تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 18 / رجب / 1440 - 24 / مارس 2019
‏‏ (5) من قوله تعالى " فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ..." آية 49‏
تاريخ النشر: ٠٩ / محرّم / ١٤٣٤
التحميل: 7403
مرات الإستماع: 5955

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الزمر من الآية (49) إلى الآية (66)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [سورة الزمر:49-52].

يقول تبارك تعالى مخبراً عن الإنسان أنه في حال الضراء يضرع إلى الله -عز وجل- وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوله منه نعمة بغى وطغى، وقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} أي: لِمَا يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله خِصِّيص لما خولني هذا.

قال قتادة: {عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [سورة القصص:78] على خبر عندي.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

قال قتادة: {عَلَى عِلْمٍ عِندِي} يعني: على خبر عندي، خبر عندي، جاء عن قتادة مصرحاً به، أي: بوجوه المكاسب، يعني على علم عندي بوجوه المكاسب، فهذا الخبر الذي عنده هو المعرفة بوجوه المكاسب، بهذا الاعتبار، ولو فرض أن العبارة: على خير عندي، يعني به هذا العلم بوجوه المكاسب، مع أنه يحتمل معنى آخر، لكن هذا المنقول عن قتادة، يعني كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} يعني: معرفة بوجوه المكاسب، أن ذلك ليس من فضل الله -عز وجل-، وإنما بمعرفته وخبرته وحذقه وذكائه وما أشبه ذلك، الحاصل هذا هو المعروف عن قتادة -رحمه الله.

وأما القول: إنه على علم من الله بفضلي فهذا قال به آخرون كمقاتل، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله-، وكذلك قال به من المفسرين البغوي، {عَلَى عِلْمٍ عِندِي} يعني: علم من الله بفضلي، أن لي منزلة عنده، فمثل هؤلاء يربطون بين العطاء الدنيوي والرضا الرباني، فيظن أنه إذا أُعطِي في الدنيا فإن ذلك لفضله ولمكانته عند الله ومحبة الله له، أعطاه هذا العطاء، وهنا الله -تبارك وتعالى- يقول: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ}، فهذا الرد يناسب هذا القول، أن ذلك ليس لفضله، وإنما هي فتنة واختبار له، ولعل هذا هو الذي حمل ابن جرير -رحمه الله- وهؤلاء على اختيار هذا القول، مع أن ذلك -يعني هذا التعقيب- لا ينفي بالضرورة الأقوال الأخرى، كما جاء عن بعض السلف كالحسن: على علم علمه الله إياي، {عَلَى عِلْمٍ عِندِي}، يعني: ينسب العلم إلى الله      -تبارك وتعالى-، {عَلَى عِلْمٍ عِندِي}، لاحظْ الأول، علم من الله، علم عند الله بفضلي، هنا علم من الله علمني إياه، فصار عارفاً بوجوه المكاسب، لكنه أضاف العلم إلى الله -تبارك وتعالى-، وبعضهم يقول: إن قوله: {عَلَى عِلْمٍ عِندِي} يعني: أنني إذا أوتيت هذا في الدنيا فإني كذلك في الآخرة، إذا أوتيت هذا وأعطيت هذا العطاء في الدنيا فلي في الآخرة منزلة عنده -تبارك وتعالى-، وهذا منقول عن مجاهد وهو يرجع إلى قول قتادة: على علم من الله بفضلي، يعني هذا وهذا، أنه يحتج بالعطاء الدنيوي على المنزلة عند الله -تبارك وتعالى-، أني أستحق هذا فأعطاني، ومن ثَمّ فلي عنده منزلة إذا صرت إليه، كما قالوا ذلك صراحة: {لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [سورة مريم:77]، هذا على افتراض أن يكون البعث والنشور، فهذا الذي أعطانا في الدنيا وحرم هؤلاء سيكون لنا من العطاء والمنزلة أعظم من هذا العطاء الدنيوي، ولهذا قال: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ}.

{بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي: ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، فهي فتنة أي: اختبار، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} فلهذا يقولون ما يقولون، ويدعون ما يدعون.

لاحظ الآن ابن كثير في هذه الآية، أي: لِمَا يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله خِصّيص لما خولني هذا، يعني هذا يوافق قول ابن جرير والبغوي ومقاتل، وإليه يرجع قول مجاهد، {عَلَى عِلْمٍ عِندِي}: على علم من الله بفضلي، مع أن القول الآخر يحتمل أيضاً، {عَلَى عِلْمٍ عِندِي} بوجوه المكاسب، يعني: أضاف ذلك إلى نفسه، ولم يضف ذلك إلى فضل الله تعالى.

{قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: فما صح قولهم ولا منَعَهم جمعُهم وما كانوا يكسبون.

الآن الحافظ ابن كثير -رحمه الله- فسر "ما" هنا بأنها نافية، يقول: أي فما صح قولهم، ولا منعهم جمعهم، وما كانوا يكسبون، وهي تحتمل أن تكون استفهامية أو نافية، {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم} فما الذي أغنى عنهم {مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؟، هذه استفهامية، ويحتمل أن تكون نافية، {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم} فلم يغن عنهم {مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، وابن جرير -رحمه الله- مشى على أنها نافية، يعني ابن كثير وابن جرير يقولون: إنها نافية، {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم} لم يغن عنهم، {مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، ما أغنى عنهم هذا شيئاً عند الله -تبارك وتعالى-، فما دفع عنهم عذابه وبأسه ونقمته في الدنيا ولم يكن ذلك يدفع عنهم عذابه في الآخرة.

{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء} أي: من المخاطبين، {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي: كما أصاب أولائك.

{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} يعني: جزاء السيئات، فقيل لها سيئات، أصابتهم هذه السيئات، يعني: جزاء هذه السيئات، ولا يخفى الملازمة والارتباط بين السيئات وما يتبعها وينتج عنها؛ ولهذا فالإثم يقال للذنب والمعصية، كما يقال أيضاً للجزاء المرتب عليه، -والله المستعان-، فالناس قد تقع بهم عقوبة فيقولون: هذه ذنوبنا، أصابتنا ذنوبنا، يعني: جزاء الذنوب، والملازمة ظاهرة بين هذا وهذا، {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا}، وإنما قيل لها سيئات لأنها تسوء -كما سبق- صاحبها.

{وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} كما قال تبارك وتعالى مخبراً عن قارون أنه قال له قومه: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [سورة القصص:76-78]، وقال تعالى: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سورة سبأ:35].

وقوله -تبارك وتعالى-: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} أي: يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: لعبراً وحججاً.

المقصود أن هؤلاء الخلق والعتاة على الله -تبارك وتعالى- والكفار والجاحدين له ولرسله -عليهم الصلاة والسلام- ليسوا بمعجزين له -تبارك وتعالى-، فنواصيهم بيده، قادر على أخذهم مهما كان عندهم من الإمكانات والقُدر والقوى، وإذا أردت أن تعرف هذا بكل بساطة اليوم فإن من أكبر ما عند هؤلاء من القوى والقُدر والإمكانات هذه المفاعلات النووية التي يرهبون بها العالم.

هذه بكل بساطة لما يأتي زلزال أو يأتي تسونامي أو يأتي يعني الأشياء السهلة هي الهواء والماء، وهي أعتى الأشياء، فلما يأتي مثل هذا الإعصار أو غير ذلك مما يريده الله -عز وجل- تتحول هذه المفاعلات النووية إلى نقمة في تلك الأمم المكذبة، والقوى الكافرة، فهي تهددهم صباح مساء، ولنا ما حصل في اليابان عبرة، وما حصل في أمريكا عبرة، فلا تستبعد أن يأتي اليوم الذي يندبون فيه حظهم، ويرون أن وجود هذه المفاعلات بين تلك المجتمعات، وفي تلك البلاد أنها نقمة وعذاب قد يصطلي بناره هم أولائك الذين فعلوه، وينفقون الأموال الطائلة في تفكيكه، والله -تبارك وتعالى- كما قال في يهود بني النضير: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [سورة الحشر:2]، فقد يؤتى هؤلاء بنفس هذه الأسلحة التي يرهبون بها العالم، والله -عز وجل- على كل شيء قدير، وإذا أردت أن تعرف حقيقة قُدَر هؤلاء وإمكاناتهم وقواهم، وما نشروا قبيل الحروب وروج ذلك طلائعهم في بلاد المسلمين، عبر الصحافة والإعلام، ينشرون ما عندهم بأرقام ورسوم بيانية، ومقارنات، وكم عندهم من البارجات، وكم عندهم من حاملات الطائرات، وكم عندهم من المدمرات، وكم عندهم من الغواصات النووية وغير ذلك، بحيث إذا قرأتها تلك الشعوب أصابها الهلع والذعر، ورفعت راية الاستسلام قبل أن تأتيها تلك الجيوش، فإذا أراد الإنسان أن يعرف هذا فما عليه إلا أن ينظر في هذه الصور الحقيقية عبر هذه الوسائط والوسائل الحديثة قوقل (Google) مثلاً، ينظر إلى الأرض، صورة حقيقية، ويرى أن المسافة بين هذه القارات إنما هي سنتيمترات أو أقل من ذلك، وأين هذه القوى وأين هذه بالنسبة لقدرة الله -عز وجل-، فهي حبة رمل سابحة في الهواء، الأرض بكاملها وليست بارجة، فهذه البارجة لو حرك برأس دبوسٍ هذا الماء لغرقت وغرق من في هذا البحر، هذا إنسان ينظر إليها من بعد، لكن كلما يقترب الإنسان عند الصورة تتضخم الأشياء، حتى إنه يخيل إليه أن فنجان الماء لربما يكون بركة ضخمة عظيمة أو خزان ماء هائلاً يمكن أن يغرق به وتغرق به نفوس كثيرة، فهكذا نظر الإنسان القاصر.

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [سورة الزمر:53-59].

هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله -تبارك وتعالى- يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه.

لا يصح حمل هذه يعني هذه الآية، بخلاف قوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [سورة النساء:48]، فهذه على إطلاقها بعد استثناء الشرك، وأما هذه الآية هنا فهي مطلقة، {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، فلابد من قيد، فيكون هذا من المطلق المحمول على المقيد في قوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}، أما ما دون الإشراك فمن أهل العلم من يقول حتى في الآية الثانية: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} إن الكبائر لابد لها من توبة، وهذا ليس على إطلاقه، فإن هذه الآية: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} يدخل فيها الكبائر على الأرجح، فإن الكبائر تحت المشيئة، إن شاء الله -عز وجل- عذب صاحبها وإن شاء غفر له، أما من تاب من الشرك وغيره فإن الله -تبارك وتعالى- يغفر ذلك له، كما تدل عليه الآيات الكثيرة في التوبة، فقوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}، يدل على أن ذلك في غير التوبة، وإلا فالشرك يغفر إذا كانت التوبة، إذا تاب العبد من الشرك فإنه يغفر، فلماذا استثناؤه، فقال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} يعني: فيما لم يكن منه توبة، ولهذا يقال: إن الكبائر داخلة تحت المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.

روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} [سورة الفرقان:68]، ونزل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}([1]).

وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

والمراد من الآية الأولى قوله تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سورة مريم:60] الآية.

يعني هذا فيما يتعلق بالتوبة والإنابة، التوبة الحقيقية، التوبة النصوح، التوبة الصحيحة، وليست مجرد استغفار باللسان دون أن يكون ذلك أيضاً نابعاً من القلب مع الندم والعزم على أن لا يعود، مع الإقبال على الأعمال الصالحة، وأن تكون هذه التوبة خالصة لله -عز وجل-، وليس فيها أدنى تردد، فابن القيم -رحمه الله- يضيف هذا الشرط وهو أن يقبل العبد على الله -عز وجل-؛ لأن الله -عز وجل- يقول: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا}، فيقبل على ربه -تبارك وتعالى-، وتتغير حاله، ويترك ما هو فيه من الشر والفساد، ففي هذه الإنابة الحافظ ابن القيم له كلام في مواضع من كتبه، فلابد من الإقبال على الله بكليته، يقبل العبد بكليته على ربه -تبارك وتعالى.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وَأَمَّا آيَةُ الزُّمَرِ: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، فهي في حق التائب؛ لأنه أطلق وعمم، فلم يخصصها بأحد ولم يقيدها بذنب، ومن المعلوم بالضرورة أن الكفر لا يغفره، وكثير من الذنوب لا يغفرها، فعلم أن هذا الإطلاق والتعميم في حق التائب، فكل من تاب من أي ذنب كان غفر له"([2])، وقال       -رحمه الله-: "فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد، ولكن هذا في حق التائبين خاصة"([3]).

فهذا قال به بعض أهل العلم، ولكن لما يقال: إن المطلق هنا محمول على المقيد هناك، {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}، فيكون غير الشرك تحت المشيئة، {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، فهذه من آيات الرجاء، بل هي الأشهر بأنها أعظم الآيات ترجية للعصاة، ومعلوم أن العلماء اختلفوا في تحديد أرجى آية في كتاب الله -عز وجل-، وهذا أشهر الأقوال، وقد مضى في بعض المناسبات قول من قال: إن أرجى آية في كتاب الله هي آية الدين، وإن هذا قد يستغرب ويستبعد، معاملة مالية محضة ويقال: إنها أرجى آية في كتاب الله؟ وبينت وجه هذا، كيف أن الله احتاط لمال المسلم هذه الاحتياطات الكثيرة جداً، {إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ...} [سورة البقرة:282]، كل هذه الاحتياطات لربما على مائة ريال، قالوا: فنفس المؤمن أعظم عند الله -تبارك وتعالى- من ماله، فالله لا يضيعه، وهذا وجه لكون هذه الآية أرجى، لكن ليس ذلك يعني أنه الأرجح بالضرورة، وقال ابن القيم -رحمه الله-: "والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيته، وهي إنابة المخلوقات كلها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، قال الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} [سورة الروم:33]، فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر، كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام، بل تجامع الشرك والكفر، كما قال تعالى في حق هؤلاء: {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ} [سورة الروم:33-34]، فهذا حالهم بعد إنابتهم.

والإنابة الثانية إنابة أوليائه، وهي إنابة لإلهيته، إنابة عبودية ومحبة.

وهي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع، وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك"([4]).

المقصود -على كلام ابن القيم- أنه ما يكفي أن الواحد يقول: إني تبت، أو أن يندم فقط على الذنب، بل لا أن يعزم على أن لا يعود إليه، ما يكفي هذا عند ابن القيم، بل لابد من إقبال القلب بكليته على الله -عز وجل- إقبالاً صادقاً، وتغير الحال، وذكرت في بعض المناسبات أن هذه هي التوبة النافعة، التوبة النصوح، لاسيما من بعض الجرائم والذنوب، مثلت على هذا بالمخدرات، وأن هؤلاء الذين يتوبون منها فقط غالباً يرجعون إليها ثانية، ولكن إذا حصلت له هذه الإنابة الموصوفة هنا فهذا هو الذي بإذن الله تصلح معه الحال، ولا يرجع الإنسان إلى هذه الشرور والآفات.

وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}.

لا، هذه القراءة المشهورة المتواترة، لكن يقرأ: {إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ}، يعني هذا في ولد نوح -عليه السلام-، إنه عَمِلَ غيرَ صالح، لم يكن على استقامة، كان مشركاً.

وسمعته -صلى الله عليه وسلم- يقول: (({يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} ولا يبالي {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}))([5])، ورواه أبو داود والترمذي.

إي، يعني بهذه الزيادة ((ولا يبالي))، هذه الرواية ضعيفة لا تصح، لكن الأولى الشق الأول منها له شاهد يقويه، {إنه عَمِلَ غيرَ صالح}، لكنها ليست متواترة، شاذة.

فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد: أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطنّ عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، قال الله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [سورة التوبة:104]، وقال -عز وجل-: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة النساء:110]، وقال -جل وعلا- في حق المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ} [سورة النساء:146].

هذه الآية التي أوردها الحافظ ابن كثير، {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ}، مضى الكلام على هذا في التوبة، بأن هذا الاستغفار ليس مجرد استغفار باللسان بل هو استغفار مبني على رجوع القلب وتوبة القلب وندم القلب، وأن قوله -تبارك وتعالى-: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ}، فهذا يعني: صلاح الحال، وأيضاً إصلاح ما فسد، هذا في الأمور المتعدية، فإذا كان قد أضل أحداً من الناس أو نحو ذلك، {تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} [سورة البقرة:160]، لابد من البيان، فإذا كانت له كتابات فاسدة، فيحتاج أن يبين وينقض ذلك، ويصلح ما أفسده، له مشروعات في الإفساد، برامج في الإفساد، يحتاج أن يصلح ما أفسد، بدعة نشرها، فلابد من بيان ذلك، وهذا مضى الكلام عليه أيضاً في التوبة، في الأعمال السارية التي لم تزل آثارها ممتدة، كيف تكون التوبة منها؟، أنه لابد من البيان، {الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} يعني: بعدما تصدر منه الكلمة، أو يكتب كتاباً، أو نحو ذلك، هذا ينقض هذا الكلام الذي قاله، وتكلموا على أشياء أخرى قبل وقوع الشيء وبعد مفارقته للفاعل، كانوا يمثلون بالسهم إذا رماه ثم ندم وتاب قبل أن يصيب الهدف، الصورة غير واضحة؛ لقصر المسافة في السابق، المسألة ثوانٍ، لكن الآن لا، الآن ممكن أن يضغط برسالة جوال أو بالوتس أب أو في..، ثم ريثما هو يعتلج – يحمّل- ندِمَ، ويريد أن يرجعها فلا ترجع، ولا زالت لم تصل، وندم بعدما أرسلها، سب أحداً من الناس، أو قذفه، أو نشر شيئاً لا يجوز له نشره، فندم وهي خرجت من يده ولم تصل إلى ذاك، لا زالت أمامه إشارة التحميل، فمثل هذا كيف تكون توبته، تكلم أهل العلم على هذا، والآن الصواريخ عابرة القارات، وكل هذه الأشياء التي لربما يعني تحصل آثارها بعد حين من الزمن كيف تكون التوبة منها.

وقال -جل جلاله-: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة المائدة:73]، ثم قال -جلت عظمته-: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المائدة:74].

هذه الآية بعض العلماء قال: هي أرجى آية، قالوا: نسبوا له الصاحبة والولد، ويتلطف بهم هذا التلطف العظيم مع هذا الجرم الكبير، {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ}، يعرض عليهم التوبة بألطف أسلوب وأرق عبارة، وهم بهذه الجرائم العظيمة.

وقال -تبارك وتعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا}.

قال الحسن البصري -رحمة الله عليه-: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!.

والآيات في هذا كثيرة جداً.

رحمة الله واسعة، ليس كالخلق والعباد، الخلق لربما يريد الإنسان أنه يترك ما هو فيه ويعتذر ويتوب، ومع ذلك قد لا يتركونه، وأما الله -تبارك وتعالى- فيكفي أن العبد يتوب بينه وبين الله فتمحى هذه الذنوب والسيئات، وتعود صحيفته بيضاء، فلا أدري ما الذي يحول بيننا وبين التوبة، وأن نصلح ما بيننا وبين الله    -عز وجل-، لماذا الإنسان يصر على حال غير مرضية، مع هذا العرض، العروض الكبيرة والألطاف العظيمة من الله -جل جلاله-؟، وبعض المخلوقين لربما يقضي حياته وهو يحاول أن يزين صورته ويظهر بحال أخرى، وأنه راجع عما كان فيه، ومع ذلك لا يقبل منه صرف ولا عدل، فالله أرحم من خلقه، أرحم من عباده، هذا الكرم والجود العظيم.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حديث الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم ندم وسأل عابداً من عُبَّاد بني إسرائيل: هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله وأكمل به مائة، ثم سأل عالماً من علمائهم: هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله -عز وجل- أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة([6])، وذكر أنه نأى بصدره عند الموت، وأن الله -تبارك وتعالى- أمر البلدة الخيرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة أن تتباعد، هذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -عز وجل-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} إلى آخر الآية، قال: قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المائدة:74] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء، مَن قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى} [سورة النازعات:24]، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [سورة القصص:38]. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: من آيسَ عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله -عز وجل-، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.

وروى الطبراني عن شُتَير بن شَكَل أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سورة البقرة:255]، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ} [سورة النحل:90]، وإن أكثر آية في القرآن فرجاً في سورة الزمر: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}، وإن أشد آية في كتاب الله تفويضاً: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [سورة الطلاق:2- 3]، فقال له مسروق: صدقت.

يعني أشد آية في كتاب الله تفويضاً، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}، يعني: تفويض العبد لربه -تبارك وتعالى- بأن يتولى الله رزقه وأمره، لكن عليه أن يحقق الشرط، بأن يتقي الله، ولا يكون ركونه إلى نفسه وعلمه وحذقه وما إلى ذلك، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، فهذه الآية تقوي جانب التوكل في قلب العبد.

وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم))([7]) تفرد به أحمد.

وروى الإمام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-، أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت منكم شيئاً سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم))([8]).

هكذا رواه الإمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي.

يعني بمعنى أن مثل هذا تتجلى فيه معاني أسماء الله الحسنى، العفوّ، الغفور، الرحيم، التواب، وما أشبه ذلك، فهذه لا تظهر إلا بوجود الذنوب، وليس معنى ذلك أن الإنسان يجترئ على الذنوب والمعاصي ولا يبالي، وإنما ذلك واقع منه لا محالة، فعليه أن يبادر إلى التوبة إلى الله -تبارك وتعالى-، ويعظم الله -عز وجل- حق التعظيم، ولا يجترئ عليه وعلى معصيته، ولكن إن وقع منه شيء، غلبته نفسه، وهواه، ونحو ذلك، يبادر إلى التوبة، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [سورة الأعراف:201]، هذه حال المؤمن، وهذا الذي يخزي الشيطان ويؤذيه كثيراً، فهو دائماً يعمل على أن ذلك لا يكون بحيث يضلل هؤلاء فيوهمهم تارة بأنهم متلاعبون بالتوبة، وتارة يوهمهم بأنهم يظهرون ما لا يبطنون، وأنهم واقعون في نوع من النفاق، فيغريهم بالمكابرة والإعلان والمجاهرة للمعاصي والذنوب، وأن يكون ذلك قائداً وسبباً لمواقعة جرائم وذنوب أخرى، ويجد من يصدقه ويقبل منه مثل هذا التضليل، وهذا من أعجب الأشياء، وهذا هو محمل هذه الأحاديث، وليس ذلك إغراءً بالذنوب والمعاصي، لا يفهم أحد هذا الفهم، يفعل المعاصي ويقول: النصوص وردت أنه لولا أنكم تذنبون، فالله لا يحب الذنوب والمعاصي، ولا يرضى لعباده الكفر.

ثم استحث -تبارك وتعالى- عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} الآية، أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له.

لاحظ، يعني هذا بعدما قال: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، ونهاهم عن القنوط، قال: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} هذا هو الطريق.

أي: ارجعوا إلى الله وأسلموا له {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} وهو القرآن العظيم.

{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} هو القرآن العظيم، إما باعتبار -كما سبق- أن {أَحْسَنَ} أفعل التفضيل المقصود بها مطلق الاتصاف، فكل ذلك حسن، أو باعتبار أن ما أنزل إلينا من الله -تبارك وتعالى- الكتاب والسنة، فيكون أحسن ذلك هو القرآن، وهذا فيه نظر، وذلك أن السنة شارحة وموضحة للقرآن، فلا تفهم الآية بهذه الطريقة، ولا تكون السنة بحال من الأحوال بمعزل عن القرآن، فيقول الإنسان: أنا أتبع أحسن ما أنزل إليّ، يعني: القرآن، فهذا لا يستقيم بحال من الأحوال، فلابد من اتباع الكتاب والسنة معاً؛ ولهذا بعض السلف يقول: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني: المحكمات، وبعضهم يقول: الناسخ دون المنسوخ، يعني القرآن فيه محكم ومتشابه، فيه ناسخ ومنسوخ، فالله -عز وجل- أخبر عن الذين في قلوبهم زيغ أنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهذا حال من زاغت قلوبهم، فأهل الإيمان أمرهم الله -تبارك وتعالى- بأن يتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، هذا وجه هذا القول، وقد مضى الكلام أيضاً على أقاويل أخرى، كقول من قال: القرآن فيه العفو، والإحسان، والانتقام، {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [سورة الشورى:40]، وأرشدهم إلى العفو في بعضها {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [سورة فصلت:34]، {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ...} إلى أن قال: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [سورة النور:22]، فالشاهد أن الآيات فيها مقام العدل الذي فيه جزاء السيئة بسيئة، وفوقه الغفر والصفح والعفو، وهذا الغفر والصفح والعفو هو أيضاً على ثلاث مراتب، وليس على مرتبة واحدة، أظن سبق الكلام على هذا، ثم فوقها -فوق هذه المرتبة المنقسمة إلى مراتب- مقام الإحسان إلى من أساء، فيكون على هذا، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني: الأعلى، فتحسن إلى من أساء إليك، ويكون ذلك أفضل من معاملته بالمثل، والاقتصاص منه.

وبعضهم يقول: القرآن فيه أخبار عن الأمم الماضية، وما إلى ذلك، الأخبار عن المكذبين وعن المؤمنين، وفيه من العبر والعظات، وأشياء كثيرة، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ}، فما تجدونه من أعمال طيبة مما قص الله وأخبر عنه من أحوال تلك الأمم فخذوا به، {أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ}، فيكون المؤمن يلتقط مثل هذه الأوصاف والكمالات ويستجمعها، فهذا قال به بعض أهل العلم.

وبعضهم كابن جرير يقول: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} افعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، وبهذا تكونون قد اتبعتم أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، إذا فعلتم أوامره وتركتم نواهيه.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون.

ثم قال -عز وجل-: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله -عز وجل.

يعني الآن {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ  مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} أي: حذراً من أن تقول نفس: يا حسرتى، أو لئلا تقول نفس: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ}، كما يقول أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-، يعني: لئلا تندم في وقت لا ينفع فيه الندم ولا يفيد، بادروا خوفَ أن تقول نفس: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ}، هذه الآيات من جملة الآيات التي في كتاب الله -عز وجل- في مواضع يذكر الله -عز وجل- فيها حقائق يغفل عنها الإنسان كثيراً، ولكنه عند المعاينة لو طرقت سمعه فكأنه لأول مرة يسمعها، قال كل الحقائق كما هي، ما الذي سيكون من خصومة بين أهل النار الخصوم؟ ماذا تقول الطائفة الأولى للثانية؟، كيف يتندمون على ما مضى منهم من جرائم؟، والعبارات التي يقولونها حينها: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ}، وكل ما يكون مما يحصل من الناس وقت ندمهم، وتكشّف الحقائق أمامهم ذكره الله في هذا القرآن، حينما يقف الإنسان أمامه يقول: ما بقي شيء إلا بينه الله -عز وجل-، ووضح الطريق إيضاحاً تاماً كاملاً لا لبس فيه، ماذا يقول، وماذا يقال له، هؤلاء الناس إلى ربهم كيف يصيرون إلى الله -تبارك وتعالى-، وماذا يلقون حينها، وما هي حتى المشاعر الداخلية والنفسية التي تدور في نفوسهم، وضحها الله وبينها، ومن ثَمّ لا أجد شيئاً إطلاقاً مما يمكن أن يقال للإنسان الذي يريد أن يتبصر، يريد أن يصلح حاله، يريد أن يتغير، يريد أن لا يعود إلى ذنوبه، يريد أن يكون في حال جديد، يريد أن يترك بعض الأشياء التي تعلقت نفسه بها، لا أجد مثل هذا القرآن، ولكننا نغفل كثيراً ولا نتدبر، وإذا أردت أن تعرف مثل هذا -وأنا أول المقصرين به- أقبل على القرآن إقبالاً صحيحاً، اقرأ القرآن في أفضل الأوقات عندك في اليوم والليلة، واقرأ قدراً مجزئاً من القرآن كل يوم، بحيث يكون القرآن يأخذ من وقتك واهتمامك وقلبك بصورة لائقة، ستجد أن الحياة برمتها تتغير، كل الحياة، وستجد أن شيئاً بداخلك ينبعث، يقول: كيف ضاعت أيامنا بعيداً عن القرآن، كيف يمكن العيش بعيداً عن القرآن، كيف كان منا هذه الغفلة والتفريط؟!، ويشعر الإنسان أنه مضيع في أيام العمر السابقة، مع أنه لربما كانت أوقاته مصروفة في العلم، والدرس، والاشتغال، والقراءة، والاطلاع، والبحث، وما إلى ذلك، مع التقصير في قراءة القرآن وتدبره فيشعر أنه مضيع لأيام عمره السابقة؛ ولهذا شيخ الإسلام في آخر حياته وهو يقرأ في الآية أكثر من مائة تفسير كان يتمنى لو أنه صرف أوقاته في القرآن، فهذه الحقائق هي أمور ستقع، ويقول هؤلاء هذه المقالات، فالموفق من فتح الله -عز وجل- منافذ فكره وقلبه ليتعقلها، فيبصر بنور الله -جل جلاله- هذه الأمور كأنها واقعة يشاهدها، أما الغافلون فإنهم لم يزالوا في سكرتهم حتى يوافوا ذلك اليوم، فيقع منهم مثل هذا الندم، فكثير من الحقائق تكون غائبة غير حاضرة في القلب، ثم بعد ذلك إذا جاءت ساعة الجد وطرق السمعَ مثلُ هذه الآيات يشعر الإنسان حينها أنه لأول مرة يقرؤها، ولك عبرة بهذا ما حصل من الصحابة لما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وافتهم الصدمة، فقرأ أبو بكر -رضي الله عنه- الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [سورة آل عمران:144]، رجعوا إلى صوابهم بعد الذهول الذي أصابهم بموت رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فكانوا يعبرون عن هذا المعنى، أنهم كأنهم يسمعونها لأول مرة، فالإنسان يقرأ أشياء لكنه إذا حقت الحقائق كانت قراءته لها أخرى تماماً، والله المستعان، {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}، يتحسر يتندم على هذا التفريط، {يَا حَسْرَتَى}، وهذه قراءة الجمهور، وفي قراءة أخرى لابن كثير (يا حسرتاه) بهاء السكت وقفاً.

وقوله: {عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} ابن جرير يقول: يعني أمر الله، وعبارات السلف في هذا: بعضهم يقول كالحسن: في طاعة الله، وهذا مثل ما قال ابن جرير -رحمه الله-، في طاعة الله، في أمر الله، وهكذا قول الضحاك: في ذكر الله، فإن الذكر يشمل الذكر باللسان والقلب والجوارح، يعني: {عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} في ذكر الله، القرآن والعمل به.

وقوله -تبارك وتعالى-: {وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق.

{أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة الزمر:57-58] أي: تود أن لو أعيدتْ إلى الدنيا لتحسن العمل.

هذه عباراتهم، هذا الساخر يقول: كنت أسخر وأستهزئ، وشغَلَنا هذا الاستهزاء والسخرية من عباد الله المؤمنين عن الإيمان والعمل الصالح، فهؤلاء الذين يسخرون من أهل الإيمان في أعمدتهم وصحفهم وكتاباتهم المتعفنة، هؤلاء ما يخشى الواحد منهم أن يكون ممن يقول هذه المقالة، في برامجهم الهابطة التي يسخرون فيها من شعائر الدين ومن أهل الإيمان، ومن أهل الغيرة، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ما يخشى الواحد منهم أن يقول: {وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ}، وهكذا هذا الذي يقول: أنا فرطت، وكنت في غفلة ولهو، فلو كان لي كرة لكنت من المتقين، وكذلك هذا الذي يقول: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ}، ذاك يقول: {فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، وهذا يقول: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، كل ذلك لا ينفعهم، ولا يحصل لهم شيء من مطلوبهم ولا يرجعون، وعند هذا تحصل الخسارة المحققة، هذه الخسارة الحقيقية، التي ليس بعدها خسارة.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أخبر الله سبحانه ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، قال تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}، {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة الزمر:57-59].

وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه   وسلم-: ((كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني؟! فتكون عليه حسرة))، قال: ((وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني!)) قال: ((فيكون له الشكر))([9]).

يعني كما جاء في الحديث الصحيح بأن كل إنسان له مقعد في الجنة، ومقعد في النار.

ولما تمنى أهل الجرائم العَودَ إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله، قال الله -سبحانه وتعالى-: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة الزمر:60-61].

يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى هاهنا: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ} أي: في دعواهم له شريكاً وولداً {وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} أي: بكذبهم وافترائهم.

وقوله تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} أي: أليست جهنم كافية لهم سجناً وموئلاً لهم فيها الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.

يعني المثوى أصله مكان الثواء، المكان الذي يَثْوون إليه.

وقوله -تبارك وتعالى-: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ} أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، {لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ} أي: يوم القيامة.

{وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ}، بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله -تبارك وتعالى-، وابن جرير -رحمه الله- يقول: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ} يعني: بنجاتهم من النار وفوزهم، يعني: ينجيهم بمفازتهم يعني: بفوزهم، بنجاتهم من النار ودخولهم الجنة، وهذا هو الفوز الأكبر الذي لا فوز بعده، ويقابله الخسارة العظمى والكبرى.

وبعض أهل العلم يقول: {بِمَفَازَتِهِمْ} أي: متلبسين بمفازتهم، وفي قراءة متواترة لحمزة والكسائي بالجمع، ومعلوم أن القراءة بالإفراد {بِمَفَازَتِهِمْ} يمكن أن تكون عائدة إلى معنى قراءة الجمع، باعتبار أنه مفرد مضاف والمفرد المضاف يؤدي هذا المعنى، {بِمَفَازَتِهِمْ} بمفازاتهم، يحتمل أن تكون الباء للسببية، يعني بسبب مفازتهم، بسبب فوزهم بالإيمان وطاعة الله -تبارك وتعالى-، ورضا الرحمن وتوفيقه.

{وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فَزَع، مزحزحون عن كل شر، نائلون كل خير.

{لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ} يعني: أي نوع من أنواع السوء، عذاب النار فما دونه، لا يأتيهم حر ولا مرض، ولا يحصل لهم شيء من المكروه مما يقع للناس في هذه الحياة الدنيا من المكاره وما يسوءهم والأخبار المزعجة وما إلى ذلك، {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} لا يقع في قلوبهم الحزن على أمور فائتة متقضية، فيكون ذلك نقصاً في حقيقة الحياة؛ لأن الإنسان المغموم كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: المحزون تكون حياته ناقصة، لا تكون حياته كاملة، هذا الإنسان المريض أو المهموم أو نحو ذلك، وإنما كلما كانت عافية الإنسان من هذا مع وجود الكمالات في هذه الحياة فإن ذلك يكون أدعى للحياة بالكامل، وهذا لا يكون على الإطلاق في الكمال إلا إذا دخل أهل الجنة الجنة، فهنا لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون، لا يوجد أي شيء لا من الأمور المسموعة ولا المشاهدة ولا المحسوسة، ولا الأمور المعنوية، لا يقع سوء إطلاقاً، بخلاف هذه الحياة المجبولة على الكدر، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [سورة البلد:4]، أما أهل النار فهم في سوء من جميع الوجوه، يسمعون ما لا يسرهم فيحصل لهم من الهوان، ويسحبون في النار على وجوههم، ويعذبون فيها العذاب الأليم، وطعامهم كما أخبر الله تعالى وكذا شرابهم، فهذا سوء من كل وجه.

{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [سورة الزمر:62-66].

يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته.

يعني {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}، هو الذي خلق وهو الذي يقوم على تدبيرها وتصريفها، وهو القائم عليها، القائم على هذه المخلوقات بأرزاقها وآجالها وأعمالها، {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سورة آل عمران:2]، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}.

وقوله -عز وجل-: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ}، قال مجاهد: المقاليد هي: المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة، وابن زيد، وسفيان بن عيينة.

وقال السدي: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} أي: خزائن السماوات والأرض.

والمعنى على كلا القولين: أن أزمَّة الأمور بيده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

هذا المعنى الكلي العام {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} أن أزمَّة الأمور بيده، ومعنى المقاليد {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ}، مقاليد، هل هو جمع مقلاد، أو جمع إقليد، أو لا واحد له من لفظه؟

فبعض أهل العلم يقول: إن المقاليد {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} هو جمع إقليد، كما يقول الجوهري، ولكنه يضيف إلى هذا أنه جمع إقليد ومقلاد، بينما ابن جرير -رحمه الله- ينكر الأول هنا أنه جمع إقليد؛ لأن الإقليد يجمع على الأقاليد، على قول ابن جرير: الإقليد يجمع على أقاليد، والمقلاد يجمع على المقاليد، فابن جرير يرى أن المقاليد جمع مقلاد، والمقصود بالمقلاد المفتاح، يعني ابن جرير يقول: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} يعني: مفاتيح الخزائن، خزائن السماوات والأرض.

يقول: قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، وهذا لا دليل عليه، يعني كونه يقال: إنها فارسية، هذا كثير في عبارات المفسرين من السلف فمن بعدهم، لكن في الكلام هذا مما قيل في الألفاظ الأعجمية في القرآن، هل هي موجودة أو لا؟ وهل هي مشتركة بين اللغات، وقول من يقول: إن العربية أولى بها، فيقال: نقلت إلى الفارسية، ولا يقال: منقولة من الفارسية؛ لأن الله قال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [سورة الشعراء:195]، فهي عربية، وهم الذين أخذوا، ولماذا نفترض أن العرب هم الذين أخذوها وعندنا شاهد من القرآن أنه {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}، وبعضهم يقول: هذه اشتركت فيها اللغات فلا تنسب إليهم، حينما جاءت في القرآن فهي عربية، وكذا ينطقها بعض الأعاجم، كلام معروف في هذا، والمقصود به النكرة فقط، وإلا فإن طرفي المسألة غير داخلين فيها، وأعني بذلك التراكيب في الكلام، يعني هل يوجد كلام مركب بالأعجمية؟ هذا بالإجماع لا يوجد، لا يوجد كلام مركب، جملة اسمية أو فعلية في القرآن أعجمية؛ لأن الله قال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}، فهذا بالاتفاق، والطرف الثاني وهو الأسماء، مثل: إبراهيم، ويونس، وعيسى، وموسى، وما أشبه ذلك، أكثر أسماء الأنبياء والملائكة يقولون: ليست بالعربية، وإنما الوارد من هذا بالعربية أسماء معدودة قليلة، لربما لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة من أسماء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فالمقصود أن الأعلام تنطق كما جاءت، وإن كانت العرب تتصرف فيها بعض التصرف -كما سبق- بناء على ما يناسب لسانهم، لسان العرب، فيحصل فيه بعض لربما التغيير اليسير، لكنه يبقى على أصله، ولا يلوون اللسان به كما يلوي الأعجمي لسانه، وإنما ينطقون به نطقاً يتفق مع اللسان العربي، وأن العبارة المعروفة المشهورة عنهم: أعجميٌّ فالعبْ به، يعني: لفظ أعجمي فالعبْ به، فكانوا يتصرفون بالألفاظ الأعجمية بما يتفق مع اللسان العربي، لا ينطقون بها ملوية كما يفعل بعض الناس اليوم، كما في لغة القطط، نو، ونو، فيأتون بها بطريقة يعني ممجوجة تثير الاشمئزاز، ويظنون أن هذا من الحذق، والله -عز وجل- قد قسم العقول كما قسم الأرزاق.

فقال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، مفاتيح الخزائن، أو مفاتيح السماوات والأرض، والخزائن والأرزاق، والرحمة، وما أشبه ذلك، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة.

يقول: وقال السدي: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: خزائن السماوات والأرض، يعني هؤلاء فسروا المقلاد بالخزانة، {لَهُ مَقَالِيدُ} يعني: خزائن السماوات والأرض، وهذا قال به غير السدي جماعة، كالضحاك وقال به من أهل اللغة الليث أيضاً، الخزائن.

لا شك أنه بين الخزائن والمفاتيح ملازمة لا تخفى، والله -تبارك وتعالى- إذا قيل: له مفاتيح الخزائن، فإن ذلك يقتضي أن تكون الخزائن له، وإذا كانت الخزائن لله -تبارك وتعالى- فإن مفاتيحها تكون بيده -تبارك وتعالى-، ولهذا فإنه إذا كان بين القولين ملازمة فإن الآية تحمل على ذلك جميعاً، فالله -تبارك وتعالى- له الغنى المطلق، والملك المطلق، وله خزائن السماوات والأرض، ومفاتيحها بيده فينبغي أن يُتوجه إليه بالرغبة والرهبة دونما سواه.

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} أي: حججه وبراهينه {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

وقوله -تبارك وتعالى-: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن المشركين بجهلهم دعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وهذه كقوله: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الأنعام:88].

قوله هنا: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ} يعني: هل أوحي إلى الذين من قبله: لئن أشرك ليحبطن عمله؟ هنا بالإفراد، {أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ}، ما قال: لئن أشركوا، أو لئن أشركتم، وإنما قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ}، فهل الذي أوحي إليه -عليه الصلاة والسلام- وأوحي إلى الذين من قبله أنه إن أشرك ليحبطن عمله؟ بعض أهل العلم يقول: فيه تقديم وتأخير، يعني: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ}، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، {أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} لئن أشركوا ليحبطن عنهم ما كانوا يعملون، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، فيكون المعنى بهذا الاعتبار فيه تقديم وتأخير، وهو اختيار أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-، مع أن الأصل عدم القول بالتقديم والتأخير ما أمكن، يعني إذا أمكن حمل الآية على معنى بنفس الترتيب الذي ذكره الله -تبارك وتعالى- فهذا هو المطلوب، هذا قول ابن جرير الذي ذكرته آنفاً، وبعضهم يقول: إن المعنى هكذا يعني: {أُوحِيَ إِلَيْكَ} بالتوحيد، وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، يعني هناك مقدر محذوف، ثم قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} بالتوحيد، يعني هذا الذي أوحي إليه، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ}، والأصل عدم التقدير.

وبعضهم يقول: الكلام على وجهه، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} وجاء بالإفراد باعتبار أن ذلك متوجه إلى كل نبي على حدة، يعني ليس فيه لا تقدير ولا دعوى التقديم والتأخير، أوحي إلى كل واحد {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، وهذا مثال ما أذكره أحياناً من أن الآية قد تكون حينما يقرؤها الإنسان لا إشكال فيها ولا يستوقفه ذلك، فإذا أردنا أن نشق الشعرة والشعيرة ظهرت الإشكالات، وهذا كثير، لكن بعض هذه المعاني يقولها السلف، يتكلمون فيها، فذكرها لا يكون من التكلف إطلاقاً.

وقوله -عز وجل-: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ} أي: أخلص العبادة لله وحده لا شريك له، أنت ومن اتبعك وصدقك.

 


 

[1] - رواه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الزمر، برقم (4532)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم (122).

[2] - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/335).

[3] - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (ص:165).

[4] - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/433).

[5] - رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (27569)، قال محققوه: "الشطر الأول محتمل للتحسين بشاهده، وهذا إسناد ضعيف، وقد سلف الكلام عليه في مسند أم سلمة عند الرواية (26518)".

[6] - رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} [سورة الكهف:9]، برقم (3283)، ومسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، برقم (2766).

[7] - رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (13493)، وقال محققوه: "صحيح لغيره"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (1951).

[8] - رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (23515)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، ومسلم، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة، برقم (2749).

[9] - رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (10652)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط البخاري"، والحاكم في المستدرك، برقم (3629)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (2034).

مواد ذات صلة