تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 19 / رجب / 1440 - 25 / مارس 2019
‏‏(4) من قوله تعالى " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ ..." آية 32‏
تاريخ النشر: ٠٢ / محرّم / ١٤٣٤
التحميل: 5986
مرات الإستماع: 10667

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الزمر من الآية (32) إلى الآية (48)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الزمر:32-35].

قال المصنف -رحمنا الله تعالى وإياه-: يقول -عز وجل- مخاطباً للمشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أخرى، وادعوا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا لله ولداً -تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا- ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، ولهذا قال    -عز وجل-: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} أي: لا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طرفي الباطل، كذب على الله، وكَذَّب رسول الله، قالوا الباطل وردوا الحق؛ ولهذا قال -جلت عظمته- متوعداً لهم: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} وهم الجاحدون المكذبون.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} هذا استفهام مضمن معنى النفي، يعني لا أحد أظلم، وفيه السؤال المعروف الذي مضى مراراً وذكرت هنالك جوابين لأهل العلم عنه، وهو أن قوله -تبارك وتعالى-: {فَمَنْ أَظْلَمُ}، لا أحد أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه، وأنه في مواضع أخرى قال الله -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [سورة البقرة:114]، ونحو ذلك من المواضع في كلام الله -جل جلاله-، وأن الجواب عن هذا إما أن يقال: إن أفعل التفضيل تمنع الزيادة ولا تمنع التساوي، يعني كل هؤلاء قد بلغوا في الظلم غايته، بلغوا الغاية والنهاية في الظلم، وإما أن يقال: إن كل واحد يختص ببابه، ففي المانعين لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، وفي المفترين لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، وهكذا، هذا جواب عن هذا السؤال الذي يرد في هذا المقام، لا أحد أظلم ممن كذب على الله، والكذب على الله هنا يشمل ما أشار إليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله-، ويدخل فيه أشياء كثيرة، فمن أعظم القول على الله والكذب عليه ادعاء الشريك والصاحبة والولد، ويدخل في ذلك الكذب على الله كقول المشركين: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [سورة الأعراف:28]، ويدخل في الكذب على الله -تبارك وتعالى- الكذب على شرعه ودينه، والكذب على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والقول على الله بلا علم، ولهذا نجد أن الله      -تبارك وتعالى- ذكر هذا -أعني القول عليه بلا علم- مع الإشراك والفواحش، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [سورة الأعراف:33]، فهذا كله داخل في القول والكذب على الله، {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ}، يدخل فيه التكذيب بالقرآن والوحي، التكذيب بالنبوة، التكذيب بكل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه جاء بالصدق، فكل مكذب بالإيمان أو مكذب بالرسالة والوحي أو بالقرآن فهو داخل في هذا، {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [سورة العنكبوت:68]، والمثوى هو مكان الثواء، يعني المكان الذي يصيرون إليه، ويئولون إليه هو النار.

قال مجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: {الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} هو الرسول -صلى الله عليه وسلم.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- {وَصَدَّقَ بِهِ} المسلمون.

الأقوال في هذا للسلف -رضي الله تعالى عنهم- متعددة، وكأن ذلك من قبيل اختلاف التنوع فهو يشبه التفسير بالمثال، أو ببعض ما يصدق عليه اللفظ، {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ}، بعضهم يقول: جبريل -عليه الصلاة والسلام-، {وَصَدَّقَ بِهِ} هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعضهم يقول: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} هو الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والذي صدق به هو -عليه الصلاة والسلام-، جاء به وصدق به، وبعضهم يقول: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم يحمل قوله: {وَصَدَّقَ بِهِ} على أفراد من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، كالذي يقول: هو أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، والذي يقول: هو علي -رضي الله عنه- وما أشبه ذلك، فهذا كله من قبيل التفسير بالمثال، والآية عامة فتحمل على العموم ومعلوم أن الاسم الموصول من صيغ العموم، {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} كل من جاء بالصدق، ويدخل به دخولاً أولياً النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-، ويدل عليه قراءة لابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: {والذين جاءوا بالصدق} بصيغة الجمع، {والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به}، ومعلوم أن قراءة الآحاد تفسر القراءة المتواترة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يدخل في ذلك دخولاً أولياً، فهو جاء بالصدق، وهو إمام المصدقين به -عليه الصلاة والسلام-، ويدخل في ذلك أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-، ويدخل فيه أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- وسائر من جاء بعدهم ممن صدق وآمن وانقاد قلبه وأذعن، {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}، فهذا يقابل الأول: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ}، فيقابله هذا، ولهذا جاء بصيغة الجمع، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، فدل على أن الاسم الموصول هنا محمول على العموم، فجاء بالجمع بعده، -والله تعالى أعلم-، وعرفنا أن هذا التركيب {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} إشارة إلى البعيد، والمجيء بضمير الفصل بين طرفي الكلام وفيه تقوية الإسناد ودخول (ال) على "المتقون" فهذا يشبه الحصر، يعني كأن المعنى {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} يعني: هؤلاء هم الذين حققوا الوصف الكامل من التقوى.

{أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: اتقوا الشرك.

قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} اتقوا الشرك واتقوا كل ما يُتقى، كل ما أمر الله باتقائه واجتنابه فهو داخل في هذا.

{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} يعني: في الجنة مهما طلبوا وجدوا، {ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

السؤال الذي يرد كثيراً، هل المرأة لها زوج في الجنة إن كانت لم تتزوج في الدنيا، وما أشبه ذلك؟ فيمكن أن يجاب بقوله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} عن مثل هذا السؤال أنه لم يرد فيه جواب بخصوصه في الكتاب والسنة، لكن الله -عز وجل- أخبرنا عن الجنة وعن نعيم الجنة أن أهل الجنة لهم فيها ما يشاءون، وأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فهي دار النعيم الكامل من كل وجه، ويبقى الكلام في هذه الجزئية يحتاج إلى دليل خاص، ولكن يعلم العبد أن ما تشتهيه نفسه فهو في الجنة، ويجد فيها ما تقر به عينه، وأنه لا يكون فيها أدنى تنغيص أو لا أحد يشعر فيها أن نعيمه ناقص أو مكدر أو نحو ذلك، بل هو نعيم كامل ويجدون فيها اللذة الكاملة، أسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا وإياكم من أهلها.

كما قال -عز وجل- في الآية الأخرى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [سورة الأحقاف:16].

قوله -تبارك وتعالى-: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} والسيئ: إما أن يقال: إن أفعل التفضيل هنا ليس على بابه، وإنما المقصود مطلق الاتصاف، {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} يعني: الأعمال السيئة، وإما أن يقال: إن أفعل التفضيل على بابه فيكون المراد: {أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} يعني: أن ما دونه من باب أولى، أو يقال: إن الأعمال التي عملوها على ثلاثة أنواع -أو ثلاثة أقسام-: قسم سيئ وهو متفاوت في السوء، ونوع من قبيل الطاعة والقربة إلى الله -تبارك وتعالى-، ونوع من قبيل المباح الذي لا مؤاخذة فيه، فإذا كفر عنهم أسوأ الذي عملوا فما الذي عملوه مما يصدق عليه هذا الوصف من هذه الأقسام الثلاثة -أي الأنواع الثلاثة-؟ الأعمال السيئة -المعاصي- فالله -تبارك وتعالى- يكفرها لهم، و{لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} ويمكن أن يستدل للقول الذي أشرت إليه آنفاً بأن أسوأ ليست على بابها من أنها يراد بها التفضيل، وإنما مطلق الاتصاف، يمكن أن يستدل على هذا بقراءة متواترة، قراءة ابن كثير {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَاءَ الَّذِي عَمِلُوا} أسواء جمع سوء، يعني: سيئ الذي عملوا، فهو من قبيل الوصف المطلق، {أَسْوَاء الَّذِي عَمِلُوا}، فإذا وجدتَ مثل هذا فالأجوبة عنه المشهورة هي ما سمعتم -والله تعالى أعلم-، فإن حملته على بابه فما دونه من باب أولى.

كذلك في قوله هنا: {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فإما أن يقال: إن أفعل التفضيل ليس على بابه فيكون يجزيهم أجرهم بالحسن من أعمالهم، وإما أن يقال: إن الله -تبارك وتعالى- يرقيها إذا قلنا: إن أفعل التفضيل على بابه، يرقي الأعمال، يعني أن أعمالهم الصالحة على مراتب ودرجات، فالجزاء يكون بالأحسن، يعني لو أن أحداً جاء ببضاعة وصنائع، فهذه الصنائع متفاوتة في الجودة، فنقدتَ له الثمن باعتبار الأجود، يعني حسبت له بالنظر إلى الأجود منها، فمثل هذا فضل عظيم، فالله -تبارك وتعالى- يتفضل على عباده فيجزيهم بهذه الطريقة، فيرقي هذه الأعمال التي عملوها، وما كان فيه شيء من النقص أو العمل المفضول، أو نحو ذلك -فإن العبد قد يفوته الفقه في سيره إلى الله -تبارك وتعالى-، فقد يشتغل أحياناً ببعض الأعمال المفضولة عن الأعمال الفاضلة- فالله يرقي لهم هذه الأعمال فيكون الجزاء على الأعلى والأفضل والأكمل والأحسن من أعمالهم الصالحة، وهنا {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ويحتمل أن يكون كما سبق أن أعمالهم على ثلاثة أنواع: فطاعات ومعاصٍ ومباحات، فيجزيهم الله -تبارك وتعالى- على الأعمال الصالحة، ولكن ما قبله أحسن من هذا، ففيه بيان الفضل والإغراء بالعمل الصالح وذكر ما عند الله -تبارك وتعالى- من عظيم الجزاء، وهذه الأقوال محتملة، -والله تعالى أعلم-، وقد مضى الكلام على مثل هذا بما هو أوفى ولعلكم ما نسيتم، مضى قريباً في قوله أيضاً: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}، فصار عندنا في تكفير السيئات يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، وفي الجزاء على الحسنات يجزيهم بأحسن الأعمال، وفي الاستماع فهم يستمعون، الاستماع والاتباع، {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.

الآية التي استشهد بها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [سورة الأحقاف:16] إذا قلنا على اعتبار أن الأعمال ثلاثة أنواع، فتكون الطاعات، وإلا فالقبول يكون للأعمال الصالحات، سواء كانت أحسن أو حسنة، هنا في القبول، أو يقال: إن أحسن المراد بها مطلق الاتصاف، فنجد بين هذه الآيات من الفروق ما قد يؤيد أن بعضها يحمل على معنى وأن الآخر قد يحمل على معنى غير هذا المعنى من الأقوال المحتملة، والله أعلم.

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [سورة الزمر:36-40].

يقول تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} وقرأ بعضهم: "عباده" يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه.

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}، "أليس الله بكاف عباده"، هذه القراءة متواترة قراءة حمزة والكسائي، ولهذا يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} العبد هنا مفرد مضاف إلى معرفة، وهي الضمير الهاء {عَبْدَهُ}، ومثل هذا يحمل على العموم، المفرد المضاف إلى معرفة، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} أليس الله بكاف عباده؟، القراءة الأخرى تفسرها، فبعضهم يحمل قوله -تبارك وتعالى-: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} على أنه يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا شك أنه داخل في هذا دخولاً أولياً، وبعضهم يقول: إن قوله: "أليس الله بكافٍ عباده" يعني: الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ولا شك أنهم يدخلون في ذلك دخولاً أولياً، ولكن المعنى أعم من ذلك، فإن لفظ العباد المضاف إلى الله -تبارك وتعالى- يشمل كل عبد من ذوي عبودية الاختيار، "أليس الله بكافٍ عباده" كما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [سورة الطلاق:3] يعني: كافيه، فالله يكفي أولياءه وعباده من الرسل وأتباع الرسل من الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- ما أهمهم، يكفيهم ويدافع عنهم، {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة الحج:38] فيدفع عنهم شر الأشرار، وكيد الفجار، ويجعل العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، وإن وقع عليهم بعض الأذى، فهذه سنته -تبارك وتعالى- في خلقه حيث يبتليهم، ثم هو يرقيهم بذلك حتى يبلغوا الكمالات والمراتب العالية في أهل الإيمان في الدنيا والآخرة، فهذه سنته -تبارك وتعالى- في خلقه مَن عرفها وأبصر الطريق وعرف ما أخبر الله -تبارك وتعالى- عنه، وحقيقة هذه الحياة الدنيا هان عليه ما يلقاه، بخلاف ضعيف اليقين، فإنه إذا أصابه خير اطمأن به، وإذا أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ لأنه يعبد الله على حرف، فهو لا يحتمل الابتلاء، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ الجواب: بلى يكفيه، وذكْر هذا الوصف وهو العبودية هنا يدل ما ذكرته في مناسبات شتى من أن الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فيكون للعبد من الكفاية بقدر ما حقق من العبودية، فكلما كان العبد محققاً للعبودية كانت كفاية الله -عز وجل- في حقه أعظم، وهذا معنى شريف، والله المستعان.

{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} يعني المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلا منهم وضلالاً.

كما خوفوا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- من آلهتهم أن يهلكوه أو يخبلوه، أو ينالوه بسوء، فقال لهم -عليه الصلاة والسلام- وهو إمام الحنفاء: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [سورة الأنعام:81-83]، وهذه الحجة كما سبق في تفسير هذه الآيات من قول بعض أهل العلم بأن المراد هو هذا، أنه قال لهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ}، وبعض أهل العلم يقول: ما مضى من احتجاجه عليهم في ما يتصل بوحدانية الله -تبارك وتعالى-، وما ذكر لهم في هذا الموضع، {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}، كما قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران:175]، {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ}، ليس المقصود أن الشيطان يخوف أولياءه أي يلقي في قلوب أوليائه الخوف، ليس هذا هو المراد، وإنما المعنى، {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ} يعني: يخوفكم من أوليائه، فيضخم هؤلاء من أولياء الشيطان، ويعظمهم في النفوس فيكون لهم رهبة ومخافة في قلوب الناس، فيتعاظمون فيكون ذلك حاملاً لكثير من الناس على ترك ما أمرهم الله     -عز وجل- به خوفاً من هؤلاء من أولياء الشيطان، {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، لماذا لا نخافهم؟ قال: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} فالله أحق أن يُخاف ويخشى.

ولهذا قال تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} أي: منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقاماً منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله -صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره، مما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً؛ ولهذا قال       -تبارك وتعالى-: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} أي: لا تستطيع شيئاً من الأمر.

وروى ابن أبي حاتم هاهنا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعاً: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف، ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً))([1]).

{قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي: الله كافيّ، عليه توكلت وعليه يتوكل المتوكلون، كما قال هود -عليه الصلاة السلام- حين قال له قومه: {إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة هود:54-56].

وقوله تعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد، {إِنِّي عَامِلٌ} أي: على طريقتي ومنهجي، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: ستعلمون غِب ذلك ووباله {مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: في الدنيا، {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} أي: دائم مستمر، لا محيد له عنه، وذلك يوم القيامة.

{إِنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ * اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الزمر:41-42].

يقول تعالى مخاطباً رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم-: {إِنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} يعني: القرآن، {لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ} أي: لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به، {فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ} أي: فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} أي: بموكل أن يهتدوا، {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [سورة هود:12]، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [سورة الرعد:40].

ثم قال تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [سورة الأنعام:61-60]، فذكر الوفاتين: الصغرى ثم الكبرى، وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى؛ ولهذا قال -تبارك وتعالى-: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى، كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره، وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلْينْفُضْه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلَفَه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين))([2]).

{فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} التي قد ماتت، {وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} قال السدي: إلى بقية أجلها، وقال ابن عباس: يمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء، ولا يغلط، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

هذه الروايات التي أوردها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- والسدي المعنى يكون: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}: أن الله -تبارك وتعالى- يتوفى الأنفس حين موتها، بمعنى أنه يقبضها -تبارك وتعالى- إليه فتجتمع الأرواح، وبعد ذلك يرسل الله -تبارك وتعالى- التي توفيت الوفاة الصغرى بالنوم، بعد ذلك يمسك الله -تبارك وتعالى- التي قبضها، يعني: لما تجتمع الأرواح حال الوفاة الصغرى والكبرى، فهذا التوفي الذي يحصل للنائمين وهو مفارقة الروح للجسد مفارقة يرتفع معها الإدراك، وليست مفارقة كلية، فحينما يتوفى هذه الأنفس تجتمع هذه الأرواح عنده، ثم يمسك -تبارك وتعالى- الأرواح، أرواح الأموات، {وَيُرْسِلُ الأخْرَى} التي لم يقض عليها بالوفاة الكبرى {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} إلى أجل وفاتها، يعني على هذا المعنى ليس المراد أن الله -تبارك وتعالى- يتوفى الأنفس حال النوم، فيموت بعضها، فيمسك بعضها ويرسل الأخرى، على هذا القول وهذه الروايات التي أوردها، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}، ماذا يقول؟ يقول: فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع، فتجتمع عند الله -تبارك   وتعالى-، فالممسَكة هي أرواح الأموات الذين ماتوا سواء كان موتهم قبل ذلك أو أن الله قضى عليهم الموت في منامهم، الموت الموتة الكبرى، فلا يختص ذلك بالتوفي، الوفاة الكبرى حال النوم على هذا القول، لأنه سيأتي قول آخر، اتضح أن الله -تبارك وتعالى- يتوفى الأنفس، فتجتمع أرواح النائمين مع أرواح الأموات عنده -تبارك وتعالى-، ثم بعد ذلك يرسل أرواح النائمين التي لم يقض عليها بالموت، الوفاة الكبرى، ويمسك أرواح الأموات فلا يرسل شيئاً منها، فالله يتوفى الأنفس حين موتها الموت الحقيقي، والموت الآخر الإضافي الذي هو الوفاة الصغرى، {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} يعني أيضاً يتوفاها، {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} قضى: ليس قضى عليها في حال النوم أن تموت موتاً نهائياً، وإنما قضى عليها الموت قبل ذلك، التي ماتت سواء في منامها في ذلك الحين أو ماتت قبل ذلك، فترسل أرواح النائمين الذين لم يقض الله عليهم بالوفاة الكبرى إلى آجالهم، هذا معنى هذه الروايات التي أوردها هنا، يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء ولا يغلط -سبحانه وتعالى-، فلا يرسلها إلى الأجساد مرة ثانية حينما يقبضها بخلاف أنفس النائمين فإنه يتوفاها ثم يرسلها، وهذا المعنى هو الذي اختاره الحافظ ابن القيم -رحمه الله-، بينما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال بقول آخر وهو: أن الله -تبارك وتعالى- يقبض نفوس الناس حال نومهم، ثم بعد ذلك يعيد من لم يقض عليه الموت منهم من هؤلاء النائمين، ومن انقضى أجله قبض روحه فلم ترد، فرق بين هذا وبين الذي قبله، الذي قبله في عموم من قضى عليهم الموت عبر الدهور والعصور فأرواحهم لا ترجع ولا يحصل خطأ، وأرواح النائمين ترجع فتجتمع عنده الأرواح، يرجع هذا ولا يرجع هذا، هذا قول ابن القيم، وقول شيخ الإسلام أن التوفي في حال النوم فمن انقضى أجله بقيت روحه ولم ترجع، ومن بقي في أجله بقية ترجع روحه مرة أخرى، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} يعني لم يقض الله عليها بالوفاة الكبرى في منامها، يعني فهم أن القضية تتعلق بهذا النوع خاصة، توفي حال النوم، فتكون الأرواح بعد هذا النوم على نوعين، الأولون يقولون: إن النفوس تقبض في حال النوم وفي غيره، والذين يموتون في غير النوم أكثر من الذين يموتون حال النوم، يعني نام فلم يستيقظ، كانت النومة، كانت وفاته في نومته الوفاة الكبرى، فالأكثر أن الناس لا يموتون بهذه الطريقة، فالأولون يقولون: إن حمله على هذا المعنى الضيق لا معنى له، وإنما المقصود: أن {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ}، فيتوفى الله الأنفس حين موتها، ومن ذلك نفوس النائمين، فتجتمع عنده الأرواح، فترجع نفوس من بقي لهم في الآجال بقية وتبقى الأرواح الأخرى التي قضي عليها بالوفاة -النهاية في هذه الدنيا-، فهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ومداره على أن الوفاة جميعاً هي في حال النوم، كل هذه الأرواح المخبر عنها هنا، أن ذلك في حال أن تمسك في حال النوم، ويتوفها حينما تنام، وفاة النوم، وهي المرسلة التي يرسلها، فهذا كله وفاة نوم عند شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فمن استكمل الأجل لم ترد روحه ثانية إلى الجسد، والله أعلم.

{وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} هنا يعني لم يقضِ عليها الموت حينما نام صاحبها، لكن في الأول {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ} هل هذا محمول على العموم الأعم؟ يعني: نفوس الأموات ونفوس الأحياء حال نومهم، أو أن ذلك يختص بما دونه من العموم، وهو عموم نفوس الأحياء، الله يتوفى الأنفس، هل المقصود كل الأنفس هنا في هذه الآية حين موتها؟، هذا على قول ابن القيم أنه يحمل على كل الأنفس، وهو مقتضى الروايات السابقة عن ابن عباس والسدي، فأول الآية ما المراد بهذا العموم؟، فعندنا عموم أعم، وعندنا عموم دونه، فإذا حددنا هذا العموم بناءً عليه يأتي الكلام في الضمير، مرجع الضمير، والله أعلم.

{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [سورة الزمر:43-45].

يقول تعالى ذاماً للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئاً من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالا من الحيوان بكثير.

ثم قال: قل: أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه، {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ}.

{لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} أي: هو المتصرف في جميع ذلك، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلا بعمله.

قوله -تبارك وتعالى- هنا: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ}، {أَمِ اتَّخَذُوا}، "أم" هذه مضى الكلام على نظائرها أنها المنقطعة تقدر بـ"بل" والهمزة، ثم إن قوله -تبارك وتعالى-: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ} يعني: هؤلاء الشفعاء أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ} يعني: أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، تتخذونهم أولياء؟، {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ}، فمثل هؤلاء لا يرجى منهم شفاعة ولا نفع ولا دفع، فكيف تتخذونهم أولياء؟

ثم قال تعالى ذاماً للمشركين أيضاً: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ} أي: إذا قيل: لا إله إلا الله وحده {اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} قال مجاهد: {اشْمَأَزَّتْ} انقبضت.

كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [سورة الصافات:35]، أي: عن المتابعة والانقياد لها، فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر.

{اشْمَأَزَّتْ} قال: انقبضت، وكثير من أصحاب المعاني -معاني القرآن- يقولون: نفرت، والواقع -والله أعلم- أن هذه اللفظة {اشْمَأَزَّتْ} لا تؤدي معناها بكامله لا لفظة نفرت، ولا لفظة انقبضت، فالاشمئزاز نفور خاص وانقباض خاص، يعني هو انقباض مع نفور، هذا هو الاشمئزاز، يعني هذا أقرب ما يفسر به، ليس كل نفور يقال له اشمئزاز، فقد ينفر ولا يشمئز، وقد ينقبض ولا يشمئز، فهو نفور خاص، انقباض خاص، نفور مع انقباض، يعني هذا أقرب من تفسيره بأحد هذين اللفظين بمجرده، ومعلوم أن أهل العلم يفسرون بمثل هذا من باب التقريب، وهم لا يقصدون بذلك أنه يؤدي كل المعنى، والله أعلم.

ولذلك قال -تبارك وتعالى-: {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} أي: من الأصنام والأنداد، قاله مجاهد، {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي: يفرحون ويسرون.

وهذا يقال فيما يدخل تحت ذلك، فإذا ذكر مثلاً توحيده -تبارك وتعالى-، ومما يدخل في توحيده إذا ذكر شرعه وحكمه {اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ}، حصل لها انقباض ونفور، كأن قائل ذلك قد قال نكراً، {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} ذكرت شرائع الجاهلية وقوانين الجاهلية {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}، فهم يفرحون بهذا ويرحبون به، ويرون قائله أنه يفهم، ويمكن أن يكون مقبولاً عند هؤلاء، لكنهم يشمئزون إذا طولبوا بأن يكون الله -تبارك وتعالى- هو المشرع وحده والحاكم وحده دونما سواه، فينقبضون من ذلك وينفرون كما هو مشاهد، فهذا يدخل فيه التوحيد بعبادته وحده لا شريك له، والتوحيد أيضاً توحيده في حكمه وشرعه.

{قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [سورة الزمر:46-48].

يقول تبارك تعالى بعدما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي: ادع أنت الله وحده لا شريك له، الذي خلق السموات والأرض وفطرها، أي: جعلها على غير مثال سبق، {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي: السر والعلانية، {أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: في دنياهم، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم، وقيامهم من قبورهم.

روى مسلم في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- بأي شيء كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت -رضي الله عنها-: كان     -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل افتتح صلاته: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))([3]).

إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول هذا في افتتاح صلاة الليل فغيره من باب أولى، حاجة العبد إلى هداية الله -عز وجل- لما اختلف فيه الناس من الحق لا شك أنها عظيمة لا يستغني عنها المؤمن بحال من الأحوال، وفي هذه الآية قال الله -تبارك وتعالى-: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} فهو الذي أوجدهما على غير مثال سابق، وتأمل في هذا الحديث قال: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل))، فجبرائيل هو الملك الموكل بالوحي الذي تكون به الحياة الحقيقية للأرواح، وإسرافيل هو الذي تحصل به حياة الأبدان حينما ينفخ في الصور، وميكائيل هو الموكل بنوع آخر من الحياة، نوع ثالث وهو ما يتصل بالأقوات والأرزاق، فهذه أنواع الحياة الثلاثة جمعت في هذا الحديث، {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ}، ثم فيهما -في الآية والحديث-: ((عالم الغيب والشهادة))، فهو الذي يعلم الحق، ويعلم أحوال العباد ومقاصدهم، وما هم عليه من اعتقاد وعمل، ((أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك)).

وقوله -عز وجل-: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} وهم المشركون، {مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ} أي: ولو أن جميع ملك الأرض وضعفه معه {لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ} أي: الذي أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يُتقبل منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهباً، كما قال في الآية الأخرى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} أي: وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم.

{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم، {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي: وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} يعني: كانوا يؤملون الثواب، كما في قوله -تبارك وتعالى- عن أعمال الكافرين: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} [سورة النور:39] يعني: ما يؤملونه من هذه الأعمال التي يرجون فيها ثواب الله -تبارك وتعالى-، ثم بعد ذلك يجعله الله هباءً منثوراً، {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [سورة الفرقان:23]، فهذه الأعمال تضمحل وتتلاشى، ويبدو لهم من الله ما لم يكونوا يتوقعون، فهو يرجّي الثواب، ثم بعد ذلك يكون الأخذ والعقاب، وكما قال الله -عز وجل-: {حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سورة النور:39].

وقوله -تبارك وتعالى- هنا: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا}، سيئات ما كسبوا يعني جزاء سيئاتهم التي اكتسبوها، كأنه أطلق السيئات مراداً بها الجزاء، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا}، والسيئة أصلها قيل لها ذلك لأنها تسوء صاحبها حينما يلقى الله -تبارك وتعالى-، وينظر في صحيفة أعماله، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} يعني: جزاء هذه السيئات، ولو قال قائل: إنه تبدو لهم سيئات ما كسبوا بأنهم يرون ذلك في صحائف أعمالهم، هذه الأعمال السيئة، فتسوءهم وتسود وجوههم لذلك، فإن هذا المعنى أيضاً ليس ببعيد، وإن كان المعنى الأول قال به كثيرون من المفسرين وأصحاب المعاني، وممن قال به من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-، والله أعلم.


 

[1] - رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في صفة أواني الحوض، برقم (2516)، وأحمد في المسند، برقم (2763)، وقال محققوه: "حديث صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7957).

[2] - رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ والقراءة عند النوم، برقم (5961)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم (2714).

[3] - رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (770).

مواد ذات صلة