كما يقول بعضُ أهل العلم؛ لأنَّه أعلم بعباده وبواطنهم وخفاياهم ونيّاتهم؛ ولهذا في قوله -تبارك وتعالى- مُنكِرًا على أولئك الذين يُزكّون أنفسَهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ[النساء:49] هذا يحتمل معنيين:

المعنى المتبادر، الظَّاهر: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْأنه يُثني على نفسه ويُزكّيها.

المعنى الثاني: أي: يُزكّون الآخرين: فلان شهيد، وفلان تقي، وفلان ورع، وفلان من الأبرار، وفلان من أولياء الله، كما قال أصحابُ النبي ﷺ عن رجلٍ كان يخدمه، فأصابه سهمٌ فقتله، فلمَّا ذكروه بالشَّهادة وغبطوه على ذلك؛ أخبرهم النبيُّ ﷺ: بل، والذي نفسي بيده، إنَّ الشَّملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تُصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا[4].

وكذلك ما جاء عنسهل بن سعدٍ السَّاعدي أنه قال: نظر النبيُّ إلى رجلٍ يُقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غناءً عنهم، فقال: مَن أحبَّ أن ينظر إلى رجلٍ من أهل النار فلينظر إلى هذا، فتبعه رجلٌ، فلم يزل على ذلك حتى جُرح، فاستعجل الموت، فقال بذُبابة سيفه؛ فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبيُّ : إنَّ العبدَ ليعمل فيما يرى الناس عملَ أهل الجنة، وإنَّه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عملَ أهل النار، وهو من أهل الجنَّة، وإنما الأعمال بخواتيمها[5]، يعني: ليس في سبيل الله، فأمور البواطن إلى الله .

وهنا: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْيحتمل أنه يُزكِّي بعضُهم بعضًا؛ لأنَّ النفوس المشتركة في أمرٍ بمنزلة النفس الواحدة: كالمشتركة في الإيمان، وفي الانتساب إلى الإسلام، كما قال الله فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ[البقرة:54] لبني إسرائيل في توبتهم المشهورة لما عبدوا العجلَ، يعني: ليقتل بعضُكم بعضًا، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى-: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ[البقرة:188]، لا يأكل بعضُكم مالَ أخيه.

وقال في الإفك: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا[النور:12]، يحتمل معنيين: أنَّه يرجع إلى نفسه ويقول: هل يصدر مني هذا؟! كما وقع من أبي أيوب الأنصاري مع امرأته، حيث قال: لو كنتِ مكان عائشة تفعلين هذا؟ قالت: حاشا، وكلا. قال: وأنا لو كنتُ مكان صفوان لم أفعل، والله إنَّ صفوانَ خيرٌ مني، وإنَّ عائشةَ خيرٌ منكِ. فيرجع إلى إخوانه.

والمعنى الثاني: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًايعني: بإخوانهم، يظنّ به الظنَّ الحسن.

وقل مثل ذلك في أمثلةٍ كثيرةٍ، كما في قوله -تبارك وتعالى-: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ[المجادلة:8] تحتمل معنيين:

المعنى الأول: يقول الواحدُ مُحدِّثًا نفسه.

والمعنى الثاني: يقولون فيما بينهم: هلا يُعذّبنا الله بما نقول. يعني: حينما نقول له: "السَّام عليك"، وهم اليهود، حينما يُلقون هذه التَّحية على النبي ﷺ، يقولون: لو كان نبيًّا لعذَّبنا الله بمثل هذا القول والدّعاء عليه بالموت.

فهنا تزكية: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يحتمل أن يكون يُزكِّي الآخرين، وأنه منهيٌّ عن هذا. ويحتمل أنه يُزكِّي نفسَه، ولا يبعُد أنَّ الآيةَ تُحْمَل على المعنيين.

وقد قال النووي -رحمه الله- في شرحه لهذا الحديث: "ذكر مسلمٌ في هذا الباب الأحاديث الواردة في النَّهي عن المدح، وقد جاءت أحاديث كثيرة في "الصحيحين" بالمدح في الوجه، قال العُلماء: وطريق الجمع بينها: أنَّ النهي محمولٌ على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على مَن يخاف عليه فتنة: من إعجابٍ، ونحوه، إذا سمع المدح، وأمَّا مَن لا يخاف عليه ذلك؛ لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة: كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدَّوام عليه، أو الاقتداء به، كان مُستحبًّا"[6].

يعني: بهذين القيدين:

الأول: ألا يكون المدحُ فيه مُبالغة.

الأمر الثاني: أن يكون المحلُّ صالحًا للمدح؛ بحيث إنَّه لا يتزعزع، ولا يتأثر؛ لأنَّ من الناس مَن إذا مُدح أخذه ما قرب وما بَعُد، وتأثّر به تأثيرًا بيِّنًا، ولربما يُردد هذه العبارات التي قِيلت فيه، ويحفظها، وينقلها للآخرين، ويقول: إنَّ فلانًا قال فيَّ يوم كذا: كذا وكذا! فمثل هذا يُخشى عليه، فلا يُقال له ذلك في وجهه، ولا عند مَن يبلغه ذلك، لكن إذا اقتضت المصلحةُ هذا فلا بأس.

فهذا القول هو من أعدل الأقوال -والله تعالى أعلم-، وفيه الجمع بين النصوص، فالاعتدال في ذلك أن يتكلم الإنسانُ بالقدر الذي يحتاج إليه لمصلحةٍ تقتضي ذلك، ولا يتكلم من غير مصلحةٍ، وإنما لحاجةٍ مُعتبرةٍ، ولمصلحةٍ تقتضي هذا: كأن يكون هذا الإنسانُ قد ظُلِم، أو تجاهله الناس، وهو صاحب حقٍّ، أو أولى بعملٍ، أو ولايةٍ، أو نحو ذلك، أو أولى بأن يُحفظ له حقّه ومكانته ومنزلته بين أهل الإيمان، فصار الناسُ يقعون في عِرضه، ويتكلَّمون فيه، ويرمونه بالأوصاف القبيحة ظلمًا وعُدوانًا، فهنا يمكن أن يُقال: فلان كذا وكذا وكذا، ويُثنى عليه، ويُذْكَر بما هو أهله من غير مبالغةٍ، هذا لا إشكالَ فيه.

كذلك يُقال في وجهه تعزيزًا له، فيُقال: أنت الذي تبذل، وأنت الذي تعمل، وأنت الذي تُقدّم، وأنت الذي تُنفق، فأبشر.

وقد يُقال له هذا في لحظات الاحتضار؛ لرفع الرجاء عنده، كما جاء ذلك عن ابن عباسٍ-رضي الله عنهما- لما قال لعائشةَ -رضي الله عنها-: "يا أم المؤمنين، تقدمين على فرط صدقٍ؛ على رسول الله ﷺ، وعلى أبي بكر"[7].

وكذلك لما حضرت عمرو بن العاص الوفاةُ بكى، فقال له ابنُه عبدالله: لم تَبْكِ؟ أجزعًا على الموت؟ فقال: لا والله، ولكن مما بعد الموت. فقال له: قد كنتَ على خيرٍ، فجعل يُذكِّره صُحبة رسول الله، وفتوحه الشَّام"[8]، فكان بحالٍ من الضيق، ونحو ذلك، فيُستحبّ في مثل هذا المقام أن يُذكّر الإنسانُ بأعماله الطَّيبة، ويُرجَّى بما عند الله -تبارك وتعالى-.

وكذلك أيضًا في غير لحظات الاحتضار تعزيزًا له، ودفعًا له لمزيدٍ من البذل والإنفاق، ونحو ذلك، فيُقال له: هذه الجهود التي تبذلها، وهذا العمل الذي تبذله، وهذه النَّفقات التي تبذلها، يحصل بها خيرٌ كثيرٌ، وينتفع بها خلائقُ لا يُحصيهم إلا الله، وهذه الحلقات حُفظ فيها القرآنُ كذا وكذا وكذا، ورأيت من الناس مَن تخرَّجوا منها، وهم يأمّون المساجد، وهم يُعلِّمون الناسَ القرآن، وفي الحِلَق، ونحو ذلك. فيُقال له تنشيطًا؛ ليقوى عزمُه، لا إفسادًا لقلبه، فهذا لا إشكالَ فيه.

وقد يُقال هذا بحضرته، ويُوجّه هذا الخطاب للناس؛ ليعرفوا هذا الذي قد جهلوه؛ ولينتفعوا به وبما عنده من العلم، أو البذل، أو الإحسان، أو القدرات في جانبٍ من الجوانب: كالعمل الإداري، أو العمل الخيري، أو الإغاثي، أو الخبرات، أو نحو ذلك، فيُقال: فلانٌ له جهودٌ، وله خبرات، وأقام جمعيات، وأقام كذا، وأنشأ كذا، وفعل كذا، وفعل كذا؛ لينتفع هؤلاء، ويتفطَّنوا له، وهكذا لمصالح شرعيَّة.

أمَّا أن يتكلم الإنسانُ بلا هدفٍ، فهذا لا يليق بالعُقلاء، ويكون هذا الكلامُ بالقدر الذي يحتاج إليه، فالإنسان أحيانًا قد يبذل كثيرًا، وقد يبذل في الدَّعوة إلى الله ، وقد يتعب، فيحتاج إلى تعزيزٍ، ويحتاج إلى تثبيتٍ، فقد يُثنى عليه بوجهه لهذه الحاجة.

فالنَّهي إذًا يكون محمولًا على المبالغة، أو مدح الإنسان بما ليس فيه؛ فيحصل له الإعجاب، أو يتشبَّع بما لم يُعْطَ، أو يتوهّم أنه في تلك المنزلة، فهذا يقطع ظهره، ويُفسِد عليه قلبَه، ويُورثه الكِبر، أو العُجب، أو الآفات الأخرى، والمقاصد الفاسدة، فيكون ذلك سببًا لحبوط الأعمال، وربما التَّقاصر والقعود عن الفضائل والكمالات، فيشعر أنه قد بلغ المراتب العالية، فهو ليس بحاجةٍ إلى الزيادة، ويكفيه ما حصل من ذلك.

وقد تأوّل أهلُ العلم قولَه ﷺ: إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التراب[9]، فقد حمله بعضُ أهل العلم على مَن يمدح بالباطل؛ تزلُّفًا، وتملُّقًا، ونحو ذلك؛ ولهذا قال عمرُ-رضي الله تعالى عنه-: "المدحُ هو الذَّبح"[10]؛ لأنَّه يفتك.

لكن النبيَّ مُدِحَ شعرًا ونثرًا؛ في شعر حسَّان وغيره، ومدحه الخطباءُ بحضرته -عليه الصَّلاة والسلام-، وهو أهلٌ لذلك، ولم يُنكر عليهم -عليه الصَّلاة والسَّلام-، ولم يحثو في وجوههم الترابوهم يمدحونه.

وأبو طالب يقول فيه تلك القصيدة الجميلة التي ذكرها أصحابُ السيرة: كابن هشام، وذكرها ابنُ كثيرٍ في تاريخه: "البداية والنِّهاية"، وفيها:

وأبيضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بوجهه ثمال الْيَتَامَى عصمة لِلْأَرَامِلِ[11]

فهذا من المدح، وكذلك أيضًا كعب بن زُهير، وغير هؤلاء كثير، والنبي ﷺ مدح الأنصار، ومدح الأشعريين، وأثنى على أقوامٍ، وعلى بعض أهل البلاد، وأثنى على أشج عبد القيس، وقال: إنَّ فيك خصلتين يُحبّهما الله: الحلم، والأناة[12]، ولما سأله أخبره أنَّ الله قد جبله على هذه الأوصاف، فكان ذلك زيادةً في اليقين والثَّبات، والعمل الصالح، والازدياد من هذه الفضائل، لا كمثل ذاك الذي يُفسده المدح، ويذهب قلبه هنا وهناك.

فالإطراء حتى لو كان للنبي ﷺ إذا كانت فيه مُبالغة لا يجوز، والنبي قال: لا تُطروني كما أطرت النَّصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبدُالله ورسوله[13].

ماذا قالوا عن عيسى -عليه السلام-؟

ابْنُ اللَّهِ[التوبة:30]، وثَالِثُ ثَلَاثَةٍ[المائدة:73]، فهذا الغلو لا يجوز.

ولما قالت الجاريةُ: "وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد"، قال النبي ﷺ: لا تقولي هكذا، وقولي ما كنتِ تقولين[14]، فنهاهنَّ النبيُّ عن هذا، وأمرهنَّ أن يعدن إلى ما كنَّ قد قُلنه من قبل، لكن قد ذكر النبيُّ ﷺ في حقِّه: أنا سيدُ ولد آدم، ولا فخر، وأنا أول مَن تنشقّ الأرضُ عنه يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أول شافعٍ، وأول مُشفَّعٍ، ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة، ولا فخر[15].

فقد يمدح الإنسانُ نفسَه إذا كان ذلك بحقٍّ؛ لحاجةٍ، فالنبي ﷺ يُبيّن منزلته عند الله، وعند أهل الإيمان.

وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما تكلَّموا فيه، وكفَّروه، وضلّلوه، وحبسوه، ورموه بالقبائح، في النِّهاية ماذا قال لهم؟ ذكَّرهم بمقاماته، ومواقفه في قتاله للتتار، ومواقفه مع قازان وغير قازان، وأنَّه هو الذي حجز الناسَ عن الفرار، وهو الذي دعا الأمراءَ والتُّجار للثَّبات، وأصدر الفتاوى المشهورة فيمَن جمز إلى مُعسكر التتار، فكانت مقاماته مشهودةً، وحصل النَّصر المبين لأهل الإيمان، فكان يُذكّرهم يقول: مَن الذي وقف؟ ومَن الذي فعل؟ لأنَّه احتاج إلى مثل هذا.

والنبي ﷺ قال للأنصار: ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم اللهُ بي، وكنتم مُتفرقين فألَّفكم اللهُ بي، وعالةً فأغناكم اللهُ بي؟[16]، إلى آخر ما قال.

ثم أمرهم أن يُجيبوه، فلمَّا قالوا:"لله المنُّ والفضل"، قال: والله لو شئتُم لقلتُم فصدقتُم وصدقتم: جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمَّنَّاك، ومخذولًا فنصرناك[17]، إلى آخر ما قال -عليه الصَّلاة والسلام-.

فالمقصود أنَّ المبالغة ليست محمودةً، ولا جائزة، وكذلك أيضًا إذا كان ذلك فيمَن يتضرر من هذا القول؛ فإنَّه لا يجوز، أو كان الحكمُ على البواطن: فلانٌ من أولياء الله، وفلانٌ من الأبرار، ومن الأتقياء. فلا حاجةَ لمثل هذا، وإنما يقول: أحسبه على خيرٍ، والله حسيبه، ولا أُزكِّي على الله أحدًا[18]؛ ولهذا قال الله  في الآية التي أشرتُ إليها آنفًا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ[النساء:49]، وقال: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى[النجم:32]، "لا تُزكّوا أنفسَكم" يحتمل أيضًا أن يكون المقصودُ: لا يُزكِّي بعضُكم بعضًا، وكذلك لا يُزكِّي الإنسانُ نفسَه. وقد ذكر ابنُعطية -رحمه الله- الاحتمالين في الآية[19].

فهذا الحديث على كل حالٍ يدلّ على المنع من المبالغة في المدح والثَّناء والإطراء، والكذب في ذلك؛ بأن يمدح الإنسان بما ليس فيه، وأيضًا من باب أولى إذا كان ذلك يتضرر به الممدوح، فكلّ هذا يُمنع.

وكذلك أولئك الذين اتَّخذوا مدحَ الناس عادةً لهم، شعرًا، أو نثرًا، كلَّما دخل يمدح ويُثني ويُطري، كما قال الخطَّابي: "المدَّاحون هم الذين اتَّخذوا مدحَ الناس عادةً، وجعلوه بضاعةً، يستأكلون به الممدوح، ويفتنونه، فأمَّا مَن مدح الرجلَ على الفعل الحسن، والأمر المحمود؛ يكون منه ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمدَّاحٍ، وإن كان قد صار مادحًا بما تكلم به من جميل القول فيه"[20].

فهذا الحديث يدلّ على جواز المدح بشروطٍ ثلاثة: الصّدق، وبلا مُبالغةٍ، وألا يخشى على الممدوح أن يغترّ بذلك.

والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه.

 

 

  1. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب إذا زكَّى رجلٌ رجلًا كفاه، برقم (2662)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب النَّهي عن المدح إذا كان فيه إفراطٌ وخِيفَ منه فتنةٌ على الممدوح، برقم (3000).
  2. "فتح الباري" لابن حجر (10/476).
  3. أخرجه أحمد في "المسند" ط. الرسالة، برقم (18976)، وقال مُحققو "المسند": "إسناده ضعيفٌ"، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (10/477).
  4. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (4234)، ومسلم:كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول، وأنَّه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم (115).
  5. أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم، وما يخاف منها، برقم (6493).
  6. "شرح النووي على مسلم" (18/126).
  7. أخرجه البخاري: كتاب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، باب فضل عائشة -رضي الله عنها-، برقم (3771).
  8. "حياة الصحابة" (4/69).
  9. أخرجه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب النَّهي عن المدح إذا كان فيه إفراطٌ وخِيف منه فتنةٌ على الممدوح، برقم (5323).
  10. "فتح الباري" لابن حجر (10/477).
  11. "البداية والنهاية" ط. إحياء التراث (3/72)، و"سيرة ابن هشام" ط. دار الجيل (2/111).
  12. أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وشرائع الدين، والدعاء إليه، والسؤال عنه، وحفظه، وتبليغه مَن لم يبلغه، برقم (24).
  13. أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} [مريم:16]، برقم (3189).
  14. أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا، برقم (3700).
  15. أخرجه ابن ماجه: كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، برقم (4298)، وصححه الألباني.
  16. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، برقم (4330)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر مَن قوي إيمانه، برقم (1061).
  17. "البداية والنهاية" ط. إحياء التراث (4/411).
  18. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب إذا زكَّى رجلٌ رجلًا كفاه، برقم (2468)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب النَّهي عن المدح إذا كان فيه إفراطٌ، وخِيف منه فتنةٌ على الممدوح، برقم (5319).
  19. "تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" (5/205).
  20. "معالم السنن" (4/111).

مواد ذات صلة