تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 03 / ربيع الآخر / 1440 - 11 / ديسمبر 2018
سورة النصر كاملة
تاريخ النشر: ١٣ / محرّم / ١٤٣٥
التحميل: 5419
مرات الإستماع: 11578

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة النصر

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير: تفسير سورة: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ النصر:1، وهي: مدنية.

قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، و"إذا زلزلت" تعدل ربع القرآن.

وروى النسائي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، قال: صدقت([1]).

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة هي: سورة: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، ويقال لها أيضًا: سورة النصر، ويقال لها أيضًا: سورة الفتح، وسماها بعضهم: بسورة التوديع، فهذه أسماء تذكر لهذه السورة، وهي من السور المدنية اتفاقًا، فلا خلاف في ذلك، وحينما يقال: إن هذه السورة آخر ما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتجدون أيضًا حينما تذكر سورة المائدة يقال: إنها آخر ما نزل، وحينما تذكر براءة يقال: آخر ما نزل، فهذا كله لا إشكال فيه، فالمقصود: أن آخر سورة نزلت كاملة: سورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وآخر السور النازلة في الأحكام: سورة المائدة

 

حينما يقال: إن هذه السورة آخر ما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتجدون أيضًا حينما تذكر سورة المائدة يقال: إنها آخر ما نزل، وحينما تذكر براءة يقال: آخر ما نزل، فهذا كله لا إشكال فيه، فالمقصود: أن آخر سورة نزلت كاملة: سورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وآخر السور النازلة في الأحكام: سورة المائدة

 

، آخر ما نزل، فهم يقصدون: أنه لم ينسخ منها شيء، مع أن هذا ليس على إطلاقه، وآخر ما نزل في الجهاد والقتال: سورة براءة، فهي آخر ما نزل، فهذه تقال في مناسبات، وكل ذلك في موضعه صحيح، لكن آخر سورة نزلت كاملة هي هذه.

وأما حينما يقال: آخر ما نزل من القرآن من الآيات في سورة البقرة: الربا، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ البقرة:281، وآية الدين، هي آخر ما نزل، فهذا آخر ما نزل على الإطلاق، أي: آخر ما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- من القرآن مطلقًا، يعني: لا يقيد بسورة، لكن سورة كاملة هي: هذه السورة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا النصر:1-3.

روى البخاري: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَد في نفسه، فقال: لِمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيتُ أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليُريهم، فقال: ما تقولون في قول الله، -عز وجل-: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نَحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفُتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجلُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه له، قال: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فذلك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لا أعلم منها إلا ما تقول، تفرد به البخاري([2]).

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نُعِيَتْ إليّ نفسي)، فإنه مقبوض في تلك السنة، تفرد به أحمد([3]).

وروى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن، وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي([4]).

وروى الإمام أحمد: عن مسروق قال: قالت عائشة -رضي الله عنها-: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر في آخر أمره من قول: (سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه)، وقال: (إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) رواه مسلم([5]).

والمراد بالفتح هاهنا: فتح مكة قولاً واحدًا.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: (نُعيتْ إليّ نفسي) لما نزلت عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، هذا إسناده فيه ضعف، والشيخ الألباني -رحمه الله- حسن إسناده عند الدارمي، وهو عند الدارمي بلفظ مقارب لما عند الإمام أحمد -رحمه الله-، ولكن أثر ابن عباس السابق، وكذلك أيضًا هذا الحديث بلفظه الآخر -فقد جاء من غير وجه- كل ذلك يدل على هذا المعنى الذي ذكره ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأقره عليه عمر الخليفة المُحَدَّث -رضي الله عنهم وأرضاهم.

هذا المعنى الذي ذكره ابن عباس -رضي الله عنهما- يمكن أن يكون قد عرف ذلك من الحديث، ويمكن أن يكون قد عرف ذلك استنباطًا، علمه استنباطًا، وذلك أن هذه السورة مشعرة بانتهاء المهمة التي جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعث من أجلها، فجعل له هذه الأمارة والعلامة: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فهنا لم يبقَ عليك في ختم هذا العمل، والقيام بمهام الرسالة والبلاغ إلا أن تشتغل بالتسبيح بحمد ربك والاستغفار، كما هو المشروع في خواتم الأعمال، فإذا قضى المسلم أعمال الحج فإنه يشرع له الذكر والإكثار منه: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا البقرة:200، وكذلك حينما يكون الفراغ من الصلاة فإنه يشرع الذكر، إلى غير ذلك من المواضع، فهنا انتهاء الرسالة مناسب معه ما ذكر، وذلك يدل على اقتراب أجله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك في الحديث الآخر حديث عائشة: (إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابًا، فقد رأيتها: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ).

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا حينما كان يطبق ويحقق ما أمره الله -عز وجل- به، يعني: يتأول القرآن، فإن التأول هنا بمعنى: الامتثال والعمل، امتثال ما أمره الله -تبارك وتعالى- به، فذلك يكون تأولاً وتأويلاً، فالتأويل تارة يكون ببيان المعنى، وتارة يكون بأمر عملي، إما بوقوع الشيء، أي بإيقاع الله -عز وجل- له، وإما أن يكون بفعل المكلف وامتثاله، كما في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما كان يمتثل ويقول ذلك، أما ما يتصل بإيقاع الله -تبارك وتعالى- فهذا مثل ما أخبر به من وقوع القيامة، ونحو ذلك، كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ الأعراف:53، فإذا أوقعها الله -عز وجل- فهذا تأويل للخبر عنها، فيكون التأويل في الجملة بهذا الاعتبار يرجع إلى شيئين:

الأول: من قبيل التفسير، سواء كان تأويل الألفاظ بالكشف عنها والتفسير، أو كان ذلك من قبيل تأويل الرؤى، بمعنى: التعبير والتفسير، كقوله: نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ يوسف:36.

الثاني: يكون ذلك بأمر عملي من المكلف، أو بما يوقعه الله -عز وجل-، ففعل المكلف مثل هذا، وما يوقعه الله -تبارك وتعالى- كقوله: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ يوسف:100، أي: تحققت الرؤيا في نهاية الأمر، وكذلك ما أخبر الله عنه من الأمور الكائنة في الغيوب المستقبلة، فإذا وقع ذلك فهذا من قبيل التأويل.

فقوله هنا: "يتأول القرآن"، أي: يعمل به، ولاحظ أنه كان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن، فيقول: سبحان الله وبحمده، وهذا يدل على تفسير هذا الموضع مهما تكرر في كتاب الله -تبارك وتعالى- من الإخبار عن التسبيح بحمد الله، أو الأمر به، فإنه يكون بمثل هذا: أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، فهذا هو التسبيح بحمد الله، وستجدون في كتب التفسير عبارات كثيرة عن المراد بالتسبيح بحمد الله -عز وجل-، منها: يسبح متلبسًا بحمده، كيف يكون التسبيح متلبسًا بحمده؟ أن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل، وهذا أحسن ما يفسر به هذا الموضع، وما شابهه في كتاب الله -تبارك وتعالى.

وأما الموضوع الذي تدور حوله هذه السورة فهو موضوع واحد، وهو: الأمارة التي يَعْرِف بها النبي -صلى الله عليه وسلم- قرب انتهاء أجله، وعندها يشتغل بما أُمِرَ به من التسبيح... إلى آخره؛ ولهذا فإن العلماء يقولون: إن ذلك يكون مشروعًا ومتأكدًا لمن قارب الأجل، إما بتقدم السن، فإنه يُكثر من هذا، وإما بوقوع مرض الموت المخوف، أي: كأن يكون فيه مرض خطير، مرض يموت منه الإنسان عادة، فإنه يكثر من قول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يكثر منها في سجوده، وفي ركوعه، تأويلا لقوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "والمراد بالفتح هاهنا: فتح مكة قولاً واحدًا"، وأيضًا ممن قال: إن هذا بالاتفاق قبله ابن جرير -رحمه الله-، وقال به بعده الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير، ولكن الواقع أن من العلماء من قال بغير ذلك في المراد بالفتح في قوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، ولكن هذا هو الظاهر المتبادر الذي لا يصح العدول عنه، ولكن العلماء منهم من قال بغير هذا.

فتفسير الآية على ما ذكره ابن كثير: إذا جاءك نصر الله على هؤلاء المشركين من كفار قريش، وجاءك الفتح الذي هو: فتح مكة، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، هو الذي يقوله عامة المفسرين، ولكنه ليس محل اتفاق، فإن بعضهم يقول: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ يقولون: هذا مطلق على قريش، فقيدوه من غير فتح مكة، وهذا فيه بعد، وبعضهم جعل الإطلاق فيه أوسع، قالوا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ أي: على الأعداء، على الكفار مطلقًا، ولا يختص ذلك بقريش، ولهذا قالت طائفة: إن المراد بالفتح: فتح سائر البلاد، باعتبار أن الله لم يقيد ذلك بفتح معين، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ أي: نصَرَك الله على الأعداء، وتحقق فتح البلاد المختلفة، فعندئذ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، وبعضهم ذهب إلى ما هو أبعد من هذا من جهة التفسير والمعنى، فقالوا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ المقصود: فتح العلوم عليه -صلى الله عليه وسلم-، وهذا في غاية البعد، وإنما ذكرت ذلك لبيان أن أقوال العلماء وأقوال المفسرين لم تكن متفقة في تفسير هذا الموضع، وبعضهم يقول غير هذا، فبعضهم فسر النصر: بكمال الدين، والفتح: بإقبال الدنيا الذي هو: إتمام النعمة عليه وعلى أمته -صلى الله عليه وسلم-، وبعضهم يقول: النصر هو: الظفر، والفتح هو: الجنة، فانظروا إلى هذه الأقوال.

لكن تفسير الآية هو: ما ذكره الحافظ ابن كثير وابن جرير وجمهور المفسرين: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، النصر بمعنى: المعونة، بمعنى: أن الله أعانه على عدوه، وقواه، وأيده، فظفر بهم، والفتح هو: فتح مكة، ومن ثَمّ فإن النصر هنا يكون مقدمة للفتح، فإن هذا الفتح يعد انتصارًا ساحقًا على هذا العدو التقليدي للمسلمين، فإن العرب كانت تترقب وتتلوّم بإسلامها، أي: يتأخرون وينتظرون ما يحصل للنبي -صلى الله عليه وسلم- مع قومه من قريش، حيث إن هذه القبيلة تعتبر بمنزلة القيادة والريادة بالنسبة لسائر القبائل، فهم أهل الحرم، والعرب على ذكر تام لما جرى لأصحاب الفيل، فكانوا ينتظرون: إن ظهر على قومه فإنه نبي، ومن ثَمَّ فإنهم يبايعونه ويتابعونه؛ ولهذا لما فتحت مكة انتهى جل الصراع في جزيرة العرب، يعني: الغزوات التي بعد فتح مكة في جزيرة العرب لا تذكر بالنسبة لما كان قبلها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك غزا الطائف، ووقعت وقعة حنين، وغزا الروم، لكن وفود العرب من أنحاء الجزيرة كانت بعد الفتح، فقد توافدوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة التاسعة، والفتح كان في السنة الثامنة، ولكثرة تلك الوفود في ذلك العام سمي بعام الوفود، فقد وفد أكثر من سبعين وفدًا، وجاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في تلك السنة، ولهذا سمي بعام الوفود، وجاءوا مبايعين طائعين مذعنين يمثلون قبائلهم وقومهم، فهذا الفتح هو بهذه المثابة، يعني: هو ليس مجرد فتح مكة فقط، بل إنه فتح على الإسلام، حيث دخلت القبائل في دين الله، ففتح مكة كان أكبر من مجرد فتح بلد بعينه، بل كان سببًا لفتوح، فهو فتح كبير، فأطلق هنا ذكره، فالمقصود به: فتح مكة، ولكن هذا الفتح ليس كالفتوح الأخرى، يعني: هو أشبه ما يكون بإزالة عقبة تفجر منها نهر الإسلام، وتدفق في كل ناحية.

وهنا ذكر النصر إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ثم ذكر الفتح بعده؛ باعتبار أن النصر مقدمة للفتح، فأعانه الله -عز وجل- عليهم، وقواه، فكانت النتيجة هي: الفتح، فالفتح نتيجة للنصر، وقد يكون النصر من غير فتح، فالفتح غير النصر، فقد يحصل انتصار لكن من غير فتح، يعني: حينما انتصر المسلمون على المشركين في يوم أحد في أول المعركة: هل يعد هذا من الفتح بهذا الاعتبار الذي ذكر؟

الجواب: لا، وإن كان النصر في أصله من قبيل الفتح؛ لأن أصل الفتح كما سبق عند قوله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ الأنفال:19، يقال له: الحُكم، والحُكم يقال له: فتح، والحاكم: فتّاح، ويقال للحُكم: فُتَاحة، وهذا لا إشكال فيه، لكن المقصود هنا بقوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ أنه قد يقع نصر من غير فتح، بمعنى: فتح بلد، وقد تفتح البلاد من غير قتال، وانتصار في ميدان المعركة، ولكنه انتصار الدين، وانتصار الإسلام، وانتصار المبادئ كما يقولون اليوم.

قال -رحمه الله تعالى-: والمراد بالفتح هاهنا: فتح مكة قولاً واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوّم بإسلامها فتح مكة.

معنى يتلومون يعني: ينتظرون.

قال: يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمضِ سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة.

وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت الأحياء تَتَلَوّمُ بإسلامها فتح مكة، يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي..، الحديث([6]).

وقد حَرّرنا غزوة الفتح في كتابنا: السيرة، فمن أراده فليراجعه هناك، ولله الحمد والمنة.

وقد روى الإمام أحمد عن أبي عمار: حدثني جارٌ لجابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله فسلم عليّ، فجعلت أحدّثهُ عن افتراق الناس، وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا)([7]).

آخر تفسير سورة النصر، ولله الحمد والمنة.

هذا الحديث في رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هكذا: (إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا وسيخرجون منه أفواجًا)، هو ضعيف، لا يصح من جهة الإسناد.

وقوله -تبارك وتعالى-: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ابن جرير يقول: فسبح ربك وعظمه بحمده وشكره على ما أنجز لك من وعده، والصيغة التي تقال في هذا كما جاء في هذه الأحاديث، -والله تعالى أعلم-.

 

وقوله -تبارك وتعالى-: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ابن جرير يقول: فسبح ربك وعظمه بحمده وشكره على ما أنجز لك من وعده، والصيغة التي تقال في هذا كما جاء في هذه الأحاديث، -والله تعالى أعلم-.

 

ولابن القيم كلام قصير في هذا الموضع يحسن إيراده، وذلك لما ذكر كلام ابن عباس، واستنباط ابن عباس: أن ذلك أجلُ النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه نعيت إليه نفسه، يقول -رحمه الله-: "وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد، فإنه -سبحانه- لم يعلق الاستغفار بعمله، بل علقه بما يحدثه هو -سبحانه- من نعمة فتحه على رسوله، ودخول الناس في دينه"([8]).

قوله: "بعمله"، يعني: مثل الصلاة، فإذا صلى يستغفر، أو إذا انتهى من المناسك يذكر، أو نحو ذلك، فلم يعلقه بعمله هنا، وإنما قال: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ يعني: بأمر يفعله الله -تبارك وتعالى- ويوقعه.

وقال -رحمه الله-: "بل علقه بما يحدثه هو -سبحانه- من نعمة فتحه على رسوله، ودخول الناس في دينه، وليس هذا بسبب الاستغفار"([9]).

يعني: هو لا يستغفر من شيء فعله الله -عز وجل-، أي: من إيقاع النصر، ودخول الناس في الإسلام أفواجًا، فهذا إنما يكون بهداية الله وتقديره، وليس من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقال -رحمه الله-: "فعلم أن سبب الاستغفار غيره"([10]).

يعني: غير ما فعله الله -عز وجل-، فليس هو: الفتح، ولا دخول الناس في دين الله، فإن هذا ليس هو موجب الاستغفار.

يقول في بيان سبب الاستغفار: "وهو حضور الأجل"([11]).

هنا يبين الملحظ الدقيق الذي أشار إليه، وهو: أن ابن عباس -رضي الله عنهما- توصل إلى هذا، أنه لا يستغفر من شيء فعله الله من دخول الناس في دين الله، فهذا ليس من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذًا فسبب الاستغفار هو: حضور الأجل.

وقال -رحمه الله-: "وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح، والاستغفار بين يديه؛ ليلقى ربه طاهرًا مطهرًا من كل ذنب، فيكون قدومه مسرورًا راضيًا مرضيًّا عنه، ويدل عليه: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، وهو -صلى الله عليه وسلم- كان يسبح بحمده دائمًا، فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح، ودخول الناس في الدين أمرٌ أكبر من ذلك المتقدم"([12]).

يعني: مما كان يفعله -صلى الله عليه وسلم- في آناء ليله ونهاره قبل الفتح.

وقال -رحمه الله-: "وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية، فأمره بتوفيتها"([13]).

يعني: يكون بصورة أكبر وأكثر.

وقال -رحمه الله-: "ويدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج، وقيام الليل، (وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا)([14])، وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين"([15])، فعلم أن التوبة مشروعة عقب الأعمال الصالحة، فأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالاستغفار بعد توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة، والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجًا، فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأداها، فشرع له الاستغفار عقيبها"([16]).

هذا حاصل ما ذكره ابن القيم -رحمه الله-، والله أعلم.

والاستغفار يكون في نهايات الأعمال، وإنما كان استغفاره لأمر يتصل بعمله هو لا بعمل غيره، إذًا سبب الاستغفار هو ليس الفتح ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وإنما هو هذه الوظيفة والعمل المتواصل الذي انتهى بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا، فحصل سبب الاستغفار، وأعني بالانتهاء هنا: أنه بلغ التمام والكمال؛ ولهذا قال الله -عز وجل- له: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي المائدة:3، وقد مضى هناك كلام ابن جرير -رحمه الله-: أن المقصود بإتمام النعمة: أن أقرهم بالبيت الحرام وحدهم دون غيرهم من المشركين، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فهذا إتمام النعمة، وأما إكمال الدين ففسره ابن جرير بإقرار دعائمه العظام، وشرائعه الكبار، وأصوله، وإلا فقد أُنزلت أحكام بعد هذه الآية، فالمقصود: أنه أكمل لهم دعائم الدين، وأركان الدين، وأصول الدين الكبار، وإلا فهذه ليست آخر آية نزلت من القرآن، وإن ظن كثير من العامة ذلك.



[1]- أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب التفسير، سورة النصر، رقم: (11649)، وهو في مسلم، في أوائل كتاب التفسير، رقم: (3024).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا "تواب على العباد والتواب من الناس التائب من الذنب"، رقم: (4970).

[3]- أخرجه أحمد في المسند، رقم: (1873)، وقال محققو المسند: إسناده ضعيف، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (3/1684)، رقم: (5969)، بلفظ مقارب لهذا.

[4]- أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود، رقم: (817)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم: (484)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء في الركوع والسجود، رقم: (877)، والنسائي، كتاب التطبيق، نوع آخر من الذكر في الركوع، رقم: (1047)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب التسبيح في الركوع والسجود، رقم: (889).

[5]- أخرجه أحمد في المسند، رقم: (24065)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم: (484).

[6]- أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب من شهد الفتح، رقم: (4302).

[7]- أخرجه أحمد في المسند، رقم: (14696).

[8]- إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/266).

[9]- المصدر السابق.

[10]- المصدر السابق.

[11]- المصدر السابق.

[12]- المصدر السابق.

[13]- المصدر السابق.

[14]- أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، رقم: (591).

[15]- أخرجه الترمذي، أبواب الطهارة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما يقال بعد الوضوء، رقم: (55)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (1/ 95)، رقم: (289).

[16]- إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 266 - 267).

مواد ذات صلة