الثلاثاء 14 / ذو الحجة / 1441 - 04 / أغسطس 2020
[7] من قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} الآية:83 إلى قوله تعالى: {تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} الآية:87
تاريخ النشر: ٠٩ / ذو القعدة / ١٤٢٧
التحميل: 3497
مرات الإستماع: 5964

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [سورة الواقعة:77] أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ [سورة الواقعة:78] أي: معظّم في كتاب معظم محفوظ موقر.

قال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن حكيم -هو ابن جبير- عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة:79] قال: الكتاب الذي في السماء.

وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس -رضي الله عنهما: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني: الملائكة، وكذا قال أنس ، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَيْر، والضحاك، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال: وهي في قراءة ابن مسعود: مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ.

وقال أبو العالية: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ليس أنتم أصحاب الذنوب.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول الله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ثم ذكر المفسر طائفة من أقوال السلف -رضي الله تعالى عنهم- في المراد بهذا الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون، فوصف هذا الكتاب بهذين الوصفين أنه مكنون ولا يمسه إلا المطهرون.

واختلف المفسرون في المراد بالكتاب المكنون اختلافًا كثيرًا مشهورًا، هل المراد به المصحف الذي في أيدي الملائكة؟ أو المراد به اللوح المحفوظ باعتبار أنه مكنون مغيب عن أنظار الناس وأعينهم؟ فإن هذا القرآن الذي بين أيدينا قد لا يصدق عليه هذا الوصف باعتبار أنه مكنون، بل نقرؤه، ونحفظه، وإنما أنزل لذلك؛ من أجل أن يُعمل به ويتدبر ويُتفهم مراد الله قال:  فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ

ومعلوم أن القرآن له تنزلات، الله أنزل القرآن في اللوح المحفوظ كما قال الله : فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ [سورة البروج:22]، وأنزله أيضًا في بيت العزة في سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، كما قال الله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [سورة القدر:1].

وإن كان من السلف من قال: إن المراد ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، فإن هذا لا يعارض ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بأنه نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [سورة البقرة:185]، ومثل هذا صح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ولا يقال من جهة الرأي فهذا من الأمور الغيبية فله حكم الرفع، فهذا تنزل آخر للقرآن.

التنزل الثالث أنه في صحف بأيدي الملائكة كما في سورة عبس: فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ۝ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ۝ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ۝ كِرَامٍ بَرَرَةٍ [سورة عبس:13-16]، فهذا التنزل الثالث.

والتنزل الرابع على النبي ﷺ ينزل به جبريل من الله مباشرة إلى رسول الله ﷺ هذه أربعة تنزلات للقرآن.

ووصف الله الكتاب بأنه مكنون فقال: فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ولهذا قال طائفة كثيرة من أهل العلم: إن المراد به الذي في السماء، منهم من يقول: في اللوح المحفوظ، ومنهم من يقول: الذي بأيدي الملائكة لكن ليس الذي في أيدينا، ونقل عن ابن عباس قال: "الكتاب الذي في السماء".

ومن أهل العلم من يعبر بعبارة أخص من هذه فيقول: الذي بأيدي الملائكة، كما قال به طائفة من السلف، وهو اختيار الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: الذي بأيدي الملائكة، واحتج له ابن القيم من وجوه كثيرة، في بعض المواضع من عشرة أوجه، وفي بعضها من سبعة أوجه، ومن أوضحها أن الله وصفه بأنه مكنون، وكذلك هذا القرآن قال الله : لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، ولم يقل: "المتطهرون"، فالمطهرون طهرهم الله وهؤلاء هم الملائكة، وذكر وجوهًا أخرى.

والله يقول: فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۝ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ۝ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ، يقول: لو كان المقصود المتطهرون من الأحداث من الحدث يعني الوضوء أو من الحدث الأكبر بالغسل، يقول: هل هذا وصف مؤثر بالنسبة للمخاطبين الذين أراد الله أن يبن لهم عظمة هذا القرآن؟

ويقول: إن تفسير ذلك بأن المراد به الملائكة أولى وأوقع في النفس، وأقرب إلى المطلوب من أن يوصف بأنه لا يمسه إلا المتوضئ مثلًا، أو المتطهر طهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر، وأيضًا لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ هذا الوصف، قال بعده: تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ فهذه الأوصاف جميعًا أقرب إلى الذي بأيدي الملائكة من الذي بأيدينا؛ لأن الذي بأيدينا يمسه كما ورد في هذه الآثار يمسه المنافق، وقد يمسه غير المتوضئ، ويمسه لربما الكافر، فهنا قال: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، قال ابن عباس: "الكتاب الذي في السماء"، وفي قراءة أخرى متواترة أي قراءة نافع وأبي عمرو، في رواية عنهما بإسكان الطاء وفتح الهاء المُطْهَرون، والمعنى في ذلك واحد -والله أعلم.

والمُطَهّرون يحتمل أن يكون المراد به من طهره الله ، وهم الملائكة وهذا الذي عليه كثير من السلف فمن بعدهم، ولهذا قال هنا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "هم الملائكة"، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ۝ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ۝ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ وهم الملائكة سفراء بين الله وخلقه، جمع سافر؛ لأنهم يُسفرون عن رسالات الله .

وقيل للسفر: سفر؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الناس أخلاق الرجال فهؤلاء سفرة تقول: (فلان سفير) فالسفرة جمع سافر، فهذا من أشهر الأقوال في تفسير الآية: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني الملائكة.

وبعضهم يقول: لَّا يَمَسُّهُ بمعنى لا ينزل به، فإذا قلنا: الملائكة فيكون هذا من تفسير اللفظ بلازمه، وإلا فإن المس ليس معناه النزول، لكن لما كانت الملائكة هي التي تنزل به -وهم سفراء بِأَيْدِي سَفَرَةٍ أي الرسل من الملائكة- جاز ذلك.

وبعضهم قال: لَّا يَمَسُّهُ يعني المس، فسره على ظاهره المس باليد، قالوا: أي لا يقرؤه إلا المطهرون، فهذا قال: لا يمسه بالأيدي إلا المطهرون إلا من تطهر، وبعضهم فسره بالقراءة قال: لا يقرؤه وهذا بعيد؛ لأن القراءة لا يقال لها: مس، ومنهم من فسره بمعنى معنوي قال: لا ينتفع به ولا يفتح معانيه، ولا يفهم كتاب الله إلا المطهرون؛ لأن الله وصف هذا الكتاب بأنه كتاب كريم، وكتاب عزيز، فلا تدخل معانيه في القلوب التي قد اشتملت على مساوئ الأوصاف من التعلق بغير الله ، وما شابه ذلك من الباطل، فإن ذلك لا يصلح أن يكون محلًا لمعاني القرآن، قد ذكرنا لكم من قبل كلام أهل العلم كلام شيخ الإسلام، ومن قبله قول النبي ﷺ وقد ذكره أبو حامد الغزالي، يقول النبي ﷺ: إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة[1]، قال: فكذلك القلوب إذا كانت تحمل أخلاق الكلاب، فإن الملائكة لا تدخلها بالمعاني الطيبة.

وهذا مثال على التفسير الإشاري للحديث، التفسير الإشاري اللطيف الذي يمكن أن يقبل للحديث.

فالخلاصة في لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من أهل العلم من فسر "المس" بالمس الحسي فقال: الملائكة وهذا هو الأقرب، ومنهم من فسره بالملائكة أو قال: الناس. 

ومنهم من فسره بأمر معنوي فقال: لا يمسه أي لا يفهم معانيه، ويدرك تفسيره إلا القلوب المطهرة من الشرك، والأوضار، والدنس، وكلما كان القلب أطهر كلما كان ذلك أدعى لانفتاح المعاني، فهذا فسره بمعنى معنوي، وليس ذلك معنى المس، فالأقرب أن يقال: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ المس على ظاهره، لا تمسه الأيدي، لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة، فإنه قال: فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۝ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وفِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ۝ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ۝ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ومن تطهيرها أن الأيدي الدنسة لا تمسه، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.

والذين قالوا: إن المراد بـ "المطهرين" الناس الذين تطهروا طهارة من الأحداث، اختلفوا في هذا، أو الذين قالوا: إنهم الناس، ومنهم من قال: يعني المؤمنين، فإن القرآن لا يمسه المشرك، ومنهم من قال: المراد بذلك الطهارة الحسية من الحدث الأكبر والأصغر، والنبي ﷺ يقول: لا يمس القرآن إلا طاهر[2]، قالوا: هؤلاء هم المطهرون، وهذا أخص معانيه، قالوا: المراد به من كان طاهرًا، ويعد هذا أخص معانيه؛ لأن الكافر من باب أولى، إذا كان المسلم غير المتوضئ لا يمس القرآن فمن باب أولى الكافر، هذه الخلاصة.

والراجح -والله تعالى أعلم- هو أن المراد بـ "المطهرين" الملائكة، وأن الكتاب المكنون هو الذي في السماء، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من قال: إن القرآن لا يمسه إلا من كان متطهرًا من الأحداث نقول: ليس المراد بـ "الكتاب المكنون" هو هذا الذي بأيدينا، لكن يمكن أن يفهم من هذه الآية أنها تشير إلى هذا المعنى الذي ذكره بعض أهل العلم أنه لا يمسه إلا طاهر من الكفر، وطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، لكن ذلك ليس بصريح، فهو من باب الإشارة، الإشارة التي عند أرباب السلوك وليست التي عند الأصوليين، وهي ليست من أنواع الدلالات التي تسلط على النص، ويستنبط منها الأحكام، وإنما هي لفتات يستأنس بها فقط إذا كانت صحيحة بشروط.

ووجه ذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: إذا كان الذي في السماء لا يمسه إلا المطهرون فإن هذا يشير إلى أن الذي في الأرض ينبغي أن يكون كذلك؛ لأن الذي في السماء نزل على محمد ﷺ أنزله جبريل، تلقاه من الله، فإذًا ينبغي أن يطهر فلا يمسه كافر، يدل لذلك قول النبي ﷺ: لا يمس القرآن إلا طاهر هذا جاء في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم فهو كتاب، وقال الإمام أحمد -رحمه الله: أعلم أن رسول الله ﷺ قاله، فهو لا شك أن رسول الله ﷺ كتبه.

وذكر ابن عبد البر -رحمه الله- أن هذا الكتاب لا يحتاج إلى إسناد صحيح، وإنما يكفي استفاضته بين العلماء، وتلقيهم له، وشهرته، قال: فإن ذلك يغني عن الملف، السند، وجاء عن ابن عمر في هذا، وعن عثمان بن أبي العاص ، وجاء من حديث معاذ، وإن كانت هذه الأحاديث لا تخلو من ضعف إلا أنها تنجبل بمجموعها، ويبقى معنى هذا الحديث لا يمس القرآن إلا طاهر، هذا كتبه الرسول ﷺ لأهل اليمن، اليمن فيها كفار من أهل الكتاب، وفيها مجوس وفيها مسلمون حينما بعث النبي ﷺ بذلك.

فمن أهل العلم من قال: المراد به لا يمس القرآن إلا طاهر، أي إلا مسلم فالكافر نجس؛ لأن الله قال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [سورة التوبة:28]، ومنهم من قال بمعنى أخص وهو أنه لا يمسه إلا من كان طاهرًا من الحدث الأكبر والأصغر، و الكلام في المس ليس في القراءة.

والحديث اعتبره بعض أهل العلم من قبيل المجمل يعني أنه يحتمل معانيَ متعددة، والمجمل لا تسقط حجيته، وإنما يترجح لبعض أهل العلم معنى من معانيه فيقول به، لكن حينما يقولون: إن الاحتمال كساه ثوب الإجمال فسقط به الاستدلال، غاية ما يقال في هذا -إن قُبل: إنه في مقام المناظرة في مقام الاحتجاج على المخالف فيقول: لا تحتج عليّ بهذا، هذا محتمل لقولي وقولك فسقط به الاستدلال بهذا الاعتبار.

لكن أنا يترجح لي معنى منه وتقول سقط به الاستدلال هذا ليس صحيحًا، وهذا تعطيل للنصوص، فكثير من النصوص محتملة، والحديث تبقى فيه هذه الاحتمالات، ولكن نأخذ مما ورد عن بعض الصحابة كسعد بن أبي وقاص وجماعة مما صح عنهم أنهم كانوا يرون التطهر لمس القرآن، فإذا كان كذلك فنقف مع هذه النصوص، ونقول: لا يجوز للإنسان أن يمس القرآن إلا أن يكون متطهرًا، وليس ذلك مأخوذًا من الآية، فالآية في الكتاب الذي في السماء، ولكن من قول النبي ﷺ: لا يمس القرآن إلا طاهر، وورد هذا عن بعض الصحابة، ولا أعلم لذلك مخالفًا تصح عنه الرواية بأنه يجوز مس القرآن من غير طهارة عن الصحابة، وقول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف فإنه حجة، هذا في المس.

أما مسألة القراءة فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه يجوز للإنسان أن يقرأه جنبًا يجوز الحائض أن تقرأه، ومن عليه حدث أصغر، والبخاري -رحمه الله- قال: باب: أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن على كل أحيانه كما في حديث عائشة -رضي الله عنها، وهذا ظاهره أن البخاري -رحمه الله- كان يرى هذا، وبه قال طائفة من أهل العلم، والأحاديث التي وردت في أن لا يقرأ القرآن الحائض ولا الجنب إلى آخره لا يصح منها شيء، وهي مضطربة في المتن، ضعيفة في الإسناد -والله أعلم، فهذه خلاصه للكلام في المعاني المذكورة في قوله: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.

ولابن القيم -رحمه الله- كلام جيد في هذه القضية يصلح مثالًا على التفسير الإشاري لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فيقول -رحمه الله تعالى: "وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر"[3].

كلام شيخ الإسلام هذا من قبيل التفسير بالإشارة، مثال على التفسير الإشاري الصحيح، والتفسير الإشاري القليل منه يصح، وأكثره باطل وهذا مثال على الصحيح، وقال ابن القيم -رحمه الله: "ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة"[4]، هذا من باب أن الشيء بالشيء يذكر، وهذه طريقة أهل السلوك، فهذا كلام حسن جيد، إشارتُها وإماؤها ليس المقصود دلالة الإشارة عند الأصوليين، وهي دلالة صحيحة استنبطوا بها الأحكام. 

ثم قال -رحمه الله: "وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه، وأن يفهمه كما ينبغي، قال البخاري في صحيحه في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به، وهذا أيضا من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم به حقا وأنزله على رسوله وحيا، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه، فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج، ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيًا وليس مخلوقا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج، ومن قال: إن له باطنا يخالف ظاهره وإن له تأويلا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج...، إلى أن قال: "وأنت إذا تأملت قوله: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمُشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق"[5].

وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا: " وأنت إذا تأملت قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وجدتَ الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي ﷺ، وأن هذا القرآن جاء من عند الله، وأن الذي جاء به روح مطهر، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل، ووجدتَ الآية أخت قوله: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ۝ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [سورة الشعراء:210، 211]، ووجدتَها دالة بأحسن الدلالة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، ووجدتَها دالة أيضا بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلا من آمن به وعمل به كما فهمه البخاري من الآية فقال في صحيحه في باب قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا [سورة آل عمران:93]: "لا يمسه" لا يجد طعمه ولا نفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [سورة الجمعة:5]، وتجد تحته أيضا أنه لا ينال معانيه، ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة، وأن القلوب النجسة ممنوعة من فهمه مصروفة عنه، فتأمل هذا النسب القريب، وعقْد هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية، واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسن وجه وأبينه فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي -رضي الله عنه"[6].

يعني لما سأله أبو جحيفة هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ قال: "لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله رجلًا في كتابه، أو ما في هذه الصحيفة، هذا من الفهم الذي يؤتيه الله رجلًا في كتابه[7].

وقوله: قال: وهي في قراءة ابن مسعود ما يمسه إلا المطهرون، وقال أبو العالية: لَّا يَمَسُّهُ، ويمكن أن تكون نافية مخبرة إذا قلنا: إن المراد الذي بأيدي الملائكة فهذا خبر فتكون "لا" نافية، وإذا قلنا: إنه الذي في الصحف التي عندنا فتكون مضمنة معنى النهي لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ مضمنة معنى النهي، والله تعالى أعلم، يقول هنا قال أبو العالية: ليس أنتم أصحاب الذنوب، يعني: الملائكة، وهذا هو اختيار ابن جرير-رحمه الله، ومطهرون أي من الذنوب.

وقال ابن زيد: زَعَمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال: وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ۝ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [سورة الشعراء:210-212].

وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله.

يعني: الملائكة لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [سورة عبس:15] مطهرون من الذنوب هذا كله يرجع إلى شيء واحد.

وقوله: تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي: هذا القرآن منزل من الله رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحر، أو كهانة، أو شِعر، بل هو الحق الذي لا مِرْية فيه، وليس وراءه حق نافع.

وقوله: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ [سورة الواقعة:81] قال العَوْفِيّ، عن ابن عباس: أي مكذبون غير مصدقين. وكذا قال الضحاك، وأبو حَزْرَة، والسُّدِّيّ.

وقال مجاهد: مُدْهِنُونَ أي: تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم.

أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ الإدهان فسر بالكذب وفسر بالنفاق، وفسر بالإعراض، وفسر بالمدارة التي يكون فيها التنازل عن الحق، أو عن بعضه، أو قول الباطل أو فعله، فإن الفرق بين المدارة وبين المداهنة معروف، فالمدارة هي التلطف بالقول والمصانعة دون أن يتنازل الإنسان عن الحق، أو يقول الباطل، وأما المداهنة فهي أن يفعل الباطل، ويتكلم بالباطل أو يترك الحق طلبًا لإرضاء الخلق فهذه مداهنة.

"مدهنون" لو تأملت هذه المعاني المذكورة الآن هنا في هذه الآية: قول من قال الإعراض، ومن قال: التكذيب ومن قال: النفاق ومن قال التنازل عن بعض الحق أو نحو ذلك وجدتَ بينها ارتباطًا وهو أن هذا الإنسان المدهن الذي يكون قد أراد أن يصانع غيره وأن يداريه بالتنازل عن بعض الحق أو فعل الباطل يكون قد أظهر ما لا يبطن، ويكون معرضًا عن الحق، ويكون كذبًا أو تكذيبًا لهذا الذي بين يديه، وهكذا فهذه المعاني يمكن أن ترجع إلى معنى يمكن أن يكون متحدًا، لكن أصل هذه الكلمة من اللين والإدهان، من اللين فهي ملاينة، ومصانعة للكافرين تتنازلون فيها عن بعض الحق؛ طلبًا لرضاهم، أو تلتزمون لهم بشيء من الباطل؛ طلبًا لرضاهم، فهذا كيف يقع مع عظمة هذا القرآن الذي أنزل عليكم ووضوح براهين الحق، وطهارة هذا الكتاب حيث وصفه الله بهذه الأوصاف، فكيف يقع منكم مثل هذا؟!

أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ تتركون الجد والعمل والأخذ به بقوة يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [سورة مريم:12] وتصانعون وتمالئون هؤلاء الناس على حساب الحق الذي بأيديكم، هذا هو المعنى الظاهر المتبادر بهذه الآية، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله، أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ قال مجاهد: تريدون أن تمالئوهم فيه، وتركنوا إليهم، هذا معنى ما ذكرت، -والله تعالى أعلم.

قال ابن القيم -رحمه الله: "ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الإدهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون بما حقه أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة، ولا يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به، ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به، فهو روح الوجود وحياة العالم، ومدار السعادة، وقائد الفلاح وطريق النجاة، وسبيل الرشاد، ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه، ولم ينزل للمداهنة، وإنما أنزل بالحق وللحق، والمداهنة إنما تكون في باطل قوى لا يمكن إزالته، أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق، ويلتزم بعض الباطل، فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به؟!"[8].

وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال بعضهم: يعني: وتجعلون رزقكم بمعنى شكركم أنكم تكذبون، أي: تكذبون بدل الشكر.

وقد روي عن علي، وابن عباس أنهما قرآها: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" كما سيأتي.

يعني: من أهل العلم من فسر الرزق بالشكر قال: إنها لغة لبعض العرب، يقولون: لغة "أزد شنوءة"، الرزق بمعنى الشكر وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي: وتجعلون شكركم وقراءة عليَّ -رضي الله تعالى عنه- هذه ليست قراءة متواترة، ومعلوم أن القراءة الأحادية إن صح سندها فإنها تكون مفسرة للقراءة المتواترة، وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي: شكركم أنكم تكذبون.

ومن أهل العلم من قال: إن في الآية تقديرًا وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي: شكر رزقكم التكذيب، تجعلون شكر الرزق: الرزق المعروف يفسرونه بالمعنى الظاهر المتبادر، تجعلون شكر هذا الرزق التكذيب أنكم تكذبون، تجعلونه تكذيبًا، وهنا قال: أي تجعلون رزقكم.

ومن أهل العلم من يقول: إنه عبر بالسبب عن المسبب، يعني عبر بالرزق عن الشكر؛ لأن الرزق يتسبب عنه الشكر، الرزق ينبغي أن يكون سببًا لظهور أثر النعمة على المُنعَم عليه بلسانه فيلهج بذكره، وشكره والثناء عليه بجوارحه، يعني بمرضاته، وبقلبه استحضار النعمة:

أفادتكُمُ النعماءُ منّي ثلاثةً يدِي ولسانِي والضميرَ المُحجَّبا

يقول: نعمتكم علي أفادتكم ثلاثة أشياء مني: لساني صار يلهج بذكركم، وقلبي مستحضر لإنعامكم، وجوارحي تعمل لخدمتكم، فهذا الذي تفيضه وتورثه النعمة، يكون هناك شكر، لكن حينما يجعل الإنسان ذلك تكذيبًا وإعراضًا!!، فهذه ثلاثة أوجه في تفسيرها: فيه مقدر أي شكْرَ رزقكم، أو أنه عبر بالرزق أي بالسبب عن المسبب، أو أن ذلك لغة في الشكر، والله أعلم.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ما مُطِرَ قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرًا يقولون: مُطِرْنَا بنوء كذا وكذا، وقرأ ابن عباس -رضي الله عنهما: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون"[9].

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس.

يعني: هذه صورة من صور التكذيب والكفر، كفر النعمة بأن تضاف إلى غير الله ، لكن المعنى لا ينحصر في هذا، وإنما هذه إحدى الصور الداخلة تحته.

وقال مالك في الموطأ، عن صالح بن كيْسَان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجُهَني أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب[10]، أخرجاه في الصحيحين، وأبو داود، والنسائي، كلهم من حديث مالك، به.

وقال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئسما أخذ قوم لأنفسهم، لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب. فمعنى قول الحسن هذا: وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به؛ ولهذا قال قبله: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ۝ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.

يعني: هنا على قول الحسن اعتبر القرينة التي قبله أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ دالة على أن الرزق المراد به الوحي، رزق الأرواح وهو هذا الهدى الذي أنزله الله على رسوله ﷺ، تجعلون رزقكم أنكم تكذبون قابلتموه بالتكذيب والإعراض عنه، وهذا معنى تحتمله الآية، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- له كلام جيد في هذا جمع بين المعنيين قال: كل هذا رزق، رزق الأرواح، ورزق الأبدان، فقابلوا ذلك جميعًا بالتكذيب والإعراض، أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وقالوا: سحر وكهانة، وقول البشر، وأعرضوا عن شكر نعمة الله عليهم بإدرار الأرزاق وعبدوا غيره.

وهذا وجه من الوجوه الجيدة في الجمع بين المعاني، وكلام ابن القيم مثال على كيفيةالجمع بين المعاني التي يذكرها السلف، وهو كثير جدًا في كلام ابن القيم لكن هذا مثال جيد يدل على قدرة في التعامل مع الأقوال.

قال ابن القيم -رحمه الله: "ثم قال سبحانه: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه، وفاطره ومحبته والشوق إليه، والأنس بقربه"[11]، يعني الرزق مفرد مضاف إلى المعرفة "الكاف"، وهو للعموم فيشمل كل رزق، وهذا الهدى الذي أنزله الله هو رزق، فحمله على أهم معانيه.

وقال ابن القيم -رحمه الله: "والابتهاج بذكره، وكان لا حياة له إلا بذلك، كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب، أنعم سبحانه على عباده بهذين النوعين من الرزق، وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما، ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته، فمنهم من وفر حظه من الرزقين، ووسع عليه فيهما، ومنهم من قتر عليه في الرزقين، ومنهم من وسع عليه رزق البدن، وقتر عليه رزق القلب، وبالعكس، وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر، والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه، وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد، فإن الله تعالى تأذن أنه لابد أن يزيد الشكور من نعمه، ولابد أن يسلبها من لم يشكرها، فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبًا، فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة، فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر، فجعلوا رزقهم التكذيب، وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال: التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون، وقال آخرون: التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون، فحذف مضافين معا، وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى، ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى، والله أعلم"[12].

والظاهر أنه -والله أعلم- فيه تحريف، فهذا يصح أن يراد بالآية، وتدل عليه لكن المعنى أوسع منه.

فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ۝ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ۝ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ۝ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ۝ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [سورة الواقعة:83-87].

يقول تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ أي: الروح الْحُلْقُومَ أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار كما قال: كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ۝ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ۝ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ۝ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ۝ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [سورة القيامة:26-30].

هذا في الخلاصة، المرحلة النهائية من مراحل الإنسان التي ينتقل فيها بفترة وجيزة من الدنيا إلى الآخرة إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ هذه التراقي، هذه العظام يقال لها: التراقي، فبلغت هنا فيكون الجسد قد مات، جثة هامدة ما بقي إلا الروح تحشرج، لها صوت، فهذه أحلك اللحظات التي يمر بها الإنسان، فأهله حوله وينظرون إليه ولا يستطيعون تخليصه، يرونه يفارق بعد لحظات، نفسه تحشرج تخرج وهم لا يستطيعون تخليصه وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ۝ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ [سورة الواقعة:84، 85]، كما قال الله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [سورة ق:16].

ولهذا قال هاهنا: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي: إلى المحتضر وما يُكابده من سكرات الموت.

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي: بملائكتنا وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ أي: ولكن لا ترونهم، كما قال في الآية الأخرى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ۝ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [سورة الأنعام:61، 62].

وقوله: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا معناه: فهلا تَرجِعُون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول، ومقرها في الجسد إن كنتم غير مدينين.

من أهل العلم من فسر "المدينين" بالمجازين والمحاسبين، وهو معنى معروف صحيح لهذه اللفظة، تقول: كما تدين تدان، كما تعامل الناس يعاملونك، كما تُجازِي تُجازَى، ولهذا قيل له: "يوم الدين" أي يوم الجزاء والحساب.

فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ يعني إن كنتم غير مجازين ولا محاسبين كما تزعمون ما هناك بعث ولا حساب، ولا كذا فأرجعوها إن كنتم صادقين، فطالما أنكم لا تؤمنون بالجزاء فأرجعوا هذه الروح إلى الدنيا لتبقى فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ.

وكلمة مدين "دان" لها معنى آخر غير الجزاء، تقول: "دان له الناس" بمعنى انقادوا وذلت نفوسهم ذلوا له تقول: "هذا طريق مذلل" ليس معناه أنه محاسب ومجازي، وإنما مُعبّد ممهد، فـإِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، يعني: غير مقهورين مستذلين مستعبدين تحت ملك قاهر يتصرف فيكم كما يشاء فخلّصوا أنفسكم، خلصوا هذه إن كنتم غير مربوبين لله غير مقهورين تحت سلطانه وحكمه، وتصرفه التام فخلصوا صاحبكم هذا الذي نفسه تحشرج، فهذا معنى جيد، وقيل: من قال غير مجازين أو محاسبين هو معنى قريب وهو أحد معاني مدانين، وقال به كثير من السلف، وممن اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله، فهذه معانٍ صحيحة.

وابن القيم له كلام على هذه جيد فقال -رحمه الله: "فإن قيل: أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما؟ قيل: هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه، فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون.."[13].

ثم قال -رحمه الله: "عبيد لمالك قادر متصرف فيهم، قاهر آمر ناهٍ، أو لا يقرون بذلك، فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم، وشكره وتعظيمه وإجلاله، وأن لا يجعلوا له ندًا ولا شريكًا، وهذا هو الذي جاءهم به رسوله، ونزل عليه به كتابه، وإن أنكروا ذلك وقالوا: إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين، وإن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم، فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك، بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له، سواء والذي هو عبد مملوك من جميع الجهات، وهذا الاستدلال لا محيد عنه، ولا مدفع له، ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان انتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية، والإقرار بالعبودية، ولله ما أحسن جزالةَ هذه الألفاظ وفصاحَتها وبلوغَها أقصى مراتب البلاغة والفصاحة، والاختصارَ التام، ونداءها إلى معناها من أقرب مكان، واشتمالَها على التوبيخ والتقرير والإلزام، ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث"[14].

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله: " المعنى: فلولا ترجعونها أي تردون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين مملوكين، إن كنتم صادقين، وهنا الثاني شرط للأول، والمعنى إن كنتم صادقين في قولكم فهلا تردونها إن كنتم غير مدينين"[15]، هنا فسرها بمربوبين، وفي الموضع الأول قال: مجزيين محاسبين ثم ربطه بـ المربوبين.

وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا: "أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين ولا مجزيين"[16]، فالآن صرح بالمعنيين، هذا من أحسن ما يكون، وعامة من يتكلم في التفسير يقول: القول الأول والقول الثاني، ومن يكتب في التفسير يأتي باختلاف التنوع الواضح الصريح ويقول: القول الأول والثاني والثالث وهكذا.

وقال ابن القيم -رحمه الله: "ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم، وأنكروا قدرته وربوبيته، وحكمته، فإما أن يقروا بأن لهم ربًا قاهرًا متصرفًا فيهم يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم، وإما أن لا يقروا بربٍّ هذا شأنه، فإن أقروا آمنوا بالبعث والنشور والدين الأمري والجزائي، وإن أنكروه وكفروا به، فقد زعموا أنهم غير مربوبين ولا محكوم عليه، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، فهلا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت الحلقوم، وهذا خطاب للحاضرين وهم عند المحتضر وهم يعاينون موته، أي فهلا يردون الروح إلى مكانها إن كان لهم قدرة وتصرف، ولستم بمربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يمضي عليكم أحكامه، وينفذ فيكم أوامره وهذه غاية التعجيز لهم"[17]

  1. رواه ابن ماجه بهذا اللفظ، كتاب اللباس، باب الصور في البيت، برقم (3650)، والنسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب، برقم (4281)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3724).
  2. رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (13039)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (2111)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7780).
  3. التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (229)، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
  4. المصدر السابق (230).
  5. المصدر السابق (230، 231).
  6. إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (1/ 268، 269).
  7. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم (2882)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلىٍّ من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق، برقم (78).
  8. التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (234، 235).
  9. جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر الطبري (23/ 154)، تحقيق: أحمد شاكر.
  10. رواه البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، برقم (810)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، برقم (71)، وأبو داود، كتاب الطب، باب في النجوم، برقم (3906).
  11. التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (235).
  12. التبيان في أقسام القرآن (235-236).
  13. التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (237).
  14. المصدر السابق (237-238).
  15. بدائع الفوائد، لابن القيم (3/ 766)، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا وغيره، مكتبة نزار مصطفى الباز -مكة المكرمة، ط1، سنة النشر: 1416هـ.
  16. الجواب الكافي، لابن القيم (146)، دار الكتب العلمية -بيروت.
  17. المصدر السابق (146).

مواد ذات صلة