الثلاثاء 08 / ربيع الآخر / 1442 - 24 / نوفمبر 2020
(298) ما يقول المسلم إذا زكي
تاريخ النشر: ٢١ / ربيع الآخر / ١٤٣٦
التحميل: 1583
مرات الإستماع: 1519

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: فهذا باب "ما يقول المسلمُ إذا زُكِّي"، يعني: إذا مُدِحَ، وذَكَرَ فيه المؤلفُ أثرًا واحدًا، وهو ما جاء عن عَدِي بن أرطأة قال: "كان الرجلُ من أصحاب النبي ﷺ إذا زُكِّي قال: اللهم لا تُؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرًا مما يظنون".

هذا الأثر أخرجه الإمامُ البخاري في "الأدب المفرد"[1]، وزيادة:"واجعلني خيرًا مما يظنون" عند البيهقي في "شعب الإيمان"[2]، وقد صحح الشيخُ ناصر الدين الألباني-رحمه الله- إسنادَ هذا الأثر[3].

هذا عن أصحاب النبي ﷺ، كانوا يقولون ذلك،ويحتمل أنهم تلقّوه من رسول الله ، حيث علَّمهم كيف يقولون؟ ويحتمل أن يكون ذلك مما تلقَّاه بعضُهم عن بعضٍ.

"اللهم لا تُؤاخذني بما يقولون" هذه هي الجملة الأولى، إذا زُكِّي، وإذا ذُكر بالأوصاف الكاملة والمدح والثَّناء، فإنَّه يقول: "اللهم لا تُؤاخذني بما يقولون"، يعني: لا تُعاقبني بما يقولون من ثناءٍ ووصفٍ بالكمال، ونحو ذلك، وربما لا أكون كما قالوا: إمَّا من حيث أصل الوصف، أو ألا أكون قد بلغتُ مبلغه، يعني: قد لا تكون هذه الصِّفة أصلًا موجودةً، حيث مُدِح بشيءٍ ليس فيه، وقد يُمدح بشيءٍ هو فيه، لكنَّه لا يصل إلى هذا الذي قالوه.

وقد يُحاسَب الإنسانُ على مثل هذا إذا سكنت نفسُه إليه، واطمأنت، وارتاضت به، وسُرَّ بهذا الثناء والمدح على أوصافٍ لم يتحقق بها؛ ولذلك في قوله -تبارك وتعالى-: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ[آل عمران:188] يعني: بمنجاةٍ من العذاب،فهذه الآية نزلت كما يقول ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في اليهود: "سألهم النبيُّ عن شيءٍ، فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقدأروه أن قد أخبروه ما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه"[4]، فقال اللهُ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ.

وبعض المفسرين يقولون: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا يعني: من القبائح، فحينما يُغرر بالمسلمين، أو يُلبِّس عليهم، أو يكتم الحقَّ، ويفرح على الثَّناء والحمد، حينما يُحمد على أوصافٍ ليست فيه من البرِّ والتَّقوى، ونحو ذلك، وهو بمنأى عن هذه الصِّفات، فيقول: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ، وإذا كان هذا مما قيل في حقِّ اليهود، فلا يمكن أن يُقال: بأنَّ ذلك لا يُقال في حقِّ هذه الأمة ممن وُجدت فيه مثل هذه الأوصاف؛ لأنَّه كما قال القُرطبي -رحمه الله-: على قدر المقام يكون الملام، فإذا قيل: ذلك الوعيدُ في اليهود، فإنَّ العبرةَ بعموم اللَّفظ والمعنى، لا بخصوص السَّبب، مع أنَّه ليس بصريحٍ في أنَّه سبب النزول أصلًا، لكن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- فسَّرها بهذا؛ لما بعث مروان بن الحكم -حينما كان أميرًا على المدينة-بوَّابه رافع إلى ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- يسأله عن هذه الآية: إن كان المرءُ مُعذَّبًا إذا كان يُحبّ أن يُحْمَد على ما لم يفعل لنُعذَّبنَّ أجمعين! فقال ابنُ عباسٍ-رضي الله تعالى عنهما-: "ما لكم ولهذه الآية؟!"، وذكر أنَّها نزلت في اليهود حينما سألهم النبيُّﷺ[5]،وهي حتى لو نزلت في اليهود، فإنَّ العبرةَ بعموم اللَّفظ والمعنى، لا بخصوص السَّبب.

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ الاسم الموصول من ألفاظ العموم، فهذه صيغة عمومٍ: يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْايعني: من الأفعال، فُسّر بالأفعال القبيحة، يفرح بهذا، مثل: كتمان الحقّ، وتلبيس الحقّ بالباطل، والتَّغرير بأهل الإيمان، ونحو ذلك.

وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ، يُحبّ أن يُثنى عليه بأمورٍ ليست فيه، وهو يعلم أنَّها ليست فيه، فهذا مُتوعّدٌ، أو يفرح بالقبائح التي يفعلها، والمكر السيئ، ثم إذا مُدِحَ بأوصافٍ ليست فيه: أنَّه يفعل الخير، وأنَّه يُؤثره على غيره، ونحو ذلك؛ فرح بهذه الأوصاف، ورضي عن هذا المادح، فهذا مُتوعّدٌ بالعقوبة: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ يعني: بمنجاةٍ من العذاب.

هذا المعنى الذي فَسّر به جمعٌ من أهل العلم هذه الآية، فهي ليست مختصَّةً باليهود، هذه أوصاف قبيحة إذا ذُمّ اليهود، وتوعدهم الله عليها، فهذه الأُمّة أكمل من بني إسرائيل، وكتاب هذه الأمّة أعظم، ونبي هذه الأمّة أكمل وأشرف -عليه الصَّلاة والسلام-.

فإذا كان الوعيدُ يلحق هؤلاء وهم دونهم في الشَّرف والمنزلة والمكانة، فإنَّ الوعيد الذي يلحق مَن هم فوقهم بالشَّرف والمنزلة أعظم، وهكذا، وهي قاعدة مُطردة في الشَّرع.

وانظر إلى ما جاء في قوله -تبارك وتعالى-: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ[النساء:25] يعني: الإماء إذا وقعن في الفاحشة، والعبد مُلحقٌ بها قياسًا، لماذا كانت على النِّصف؟

لأنها دون الحرّة في الشَّرف، فلدون مرتبتها في الشَّرف كانت العقوبةُ عليها أقلّ.

وانظروا: حينما تعلو مرتبةُ الإنسان في الشَّرف يكون الفعلُ منه أقبح؛ ولذلك جاء في الحديث: ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يُزكِّيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّابٌ، وعائلٌ مُستكبر[6].

مَلِكٌ كذَّابٌ: لأنَّ مرتبته تأبى ذلك، ثم هو لا يخاف من أحدٍ من الناس يُحاسبه، فليس بحاجةٍ إلى الكذب؛ لأنَّ الكذبَ ضعفٌ، والذي يكذب يكون جبانًا، بخلاف الصِّدق، فإنَّ مادة الصدق والصّدقة في لغة العرب ترجع إلى معنى القوة، ونحو ذلك، فهي قوة وثبات، فالصَّادق ثابتٌ وقويٌّ، والكذَّاب ضعيفٌ، جبانٌ.

فهنا "لا تُؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون" لأنَّ هؤلاء يتكلَّمون بحسب الظَّاهر، "اغفر لي ما لا يعلمون" مما ارتكبتُه من الذنوب والآثام، وهكذا يكون المؤمنُ دائمًا.

وابن مسعودٍ-رضي الله تعالى عنه- وهو عالمٌ من علماء الصَّحابة حينما تبعه تلامذتُه، ونحو ذلك، نهاهم عن هذا، وقال: "لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي ما تبعني منكم رجلان"[7]، يقول هذا تواضعًا، يعني: ما أُغلق عليه بابي من القبائح والأفعال المنفرة، فلو تعلمون حالي حقيقةً، ما تبعني منكم رجلان.

فإذا كان ابنُ مسعودٍ  يقول مثل هذا الكلام، فماذا يقول غيره؟!

فهكذا ينبغي أن يُقال للمادحين: لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي لما مدحني منكم أحدٌ، مثلًا، لكن قول الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم- أكمل؛ لأنَّ فيه سؤال المغفرة والتَّجاوز: "اللهم لا تُؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرًا مما يظنون"، هذا دعاءٌ، فهذه الجُمل الثلاث لا شكَّ أنها أكمل من قول المرء لهؤلاء: لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي.

وابن مسعودٍ ما قالها للذين مدحوه، وإنما قالها للذين تبعوه، فمثل هذا في هذا المقام مُناسبٌ لفعلهم، لكن حينما يُمدح الإنسانُ فالأكمل أن يقولمثل هذا.

وهذه الجمل الثلاث لا عيبَ فيها، ولا مُؤاخذة، ولا نقيصةَ، ولا يُتوهم منها معنًى باطل، يعني: حينما يقول الإنسانُ: "اللهم لا تُؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرًا مما يظنون"، لا إشكالَ ولا غضاضةَ في هذا، ويكون الإنسانُ قد تنصل من مدحهم، وخرج من تبعته.

لكن لو أنَّه قال لهم حين يمدحونه ويُثنون عليه: لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي ما مدحني منكم أحدٌ، لربما يقولها عند بعض مَن لا يعقل؛ فيتكلمون بكلامٍ قبيحٍ، ووُجِدَ هذا؛ أحيانًا بعض طلبة العلم يذهب إلى بعض الأماكن في البادية والهجر، ونحو ذلك، فيُعجبون بكلامه وتذكيره وموعظته؛ فيُثنون عليه ويُطرونه، ويُؤمّلون منه أن يعود ثانيةً وثالثةً إلى هذا الموضع فيعظهم، فيقول لهم حينما يمدحونه: لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي. فيقولون عبارات لا يصلح أن أُوردها هنا، معناه: أنهم يتعجبون أنَّه فاسدٌ، ويتكلمون بكلامٍ وعبارات يُبينون فيها عن فهمٍ لهم: أنَّه قد انطوت نفسُه على قبحٍ وفسادٍ وشرٍّ، وأفعالٍ قبيحةٍ، فيقولون له عبارات تدلّ على الإبعاد، والتَّبري منه، ومن حاله وفعله، فيقولون: كأننا قد اغتررنا بك! فيُعبرون بعبارات معينةٍ لا يحسن ذكرها هنا.

فمثل هؤلاء لا يُخاطبون بمثل هذا، هو يقوله تواضعًا، وهم يظنون أنَّ نفسه قد انطوت على فسادٍ، وأفعالٍ شنيعةٍ، قبيحةٍ، يفعلها في السر، فيزهدون في علمه ووعظه وتذكيره، وهذا بسبب مُخاطبة الناس بما لا يعقلون، وهذا غلطٌ، يُحدِّث الناسَ على قدر عقولهم.

فيقول: "اللهم لا تُؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون"، هناك أشياء لا يعلمونها، والناس يتكلّمون بحسب الظاهر، ويقول مع ذلك: "اجعلني خيرًا مما يظنون"، يسأل ربَّه الرفعةَ والفضلَ، والله فضله عميمٌ، وعطاياه لا تُحصى، ولا تنقضي، ولا تُعدّ.

المؤمن -أيّها الأحبّة- حينما يمدحه الناس، ويُثنون عليه، ويعجبون به، ينبغي أن يكون بحالٍ من الاتِّزان والثَّبات، فلا يغترّ بمدح المادحين، والمرء أعلم بحاله ونفسه، والله يقول: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ[القيامة:14]، فهو أعلم بما تنطوي عليه نفسُه بأفعاله القبيحة، وهل هو كذلك كما قالوا، أو دون ما قالوا؟

وكثيرٌ من الناس قد يغترّ، ولا أضرّ على طالب العلم من أن يوجد حوله تلاميذ صغار، لربما يستكثرون القليل، ويُعظّمون الصَّغير، تكبر في عينهم الأمور الصَّغيرة، وهم ربما لم يُخالطوا العلماء، فيظنون أنَّ هذا من بحور العلم حينما رأوه حفظ حديثًا بالإسناد، أو نحو ذلك، فيُعطونه من الأوصاف، ويجعلونه -بعد أن سمعوا هذا الحديث بالإسناد-يحفظ الكتب السّتة بالأسانيد، مع ترجمة رجال كل إسنادٍ، هذه عبارات سمعناها تُقال عن أناسٍ ليسوا كذلك، ولا يزعمون لأنفسهم مثل هذا إطلاقًا، وحينما سُئلوا أبانوا عن حالهم، وقالوا: نحن لا نحفظ ذلك إطلاقًا. لكن يوجد من الناس مَن هو مُبالغٌ في المدح والثناء، فإذا أحبَّ أحدًا أعطاه من الأوصاف ما لا يستحقّ، سواء كان ذلك في العلم، أو في العبادة، أو في الورع، أو في الأخلاق، أو في البذل والكرم، ونحو ذلك، يُعطيه أوصافًا ليست له، وهو في الواقع يُسيئ إليه؛ حيث يصفه بما ليس فيه.

وقد تكون هذه الأوصاف أصلًا مُبالغات، وقد يكون في بعضها من العيب، أو ما لا يصلح لمثله، يعني: قضايا دقيقة جدًّا من الورع لا تصلح لمثل هذا، فيزدريه الناس، يقولون: ما بلغ في الورع هذه المنزلة حتى يتورع ويتنزّه من هذه الدَّقائق التي تُقال عنه.

وهذه الأمور التي قد تُقال عن الإنسان ربما يُفاجأ بها، وهو لا يعلمها من نفسه، وقد لا يعلمها ممن حوله، هو لا يعلم من نفسه أنه يفعل هذا إطلاقًا، أو أنه يتورع من كذا، ولكن يوجد من هؤلاء الذين يُبالغون في الثَّناء والمدح والإطراء، ثق تمامًا أنه لا يُفرَح بمدحهم، وسرعان ما ينقلبون إلى الناحية المقابلة تمامًا، فإذا سخطوا وكرهوا أحدًا يشنؤونه، ويرمونه بما ليس فيه، ويكذبون عليه.

فهؤلاء لا يُفرح بمدحهم بحالٍ من الأحوال، لكن قد يكون المرءُ بحالٍ من الغرور والكبر والعُجب، مع إفلاسٍ في الكمالات، فإذا قيل فيه مثل ذلك اغترَّ وفرح به؛ لأنَّه يبحث عن مثل هذا، وهذا خطأ، ولا يليق بالعاقل بحالٍ من الأحوال.

وإذا عُرف هذا من حال الإنسان أنه يريد المدح، ويُحبّ المدح؛ أسرع الناسُ إليه في ذلك، وجعلوه قربانًا بين يدي حاجاتهم، ومطالبهم، وحديثهم، ومُخاطباتهم، ومُكاتباتهم؛ لأنهم يعرفون أنَّه يريد المدح، فإذا كان يقوم على عملٍ، أو له ولاية، أو يُقيم مشروعًا، أو نحو ذلك، مُباشرةً بمجرد ما يُعطى هذا اللَّاقط لأحد الذين حضروا في هذا المشروع، أو هذا البرنامج، أو هذا العمل، يبدأ المدح والثَّناء؛ لأنهم عرفوا أنَّ هذا هو المطلوب، وإذا أُعطي الواحدُ منهم القلم بدأ يكتب هذا المدح والثناء، حتى يكون ذلك ثقافةً في المجتمع، ولا شكَّ أنها ثقافة ملقٍ ونفاقٍ وعِلَّةٍ ومرضٍ، وليست ظاهرةً سليمةً صحيحةً، وإنما الإنسان يتكلّم بحقٍّ، وبإنصافٍ، وبعدلٍ، ويذكر الناس بما يتَّصفون به، ولكل مقامٍ مقال، أمَّا أن يتحول إلى مدَّاحٍ يُطري الناس بما ليس فيهم، فهذا لا يجوز، وكان ذلك يُعدّ من قبيل النِّفاق في زمن النبي ﷺ.

والإنسان الذي يُثْنَى عليه ينبغي أن يحترز من هذا كثيرًا؛ لأنَّ ذلك قد يُورثه آفات من الكِبر والغرور والعُجب، وكذلك قد يُورثه الفتور؛ فيظنّ أنه قد بلغ المراتب العالية بالعلم، أو في العمل والإيمان ونحو ذلك، وإنما ينظر المرء إلى حاله، ويُفتّش عن نقائصه وعيوبه، ولا يغترّ بالناس؛ لأنهم لا يعلمون حقيقةَ حاله، فالإنسان أعلم وأدرى بنفسه ودواخله وأعماله، فهكذا يكون.

وهكذا ينبغي أن يكون المؤمنُ دائمًا؛ لا تغترّ بمدح الناس، ولا تلتفت إليه، ولا تعبأ به، وإنما الذي مدحه ينفع هو الله -تبارك وتعالى-، فما الفائدة أنَّ الناس يُثنون على أحدٍ ويُطرونه ويمدحونه، والله يمقته؟ ويزيد هذا المقت بقدر ما يحصل له من المدح، ولربما أوقع هذا الإنسان في أمورٍ من الرياء والسُّمعة، ونحو ذلك.

وشيخ الإسلام -رحمه الله- كثيرًا ما أتأمل كلامه حينما كان يقول إذا أُثني عليه في وجهه: "والله إني إلى الآن أُجدد إسلامي كل وقتٍ، وما أسلمتُ بعد إسلامًا جيدًا"[8]، كنتُ أظنّ أنَّ هذه العبارة يقولها تواضعًا، فتأملتُ هذه طويلًا وكثيرًا، ثم أدركتُ بعد ذلك أنها حقيقة، وليست تواضعًا، وأنَّ الإنسان بحاجةٍ إلى أن يُكمل إسلامه كل يوم؛ لأنَّ عنده من النَّقص والعيوب ما الله به عليم، فلا يلتفت إلى كلام الناس.

وسفيان بن عُيينة -رحمه الله- كان يقول: "ليس يضرّ المدحُ مَن عرف نفسَه"[9]، لكن مَن الذي يطلب المدحَ؟ هو مَن خفَّ عقلُه، وخفَّ علمُه، وخفَّ إيمانُه، فهذا الذي يبلغ به المدحُ مبالغ الهلكة، ويُصدِّق هذا المادح.

أُثني على رجلٍ من الصالحين، فقال: "اللهم إنَّ هؤلاء لا يعرفوني، وأنت تعرفني".

وعليٌّ لما أُثني عليه قال: "اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تُؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون"[10]، هذا مثالٌ لقول أصحاب النبي ﷺ لمن مدحهم.

وأثنى رجلٌ على عمر  فقال: "تُهلكني، وتُهلك نفسك"[11].

وابن عمر  جاءه رجلٌ، وقال: أنت سيدنا وابن سيدنا. قال:"لستُ بسيدكم، ولا ابن سيدكم، فإنَّكم لا تزالون بالرجل حتى يهلك"، فكانوا يحذرون، ويتفطنون.

وأثنى رجلٌ أيضًا على عليٍّ  في وجهه، وكان قد بلغه أنَّه يقع فيه هذا الرجل، فقال: "أنا دون ما قلتَ، وفوق ما في نفسك"[12]، وكان يعلم أنَّ الرجل يذمّه ويكرهه ويُعاديه، فقال: "أنا دون ما قلتَ، وفوق ما في نفسك"، يعني: من الاحتقار والبُغض والوصف بالنَّقائص، لكن الجاهل يغترّ بمثل هذه المدائح، والله المستعان.

وهكذا كان أصحابُ النبي ﷺ بهذه المثابة من الاتِّزان والثَّبات والاعتراف بالتقصير، والحاجة إلى المراجعة، وما إلى ذلك، وهم أصحاب النبي ﷺ، وهم مَن قد علمتم في كمال المنزلة.

والله المستعان، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

 

 

  1. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، برقم (761)، وصححه الألباني.
  2. أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"، برقم (4533).
  3. "صحيح الأدب المفرد" (ص284).
  4. "تفسير ابن أبي حاتم" (3/839-840).
  5. "تفسير ابن أبي حاتم" (3/839-840).
  6. أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمنّ بالعطية، وتنفيق السّلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يُكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، برقم (107).
  7. "مختصر منهاج القاصدين" (ص209).
  8. "المستدرك على مجموع الفتاوى" (1/143).
  9. "الصمت" لابن أبي الدنيا (ص274).
  10. "موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين" (ص203).
  11. "الصمت" لابن أبي الدنيا (ص275).
  12. "الصمت" لابن أبي الدنيا (ص275).

مواد ذات صلة